الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

حلقات زقاق الألم

زقـــــــــاق الألــــــم

 

ذكريات سجين عراقي

 

كتابات - أيـــّــــوب

 خاص بـ كتابات

المقدمة

هذه سطور قديمة ، لأحداث قديمة ، لم تزل حيّة في صدري ، تعيش معي ، وأعيش معها . سطور لأيام خوالي ، حين كنا هناك ، في وطنٍ اسمه العراق ، كنا ومازلنا نقاوم في سبيل أن يبقى في ضمائرنا بلد الأحلام ، بلد الآباء والأجداد ، بلد الطفولة والحياة التي كانت حياة .

أكملت هذه السطور قبل سقوط النظام الطاغي في العراق ، وأردت حينها نشرها في كتاب كامل ، واتفقت مع دار للنشر لهذا الغرض ، وحين شاورت بعض الأخوة في الأمر ، دعمني البعض بإتمام الفكرة ، وعارض آخرون ، وحين عرضت الكتاب على معلمي الكريم لغرض كتابة مقدمة لي كما هو معهود ، رفض الفكرة ونصحني بالتريث ولأسباب أمنية ، فقلت له : وكيف علمتنا بأن كل شيء قيل في وقته فات وقته ؟ وهل سنسامح أنفسنا بأننا ربما أصابنا الخوف ؟ فلم يكن جوابه إلا ّ نفس الجواب الأول مع ملاحظة أن الكتاب حينها لم يحوي الكثير من المعلومات والأسماء الموجودة الآن بين سطوره .

ويوما ً كنت في لندن نازلا ً ضيفا ً على أحد قادة المعارضة حينها والذي هو الآن في منصب قيادي كبير في الدولة العراقية ، وطرحت فكرة نشر الكتاب عليه ، فأخذ الكتاب وتواعدنا لليوم التالي وكان قد كتب مقدمة للكتاب بعد طلبي منه ، لكني فوجئت أيضاً باعتراضه على طبع الكتاب ، ونصحني بالتريث ولم يعطني السطور التي كتبها كمقدمة والتي قرأها على مسامعي ، وبرر ذلك بالحسابات الأمنية .

لم أقتنع لا بهذا ولا بذاك ، لكن المشورة كانت واجبة ، وعليه تريثت في نشر هذه السطور لهذه الساعة ، وأنشرها اليوم مع بعض التعديلات والكشف عن الأسماء والمسميات الحقيقية لزوال المسبب .

 

_________________________________________

 

 

الحلقة الأولى

***

ذكريـــاتْ ... ذكريـــاتْ

ذكرياتٌ عَبَرتْ أفق خيالي ... بارقا ً يَـلمعُ في جُـنح الليالي

كيفَ أنساها وقلبي ... لمْ يَـزلْ يَسكنُ جَـنبي

 

 

 

أواخر شهر آذار سنة 1986

قلت لهم : أنا من سينفذ .

لم يعترض أحد ، فلم نكن نحمل روح الجدل العقيم ، وكان كل همنا أن ننفذ الخطة التي وضعناها ، وتدارسناها .

لا بد أن نكتب شعارات معادية للنظام، وندين جرائمه ، ونثبت بأن الصوت المعارض لهم لم ولن يسكت .

تم اختيار القسم الخاص بنا { هندسة المكائن والمعدات } في الجامعة التكنولوجية لكتابة الشعارات ، ولم نفكر طويلاً ولم نعقـّد الأمور ونعطيها أكثر من حجمها في التداول والمشاورات . نحن ثلاثة فقط ، منسجمون ومتفاهمون ، ولا ننتظر أمر أو توجيهات من قيادة أو قاعدة !

كنا في السنة المنتهية ، وفي الفصل الأخير ، في الأيام الأخيرة لنيل شهادة البكالوريوس في هندسة الميكانيكا العامة ، وقد قدمنا المشروع الخاص بمتطلبات نيل شهادة البكالوريوس ، والتقطنا صور التخرج ، أفرادا ً وجماعات من قبل مصور الجامعة السيد أبو فلاح المحترم .

أكثرنا من لقاءاتنا أنا ومحمد وناظم لمناقشة الخطة التي رسمناها لكتابة الشعارات داخل القسم ، وكنا حذرين الى درجة عالية ، لقساوة الوضع الأمني ، ولشدة هستيريا المفارز الأمنية وقتئذ ، حيث كانت الحرب مع إيران على أشدها ، ومدينة الفاو كانت قد وقعت تحت يد الجيش الإيراني ! .   

