هــيــئــة الــتــحــريــر

كــــتـــــابـــــات

الكتابات المشاركة تمثل رأي اصحابها

انــــــتــــــم

صــحــيــفــة عــامــة مــســتــقــلــة

الــبــدايــة

المالك ومـراقـب الـتـحـريـر

تحتضن الرأي وتساند الرأي الآخر

1 ايـــلـــول 2002

ايـــاد الـــزامـــلـــي

مسائية يومية تصدر الساعةGMT21:00

E -  kitabat@kitabat.com

الصفحة الرئيسية محاور بحوث ودراسات 31  كانون الثاني 2004 كتب الارشيف كلمة التحرير

القط زوربا العظيم

كتابات - أيـــّوب 

رسالة من قِـط ْعراقي

( 1 )

كتب القط { سُنبل } الذي لقب نفسه بالناجي بعد انقلاب 9 نيسان رسالة الى عمه فهلوان الذي ترك العراق من أعوام وأعوام .

ميو عليكم ورحمة الله وبركاته

ميو ميو .. آهٍ يا عم ميو ميو

أما بعد فأكتب اليك بعد ما آن الأوان وأنزاح ذاك الطغيان لأحكي لك عمّا جرى عمّا كان . أذكر كيف تركتنا ولم نزل قططا ً صغار بالكاد نبصر النور في دهليزٍ تحت الحمام ، وقتها قررتَ السفر وتنبأت بالخطر وهممت بالرحيل على ظهر شاحنة لحمل القمامة متخفيا ً كأنك تمثال مع كوكبة من قطط العراق ، عاد والداي ليلا ً أبي غضبان وأمي منهكة من البكاء على فراقك فقد كانت ميالة نحوك في مراهقتها ! فتنها ذيلك المنتصب وشاربيك الدقيقين وقفزاتك الرشيقة من برميل زبالة الى آخر ، لكن في شباط الشؤم ووقت الشبق جاءت تلك الأحداث المؤلمة التي فرقت بين القط والقطة ومن دهليز الى خرابة الى برميل حالت الظروف دون لمّ شملكما فاضطرت مرغمة أمي بالارتباط بوالدي زوربا خوفا ً من الضياع أو الالتحاق بمعسكرات البعث ! كانت تحكي حكايتها لنا كل ليلة قبل نومنا حتى حفظناها صما ً .

مرت الأعوام وجاءت سنوات الحرب وحكم الجلاد وصرنا نتحول من مكان الى مكان هاجرين دهليزنا الأول مرتع صبانا ، ولكم اشتقنا الى تلك الأصوات التي كنا نسمعها من الحمام من شعارات ضد الطاغية وأغنيات معادة وفي بعض الليالي كان زوربا الأب يأمرنا بالنوم باكرا ً ليستلقي  منتعشا ً يسمع من فوق ما لا يريد أن نسمعه !

استقر بنا الحال يا عماه بعد التنقلات والتسفيرات في تنور مهجور هجرته العائلة لندرة الحطب وغلاء قناني الغاز أو لسبب آخر قد نجهله ، كان مكاناً ساحرا ً ورائحة الخبز أزكمت أنوفنا السوداء . كنا دوما ً نتساءل تُرى لم هجروا هذا المعبد ؟ أهو رحمة بنا ؟ فهل تـُنكب فئة لتعيش أخرى ؟

بدأت أمي تعطينا أول دروسها في كيفية الاختباء والقنص وتجنب الحجارة والنعال ! نعم يا عم صار الناس يحاربونا في قوتنا بل صار بعضهم يتسلى بقتلنا وتعذيبنا { ميو ميو عم ميو ميو } بدأ العنف يدب الى النفوس وصارت عمليات اغتيال القطط وبطرق وحشية متنفسا ً للناس من وجعهم المكتوم الممنوع من الإباحة ! في ليلة واحدة من ليالي بغداد قام مراهق نزق بقتل ثلاثة عتاوي من خيرة شبابنا بعدما حاصرهم في برميل وأدخل النار عليهم !!! فاستشهدوا خنقا ً حرقا ً في واحدة من التجاوزات الخطيرة المهددة لبقاء نوعنا !

ثم ما ذا يا عم ؟ خفت مطاعمنا وقلت سرقاتنا إذ صار الناس يطبخون حتى أحشاء الدجاج وبقايا بقايا الخراف ! كانت أشد معاناتنا ونحن نقف على سياج أحدهم وقد شرع في ذبيحة يقطعها أوصالا ً ويلملم ما يقع على الأرض خشية أن ننال منه في تراجيديا من العذاب والبؤس والحرمان { كل هذا اللحم !!! يا للبشر } أما في الأحياء الفقيرة والمناطق التي سُحقت بالإرهاب والجوع والخوف فكان مرورنا بها ضربا ً من المستحيل كأننا نمر بالمعركة فالكل هناك يضرب من عجوز مقوسة الى شيخ بعصاه الى أطفال ٍ بلا منازل !   

ضاقت بنا الحياة وأخواتي مللن الفقر وقد تخصرت بطونهن وذبلت وجناتهن ولا خطيب يدق الباب عليهن ، أبي كان يرجع كل ليلة خالي الوفاض إلا ّ من عظام يدعي أننا لا نرى بقايا اللحم عليها في ظلمة التنور ! وذات ليلة تأخر والدي زوربا عن موعده فقد خرج من الظهيرة عازما ً على أن يُعشينا من أدسم الطعام وإن كلفه ذلك حياته !

ظلت أمنا ترّوح عنا بقصصها المملة وذكرياتها مع الفئران والأسماك وبقايا الطعام ... حتى اخترق صوت والدي مسامعنا بعد نصف الليل وهو يصرخ ويئنّ ويطلب المساعدة !!! أصيب زوربا بصميم كرامته حين دخل علينا مذهولا ً يرتعد ويدور على نفسه فقد قطعوا ... ذيله ... قطعته الأيادي الباغية ! كان يصرخ نحو السماء :  ميو ميو أويلي  ميو ميو  قطعوا ذيلي ... ميو ميو على الدنيا بعد ذيلي السلام   

تغيرت ملامح والدي بعد أن نتفت شواربه وتورمت أذناه وهو يدور على نفسه ليلحس جرحه كالمجنون ، لقد تحول والدي للأسف الى أرنب ! وقصته حكاها بعدما استقرت حالته وتناول رأس سمكة كانت أمي أخفتها في خزانتها لساعة العسر !

كان والدي قد شخص القصاب في نهاية الزقاق وما بمحله من معاليق للخراف من عشرة أيام يتربص ويتخفى ويضع خطته للنيل منه ! خطته تقتضي أن يخترق المحل من الباب الجانبي حيث يكون القصاب مشغولا ً بنقل الأشلاء الى البراد ثم يدخل ويقفز الى الخشبة العظيمة ومنها الى المعلاق ، وكان له ما أراد لكن ما لم يكن في الحسبان هو سطح الخشبة الذي كان مشبعا ً بالدهن فانزلق المسكين منها ! هوى الى كفة الميزان وصراخه أفزع القصاب { نيــــــو ........ نيـــــــو } من هول الصدمة نسي والدي صوته الأصلي ميو ميو ! ومن الكفة النازلة بسرعة الى فتحة بجنب البراد لينتظر الأقدار ! يقول والدي أغلق القصاب الباب بعدما نادى على ثلاثة من الشباب ! وأخبرهم بوجودي قرب البراد .... ميو ميو آه ٍ ميو ميو ! اقترب أولهم وخلع نعله المُعاد وهو يصرخ { وينه وينه ؟ } وتناولوني بنعالهم ورفسهم وجعصهم ! لقد ضربت أطنانا ً من الضربات حتى كادت أرواحي التي بين جنباتي تخرج لولا خروج أحدهم أبصرت بالكاد فتحة الباب لملمت نفسي وقررت الخروج وإلا ّ فأنا والموت ، خطوة ونعال !خطوة أخرى نعال آخر ! تناول القصاب طبرا ً من خاصرته ، نصف جسمي كان في الخارج أنه الفرج ... لكنه رمى وشلت يمينه مما رمى { روبن هود خوما روبن هود }نعم أحسست بلسعة خلفي وألم سرى من ذيلي الى ظهري الى رأسي ! صرخت عاليا ً { نيـــــــــو أويلي نيـــــــو } نعم لقد قـُطع ذيلي وفررت مذهولا ً في الأزقة قد تاهت مني الطرقات وتكاثر في رأسي الضجيج ،إن النعال من الأسلحة المحرمة فكيف يضربوننا بها أكمل والدي حكايته بتلك القطط التي مرّ بها وهي تسخر منه ولا تواسيه ! حقا ً يا عم فقد زوربا ذيله ... وفقد هيبته .

وفي الغد سأحاول كتابة رسالة أخرى لأكمل لك بعض بعض ما جرى علينا في غيابك .

وميو عليك ورحمة الله وبركاته    

( 2 )

ميو عليك يا عمي  وآمل أن تكون قد استلمت رسالتي الأولى حيث أرسلتها لك بالميو الالكتروني من فندق الشيراتون حيث مقر قوات التحالف التي تكن لنا الآن  احتراما ً لم نشهده من قبل !

بعد فاجعة والدي وما جرى له مع القصاب اتخذ قرارا ً خطيرا ً وهو فك وتشتيت العائلة ! حيث لم يقدر على تكفلنا ورعايتنا ، وأعطانا فرصة ثلاث أيام كي نختار مخادع أخرى ونتحمل مسؤوليتنا وقد رمى يمين الطلاق على أمي كي يريحها ويريح نفسه ! أصابنا ذهول وانتابنا الخوف من مصير مجهول وعالم يتربص بنا والأمّر من ذلك أنه في تلك الفترة صدر قرار من ما يسمى بـ { مجلس قيادة الثورة } ينص على تصفية قطط وكلاب بغداد حفاظا ً على نظافة العاصمة القط بخمسين فلس والكلب بمئة ! عجيب يا عم من دولة ٌ تسنّ قانون الموت وتشرع الإرهاب وتستأصل مفردات الحياة ! فهل نحن من خرّب جمال العاصمة ؟ أيُ أناس ٍ يحكمون هذا البلد ؟ أم أي مهازل ترتكب باسم الثورة والثوار ؟

كانت الكلاب رغم اختلافنا معها وعداوتنا الأزلية قد قررت أن تتحالف معنا في ذلك الظرف العصيب حيث العدو واحد والجريمة تشمل الجميع وبالفعل فقد تركنا كل خلافاتنا على جنب لنواجه تلك المأساة لنجتاز المحنة ! رأى والدي فرصته في تسليم نفسه لفرق الإعدامات المنتشرة في كل مكان ليتخلص من جحيم عوقه وبالفعل ورغم توسلاتنا وصراخنا قرر تسليم نفسه طوعا ً !  ودّعنا صباحا ً والدموع أنقعت الأرض ، وستظل تلك الأرض أرض التنور تذكر عبراتنا وحزننا ، تبعته بخفيه لأرى كيف يصنع وكيف سيكون حاله ، لم تزل كدماته وأذنه المقلوبة وعرجه في خاطري وهو يقترب من أحدهم ليستسلم وهو يردد تسابيحه ، انتبه الجلاد الى زوربا لكن تجاهله ورفسه ببسطاله! تعجب والدي { ميو نيو يمعود شنو القصة ؟ } دبّ السرور الى صدري فقد عرفت السبب نعم زوربا هو أرنب وليس قط !!! هكذا تصّور الجلاد ولم تمرّ فترة طويلة حتى صاح أحدهم { شيلو ها الأرنب ودوه لحديقة الزوراء !!! } استقر حال زوربا العظيم ذلك القط المهيب مع الأرانب وقد رضي بذلك متخفيا ً يكتم هويته ولعل الله يكتب له فرجا ً بعد حين في مأساة أخرى على معاشر قطط بغداد .

