الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

21 آذار  2005

زمـن الاغـتـراب

الحلقة الأولى

كتابات - أيـــوب

مقدمة :

نحاول , سنحاول ، في سطورنا القادمة ، أن نعود { في هذا الزمن المتسارع نحو المستقبل الذي لا ننتظره } الى زمن عاش فينا ، قبل أن نعيش فيه ، حَمَلنا رغما ً عنا ...

زمن فقدنا فيه الكثير من مفردات حياتنا ، تلك الحياة التي { ربما } كانت مُـلكا ً لنا يوما ما ، في مكان ما ...

زمن أسمعنا نعيقه بكل صراحة وقسوة : بأن الإنسان فيه ميتٌ ، ميتْ ...

سنحاول أن نغوص في زمن جعلنا نهيم فيه على وجوهنا في أقطار السماوات والأرض ، ما بين مهّجر ومهاجر وطريد ... ما بين موت وعوق وخوف من الطريق ... ما بين صرخات التوسل ، ودموع الألم ، وحسرة الفراق ... زمن ترك فيه العراقيون وطنهم ، لسبب ما , لأسباب ما ، لعلـّة ما ... زحفت تلك الملايين وتركت أرض السواد لتنزل منازل الغربة والاغتراب ...

زمن خرجنا فيه من جهنم الطغاة الى سعير الاغتراب . 

نريد أن نكتب عن ذلك , فلم ننهي بعد حساباتنا مع الجلاد . لم ولن تهدأ صرخاتنا ، سنصرخ ونملأ الدنيا ضجيجا ً على صرعانا ، الى أن يتوقف الزمن ، مما فعله الطغاة ... إي وربي , ما فعل الطغاة ...

بعد سقوط الصنم ... توقف الزمن ، هكذا أريد ،  لأني أريد وطن ... لا بد أن نرجع الى الوراء فنقرأه ، لنعرف سرّ هذا الظلام ... وسرّ هذه التجاوزات ، فما يعلو سماء بلدي الآن ليس سوى ضباب أسود ، أرعن ، سرعان ما سيزول ... لا بد أن يزول ، لأن ما تبقى من زمن الاغتراب هو ... هذه الحسرات على الموت في الوطن ، أو العيش دون وطن ... ولن نعيش دون وطن الى آخر الزمن ، فنحن من طرد الطغاة ، وطهّر البلد من أرجاس المسوخ ...

قسما ً بعينيكِ يا بغداد ... سنعود عن قريب .

 

لنبدأ بسرد الحكاية ... من هناك ... حكاية شعب ووطن واغتراب

 

في انفعالات النفس ... تنكشف سرائر النفس ...

في احتباس الأماني ... تتكشف المطالب ...

الإنسان ... الحيرة ... الزمن الصعب

مفردات لم يكتمل تفسيرها بعد في قاموس البشرية ...

لم كل هذا الجور يا بشرية ؟ لم كل تلك الهموم الآدمية ، بطقوسك البربرية ؟

فالإنسان ... هو ذات الإنسان ... ضحية كان ، أم جلاد ...

الضحايا في حيرة من أمر ضياعهم ... الضحايا أدمنوا الزمن الصعب ... لن يعيشوا بعدها زمن الإنسان والحب ... التجارب أثبتت فشلهم في أساطير الحب ... رغم كل الحب الذي في أنفسهم ... والجلادون يسطرون أسمائهم في أزمنة التاريخ الحائر بهذا الإنسان ...

ترى ... لمن ستكون العقبى ؟

ترى ... من سينصفه التاريخ ؟

ترى ... هل يأتي زمن يعود فيه التاريخ ، لزمن ، ينحني فيه الجلاد أمام الضحية ؟ ويعيد له الحياة ؟

أم تبقى حدود المعادلة هكذا ؟ .

كان زمنا ً مرعبا ً بكل تفاصيله الخرفة ، كان اسطورة ، ملحمة من ملاحم صراع الوجودات ... الأقوى هو الباقي ، الأشرس يفترس الأودع ، الموت هو السائد ... كان زمنا ً من أزمان الله الحزينة ، بمرارة اللوعات ، وارتجاف الساعات ، واحتضار النفس عند بوابات جهنم التي فتحها الإنسان ... ذات الإنسان ... ضحية كان أم جلاد .

................................

................................

...............................