كانت الخطة تتلخص بأن أدخل القسم من أحد  شبابيكه التي سنتركها مفتوحة بعد نهاية الدوام الرسمي لقاعة M5  ، مع كامل العدّة ، والعدّة كانت عبارة عن قفازات طبية لإخفاء البصمات وقناع للرأس والوجه لإخفاء الملامح ، وعلبة صبغ بخاخ سوداء ولايت صغير وسكينة صغيرة لفتح بعض الأبواب إن تطلب الأمر .

قال ناظم لنذهب الى الكاظمية ، ونتفأل هناك ‍ ، لم أكن متحمسا ً للفكرة ، لكن بعد الذهاب والتفأل ... خرجت الآية الكريمة ...

{{{ ودخل معه السجن فـَـتيان ‍‍‍‍{{{ من سورة يوسف

قلت لهم : يعني آني معلوس معلوس ، وأنتو هَمْ جايين ورايــــه ‍...

لم تنخفض معنوياتنا ، فقد كنا مشحونين بالحيوية والطاقة ، ولم نحس بالخوف أو الإرباك أبدا ً ، رغم أننا ثلاثتنا كنا من عوائل ميسورة الحال . كان هناك إصرار على تنفيذ هذا الأمر ولم نعر أهمية الى ما سيئول إليه ، فالمهم عندنا هو أن نفعل شيئا ً عمليا ً ضد النظام .

قررت الدخول الى الجامعة من الطرف الجانبي الأيسر المطل على منطقة سكنية أمام الخط السريع ، وقد كانت الباب عملاقة والسياج عال جدا ً ، لكني كنت برشاقة كافية ولياقة تسمح لي بتسلق الحيطان والقفز من فوق .

اشتريت العدة وأخفيتها في سيارتي ( برازيلي 86 ) وعند الظهيرة أبلغت أهلي بأني أنوي السفر الى مدينة كربلاء وأنني سأبات هناك . وكذا بلغ أبو جاسم أهله بقضية السفر ، فيما انشغل ناظم بالدعاء لنا ليلتها . التقيت بمحمد وكانت الشمس على وشك الغروب ، وكنا نريد أن نحرق الوقت كيفما شاء ، حتى مضى من الليل شطره ، وخفنا من كثرة التجوال في الشوارع لئلا نرصد من قبل المفارز المنتشرة في كل مكان ، وخير مكان قررنا الذهاب إليه لدرء الشبهات هو الملهى ‍... جلسنا في الملهى وفي ذلك الجو الصاخب والسكارى والغانيات ، وطلبنا قهوة وشاي حليب ، وحين استغرب النادل من طلبنا أبلغناه بأننا سنسكر بعد انتصاف الليل وليس قبله ‍.

باءت محاولة إحدى الغانيات بالفشل حين حاولت أن تراودنا عن نفسنا المقدسة ، حيث كنا في عالم وهي في عالم آخر .

كانت عيون محمد مرتبكة وأنا مبتسم وكلانا يطمأن الأخر بأن الأمر سينتهي الى خير .

اقتربت الساعة من الثانية بعد انتصاف الليل وخرجنا من المكان وتوجها عبر الخط السريع بعد كراج النهضة الى الجامعة ، وقبل أن نخرج من الخط السريع للدخول الى الشارع الموازي للجامعة ، نزل محمد وكان هو الذي يقود سيارتي ، نزل وأخفى رقم السيارة بحفنة من الطين تناولها . دخلنا الى الشارع وترجلتُ منها مع كيس العدّة وتواعدنا بعد ساعة من الآن في نفس المكان.

تسلقت الباب الحديدي وبخفية وصرت داخل حرم الجامعة ، لكني فوجئت بأصوات الرفاق الخفر !

 اختبأت خلف كومة من الأشجار الصغيرة ، كان الرفاق في كل مكان وهم مدججين بالسلاح  ، هذا لم يكن بالحسبان ، لكني لم أتراجع ، فصرت أزحف تارة ، وأمشي منحنيا ً تارة أخرى  ، متوجها الى القسم الخاص بي والذي يبعد حوالي مائتي متر عن الباب . كان هناك ضوء قويّ متحرك لراصد فوق باب الجامعة المطل على الشارع الرئيسي للصناعة ، وهذا الضوء كان يدور ويبحث عن أي جسم غريب ، وعند وصول الضوء لي كنت أضطجع وألتصق بالأرض ، وعلى هذا الحال وصلت الى تحت الشباك الذي تركته مفتوحا ً لقاعة M5  ...