 ميو عمي ميو ........ أما حالنا نحن فقد قررت أخواتي نوسة وبوسة وكردوسة أن يصرن من بنات الهوى ويمتهن البغاء ! طلبا ً للقمة العيش أو كنيف يأويهن ولم أكن لأعترض لأني وبصراحة قد شُغلت بنفسي عنهن فخرجن في ليلة ظلماء كل واحدة من زقاق تحت نيران العدو وشبكات حراس الوطن ! ميو يا وطن ! ميو !

لم يبق إلا ّ أنا وأمي فقد خلت الدار من أهلها وراح زمن الخير الى غير رجعة وأمي جالسة مقرفصة على نفسها تغوص في خيال كوني يختزل كل آهاتها وحزن سنيّها وهي تطرق بذيلها الأرض ليطير الرماد المتروك من زمن ! وميو يا زمن يا من حولت القطط الشريفة الى بغايا ترتجف ! ودعتُ أمي والدمع ينزل من عينيها العسليتين وشممت شعرها الناعم لآخر مرة خارجا ً من فتحة التنور الى فضاء بغداد المرعب .

تُرى أي مستقبل رعب ينتظرني وأي قدر لعين يترصد بي ؟ وأنا أشم رائحة الموت في ليل بغداد الحزين وكأن الأرض تحولت الى بحرٍ من الغضب وساعات منع التجول وصفارات حراس سراق الوطن تخترق المسامع ! الساعة تقترب من الفجر أبصرت كلبا ً مقرفصا ً خلف أكوام ٍ من الخشب لفت انتباهي أنينه الرقيق ، لقد أصيب بطلق ناري أسفل فخذه فهرب نازفا ً حتى اختبأ هنا ، أجلسني في حجره وهو يشم شم بي وقدم لي عظمة كانت خلفه لألحس بقايا ما تبقى عليها وأختلط دمعي بريقي من هذه الحال فسبحان مغير الأحوال ! نصحني الكلب بالفرار من بغداد الى الأرياف أو الأهوار حيث طيبة الناس ووفرة الطيور والأسماك ! لكني لا أعرف الطرقات ولا أجيد جري المسافات الطويلة ، هزّ رأسه وقال لا مجال غير الفرار يا قط وأن أدركت ربعي أو وصلت جمعي فبلغهم مني أحر السلام وأجمل العوعوات وقل لهم { أخوكم راح بوله بشط ! }.

ميو يا عم تعبت وسأكمل في رسالة أخرى وميو عليك ورحمة الله وبركاته.

( 3 )

اليوم يا عم سأحاول ختم ميواتي اليك ، ذاك لأن الطريق الى مقر التحالف صار مزعجا ً هذه الأيام من رواده ومملا ً من وجوه بعض الهتافين أمامه بشعارات وطلبات غريبة ، ميو يا عم لا أدري ما ذا تريد الناس ؟ ولا أدري ما أصابهم ؟ ميــــــــــــــو ... المهم :

تركت الكلب وهو يضرب الأخماس بالأسداس راكضا ً نحو المجهول ورائحة البارود تحتضن الأجواء كل الأجواء ! بلد الحروب والمآسي صار هذا البلد ، ومع الوقت تحولنا الى حيوانات نباتية أو نخالية { من أكل النخالة التي هي بقايا الطحين } فتصور المأساة يا عم وأنت ترى قطا ً يعلسُ أوراق الخس أو يعالج تمرة  زهدية لا يدري أيأكل النواة أم التمرة ؟ مرة كنت في طريق قرة تبة ورأيت مجموعة قطط خضراء ! وأخرى تصيح ماع ماع بدل من ميو ميو! هذا الزمن أبدل حتى ألواننا وأصواتنا ولا ندري الى أي حلقة سنتطور إذا استمر بنا الحال ؟ مجموعة أخرى تبرعت بأسنانها للمجهود الحربي فقد اكتفت بمص ما يُمص ُ من الغذاء في واحدة ٍ من منجزات بطل التحرير القططي ! واحدة من أخواتي قبضت عليها سرايا فدائيي صدام وأمروها بالرقص ليلة كاملة ثم حكم عليها بالموت نفخا ً ! نعم نفخوها من فيها حتى صارت بالونا ً وربطوها من ذيلها بخيط في إصبع النزق عدي ، ليلتها كان مخمورا ً وبفمه الأعوج سيجار هافانا النفيس وحين انتشى أطفأ سيجارته ببطنها لتطير في الهواء وتفش فشة ً طويلة وتبتعد عنهم مودعة الحياة ! ميو يا عم نحن معاشر القطط عانينا الفضاعات على يد هؤلاء ، وأخواتي الأخريات وفقهن الله وأصبحن هشّك بشّك في نادي ليلي يرتاده هرر وعتواي القيادة الحكيمة .

أما أنا فيا عم ميو عما أنا ! مرّ ثلاثون شباطا ً ولم أدخل الحياة ولم أنل مرادي والمصيبة أن ذيلي أصابه العنن وملامحي صارت كملامح كنغر هزيل وكلما اقتربت من قطة قالت أتركني مخطوبة أو هل تملك برميل زبالة  ؟ أو حفرة تحت خرابة ؟ وقد مضى على تقديمي طلب الحصول على برميل من المؤسسة العامة للزبالة أكثر من عقدين ! أقضي ليالي المرهقة بالتفرج على صور مادونا وليلى علوي من بقايا الصحف أو الجلوس خفية تحت مقاعد المقاهي ! ميو يا عم قطـٌ لم يُقـَبلْ قطة في حياته ؟ أي حياة ٍ هذه ؟

يا عم ميو ....

وصلتنا أخبار استعدادات التحالف وتحديات البطل المسعور كنا فرحين  فرح الناس الذين نسمعهم في جلساتهم والكل يترقب وقوع هذا الحدث القادم ، العجيب أن هناك قططا ً سوداء غريبة تحلم وتتمنى بقاء الجلاد تلك القطط السمان المتورمة من أكل السمك والغزلان تبكي لما ستؤل اليه الحال ! وصدقت الرؤيا وانقلب الحال وهزم جيش البعث والقطط السوداء بفعل بساطيل الحلفاء حتى صار القط الأسود يصبغ لونه بالأخضر وصار الآخر يشد خاصرته ليوهم الحلفاء بأنه من القطط المظلومة ! مع فجر التاسع من نيسان توجهت الى تنورنا القديم لكني أبصرت النار من بعيد ورغم هلعي وحزني على أمي فرحت إذ عاد الناس يخبزون من جديد ، مع زحمة الناس الهاتفة الثائرة توجهت الى حديقة الزوراء لعلي أستشف أخبار والدي في معتقله القسري ! لقد كُسرت الأبواب بفعل كائن ما ! فطارت الطيور والنسور الهزيلة الجوعى اعتلت الغيوم في رقص سماوي مهيب وكذا الأرانب دبت فيها الحياة وهي تنطنط في شوارع بغداد بعضها كسيح وبعضها يسند بعضا ً الكل خارج من حديقة الأسر وكأنهم جراد منتشر إلا ّ أنا فأخالف الموج داخلا ً مذعورا ً فرحا ً حزينا ً لا يسع الكون تأملاتي ، ميو ميو وهم ميو أصرخ بصوتي المبحوح { زوربا أبي زوربا أين أنت ؟ } لا أحد يقف ويعطيني الجواب فالكل مشغول وعجل ومشتاق لحد الجنون الى الحرية !!! قرود هزيلة وكلاب كسيحة وحمامات ترتجف وصقور بالكاد تطير ، ثم يهدأ المشهد لأجوب ذلك المعتقل الرهيب لقد عاش بنو جنسنا سنين عذابات ها هنا وفي لحظة صمتٍ سمعت خشخشة أحراش يابسة خلفي والتفت ويا ميو لما رأيت كان زوربا العظيم وقد افترش الأرض كسيحا ً قد تغيرت ملامحه وهدته سنين السجن غارقا ً في بحر من وريقات الشجر بالكاد يرفع جفنيه اقتربت منه بذهول وعجل وضممته الى صدري صارخا ً

: أبي زوربا سقط التمثال سقط التمثال !

لكن زوربا قد صار شوربا من أكل الحشيش ولفّ التتن ! وقد خطّ بأظافره على أوراق الكالبتوس مذكراته ليلة بليلة وفي الوريقات القريبة منه خراميش بزون وعبارات غير مقروءة ! آهٍ يا أبي يا زوربا قد اخرّف وفقد ذاكرته ! وصار لا يعرف الميو من النيو من الماع ! ميــــــــــــــــــــــــــو عمّاه ميو حملت ذلك الشيخ الكسيح لأعود به الى بغداد بعد أن تحررت من القطط السوداء وأنا أصف له الحال بينما هو غارق في أندلسياته يغني ويطقطق بأصابعه : 

{ مروا بنا من تمشون .... بلجي على حالي تحنون }

ميو يا عم تحررت بغداد وخمدت أصوات الطلقات وألغيت القرارات الجائرة وعادت البراميل تأوي القطط والعتاوي وبدأ زمن جديد في التاسع من نيسان .

فكـّر يا عم ّ بجد بالعودة الينا فنحن بانتظارك على أحر من الميو .

وميو عليك وعلى كل من لاذ بك واستجار بمخدعك ورحمة الله وبركاته .

***

مذكرات القط زوربا العظيم

 وتستمر الحكاية .........

حمل سُنبل أباه الى المستشفى الميداني لقوات التحالف لتستقبله الشقراوات ويوسدنه في برميل خاص حيث ربطن ذراعه بماء الباجة المغذي ، وقدّمن له وعلى الفور علبة سردين ساخنة ليتناولها بشراهة ، طلب أخرى وأخرى وطلب قوطية كولا مع قصبة  ثم أمرهن بالخروج ليخلد الى النوم الذي فارقه منذ سنين !

هرع سُنبل عائدا ً الى حديقة الحيوانات ليلملم أوراق الكالبتوس التي خط عليها زوربا مذكراته قبل أن تصل اليها أيادي التلف المشبوهة.

في طريق العودة صادف بيتا ً لأحد عتاوي القيادة المخروعة قد خلا من ساكنيه فأخذ إذنا ً من دورية قريبة منه كي يسكنه لحين ميسرة ! دخل وأغلق باب الغرفة وبدأ بترتيب الأوراق وفك شفراتها .......

يقول زوربا العظيم في مذكراته :

بعدما رفض الشرطي قتلي وأمر بتسفيري الى حديقة الزوراء مع أحد الحرس داخل كيس قمامة أسود رفض حارس الحديقة أيضا ً استلامي مشككا ً بأرنبيتي وهمس في أذن الساعي باحتمال أن أكون قطاً متخفيا ً ! وأنا من داخل الكيس أصرخ بميواتي طالبا ً الانتحار ! فقرروا تسفيري الى معتقل القطوانية الرهيب للتحقيق معي.