 

أيتها الجنيات الراقصات في أزقة السماوات الحزينة المظلمة ، أيتها الحوريات المخنوقة من شوقها للقاء الأحبة ، أيتها الأرواح الهائمة في ملكوت الحب المهجورة ... ها ، قد اقترب صدى العربات الليلية ، التي تحمل الهموم والشكوى ، لتنقلها قبل طلوع الفجر الى الضفة الأخرى ... ها ، قد فـُـتحت صحائف الضحايا بعد طول زمن ... تعالين واغترفن من كوثر الرحمة ، لعل الله يقضي أمرا ً كان مفعولا . ولعل هذا الوطن هو ذات الوطن الذي عليه بكينا وبكيتم ...

 وريتْ الكـَلبْ لا حَـبـّـكْ

ولا شافْ الهَـنه بكـَربكْ

الأيام ,,, الأيام ،،، الأيام

 

يحكم الطغاة البلد ...

سماء العراق تلبدها غيوم الرعب إذ تبدأ مراسيم الحرب القذرة على الشعب الأعزل .

يتكاثر اللقطاء من أولاد اللقطاء ، من بقايا بقايا عفن القيء الذي لفضه التاريخ الأرعن .

الرفيق والرفاق ، العساكر والمفارز ، البدلات الزيتونية والقطعتين ، الشوارب الغليظة والوجوه الممسوخة ، التقارير والعيون ، الاغتيالات والسجون ، الإبادة والترحيل ، مراقبة أرحام الأمهات وما يلدون ، الأمن الخاص والأمن العام ، الحرس الخاص والحرس الوطني ، كتائب الإعدام وسرايا الموت ، فرق التصفيات وكراديس الغضب ، عساكر مسلحون ، مدنيون مسلحون ، أجهزة تنصت وأجهزة متابعة ، وكلاء أمن ومتطوعون ، فدائيون إرهابيون ، جيوش من الحماية ، جيوش من توابع الحماية ، جيوش من عوائل الحماية ، جيوش من عوائل كل أولئك الأصناف ... والكل له صلاحية الرب !

والكفة الأخرى ...

طريد ومسجون ، بريء ومحروم ، ثياب ممزقة وفقر عميق ، شفاه مقشرة ودموع ، توسلات وشجون ، حسرات تتلوها حسرات ، مغيّبون ، مبعدون ، على المقاصل ، بين المثارم ، في أحواض الأسيد ، تحت التراب ، أفرادا ً وجماعات ، شباب بلا حول ولا قوة ، شيبة مهانة ، نساء ثكلى ، أرامل على طول البصر ، يتامى على قارعات الطرق ، مياه راكدة ، حياة راكدة ، خوف ورعب راكد على الصدور ...

يصهل التاريخ باكيا ً من جور الطغاة ... إي وربي ما فعل الطغاة .

دمدم علينا الطغاة , فجعلوا عالينا سافلنا ، ونهارنا ليلا ، وفجرنا أظلم من أظلم كهوف الدنيا .

فيّ حاجة لسبّ كل ما هو مقدس دون الله وعدله الذي جاء بعد طول انتظار ... لما سحقوا في بلدي من مقدسات ...

فيّ حاجة لألعن كل من يتأتأ بتشويه ذكرى وطني ...

فيّ من الكره بعمق جراحات شعبي على كل من يستخف بمحنة شعبي ...

فيّ من الساديّة المقدسة ، لحرق هذا الكون بتفاصيله لو قال : ليته يعود ...

زمنٌ شوّه الإنسان ، مسخ آدميته ...

قل لي بربك : ما لذة العيش في زمن الاغتراب بلا وطن ؟

قل لي بربك : هل يستحق الوطن كل هذه المرارة في الحلق على الوطن ... كل هذا الثمن ؟

هاهو العمر يتطاير يا سلمى فأغيثيني { سلمى منو النوب ؟ } ... هاهو الشيب ، والعجز ، والرقم الصعب الذي كنا نهرب منه ... زمن الاغتراب ينهش أرواحنا ، يقطـّع أوصالنا ، يسحقنا ، يسقينا سمّا ً ليعجل من رحيلنا ...

المولود جاء ... والصغير شبّ ... والفتى كبر ... والكبير كبر أكثر ... ومن كبر أكثر عجز أكثر ... واشتهى لقاء الوطن والأحبة أكثر ... لوعات الكبار لا يفهمها الصغار ، لأن الكبير فرصته قليلة ، خياراته محدودة ، مطوق بالمرض والخوف وذكريات السنين وبديهية الموت الرهيبة ...

زمن الاغتراب صعب يا أحبتي ... نريد أن نتجاوزه ... ساعدونا .

ويا واحشني رُدّ عَـليَّ ... ازّياكْ سلاماتْ

أنة احبك أدّ عنييَّ ... والعُمر بحُبكْ فاتْ

 

Ayoobeat@hotmail.com