مشكلة أخرى ... الشباك عالي ، والشرفة مائلة للأسفل ، والتسلق والدخول شبه مستحيل ، لكني لم أيأس ، فحاولت الصعود مرة وانزلقت واختبأت خلف كومة حشائش هربا ً من الضوء الذي وصل إليّ ، وعندما ذهب الضوء ، حاولت مرة أخرى ، وأخرى ، لكن القضية كانت مستحيلة ... كان صوت الرفاق الخفر ومشهد أسلحتهم يمر أمامي كل فترة ، وقررت حينها الانسحاب والخروج من الجامعة ، وبنفس الحركات اقتربت من الباب الجانبي وتسلقت وخرجت ، لكن بقي من الوقت الكثير ، فتمشيت قليلاً ورميت كيس العدة في ركن الحائط المظلم للجامعة ، وبقيت هناك حتى وصل صاحبي ، فتناولت كيس العدة وركبت معه بعدما مسح ما تعلق برقم السيارة من طين .

أمضينا ليلتنا في أحد فنادق الكرادة خارج ، ورجعنا الى البيت ظهيرة اليوم التالي ... وتقبل الله الزيارة .

قررت للمرة القادمة أن أبات داخل القسم ، وسأكون في حلٍّ من كل الإشكاليات التي حدثت ، ولم يعترض أحد على ذلك .

انتهى الدوام الرسمي يومها بعدما تركت عدّتي في سرداب القسم ، على حين غفلة من الطلاب ، وفي البيت أبلغت أهلي أني سأذهب الى بيت صديقي محمد لغرض مراجعة بعض المواد الدراسية ولربما سأتأخر . خرجت من البيت تاركاً سيارتي واستقلت سيارة أجرة للجامعة . كان القسم على وشك الإقفال ، وفراش القسم المصري الجنسية ( تادرس ) يهمّ بغلق أبواب القاعات ، فاستغليت فترة خلو الصالة الرئيسية للقسم أمام باب الدخول وأسرعت بالنزول الى السرداب والدخول الى أحد الصالات الفارغة فيها وكانت تحوي خزاني ماء كبيرين ، اختبأت خلفها ، مع كامل العدة ، وانتظرت . ما لم يكن بالحسبان هنا ، أن أرضية الصالة كانت مغمورة بالماء ، فجلست مقرفصاً أنتظر خلو القسم من الطلاب والأساتذة وحلول الظلام .

تعبت من جلوسي وقررت النزول والجلوس في الماء لترتاح قدامي . خلى القسم ، غابت الشمس ، وجاء الليل ، وأنا أنتظر ، أتلهى بذكر الله وقراءة ما كنت أحفظه من قصار السور .

قررت الخروج لمّا أحسست بأن ساعة العمل حانت ، فتحت باب الصالة في السرداب المظلم ، ولبست القفازات والقناع الذي كان عبارة عن ( كلاو صوف أسود ) فتحتُ له فتحة للعيون فقط .

على أول السلـّم المؤدي الى الصالة الرئيسية ، أزلت غطاء علبة الصبغ البخاخ ، وبدأت بكتابة أول عبارة ... 

{{{ يسقط صدام المجرم }}}

استوقفتي العبارة قليلاً وأنا أتأمل بحروفها ... لقد كتبتها إذاً ... ولا مجال للتراجع ، توجهت زحفا ً الى الممر المؤدي الى قاعات القسم في الطابق الأول ، حيث كان الضوء الدوّار يخترق شبابيك القسم . فتحت باب قاعة M7  وبدأت بالكتابة على السبورة البيضاء شعارات أخرى ، وعلى الطاولات الطويلة أمام مقاعد الجلوس الأمامية ، ثم توجهت الى القاعة المقابلة ونقشت شعارات أخرى ، ثم على حائط الممر ، ثم قاعة M5 ، وصعدت الى الطابق الثاني وكتبت الشعارات الأخرى على الحيطان وما أذكر منها ...