معتقل القطوانية مكان رهيب مخيف قاس الى حد الموت ، وما أن استلموني حتى أخرجوني رفساً جعصا ً دون أن يعرفوا تهمتي أو هويتي ليحبسوني في تنكة دهن راعي مزنجرة مشبعة برائحة الدهن والتراب بينما جعلتها حرارة الشمس كفرن صمون ، أغلقوا القبغ عليّ ولم يكن أمامي خيار إلاّ الاعتراف والموت بطلق ناري راحم ! لكن مشاهداتي من ثـقب التنكة غيرتْ استراتيجيتي ! فقد رأيت فيما رأيت من فضائع أن ديكا ً جميلا ً باسقا ً اعتقلوه لأنه أزعج أحد الرفاق بصياحه فجر الجمعة فقرروا قطع عرفه وهو يستغيث ويصرخ  { بأي عُرفٍ تـُقطع الأعراف ؟} ولم يكتفوا بذلك بل حكم عليه بالحجز سنة مع تدهين دبره بالمحكان كل 6 ساعات حتى لا يقوى على الصياح مرة أخرى ( لا هواية اعترفنا ! ) أما الأفعى المسكينة التي وجدوها في أحد مزارع صباح مرزا فقد حاولت الاختفاء والتنكر بين صوندات المزرعة لكنهم ألقوا القبض عليها وسفروها الى هذا الجحيم حيث كان السجّان يتسلى بها طيلة الوقت ويأمرها بالرقص حتى أصيبت بالدسك في فقراتها وحكم عليها بأن تصير تطوالة بوري في مجرى الماء ! وحماراً حساويا ً مسكينا ً كانت تهمته غريبة ففي أحد أيام الصيف المنصرم حُمّل أسفارا ً وثقلا ً رهيبا ً قد هدّه الجوع والعطش والحر وضرب السياط ، وحين مرّوا به بمزرعةٍ للورد تابعة لسجودة سال لعابه وداهم عطر الورود أنفه وصوت الأحراش أذنه وهو لم يذق الخبز اليابس منذ ثلاثة أيام فالتفت وبغفلة من سائسه ليقضم باقة زرع أمامه خارج سياج المزرعة وقبل أن يعلسها صرخ حرس المزرعة به ! أتهم على أثرها أنه من أعداء البيئة و الطبيعة ! فتحول في المعتقل الى حمار وحشي من أثر السياط

وأ ُمر بقراءة وحفظ كتاب المؤتمر القطري الثامن لحزب البعث !

أدركت أن الموت هنا هو السعادة والخلاص لكنه لن يكون هدية سهلة فجولات التعذيب وصنوف التنكيل تجعلك تفكر ألف مرة قبل البوح باعترافاتك والموت هنا هو ليس الموت القدري الذي كتبه الله بل هو العَـلسُ بعينه ! فقررت أن اكتم هويتي وإلا ّ فانا والعذاب وما لا يُطاق .

***

يقول زوربا ...

مضى عليّ الآن أكثر من 36 ساعة داخل تنكة دهن الراعي ولم أعرف مصيري ، ومن قلق ما أسمعه وأشاهده شاغت أرواحي واستويت الى درجة المَوَعانْ ! نادى أحدهم

: جيبوا التنكة خلي نفهم سالفتو !

أخرجوني وربطوا عيني بشريس لزاك وأحدهم يدور حولي مدققا ً بتفاصيلي يقلبني يمنة .. يسرة .. فوق تحت .. كأنه يبحث عن رقم الشاصي!

: ها يوبة شني هاذ عجل ؟ قط لو أرنب ؟

تسارعتْ دقاتُ قلبي وبدأ الخوف يزحف في جسدي ومناظر التعذيب لا تفارقني ، إذا ً هو دَوري ؟ وعليّ دارت الدوائر ! زمجرَ المحقق بصوته الأعوج

: كَول ياوَلْ من يا عَمام أنت ؟

{ يا عَمام ؟ يا نِعلْ ؟ انعلسنا والعباس ! } كان مصدر الصوت متحركا ً ولم أعرف كيف أجيب ، أأقول قط  فيسلخوا جلدي الجميل ؟  أم أقول أرنب وهذا يحتاج لدليل ؟ أم أقول أني سميدعٌ ؟ كلا ّ ولا حاشى لمثلي أن يُقال سميدع ُ ، مرتْ خواطرُ رهيبة في جمجمتي تذكرتُ طوفان نوح وحروب الهكسوس وسلمان المنكوب ، إنّ ظلم البشرية يُحاصرني وأنا أسيرُ هذا المحقق الأرعن من كوكب الأرض المهزوم ، آهٍ يا بشرية يا واضعي قوانين حفظ النوع يا حمورابي يا عزيزة جلال أين أنتم مني ؟ ليت الغراب الذي نعق على العراق عار ٍ عن الريش لا تأويه أوكارُ !

كان لابد من جواب وأي جواب ، جمعتُ قواي ومَصصتُ ريقي لأنطق حروفي ..  لكن صفعة الجلاد على رأسي أربكتي أكثر وأكثر

: أحجي يا وَلْ عَبدْ ! شنهو أنت ؟

: نعم نعم سيدي ... أنا ... أنا ... قِطنبْ ! قَرنَبْ ! طرنيبْ ! الله يخلي الريس الله يطول عُمرو ! بالروح بالدم نفديك يا صدام !

: شنهو قرنيب ؟ شنهو طرنيب ؟ .... أجلبوا لي الاسبرتو !!!

تفاءلت فلعلهم سيطهرّون جروحي ! لكنهم ما طهروا جروحي بل دهنوني بالاسبرتو ! فتحولتُ الى كتلة هلامية تشع بالنور البنفسجي الهاديء . أمرهم بفتح عينيّ فاختفت رموشي لاصقة باللاصق ! لأرى وجها ً عفناً كأنه من بقايا سلالات النسانيس المنقرضة ! يا إلهي .. أمثلُ هذا يُحقِقُ مع زوربا العظيم ؟ سيجارته المستوردة بين اصبعيه ، رماها نحوي مرددا ً

{ روح استفاد ! } !

يا ويلي يا ويل زوربا وأم زوربا ! ألأجل هذا خلقنا الله ؟

قهقهاته تتعالى بعد ما دبت النار فيّ لأتحول الى شعلةٍ وهاجة صارخا ً بالأثير بالكون بكل من له ضمير

: يا لظلامات البشر !

هدأتْ النار وتلاشتْ في ثوان وتلاشى معها شعري وعلت رائحة مني ذكرتني بباجة الحاتي ! شعْوَطني اللعين ! فقررتُ البوحَ بِسِري وعلى الدنيا السلام !

: سيدي آني ... آني .... مرت عربة قربَ المُحقق فتوجه نحوها ليسأل السائق

: شويتو البزازين زين ؟ ترة الأسد مال الاستاد يزعل يوبة !

: لا ..لا .. سيدي صلخناها و سلكََََََََناها وشويناها على نار هادية !!!

عاد لي المحقق : أي عجل شرتد تكول ؟؟؟

: آني أرنب ... إني أرنب ... وبدأتُ أنطنط وأحفر الأرض واستقمت على قدميّ عاكفا كفيّ الى صدري

: أرنب بالمغارة  أرنب ما يكدر يمشي أرنب مسكين مشوش أرنب نط.. نط 

سألني : تاكل جزَرْ ؟ { هو وينة الجزر ؟ }

: بَسْ جزَرْ ؟ حتى فلنجات مسكوفيج آكل ! { صَلخْ ! سَلكْ ! شَويْ ! } ثلاثية القدَرْ هذه تفتح أمامك خيارات وإبداعات لا حصر لها .

: أذناك لم صغيرتان ؟

: واحدة طارت في معركة الشلامجة ! والأخرى بترها فدائيو صدام سهوا ً وكتاب الاعتذار موجود .. أروح أجيبه سيدي ، وراس القائد أرجع .

: ...... ولـَكْ ! زين اسنونك ليش مو طوال ؟

: انضربت بوكس حديد بفضوة عرب ! 

 أحرجني بسؤال عقائدي : كيف ومتى تتزاوج الأرانب !!! هاي شتحطله وتطيب ؟

تصور وسط كل ذلك الجحيم وتلك الصراخات ورائحة الدم والظلم يأتيك مستهتر لا يساوي نَعلا ً ليستخف بك ويسألك عن دقائق الأمور ! أي سَـقـَطةٍ تقيأتها البشرية لتحكمنا ؟

: سيدي أولا ً أنا ممن نذر نفسه للحزب وقد طلقت الحياة فداءا ً للمباديء وأفنيت شبابي في جبهات القتال فداءا ً لعيون الريس! ثم تسألني عن الحب والزواج ؟ هذه مفردات ُ المفلسين ومفرداتنا هي القادسية والأرض الأرض والكيماوي وكل شيء من أجل المعركة !!!

كأن الحمار صدّقني أو لعل الله أراد ذلك فأمر بتغيير تنكتي الى صندوق شاي سيلاني .   

 

***

 { أقبل الليل وناداني حنيني }

 { وسرت ذكراك طيفا ً هام في بحر شجوني }

داخل صندوقٍ أسود لا أعرف ليلي من نهاري لا أعرف قدَرَي ومآلي أحتضن ألمي بصمت موجع ٍ وألحس أطرافي لتسكن أناتي آهٍ أيها الإنسان المتسلط كم من الحب فقدتَ حتى صرت هكذا ؟ تذكرتُ عائلتي وقططي ورفاقي لينهل دمعي ساخنا ً أكفكفه بكفي الجريح . سمعتُ صراخا ًمألوفا ً كان صوت قطة وكأن الرفاق يجروها للمقصلة ! آهٍ يا وجعي كانت ابنتي فلذة كبدي تستغيث !

مع الصباح دخل كردوسٌ من العساكر وبدأت البساطيل تنهال علينا ، رفسوا صندوقي أخترق ضوء الشمس عيني الكمدة بالكاد أفتحها أتعثر في خطواتي أرتجف من هزالي وضعفي ربطوني بجنب بطة بجنب سلحفاة بجنب حمل ٍ وديع والسلسلة تطول وتطول الى آخر المعسكر ، الكل مطرقٌ برأسه الى الأرض وفق الأوامر . جاء حراس سراق الوطن لينتشوا أمامنا كأنهم أعجاز نخل خاوية { يا رب لا تبق لهؤلاء باقية } سيظل معتقل القطوانية وصمة عار في جبين البعثية وستظل تلك الرؤوس المطرقة شامخة كالنخيل رغم هوانها ! وبدأت الملحمة بقراءة الأسماء والأحكام ! محكمة للشعب على الهواء ! بلا محامين بلا حقوق بلا تفاصيل ! 

السلحفاة ! تُفصل عن درعها وترحل الى معسكر الحرس الخاص

البطة ! يُنتف ريشها وتبقى عارية !

الحمل ! يُرحل الى مختبرات البايولوجي في الشرقاط !

الصرصار ! يُحبس في قنينة قلونيا فارغة لمدة سنة مع مصادرة أمواله المنقولة وغير المنقولة ! دردمَ مع نفسه : { هسه آنه من حُور أموالي أشو مكضيها تسخيت بالبلوعات } !

........ !

........ !

أصبت بالغثيان من هكذا أحكام ومن هكذا حال ! حُكم على مجاميع أخرى بالتلف أو ما يسمى بعرف الدول الإبادة الجماعية

وصلني الدور ونادى بي الجلاد

: مؤبد في سجن الأرانب مع الأشغال الشاقة !

سجدتُ شكرا ً لله على الفرج وانتهاء المحنة وتذكرت فريد شوقي في فلم جعلوني مجرما ً!

فهل انتهت المحنة ! أم أني مازلت في أول الطريق .   

التسفير ...

بعد إصدار القرارات الجائرة أعدّوا عربة الآيس كريم لنقلنا ! ومع رشقات السياط أصعدونا بعجالة الواحد تلو الأخر ومن يتلكأ يُرفس ويُجعص ببساطيل الحراس _ النشامى _ ، صرنا 60 نفسا ً من صنوف الأحياء بعدما أغلقوا الباب علينا ، والمأساة أن ابنتي كانت معنا في أول العربة لكن لا تستطيع محادثتي كي لا تكشف سري وهي تراني جالسا ً على قدميّ عاكفا ً كفيّ { فأنا أرنب ! } عجيب أمرنا صار السلام يعني الموت وصارت المصارحة مكلفة جدا ً فظلت المسكينة تجول بنفسها تدور وتدور تحاول كتم وجعها وشوقها وحاجتها إليّ وهي تنزف من جراء حالات الاغتصاب التي تعرضت لها ! كنت أحاورها بعيني وأبعث تنهداتي عبر أنفاسي وأشير الى السماء عبر شباك صغير { الله كريم } .