{{{ يسقط نظام العفالقة }}}

{{{ صدام جزار }}}

{{{ الموت للبعث }}}

{{{ عاش  العراق والموت للطغاة }}}

وهنا وهناك ... وعلامة أكس على صور الطاغية المعلقة .

بدأت علبة الصبغ تخف ، وأنا أتنقل في القاعات والممرات المظلمة بخفية وسرعة وحذر ، وعند نزولي الى الطابق الأرضي سمعت صوت خربشة من مكان ما ! فجفلت وتسمّرت في مكاني ، وتبين أن قطة كانت تجول في المكان وصرنا أنا وهي وجهاً لوجه ... قلت في نفسي ...

: هل يمكن أن تشهد القطط على هذه الحوادث ؟ ...

أردتها أن تبتعد عن طريقي وأخفتها بحركاتي ، لكنها لم تخف ولم تتحرك ، حاولتُ مرة أخرى ، فاستدارت ونزلت الى السرداب من جهة غرفة الاتحاد . فتحت باب غرفة الاتحاد بمفتاح استنسخته ودخلتها كي ما أنهي ما تبقى من سائل أسود ، وبالفعل مع آخر أكس على وجه الطاغية انتهى الصبغ ، فوضعت علبة الصبغ الفارغة على منضدة وسط الغرفة كهدية مني لهم ، وفتحت شباك الغرفة المطل على الجهة الخلفية للقسم وانزلقت على الحائط المنثور الى خلف كومة من الحشائش ، خلعت القناع والقفازات الصفراء ، وتوجهت الى الباب الجانبي الذي دخلت منه في المرة السابقة .

ما أن طفرت من الباب العالية وصرت بالشارع حتى تنفست بعمق صدري هواء بغداد الجميلة ، قد أخفيت القبعة والقفازات تحت بلوزتي ، وعلى الشارع الرئيسي أشّرت لأوقف سيارة تاكسي ، فوقفت سيارة متسيوبشي خصوصي ، ولم أعامله على الأجرة ، فقط قلت له : للكرادة . وعندما مرّ بي من أمام حرس الجامعة وهم بكامل عدتهم ، سألت السائق ...

: هذوله اشعدهم ؟

لم يجبني السائق وأدار مسجل السيارة فطلبتُ منه أن يرفع الصوت أقصى ما يمكن ، وفي الأثناء ودون أن ينتبه أخرجت القفازات ورميتها بالشارع في الطريق الى الكرادة ، فيما أخفيت القناع الصوفي تحت الكرسي الذي أجلس عليه ليحتفظ به كذكرى لتوصيله إياي .

كان أبو جاسم قلقا ً وخرج لي من الدار وأخذني في حضنه ، وأدخلني البيت وجلب لي دشداشة بيضاء لأستبدل ملابسي المبللة ، وقررنا الخروج ، فتوجهنا الى محل صديقنا رعد الوسيم ، بائع الجرزات في شارع الكرادة داخل ، قرب مشفى الراهبات .

كنا نضحك ... بشكل غير طبيعي ... أنا ومحمد ... وقررنا أن نترك رعودي ونتوجه الى الجامعة في تلك الليلة ‍‍‍!!! 

كانت تصرفاتنا غير طبيعية ، لم ندري كيف نحتفل بالأمر ، وكأننا نريد أن نبلغ حرس الجامعة بالأمر !!!

وبالفعل دخلنا بالسيارة الى القسم الداخلي المجاور للجامعة وناديت على أحد الزملاء لكنه لم يكن موجوداً ، فرجعنا الى البيت وودعت محمد ، ونمت تلك الليلة نوما ً عميقا ً وكأن شيئاً لم يكن .

صحوت الساعة العاشرة حيث كانت أول محاضرة لنا تبدأ الساعة 11 ، وتوجهت بكل هدوء الى الجامعة ، لأرى أمة الثقلين قد اجتمعت هناك ، والتفتيش فوق العادة من الباب الخارجي ، ووجوه غريبة تجول في كل مكان من أصحاب البدلات الزيتونية والقطعتين . كان قسم هندسة المكائن والمعدات مغلقا ً على الطلاب ، مفتوحا ًعلى الرفاق والسادة المسؤولين ، مجموعة تدخل وأخرى تخرج ، وعلب الأصباغ تدخل والعلب الفارغة تخرج ، والمصور أبو فلاح يدخل ويخرج بأوامر من المجرم جودت الكسّار ضابط أمن الجامعة المعوق من الرقبة ...