سارت العربة بنا ونحن نودع مقبرة الموت في القطوانية تاركين خلفنا إرثا ً حزينا ً ومأساةً لا ندري متى ستكتشف ! أهذه مكرمات الرئيس ؟ أهذه أهداف الحزب والثورة والقيادة ؟ تبا ً لها من قيادة وتبا ً لكل من زمّر وطبّل وهتف وكتب لهؤلاء القتلة السَقَطة . في طريق المجهول كانوا ينزلون من أفراد مجموعتنا كلٌ حسب تهمته فمنهم من سيق الى معسكر تدريب الفدائيين ليجربوا عضلاتهم عليه ومنهم من تشرف بمختبرات الموت ومنهم من أرسل هدية الى أحد الرفاق ومنهم من ينتظر ! حين سحبوا ابنتي أمامي صرختْ بهم وحاولتْ أن تخرمشهم لكنها بلا أظافر ! فاستسلمت لقدرها المجهول لتودعني بعينها كاتمة آخر كلماتها ، لم أتمالك نفسي وانفجرت بالبكاء مطرقا ً برأسي الى صدري ليربت الضفدع على ظهري

: همزين احنا مو بزازين عمي جان شيخلصنا !

فقلت في نفسي { اليدري يدري .. ولميدري يكول أرنب } أسكت عمي اسكت .

كانت تهمة الضفدع هي إزعاج القيادة ! حين نقّ ذات ليلة في أحد منتجعات عزت الدوري وحكم عليه ببتر لسانه وهو الآن في الطريق الى المقصبة ! تستمر العربة بالمسير ويقل العدد وتقل الحيلة ويخذلنا الصديق ويشمت العدو حتى جاء دوري وسحبت كرخقة مسح يحملني أحدهم من عنقي ويدخلني الى سجن الحيوانات في الزوراء ! صحت فيهم

: أهـــذه هي الزوراء ؟

استلمني حارس الحديقة وسألهم

: إذن هو أرنب وليس بقط ؟ بس وين شعرة وروموشة ؟

أجبته على الفور : هسة انت رايد اتزوجني بنتك ؟ ديكولك أرنب .. مَتفهم ؟

استلمني المجرم وهو يقلبني ويدردم : أرانب تالي وكت !

قلت له : اسمع آني أرنب بقرار من القيادة ! عندك مانع ؟

أكيد ومؤكد ليس لديه مانع أو اعتراض فهؤلاء الجبناء يبرزون عضلاتهم على المقيدين السجناء فقط أما أمام الرتب الأعلى فهم عبيد يلحسون أحذيتهم ويهبون أعراضهم لإرضائهم ! كم من المهازل رأيت يا زوربا العظيم ؟ وكم من الحزن احتوى قلبك الصغير ؟ اقترب من قفص الأرانب ورمى بي نحوهم .. ولتبدأ حكاية أو قل مأساة جديدة .

 الأرانب تحب المعاشرة والتزاوج والتكاثر ! وَدودة ٌ الى حد الملل ، أوُلى لحظاتي كانت حرجة تجمعت الأرانب حولي هذا يشمني وتلك تحتك بي وآخرٌ يحاول شمّ .... ! جُلت ببصري في المكان فشاهدت الحارس يراقبني من وراء نخلة ٍ ينظر كيف أصنع ؟ بادرت الى حضن الأرانب وتقبيل بعضهم والسؤال عن أولاد عمومتنا وأحوال أخولنا منطنطا ً معهم نحو جحرهم ملتفتا ً نحو الحارس مرددا ً

{ هذا الجزر كاتلني يا عمه }

 بدأت الأرانب تغازلني بالهمس باللمس بالنظرات باللفتات بالنط العجيب ! تركتهم ودخلت لأخلد الى راحة منسية في جحرهم الرطب نائما ً 17 ساعة فقط ! وحين أيقظني أحدهم صرخت به

{ ميــــــــــو مو هسة نمت ! شتريد ؟ }

حقا ً لم يكن شعوري بتلك الفترة الطويلة من الإرهاق والتعب الذي كنت أعانيه ، كانت لحظات الفجر تبزغ والأرانب مشغولة ما بين مسبح ٍ لله وراكع وساجد والكل يدعو بالفرج والخلاص من هذا الأسر الظالم .

مع الصباح مع أول فجر جديد على تلك الأطلال بدأت الأرانب تستعد لأمر ما ! وفهمت أن زوار الحديقة على وشك الدخول والحيوانات كلها تستعد لتتسلى بالداخلين ! جاء الحارس ومعه عربة عرجاء بصوت غثيث ليرمي كومة أحراش ذابلة من فوق السياج وحين صادفني

قال : نمت زين ؟ أرنب أفندي !

لم أتردد من جوابه : اشبيه السيد الرئيس ؟ وتكول رواتبكم قليلة !

جرّ عربته بسرعة البرق مبتعدا ً عنا الى زنزانات القرود . كان لابد من أكل الأحراش وأكل الحشيش والجت حفاظا ً على النفس المحترمة وتطبعا ً مع حال جديد في بلد الإرهاب الخرافي ، مع أول وجبة حشيش وأوراق خس اضطربت معدتي وأصابني المغص طلبت من أحدهم بطل ببسي ، كراش ، سينالكو ، عصير نِعل ! ولكن لا حانوت لمن تنادي وبالنتيجة أصبت بحالة تريعان دائم ! وحيث كانت الوجبة الصباحية تحوي بعض أوراق الفجل فكانت روائحي تقدس سرّ كل من يتقرب مني ! ثم أذن مؤذنٌ ودخل الناس أفواجا ً أفواجا ، وجوه كئيبة تبحث عن لحظة فرح وأطفال مشردون كأنهم من معسكرات الاعتقال يبحثون عن مرح كاذب ونساء سارحات في خيال ٍ بعيد بعيد ! اقتربتُ من الأسلاك لأكون قريبا ً من الأحداث مضطجعا ً كالنمر فتجمع الأطفال والشباب أمامي مندهشين من شكلي ووضعي نادى بي أحدهم

: أرنوب نطنط حباب !

التفتُ نحوه ببط ولا يزال ألم السياط يدغدغني وقلت له

: وحدك لو بس اتَ ؟

بغفلة مني أدخل أحد الأشقياء إصبعيه وقرصني ! قفزت مخروعا ً وتفاجئوا بصوتي ! ولتلافي الحرج نطنطت ُ وابتعدت عن الأنظار ، كان أحد الشباب يُزاحم فتاة في العشرين يطلب ودّها ويلاحقها كظلها حتى صرخت به أمام الجمع  :{ الزكت خوما لزكت ؟ }

 ليتقدم أحد المنتفخين نحوه وبدون مقدمات ناوشه بوكس ! فانتبه الناس وتقدموا نحوه وتكاثروا عليه حتى حولوه الى صلصة هاتفا ً بالجمع : ويحكم أي ذنب لي عليكم ؟ فرحَتْ الحيوانات وقهقهت وهي ترى صراع البشر على توافه الأمور وقد تناسوا الخازوق الكبير ! لقد تبين أن كل يوم جديد يحمل مشهدا ً مثل هذا من فصول المقالب أو المآسي ، وكانت الحيوانات تروّح عن كآبتها بالفرجة المجانية .

كانت النمرة البنغالية على وشك الولادة لكنها حزينة وقلقة فقد وصلها خبر ضمّ أولادها الى مزرعة المهووس عدي ! كانت الحيوانات النادرة تعاني من هذه المشكلة فلا يهنئون برضيعهم ولا بسعادة تربية أولادهم . قررت النمرة قتل أولادها قبل أن يُختطفوا ، ومع اقتراب ساعة الولادة والطلق دخلت كتيبة الخطف والمسكينة تتلوى والنمر يحوم حولها لكنهم أطلقوا عليه مخدرا ً ببندقية وسحبوه بعيدا ً عنها ولم تفلح محاولات الأم بعدما وضعت صغيريها بالحفاظ عليهما ولم تجرأ أيضا ً على قتلهما! فخطف الرضيعان وظلت الأم صارخة باكية تشكو لرب العباد من هذه الفاجعة !

كانت الأرانب تواسيها : مياخذون جهالنة ؟ 6 بدرهم !

مع مرور الأيام أدركت أني سأصاب بالاستحمار أو التصوخل لعدم وجود أي أمكانية للتثقف أو زيادة المعرفة ولأن الأرانب لا شُغل لها سوى العلف والتزاوج والتنطنط .

سألت الحارس ذات مرة : هل ممكن أن أحصل على مؤلفات ألبير كامو أو توليستوي !

أجابني بغبائه المعهود : وين يزيّن هذا ؟!

رجوته الحصول على أي كتاب أو مطبوع أو جهاز راديو فيجيبني

: هاي الإذاعة المركزية وتسمع بيها المفيد .

 كانت الإذاعة تبث على مدار الساعة الأناشيد الحربية والخطابات المملة للقائد الفذ حتى حفظناها ومللناها .

أبلغنا الحارس بأن يوم غد سنتشرف بزيارة خاصة للأستاد ! . 

يستمر سنبل بقراءة مذكرات والده القط زوربا :

زيارة تاريخية للاستاد عدي

أغلقت الحديقة أبوابها ثلاثة أيام بلياليها بعدما استوطنتها كتيبة تفتيش مجهزة بأحدث آلات الرصد والكشف عن الألغام ! والمتفجرات ! والسموم ! مع مجاميع أخرى بالزيّ الزيتوني علها كانت تبحث عن أسلحة دمار شامل !!! ومجاميع تتسلق الأشجار وتفتش ما بين الأوراق والثمار ! وكتيبة خاصة بتفتيش الحيوانات في أقفاصها ! لقد مررنا بلحظات صعبة جدا ًحيث فتشوا حتى .... ! ومع قرب ساعة القدوم دخلن نساء وشبان وأطفال من أقرباء الويلاد ! ليوهموا الإعلام بأنهم زوار الحديقة العاديين ثم فرش بساط أخضر طويل وقف الناس على جانبيه ينظرون قدوم قمر الزمان وشمسه عدي!

يقول زوربا : اقتربت من السياج والأسلاك لعلي أكون أول من يبصق بوجهه لكني صعقت من أثر الكهرباء الذي ربطوه به وعلى الفور اقترب أحدهم مني ليمد عصاه من فتحة السياج ويغمزني بها

: ارجع ياول جايف !

 رجعت مكسورا ً وأنا أكثر من قول

: والله ما كو جايف غير اللي جابكم من الشوارع يا سكط بن السكط !

نزل عدي من سيارته أو قل من مركبته الفضائية ! بزي عجيب غريب نعم كان يرتدي زي المهراجا بسروال فضفاض من كل ألوان الطيف الشمسي ونصف جاكيت ذهبي لماع وقميص طويل من حرير السند ! وعلى رأس { عمامة ؟ لا ، طربوش ؟ لا ، برنص برقع بَلمْ ؟ ... الله أعلم } فاتحا ً فمه على مصراعيه كأنه أثولُ من في الوجود وجماعته تزاحمه المسير ! بدأ يقترب من الأقفاص رويدا ً رويدا . كانت القرود قد استعدت لتقدم شكوى ضد الحرس لكن مع اقتراب الكاريزما منهم هتفوا بصوت واحد :

{ كل القرود تنادي       صدام عز بلادي }

ومجموعة أخرى انشغلت بدبكة انفعالية 

{ زيرة سه روكمان زيرة  زيــرة صدام زيرة } !

اقترب المهووس من قفصنا ورآنا على أريحيتنا لا دك ولا ركص ! نادى بجمعهم

: شبيهة الأئانب متئكص ؟ ليش مو فحّانين بيّ ؟

 ( كانت عقدته من أثر النِعال التي تلقاها في صباه أن يتأتأ في الكلام وفقدَ حرف الراء عند عبوره المانش ! ) أمر بقطع الطعام عنا مدة أسبوع فقط والحمد لله ! اقترب من الزرافة فانزعج منها

: هاي ليش الزئافة هلكد طويلة لازم تكَصئوها !

كان أحد المرافقين مشغولا ً بكتابة التعليمات وتثبيتها فكتب { الزرافة تتكَصر ! } صاحت الزرافة من ورائه : آخر فدوة استاد عدي هسة آني كرين وأنزّل السلايد !

كان النمر البنغالي قد اقسم أن يكسر القفص ويقتص من المجرم وحال اقتراب الموكب  زئر بهم وهاج ورمى بنفسه نحو القضبان مخرجا ً بهستيريا كفه ومخالبه وأنيابه البيضاء .. لكن يظل الحديد وتظل القضبان تحمي المجرمين ! أمر الأغبر بقلع أنيابه ليتقلدها .. وفعلوها به ! أي زيارة هذه من هذا الإنسان لهذه الحيوانات ؟ أي مهزلة نرى من بني البشر ؟ زعطوط ٌ مراهق بيده مقدرات البلد ؟

انتهت الزيارة وبدأنا جرد خسائرنا ما بين جائع ومشوه وشهيد ! إلا ّ الحراس الأنذال فقد أصابهم خيرٌ كثير لتملقهم وكذب ادعائهم بعبقرية الاستاد

يا عبقرية يا نعل ؟ اتكَول صخل أفغاني !

عُدنا أدراجنا الى حياتنا ومللنا وقد زهقت من مزاحمة الأرانب وطلبها الود والمعاشرة آهٍ لو كانوا يعرفون ! والحقيقة أنني أصبت بالتخشب والتشوش فأنا دم ٌ ولحم ومشاعر ولست براهب ! وهذه الأرانب وفروها الناعم تهيّج المسائل وتجعلك أهون سائل ! استخرت الله وقررت أن أدخل الحياة والشرّ الذي لابد منه وصار ما صار بعيدا ً عن الأنظار في ليلة تزاحمت فيها الأقمار بعدما تناولت قليلا ً من حليب السباع الذي يباع سرا ً من وراء القضبان

{ وضحكنا ضحك طفلين معا ً وعدونا فسبقنا ظلنا }

دخلنا الحياة وتقبلنا المُحال وكان من أمرنا ما كان . في أي أرض ٍ أم تحت أي سماء يحدث هذا يا بشر ؟ اختلطت الجينات وتزاوج الغرباء ! وحدث ما لم يكن بالحسبان ! نعم لقد وُلد جيلٌ بفضل القائد وظلمه وحكمه الله وحده أعلم به لا هم أرانب ولا هم قطط ، لا هم عمايم لا هم بُصل ، ساعة بزغ ساعة لطم ! نعم فهذه ضريبة الاحتلال وضريبة حكم الظلم والجهل والعنف والخراب حين يدوم ويدوم ونحن لا ندري الى أين ماضون ؟ نعم أنجبت زوجاتي الأرانب مخلوقات عجيبة بطبائع غريبة ، مرة يرقصون ومرة يصلون ! مرة مسالمون وأخرى شرسون الى حد القتل ! والمصيبة أن هذا الجيل من القرانب ! عاصر الجوع والحصار والكتمان والتخلف والجهل والخوف وكل الأمراض المعدية وغير المعدية ! وأنا قلق على مستقبل البلد منهم ! { يقول سنبل : هنا خنقتني العبرة إذ تنبأ الوالد زوربا العظيم بأمور حدثت حقا ً }

 تستمر السطور ............

مرت السنون وجاء شتاء وبعده شتاء ونحن على حالنا ، الأرانب تجتر الجت والحشيش وأنا أجتر همومي وذكرياتي وقد وجدت سلوتي بسجائر اللف التي أعدها من الأوراق اليابسة ولب الصمون وفي ليلة ظلماء قدحت بذهني أن أكتب سطوري هذه لعلّ من يجدها يترحم بنا أو يعلم بعض بعض وجعنا والمشكلة التي كنت أعانيها هي السرية في الكتابة وحفظ المخطوطة بعيدا ًعن علس الأرانب التي تعلس حتى صفحات الـ... ! شبح الجوع والخوف يُولّد ممكنات ويحفز طاقات في مكتوم الأحياء لا يمكن تصورها ، قررتُ أن احفر جحرا ً خاصا ً لحفظها وصادف ذات يوم أني رأيت أحدى بناتي أو أحفادي وهي خارجة من حفرتي وفي فمها أوراق من الجزء الثالث تعلس بها وتردد

{ طالعة من بيت أبوها رايحة البيت الجيران }

صرخت بها : انهجم بيت أبوج على بيت الجيران عوفي المذكرات ولج .

 نحن جيل الأزمات جيل الصراخ والعنف والبوكسات نحن جيل انتهت وللأسف صلاحيته ! بالكاد نحسّ بالحياة و بالكاد نسايرها صرنا غرباء ومشوهين في الوطن الذي ولدنا فيه والبعض منا لعن تلك الولادة . أي حياة أعيشها بين { جدران وباب موصد } ؟ نعم أنا وهم ٌ...لا بل أنا عظيم بل أنا أعظم من كل طاغوت .... أنا زوربا الذي قتلَ اليأس وقتلته الأفاعي ... أنا من ضيع شبابه بين الأرانب والبعرور أنا ... أنا ... شامي كابور انكَلب على فراشه والدولمة بالتاريخ أهم من علج بلغاريا ! سيتاهاكَوبيان أوّل حفافة لآله الحَبْ ركَي !  يقولون أن تناول شيفين من الهندباء مفيد لـقرقرة الصالنصة ! وإيد بإيد وي إيد القائد ... ومن قاسيون أطل يا وطني لأرى حسين سعيدة أتزوج والمنكوب أتزوج .. وشرم برم جفتتي جفتتا ! ...........ميـــــــــــ.......ـــــو !!!

بدأ سنبل يبكي ويبكي ففي هذه اللحظات وعند هذه السطور فقد زوربا العظيم ذاكرته والسيطرة على حروفه { لكف طين } وقد ألمّ به التعب والإعياء من نقش حروفه . أن زوربا أوصل كلمته لكن في هذا البلد وتحت خراب 35 عاما ً يكمن ألف ألف زوربا و زوربا وهناك في صدور أحياء العراق من كائنات شتى قصص وروايات يعجز تصديقها لكنها تاريخ وجع وأيام خوف وساعات حسرة ولت بحمد الله وبقوى التحالف ورحلت الى غير رجعة .

عـــودة القط الضال

وبقية أحوال زوربا العظيم

مرّ على تحرير العراق زمن ، ومرتْ على رسائل القط سنبل الناجي لعمه فهلوان أيامٌ وليالٍ وما زال القط فهلوان يتأمل ويغوص في أفكاره لاتخاذ القرار فهل يسكن الغرب الدافيء اللعين ؟ أم يعود الى العراق بلده الذي ناضل فيه سنين وسنين ؟ صراعٌ ليس بالهيّن وحالات العلسْ داخل الوطن لا تبشر بالخير ! ومن هنا وهناك من الأخبار والتقارير في الفضائيات والإنترنيت ما يشوش فهلوان ، فما قصة ما جرى بعد التحرير ؟ الفلوجة ! اللطم السريالي ! اللبلبيون ! ظافر العاني الذي اخترع حشو الكبة ! كعكة الميلاد المجلفطة ! تيسير علوني بياع المصّاصات ! وأشياء أخرى تأرق ليل الفهلوان ! فياليل ما أطولكْ ويا زمن ما أغبركْ ويا قرار ما أصعبك ْ

{ تقول الرواية أن ملك الموت لمّا جاء سيد مجيد الخؤي قال له السيد أجئتَ قابضا ً أم باعرا ً ؟ ورزقه الله الجنة لكنه الوحيد هناك مُضربٌ عن الطعام واللزي منو ! ومقدم طلب لمقابلة الرب يطلب فيه استئناف حكم الموت الذي صَدر بحقه لأنه يحس أنه مات في غير أوانه ! }  نعم بعدما تغرّب فهلوان أحس أن للحياة قيمة ولا حياة مع النعال ولا نعال مع الحياة ... لكنه الوطن وميو يا وطن !

: هسة لو أمي ما خذه هر روسي لو أمريكي مجان أشرف ؟ ابتلينا بهالوطن خوما ابتلينا ؟

يا ليلُ العلس متى غده         أببــاب الحوزة موعده

لطم الزوار بموكبهـم          لطم المرعوص بعضتـه

إن النفوس المؤمنة إذا خنقتها الآهات والحيرة تستجير بربّ العزة فيا ربّ العزة أنا بك مستجير بين شك وخوف ومجهول يترقبني وقوة دافعة من أصل وجودي تحرك مشاعر الحب في أعماقي الى وطني ....

{ هسه بلا فلسفه كول خايف أروح للعراق وفضهه ! }

اشتاق الى أخيه زوربا العظيم واشتاق الى براميل الزبالة في أزقة باب الشيخ وساحة العوينة واشتاق الى كميلة أم البهارات ومصلح البريمزات البصير في سوق الصدرية ، الى العظام الملوثة والنعل المعادة وحرشة الصبيان ! اشتاق الى ضربة بنص طابوكَة أو عصرة ورة الباب ! فقد ملّ نظام المساعدات العظملحمية الاجتماعية حنّ لروائح النزيز والسير بخوف في الأزقة المظلمة والفاشورات المبرمجة التلقائية من أفواه العجائز والأطفال !     

يُقرر بعد كل ذلك العودة ... نعم العودة الى العراق بعد طول غياب .

***

دُعي فهلوان الى اجتماع تداولي عام في المركز الثقافي لقطط العراق في العاصمة الباردة  فاستجاب للدعوة وحضر مع نفر من الهررة والبزازين وقد ربطوا هواتفهم النقالة بذيولهم ، هذا يتبختر في مشيته وآخر يسلم على ربعهِ برّقة وهمس حتى لا يخدش مسامعهم ! تقدم أحدهم من صاحبه وسأله : الكَعدة بيها سمَجْ ؟ لو بس ميوات ولغاوي ؟

اكتمل الحضور وصاروا حلقات ومجاميع وكل حلقة لها حديثها الخاص هذا يقول

: ميــو موهيجي ! فيجيبه صاحبه : والله ميو ... بس ميو على هالوكت !

وحلقة تتناقل آخر أخبار التخفيضات في الأسواق ! كثـُر الميو والنيو وامتزج الصوت بالصدى وتخرمش هرّان في ركن الصالة  فتكفشت الشعور وتحدبت الظهور وانتصبت الذيول  لأسباب عقائدية ! فاعتلى كبير الهررة المنصة صائحا ً بهم

: أخوان ميو على والديكَم كافي خراميش .

ثم دعا الهر منكَاش من حزب { افرش منديلك عه الرملة } بعدما قدس سرّه وأعلا مقامه ليلقي كلمته باعتباره عائدا ً للتو من العراق فتقدم  منكَاش متبخترا ً... 

( واثق الخطوة يمشي ملكا ً )

طلب فهلوان من جلسائه التزام الهدوء ليُركز على الخطبة علـّها تفيده في اتخاذ قراره للعودة الى العراق ، وفي هذه الأثناء كانت فرقة الطباخين مشغولة في الغرفة الخلفية بتقطيع السمك وتجهيز النار والبهارات لإعداد العشاء للقطط الحضور .