: هوَ شكو ؟؟؟ إيه ... هو فيه إيـــــــه ؟

الكل يسأل الكل ... بعضهم قال قتيل ... وبعضهم عرف الموضوع ... وبعضهم من خوفه الى البيت  رجع .

قال رعد : آآآآآآآآآآآآآ ... أكوشي ... صاير شي ...

كنا نضحك بكل براءة ... وبدأتُ بتسريب الخبر الى البعض ، بأنه ربما كانت هناك شعارات مكتوبة !!! خوفا ً مني أن لا يعرف أحد حقيقة ما جرى !!!

فـُـتحت باب القسم فدخلنا ودخل الجميع ، وحزنت لأنهم غطوا كل الشعارات التي كتبتها !!! بصبغ فاحت رائحته ولوث قمصان بعض الصبايا الجميلات .

كانت حفلة التخرج بعد ليلتين أو ثلاث من الحادثة ، وحضرت الحفلة ببدلتي البيضاء الأنيقة ، فغنينا ورقصنا حتى تعبنا رغم ما كان في القلب من جراح .

 

 

 

الحلقة الثانية

***

شهر نيسان 1986 بعد أيام من الحادثة ...

كانت الساعة تقترب من الحادية عشر صباحاً وأنا أتمشى داخل رواق الجامعة بكل هدوء وبراءة . أقبلَ نحوي أحد الطلبة المعروفين بالولاء للنظام وأبلغني أن الدكتور عبد الرحيم رئيس قسم المعامل يريدني في أمر ما وهو ينتظرني في كراج السيارات قرب الاستعلامات الرئيسية !

ذهبت معه غير مكترث من غرابة سؤاله ، ورأيت غير بعيد سيارة نوع متسوبيشي رصاصية اللون وبجنبها شخصين غريبين لم أعهدهما من طلاب أو أساتذة الجامعة رغم الزيّ الجامعي الذي كانا يرتديانه .

سألني الأول عن اسمي ، وأجبته بكل هدوء ... قال الآخر وقد همّ بفتح باب السيارة : تفضل ويـّـانه !!!

قلت له : وين ؟{ وكأن طاقة في داخلي تحركني بلا خوف أو تردد }

قال : خمس دقايق وترجع !!!

أدركت حينها أن رحلتي قد بدأت ... فمن هنا الى هناك يا أيوب ...       اذهب الى قـَـدَركَ الذي ارتضاه الرب لك ... اذهب واترك دنيا دنيّة ... لا تعرف إلا ّ الظلم والخطيئة ...

دخلتُ السيارة وجعلوني في وسط المقعد الخلفي ، واحد عن يميني وآخر عن يساري ... سألتهم ...

: الى أين نحن متجهون ؟ ... أحنا وين رايحين ؟ للأمن العامة ؟

وجاءني الرد سريعا ً ... والعجب إنه لم يراودني أيّ شعور بالخوف ولا أدري لماذا ؟ ربما لأني لم أكن أحسب الأمور بموازينها الحقيقية ؟ أم لأن قوة خفية في داخلي بدأت تنمو ؟ لم أعرف ...

وفجاءة ً تذكرتُ شيئاً أرعبني حقا ً !!! فهناك قصاصة ورق صغيرة في محفظتي ، أعطانيها صديقي علي من البصرة في القسم الداخلي ، وكتب لي فيها بالنص ...

: دير بالك تحجي ، تره مثل ما وصيتك .

ولعل علي كان له علم بمراقبة رجال الأمن لي أو شيء آخر ، وكان دوما ً ينصحني بالحذر ، فأراد تنبيهي ، وكتب لي هذه القصاصة قبل يوم واحتفظتُ بها في محفظتي وهي الآن في جيب البنطلون الخلفي !!!

حاولت أن أمد يدي لها !!! لكن الأمر مستحيل ، تركت كل شيء من تفكيري وركزت على كيفية الخلاص من هذه القصاصة اللعينة .

كان شريط المسجل في السيارة يردد أحد أغاني فريد الأطرش ، فبدأت أدندن معه كلماته ...

إمتـّـه الزمن يصفا لي والتقي بحبيب ... مخلص يريح بالي ويكون وصاله قريب

وأخذت أضرب بأصابعي على رجلي منسجما ً مع ( أبو وحيد ) الوردة . التفت السائق وسألني ...