بدأ منكَاش الحديث من أول تحركه وكيف إستحصل على التأشيرات من دول الجوار باعتبار جوازه ( نكري  ) مبينا ً سبل النجاة في الوصول الى نهر الفرات ثم عرج في حديثه على السيارات ! والتي من الأفضل على الراغب في العودة أن يشتريها من ألمانيا وتحديدا ً من مدينة منشن ووعد الحضور بإعطائهم رقم هاتف قريبه القاطن فيها باعتباره تاجر سيارات ونزيه ! ثم بيّن الأنواع والألوان المرغوبة في العراق ! فالأبيض ماشي  بسرعة وخوش خبزة بيه ! والأوتوماتيك يوغف على الكلب ! ثم أسهب في شرح خارطة الطريق ! من منشن الى مواني ايطاليا ومواعيد البواخر المتوجهة الى أزمير ! ثم أعطى إحصاءات دقيقة مستشهدا ً بحاسوبه الصغير لصافي الأرباح  لكل سيارة من نوع مرسيدس الى الـ بي أم دبليو الى الفورد الأمريكي !  انتصب ذيل الحضور وعلت على رؤوسهم هالات من الدولارات واليوروات ! وتطايرت مفاهيم الوطن وما الى ذلك من مستحقات ! . سأل هرٌ سمين عن شحن مجموعة كاملة طالما العملية مربحة وليضرب ضربته ، شكره منكَاش على هذا الاستدراك وفصّل للحضور كيفية الشحن ومقدار الرسوم في التصدير والاستقبال في ميناء العقبة الأردني .

أصيب فهلوان بإعياء ودوار مما يسمع من طروحات وكيف تغيرت التوجهات من استشهاديين لتحرير الوطن الى متاجرين بحال الوطن ! وصاح بمنكاش : آخر ميو عليك أما آن الأوان أن تفصّل لنا وضع البلد وحال أخوتنا ؟ انزعج الحضور وعَلتْ الميوات و دخل أحد الطباخين مناديا ً بكبير الهررة

: السمج انسويه مطبكَـ على التمن لو بالدهن ؟

صاح جمع من الحضور بعدما التفتوا اليه وتركوا الخطبة : ميو ميو مْطبكَـ ! فيما اعترض آخرون وطلبوا القلي بالدهن شريطة أن يكون الدهن حبيب القلب مازّولا الخالي من الكلسترول ! فتخاصم الفريقان وكادت أن تقع الفتنة لولا أن تدارك منكاش بخبرته الحزبية الموقف طالبا ً من كل فريق طرح وجهة نظره حتى تنضج القضية ثم يُحيلها للتصويت العلني برفع الذيول ، لكن الأصوات تساوت وامتنع فهلوان عن التصويت فكانت كل فرقة تترجاه ليصوّت لها ويحسم المسألة لكنه صامتٌ كالجبل، مبعورٌ كبعرة الأمير حسن بن طلال حين راحت منه ولاية العهد في آخر اللحظات ودخل كتاب غينيس للأرقام القياسية ! ، لم يتركه الحضور لصمته وأبَوا إلا ّ أن

يُصوّت ، فقام وأعتلى كرسيه وأدار عينيه على صور شهدائهم من الهررة والعتاوي رافعا ً ذيله ! ، صمت َ الحضور وترقبوا تصويته للمطبك أم للدهن ، نادى بهم

: ميــــــــو عليكم وعلى ابهاتكم ! هذا هو تصويتي لكم ...

ثم أخرج صوتا ً من أكثر الأماكن قدرةً على التصويت وقفز من كرسيه خارجا ً من الصالة ليترك الحضور في حيص بيص ونقاش حامي حول تفسير ما جرى حتى قام حكيم الهررة متوكئا ً على عصاه ومناديا ً بهم

: لقد صوّت فهلوان للسمك المُدخن !!! .

***

خرج فهلوان من المركز الثقافي العام منكسرا ً مهزوما ً حائرا ً لا يدري ماذا يردد مع نفسه ؟ هل يقرأ مقطعا ً من الأطلال لإبراهيم ناجي أم معلقة يوسف عمر مات اللمبجي ؟ ...

 يا مُغني الخُلد ضيعتَ العمر           في أناشيد تُغنى للبشـرْ

    ليسَ في الأحياء منْ يَسمعنا          مالنا لسـْـنا نُغني للحَجرْ

        للجـمادات التي ليستْ تعـي        والرَميمات البوالي في الحفرْ

فهلوان مضى عليه 30 عام في الغربة والزحام يستجدي الحرية وينتظر الوطن ، يشتري الأمل ولكن بأغلى ثمن ! إنه العمر الذي ضاع يا ولدي بالهروب والترحال وكثير من مستحقات تقادم الحياة فتلك التجاعيد على الوجه لن تُمحى والوهن الذي أصاب الأطراف والذيل لن يقوى وذاك الجسد المسجى في الأعماق لن يستفيق ... أيْ تـُفٍ على هكذا زمن !

أحقا ً هكذا أصير بعد طول ذاك المسير ؟ أفكر بسيارة أم بصفقة أم بشيء جدُ سخيف ؟ يا لعاري وشناري ويا لطول انتظاري

          ومكتوب أشوفك من بعد     وأصبر على المكتوبْ

                 مكتوب لك دايم سعيدْ        مكتوب اللي متــعوسْ 

قررَ فهلوان دخول أول بار يُصادفه ليسكر نخب الهزيمة أمام الوطن ! وهو لا يدري أهو الوطن الذي هزمه ؟ أم اللبلبيون ؟ أم مراسلو الفضائيات ؟ أم ليلى الشيخلي عرّافة أبو ظبي  ؟ أم صفقات منشن ؟  لاتهم الأسباب فالنتيجة هي هي و( طـُز بالوضع ) . جلس في ركن البار وطلبَ { كيك وعنبة وعرك } وشربَ حتى كـَلّ متنهُ فلما كـَلّ متنهُ تطوطحَ واختلت موازينه وتجعفص هندامه ! خارجا ً من البار معانقا ً قطة سوداء لم تحصل بعد على اللجوء ، وحين استفاق من سكره على ضجيج ٍ من حوله رأى نفسه غارقا ً في برميل قمامة وفرقة خاصة تطوق المكان تحاول إنقاذه وهو يتوسل بهم : لكْ دادْ دعوني أتمرغل قليلا ً في الزبالة ! دعوني أشم رائحة العفن ! وأمصمص بقايا العظام ! لك فد نعال على راسي ! فد ضربة بنص طابوكَة ! والله مو مليتْ و.... 

{ مليتْ أنا مليتْ من الغـُربة     من الغُربة     وتعبت من الترحالْ }

مع الصباح وبعدما تناول فطوره فاتحَ ابنه بهلوان بقرار السفر الى العراق والتهيؤ لذلك فبادر ابنه بالحديث منفعلا ً : بابا .. صديقي عندهم معرض سيارات ... لم يعطه فهلوان فرصة لإتمام جُملتهِ وناوشه نعلا ً بجنبه : أنعلْ أبوك يابو حتة السيارة ... ميـــــــو...

فقفز بهلوان متحاشيا ً النعل الى فوق الخزانة مدردما ً مع نفسه

{ أبوية صارله 30 سنة بالغرب ويضرب نِعلْ ويفشـّر لعد لو باقي بالعراق جان اشسوه ؟ }.

بدأ فهلوان بالتهيؤ والاستعداد للسفر وأصابه صمت وذهول ورجفة في الذيل ! يا حبيبي يا وطني ها أنا عائد اليك ... اللهم لطفا ً وعطفا ً وقوة منك لهذا القط الضعيف ... حجزَ التذاكر من مكتب القطط الطائرة وفي ساعة السفر وعند وقوفه في طابور الميوردنك كارت جاءه هرٌ أسود قد حلق شاربيه وأطال لحيته وعليه جلباب قصير وبيده حقيبة ! ليخاطب فهلوان : أخي قِطْ بارك الله فيك هذه حقيبتي أرجوا أن تضمها الى حقائبك إذ إني تجاوزت الوزن المسموح لي ! والله يسددك ... والله أكبر !!!

تأمله فهلوان وقال في نفسه { هسة أنت عفت الدنيا كلها ومالكيت غيري ؟ } ثم أجابه  : أئياي َ تستغفل يا بن الغراب ؟ ... بسيطة لا أبوك أسلكه هسه !  

ميو ... ميو ... شرطة ... ميو !

اضطرب الأخ الهر الأسود ووقع ( دم دخيل ) على فهلوان : أخي بارك الله فيك ... حفظك الله ... دعك من هذا الصراخ وماذا تريد أن تفعل بي بحق الآلهة ؟

: أريد أن يعلسوك يابن قويعدة !

ولم تكن إلا ّ لحظات وحضرت الشرطة فأخبرهم فهلوان أمر الحقيبة وبالفعل قاموا بفتحها وخرجت رائحة البعرور المعتق وخراطيش بندقية تبه دور ! وأخُذ صاحبنا أسيرا ً وحُبس صبرا ... ولينفعه جلبابه !

جلس فهلوان وابنه بهلوان في مقعديهما جنب الشباك وتحركت الطائرة فبكى الوالد واستمر ببكائه فيما كان ابنه مشغولا ً بلعبة الطولولو الإلكترونية ! .

***

أما ما كان من أخبار القط زوربا العظيم في العراق فإنه لما استفاق من نومه بعد 3 أيام في المستشفى الميداني لقوات التحالف وجد نفسه في ردهة بيضاء وستائر وردية وبقربه قدح ماء ووردة بيضاء فحارَ كيفَ يصنعْ وعجز عن فهم ما يجري وهل هو في يقظة أم في حلم ... صمتٌ وهدوء ونظافة وأشياء افتقدها منذ زمن بعيد ... تناولَ ملحفهُ وتغطى فلعله يحلم ، لكن طرقَ الباب أثبتَ غير ذلك ! ولم يجرأ على كشف وجهه أمام القادم وخطواته الناعمة ! صوت رخمٌ جميل يناديه

:    Good Morning Mr. Cat 

بحذر وروية بدأ بسحب الغطاء من على وجهه ليرى وجه المنادي فيرى شقراء فائق ٌ حسنها تسّر الناظرين ! تدفع عربة صغيرة عليها وجبة إفطار وقدح عصير وقليلٌ من الدواء وهي تتقدم نحوه بهدوء الفراشْ حتى استقرت بجنبه وهو لا يدري ما الخبرْ قد جمدت أطرافه وتوقفت أحاسيسه ينتظر الحدثْ . قالت له الشقراء

:  أنا أتكلمْ أرَبي شويّه ... شويّه !

: صدقه لأالله ! وأني هَمْ أتكلم شويه... شويه!

أخرجَ نفسه من تحت اللحاف وحاول أن يُعدل من وضعه السريالي ليدخل معها في حوار عقائدي لكنه صُدم من حاله فخزينه المعلوماتي قد انزلق الى اللاوعي فصمتَ مستدركا ً حاله وعلامة تعجب كبرى علت رأسه  لكنها تعلم بحاله فمدت يدها الناعمة لتمسح على رأسه المليء بالدنابل ! حينها انفجر بالبكاء والميوات وصاح : أويلي آني جوعان ! ربـّـتت على ظهره وناولته علبة سمك التونة

: تفزّل هَبيبي أكلْ ! 

: هبيبي ؟ ... صدقه الأالله ... هبيب أمّك متقبل من أهاجيك ... روهي مئلكَه بيك !

وبدأ بالغناء وهي تصفق له وتهز رأسها يمنة يسرة لتتراقص جدائلها الصفراء وتضرب وجنتيها المحمرتين ! فطفرَ من فراشه منفعلا ً ليشاركها الرقص لكنه صُدم من منظر ذيله المبتور فاستحيا وتقزم وقعد وتغطى . بعدما أكمل التونة ناولتهُ قدح الحليب بنكهة الدجاج ! وهنا شكّ في شيء آخر فلعله في الجنة ونعيمها !

: أنت ِ هُــور الئينْ ؟ 

: What ? What ?

: وَتْ بعينج ! وهسه آنه من حور صلاتي وصومي حتى الله يذبني بالجنة ؟

قالت له : إنتَ ... بالمستشفى ... بالإراك ْ ... سدّام هوسين ... فِنشْ !

: سدّام ؟ سدّام ؟ ...ارتعد زوربا وأحس بمغص في بطنه !!! لتستدرك الممرضة وتغير الموضوع

: هبيبي أنتَ لازم موش يفكر كـَتيرْ كـَتيرْ!

: أي والله آني تعبان كتير كتير وما أدري شبيه كتير كتير وذيلي وين راح ؟ ما أعرف كتير كتير .

استرخى على سريره وأغمض عينيه ليسمع هاتفا ً من أعماقه يناديه :

{ زوربا... أيْ زوربا ... أيها القط العظيم ... استفق من موتك واستمع الى صوت التحرير فالوطن قد تحرر من السجن الكبير وارتحلت الى الجحيم فرق الإعدامات والتصفيات وأمطرت السماء زهور الياسمين ... قم يا زوربا وتنفس هواءها واشرب ماءها والعب في حاراتها ... زوربا هذا ليس وقت الموت بل وقت الحياة ووقت الأمل الذي انتظرته }

خفت الصوت وتلاشت الحروف في دهاليز ذاكرته لكنه ...  لم يع ما سَمِعْ !.

 شُخصّت حالة زوربا بفقدان الذاكرة المؤقت نتيجة الخوف والإجهاد الذي تعرض له مما أدى الى تلف بعض خلايا المخ عنده عدى الجروح والكسور المنتشرة في جسده فخصص له الأطباء جلسات خاصة للعناية النفسية وتنشيط الذاكرة .

جلسة المعالجة

 زوربا جالس على كرسي نقـّال وطبيب أمريكي ومترجمُهُ بمعية 3 سسترات هشـّك بشـّك يداعبنه ويُروحّن عنه حتى قرص إحداهن من فخذها وحين سألته عن السبب أجابها بالنفي وأنه لا يعي ما يفعل !

سأله الطبيب : من أيّ الفصائل أنت ؟

لم يفهم زوربا السؤال فأراد المترجم  أن يُبسّط السؤال له ويداعبه

: يعني يقصد من يا عمام أنت ؟ !!!

تكررت هذه العبارة وصداها في رأسه مرات ومرات وكأنه سمعها من قبل فعادت به الذكريات الى معتقل القطوانية الرهيب وأشباحه المخيفة يوم حقق معه المسخ ! بدأ يرتجف ويرتجف وكأن زلزالا ً مدمرا ً أصابه صارخا ً بهستيريا

: لا ... لا ... بريء ... بريء !!!

فاعتنقته إحداهن وضمّته الى صدرها العطر ليهدأ روحي فداه وأخذ يدردم

: إي بعد بيتي أعصري حيلْ ... وحيل ذبّي روحج عليّه وخالتج مُوش أجنبيه !

كان الطبيب يكتب ملاحظاته لحظة بلحظة مركزا ً على انفعالات وردود فعل زوربا العظيم ثم عاد وسأله

: بم تـَحسْ ؟ ... تأمله زوربا قليلا ً ثم أجابه

: أحسْ روحي تأمن بيك وتخافك ... وأحسّك لغز شنهو أنت وشنو أوصافك  ... ويا عيني توصيني!

اندمج المترجم معه وأكمل الأغنية طربا ً

: على يا ذمه توصيني ... حياتي أنت ونبض يسري بشرياني ...

بدأ زوربا يترنح ويغني وطلب من الشقراوات الرقص فانقلبت الجلسة الى مسرح غنائي من صوت زوربا العذب الى بزخ المترجم الى هزّات السسترات !

عجز الخبير عن التشخيص وبدأ باختبار آخر مع الصور طالبا ً من زوربا أن يُعلق عليها . أراهُ أول ما أراه صورة قطٍ داخل برميل قمامة وبفمه عظمة ، اندهش زوربا وأخذ الصورة وتأملها وهو يداعب شاربه والسستر تمسح على رأسه .

: ميـــو !!! ميـــو !!! بصوت حزين واغرورقت عيناه بالدموع وطلب أن يحتفظ بها فابتسم الطبيب واستبشر من ذلك ووافق ، ثم أخرج صورة أخرى لأرنب يقضم جزرة !

 بُعِرَ زوربا هذه المرة واختلطت أفكاره

: دكتور عيني ... هَمْ ميــو ... بَسْ على مقـّلمْ ! .

لقد أفنى زوربا حياته في السجون والمعتقلات بشخص أرنب ناكرا ً هويته وقططيته وعائديته عن الأوباش في مأساة لم تخترعها البشرية بعد مع حكم الجلادين من البعثيين السَقـَطة فأي حياة ٍ عسيرة عاشها هذا العظيم ؟

طلب الطبيب من السسترات وباللغة الإنجليزية أن يتقربن من زوربا ويحطن به فتقربن منه بهدوء وأحطن به ، أخرج الطبيب صورةً لجلاد العراق وسجّانه المطرود الى الجحيم أبن العاهرة الأحمق صدام ابن أبيه ليرى ردة فعله ! فكان وقعها كالصاعقة على المسكين وكأن رشقات من الرصاص توجهت الى صدره بل كأنه أ ُدخل الى محرقة من محارق الجحيم صارخا ً بأعلى صوته مرتجفا ً متهسترا ً باصقا ً بكل ما يملك من قوة نحوها ومحاولا ً الهجوم على الطبيب ! لكن الأيادي الناعمة حالت دون ذلك فتصاعدت أنفاسه وأصيب بالخفقان والدوار وخرج الزَبَدُ من فمه وأغمي عليه !!! أيْ وازورباه ! ... وامسكينا !

{ ليت شِعري أيُ أحداثٍ جَرَت ْ   أنزلتْ رُوحكَ بابا ً مُوصــدا }

{ صَدأتْ روحُـــكَ في غَيهبهــا   وكذا الأرواح ُيَعلوها الصدى }

أ ُرجع الى صالته ورقد على سريره وهو قابض ٌبقوة على إصبع السستر ولما استفاق أدار رأسه نحوها مرددا ً

{ إني رأيتكما ... إني سمعتكما ... لا ... لا ... لا تكذبي } ! .

***

 

 بعد عدة جلسات تحسّن وضع زوربا العظيم وربما بدأ يتماثل للشفاء كما أكد ذلك طبيبه الخاص وقرروا أن يجروا له عملية زرع ذيل لعل ذلك يساعده أيضا ً في تقوية معنوياته وتنشيط ذاكرته فجلبوا له كتلوجا ً لنماذج متوفرة من الذيول ، سأل زوربا الطبيب عن سبب هذه العملية والجدوى من إجرائها فأكد له أن الذيل من أصل جسمه وهو جزء حيوي ومهم منه ثم أراه نماذج لقطط بذيول جميلة وكيف هي متناسقة مع أجسامها حينها استدرك زوربا وسأل عن سرّ اختفاء ذيله فأكد له الطبيب أنه هو الذي سيعرف السبب والظرف الذي أدى الى ذلك .

أ ُدخل روحي فداه الى صالة العمليات وهو مشغول بترديد تسبيحاته وتعويذاته حتى أعطي جرعة المخدر فانقطع بث الحياة عنه وانتقل الى عالم اللاهوت الساحر ليسبح هناك بين النيازك والشُهب ويلاحق خيوط الضوء المنبعثة من اللانهاية متكأ ً على نسماتٍ باردة تذهب به حيث يشاء ، زوربا يعانق الكون ويتألق في الظلام كأنه نجمة الغروب سارة ، يتلألأ ويزداد نورا ً كلما زاد من سرعته حتى لاح له من بعيد جُرمٌ سماوي صغير يدور في حضن هذا الفراغ الهائل ! مال نحوه وكأنه على بساط الريح وحط ّعلى أرضه الخضراء ليرى أمامه جدول ماء أزرق وورود أقحوان من كل الألوان تتراقص مع عزف ملائكي ساحر أخذ َ منه خياله المتعب فاتكأ على جرف النهر ومد رجله الى الماء البارد وغفا هناك ، بين يقظة وحلم سمع أصواتا ً ملائكية بقربه كانت لثلاث قطط حورية تخاطب الأولى صاحبتها وتقول

: أتدرين من هذا ؟ هذا زوربا المعذب الذي عاش الجحيم والظلم البشري الأسود .

 فأجابتها : آهٍ أيها المسكين كم من العذابات مرت على جسدك الهزيل ؟

 ومسحت على ظهره بأطراف أصابعها البلورية ليستفيق ويرى روعة ما خلق الله من هذه القطط الوردية وعيونها الماسيّة وأجنحتها الناعمة المهفهفة وهن يبتسمن له ويطرن بهدوء حوله .

قالت أحداهن : إنّ في رأسك لوثة من سوط الجلاد قد أدمت بعض بعض خلاياك ولكن لا تجزع فنحن هنا لمداواتك وتطيب جروحك .

واقتربت منه لتـُقبـّل رأسه من فمها الصغير فأحس ببريق النور وهو يخترق جمجمته ويُوقف نزف الدم ويعيد ترتيب السطور كل السطور ! فانحنى وغفا واستلقى على العشب لتعود وتضرب خده بكفها الناعم وتناديه

: زوربا ... زوربا ... استفق .

فتح عيناه ليرى أمامه الطبيب وقد أكمل عمليته وأنجز زرع الذيل بمؤخرته ، كان زوربا قد استعاد عافيته وذاكرته وبرأ مما كان فيه ! .

سُنبل ولده البكر كان ينتظر إذن الطبيب بالدخول على والده والكل لا يعلم ما جرى لزوربا مِنْ استفاقته وعودةِ ذاكرتهِ ، أذِنَ الطبيب لسنبل بالزيارة شريطة أن لا يُثـقل على زوربا فطرق الباب بهدوء ودخل ، كان زوربا مستلقيا ً وعينه على سقف الغرفة يتأمل في نقوشها ، تقرب سُنبل من سريره ووقف بجنبه فأدار زوربا رأسه ببطأ نحوه وبدأ يجول ببصره على ولده الحبيب من أذنيه حتى ذيله ثم ناده بصوت ضعيف

: ولدي ... حبيبي ... سنبل ... اقترب أكثر فأكثر وضمني الى صدرك !!!

{ أريد أبجي على صدرك مشتهي النوح }

آهٍ يا ظلم البشرية العاهر ! آهٍ يا قوانين البعث الكافر ! آهٍ يا أيها الزمن الأغبر العاثر ! انفجر سنبل بالبكاء

{ وانفجر أيوب بالبكاء !} ورمى بنفسه الى حضن أبيه الدافئ ليشمه ويشمه ويقبله ويقبله ولينوح زوربا متاميلا ً

{ دللول يا الولد يا بني دللول }

{ ويا زماني اللي ما رعاني .... هــذا وليدي المفكَود }

أبكي ولم لا أبكي على هذا القدر وهذه الحياة ، أوَلـَدي هذا وقد شبّ وصارَ يافعا ً ؟ أيْ ألف لعنةٍ على تاريخ أولاد العوجة وحثالاتهم ، طال العناق وعلا صوت البكاء وسقطا الى الأرض وصارا جسدا ً واحدا ً قد نسي زوربا جروحه وآلامه وهو يشم ببقيته الباقية حتى دخل الطاقم الطبي وصُدموا من هول ما رأوه وحين أخبرهم زوربا بحاله واستفاقته صاح الطبيب الأمريكي

{ صلوات على محمد وآل محمد ... دخيل جدك جورج بوش !}

 ونطق الشهادتين وأحسن إسلامه واعتزل الحياة بعدها وتفرغ لخدمة القطط في تلك الفلوات والآجام !.

رجع زوربا الى سريره سائلا ً ولده عن سرّ وجود هؤلاء الأجانب معه وعما يجري ... وأسئلة كثيرة كثيرة ! فأجابه سنبل بانفعال

: أبي ... حبيبي ... رحل الطغاة ... انقلب النظام ... انهزم البعثية الأوباش ... صاروا شذر مذر !!! وهؤلاء الأطباء من جيش التحالف الدولي الذين رفسوا التكارتة ببساطيلهم !

صُدم زوربا من هول ما سمعه ووضع يديه على رأسه وبدا وكأنه في حلم فسحب ملحفه وقال

: يمعود دروح ... هسه أكَعد من النوم وكلشي ماكو ... أنت مخبل ؟  

لكن الحقيقة هذه المرة لا تقبل التزييف والتدليس فقد رحل الطغاة الى مزابل التاريخ  ونهض زوربا من جديد على صوت ولده والطبيب والكل يؤكد له ذلك وجلبت إحدى الممرضات له قائمة المطلوبين الـ 55 ليثبتوا صدق ادعائهم فأخذها منها وتأمل فيها ثم لفـّها وصاح بها : يعني بعد ماكو بعثية ولا أمن ولا فدائي صدام ؟ فأجاب كل الحضور بالنفي ، حينها طلب منهم أن يبتعدوا قليلا ً وليتراجعوا من أماكنهم فخطوا الى الخلف خطوات لينظروا ما يريد أن يصنع .

قال لهم : رددوا خلفي { أنه بشيبي لدكَـ حنـّاها ... أنه بشيبي لدكَـ حنـّاها }

ردد الجميع واحتفل الحضور وزوربا من عناقٍ الى عناق الى قـُبلٍ من وجنات الشقراوات ! حملوه على الأكتاف في جمهرة خارجة من الصالة لتلتحق بالركب طواقم أخرى ومرضى وعساكر بهتاف شجيّ وهرج ومرج وبزخ وهجع متجهين الى خارج المستشفى امتثالا ً لطلب زوربا ، حينها أمر زوربا العظيم الجميع بالسكوت وترجّل من على ظهر الحسناء وخطى للأمام خطوات وهو يدور برأسه في فضاء بغداد من سماءها وهواءها وقال

: الآن فقط صدّقتُ قولكم فقد تغيرت رائحة بغداد وتكشفت أسرار الوطن إني أرى ما لا ترون !

ثم شهق شهقة عالية وصرخ بأعلى صوته مرتعداً

: ميــــــــــــــــــــو يا وطن ... وسقط َعلى وجهه !!!

 

***

 

بدأت الطائرة بالتهيؤ للنزول ونودي من طرف خفي فيها أن اربطوا أحزمتكم فقد وصلنا الأرض المقدسة                                   ... هنا بغـــــداد ...

خنقت فهلوان العبرة وبدأ المسافرون بالتباكي وعلا أنينٌ من هنا وهناك هذا يصيح

{ أويلي وطني ... خرب بيتي عليك }

وعجوز من وراء عباءتها  صاحتْ

{ أحمدكْ يا ربْ ... عِشْت وشفتِكْ يا مصرْ ! }

 ثم بكى الناس ووضعوا المناديل على رؤوسهم .

لم يتحمل فهلوان الحال ففتح حزامه وقفز فوق أحد الكراسي وتوسط الجميع ونادى بالناس أن اسكتوا فسكتوا فخطب بهم :

{ آخر على شيب ابّهاتكم ده تبجون ؟ لو هيّه سُوله بَجي وبَسْ ؟ صدام وانتعـل سلفه سلفاه والبعثية  انطردوا بالنعال ! مو صارلنا أربعين سنة نبجي ونرجع اللي وَرَه ، والآن آن الأوان الى ترك البكاء والنواح والتفاؤل بما هو آت ... وبعدين حجية أم مصر شنو القصة ؟ متأثره بفاتن حمامة حضرت جنابج ؟ }

فأجابته بصوت ضعيف من وراء نخلة !

: يُمّـه فدوة لعمرك لقد هربتْ وأنا طفلة مع والدي الى مصر وأفنيت عمري ممثلة كومبارس وكان أملي في الحياة أن أردد هذه العبارة أمام أنور وجدي في فيلم Matrix Reloaded   .

 هبطت الطائرة وفـُتح الباب وهبّ النسيم ... نسيمُ الكرامة من بلقع  ... أيْ ميو يا وطن ... لكن فهلوان من شدة ارتباكه وانفعاله غطى بصره الظلام فكأنه أعمى !!! لم يُخبر ولده بذلك فنادى عليه وقبض على ذيله يمشي خلفه في الطائرة حتى وقفا على أول السُلـّم لتحتضنه رائحة بغــداد العبقة بعد كل ذلك الغياب وكلما هبطا درجة من السّلم سبّح لله وحمده حتى استقر على أرض المطار فارتجفت قدماه وارتعش بدنه وسرت نار في بدنه ليرمي نفسه ويتمرغ في التراب ويعفـّر خده بخد الوطن ويجهش بالبكاء وابنه واقف بباب الطائرة ينظر اليه كيف يصنع .

صادف فهلوان أول جنود التحالف فأخرج باقة ورد نذر أن يعطيها له مع عبارة { Thank You  }

............................................................................................

تحرر الوطن وكل ما هو غير ذلك فهو ... ميو ... وميو ... وهَمْ ميو ...

قالوا : احتلال 

قلت  : ميو ... اختفت فرق الإعدامات وتوقف هتك الأعراض

قالوا : نهبونا المحتلين

قلت  : ميو ... انتهى التميز العنصري وانسحقت أسطورة ويلاد العوجة   

قالوا : دمرّوا العراق

قلت  : ميو ... هناك عشرات الألوف من العوائل بدأت تعرف معنى النوم بعد سنين الرعب وأيام الموت

قالوا : المتحف ... المتحف !

قلت  : ميــــــــــــو... دعابل بيد طفل بحضن أمه تحت التراب في مقبرة جماعية !!! يا متحف ؟ يا نبوخذ نصر؟ يا انتوني كوين ؟ 

قالوا : يتأخرون في تشكيل حكومة

قلت : ميو ... وضعوا القتلة أولاد القتلة في السجن وذلوهم

قالوا : لم يدفعوا رواتب الجيش { الحرس والأمن الخاص ! }

قلت  : لكنهم دفعوا تقاعد للحاجة ( تسواكم بنت تاج راسكم ) بعد 30 سنة فقر وحرمان وعجز !

قالوا : يداهمون البيوت والمنازل !

قلت : ميو ... هسة هُمه جُند الإمام ؟ خوما جُند الأمام ! وبيوتنا التي سحقها أولاد العوجة وبعشرات الآلاف لا حرمة لها ؟

قالوا : أين الحرية التي وعدونا بها ؟

قلت : بهذه صدقتم ! فهُم وعدوا المقيدين المحرومين المظلومين بالحرية ونعتقد أنهم وفوا بذلك أما المتسلطين المتجبرين المستفيدين في زمن البعث الغابر فـ{ آسفين ... خلـّصنا } فهذا الزمن سيكون زمن تحرير الشعب وتقييد الفاشست ومصادرة امتيازات الزمن التكريتي العاهر .

قالوا : سنقاوم

قلت : قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار

قالوا : يضربون مساجدنا

قلت : عَـلينا ؟ وهل لا يحلوا درس الشافعي إلا ّ بعد انتصاف الليل أو ثلثه ؟

قالوا : الفلوجة !

قلت : حلبجة ! جيزان الجول ! الرضوانية ! أبوغريب ! مثرمة البشر ! متفجرات في الجيب ! عظام على مد البصر ! .................... ! ليذهب كل أهل الفلوجة ومن لف لفها فداء لجمجمة مُعيدي ثـقبتها رصاصة قائدهم الظالم !

قالوا : جُننتَ بمن تهوى  !!!

قلت : ما لذة العيش إلا ّ للمجانين

قالوا : ........... قاطعتهم وأهملتهم لأنه حسب الظاهر تحرير الوطن لن يحس به أصحاب الشفاه الزرق المتيبسة من اللؤم والحقد على شيء اسمه الإنسان العراقي ، وحقيقة بدل الدخول في سخافات الحوار مع قطط انتفخت من السُحت في عصر الظلمة الكبرى أفضّل التنزه بشوارع الكورنيش وأزقة باب الشرجي وعلاوي الحلة وما أحلاها من صورة خالية من كلاب السلطة وكتبة التقارير وفدائيو النعال في زوايا الحارات أو خلف الجرائد ... لك ميو وألف ميو على روح أبيك يا جورج بوش يا الأبن .

عادت وعدنا وعاد الوطن بعد طول أسر وطول غياب ولن ندع { قسما ً بترابك يا وطن } الفرصة هذه المرة تمر مر السحاب دون التروي منها فقد انتهى زمن الرمز وزمن الفرد وزمن الغبران وزمن بالروح بالدم وزمن من لا زمن له وأتى زمن ٌ وما أحلاه من زمن بلا صدام بلا كلاب بلا انزعاج و...

أنا وأنت ولا حد ثالثنا ... أنا وأنت ... أنا وأنت وبسْ

استعاد فهلوان قدس سره الميوي بصره وتجول ببغداد هنا وهناك من شارع الى شارع بيده زجاجة جعّة وفي الأخرى مسجل عملاق يسمع الأغاني التسطيحية وكل من يخاطبه يجبه

بـ : ميـــــــــــو ! خلصْـنا !

لاح له من بعيد قط كبير لا بل قط عظيم محمول على خشبة وحوله مجندات أمريكيات بسراويل زرقاء حمراء  فضفاضة يرقصن له ويرددن :

{ لمّا بدا يتسنى أمان أمان أمان ....}

وهو جالس كجلوس دريد بن الصمّة بعدما جاوز الـ 160 من عمره ! وحين اقترب الموكب من فهلوان اقترب النبض من النبض واقترب الحنين من القلب وتقاطعت خيوط النور من عين زوربا الى عين أخيه فهلوان وهل يُعقل هذا ؟ أم أنها هدية من هدايا زمن التحرير ؟ صاح زوربا من فوق محمله

: أخي فهلوان إن كنت أنت فأجبني وإلا ّ فأمري وأمرك الى عفيفة اسكندر !

وبكى فبكى فهلوان وأجابه : بلى أخي أنا فهلوان !

حينها توقف المشهد وتحرك الحضور بالبطيء لكل هذا الشوق وهذا الحنين من الأخ الى الأخ فقفز زوربا العظيم من محمله متجها ً صوب أخيه الذي فتح ذراعيه ليضم كل هذا الحب المعذب الى صدره وحين استقر عنده استقرت الشمس عند القمر وعجبا ً لشمس قربها قمر ُ بادر زوربا بالكلام وهو يرتجف ويقترب من أخيه : أنت شلون أتنام بالبرميل مالتي بأيام الحرس القومي ؟

ضحك القطان وتعانقا وعانقتهما المجندات وزوربا يقول لأخيه

: بوس خالي بوس ... عادي !

أمر زوربا الجميع بالانصراف ومشى هو وأخاه بعيدا ً عن الموكب والأنظار وحين سأله أيوب الى أين يا زوربا ؟

: .................................

 

انتهى