: لا زم تحب فريد الأطرش ؟

أجبته بالإيجاب ودون أن أتوقف من دندنتي !

حينها تحسرّ بغضب وهزّ رأسه : بسيــــــــطة !!!

اقتربنا من شارع النضال في ساحة الأندلس حيث تقع مديرية الأمن العامة { البناية القديمة } ، وحينها وضع الذي عن يميني كفه على رأسي وأنزله الى الأسفل ! فأصبحت بوضع جديد لا أحسد عليه ، وبقى قابضا ً عليّ ، ولم أعترض . ظلت تلك اللحظات تمر والسيارة تسير في تلك الطرقات الممنوعة على الشـَعبْ المرور بها ، وأدركت أننا دخلنا دائرة الأمن العامة من الحوار الذي سمعته بين الضابط ومسؤول سيطرة البوابة ، والمطبات الصناعية التي شعرت بها ، لكنني الى الآن مربوط الرأس الى الأسفل !

توقفت السيارة بعدما مشت قليلا ً بين البنايات ، نزل السائق ، والذي عن يساري نزل ، وبقى هذا القابض على رقبتي البيضاء ، ثم نزل وأمرني أن لا أرفع رأسي وأنا في السيارة .

بقيت هكذا ... حتى أتى الأمر ...

: انزل ... بس راسك للكـَاع ودير بالك ترفعه !!!

نزلت وأحدهم قابض على معصمي الأيمن ، أمام بناية قديمة ، تحوي مدخلا ً صغيرا ً ثم سُـلـّم حجري ثم مدخل آخر _ طارمة _ في يساره أريكة ( قنفة ) قديمة أجلسوني عليها .

القصاصة !!! لم يكن في بالي غير القصاصة !!! وهذا الحرس واقف أمامي ، عيناه لا تفارقني ! حتى جاء النداء من الداخل ...

: يلا جيبوه !!!

وهنا يأست من الوصول الى القصاصة ... وبالفعل فقد مدّ الحرس يده نحوي وهممت بالقيام ، ولكن اللحظات القادمة جلبت نداءا ً آخر من الداخل ...

: لا ... لا ... خليه هسّه !

ظل الحرس أمامي حتى أتاه الأمر بالدخول ، فدخل ، ولم يكن أمامي غير هذه اللحظات السريعة المعدودة ...

أخرجت المحفظة ... أخرجت القصاصة منها ... لم أفكر طويلا ً فاللحظات حرجة ... حشرتها في ركن الأريكة خلفي ... وأعدت المحفظة الى جيبي بسرعة فائقة ... وإذ ذاك ... خرج الحرس !!!

وقفت شاكرا ً لله في قلبي المحتاج إليه في هذه اللحظات ، فهذه الورقة لو وقعت تحت أيديهم تفعل العجب العجاب ! فمن هذا ؟ ومن يكون ؟ ولِــمَ يُحذرك ؟ وممَ يُحذرك ؟ وهل هو مسئولك ؟ أم العكس ؟ وألف سؤال وسؤال !!! ولا بد أن يُحظر ويعتقل !!! وتترتب عليّ وعليه أمور لا على البال ولا على الخاطر ... لكن الله أرحم .

 

 

الساعات الأولى

دخلتُ الصالة ، صالة كبيرة ، غرفٌ على اليمين وأخرى على الشمال ، بناية قديمة ، وحيطان رطبة ، وأضواء خافتة ... أدخلوني في أول غرفة على اليسار ، جلستُ بهدوء على كرسي أمام طاولة فوقها ملفات وأوراق وكتب وأقلام ... خلف الطاولة كان الضابط المحقق جالسا ً بهدوء أيضا ً ... كان الرائد ضرغام ... وكان ابتداءا ً لطيفا ً معي في أسئلته عن حالي وأحوالي وكيفية الدراسة ومشاريعي المستقبلية !!! وأنا أجيبه بهدوء ... بهدوء ... وفي خاطري شيء وفي خاطره شيء وأشياء كثيرة وكثيرة ... وفجأة ً سألني ...

: كيف كتبتَ الشعارات ؟ !!!

وهنا كانت الصدمة قاصمة ... أدركت أنهم كشفوا أمري ... وعرفوا قضيتي ... وأني واقع تحت أيديهم ... فأين المفر ؟

: أيّ شعارات ؟ يا شعارات ؟ ... مستغربا ً ... مستفهما ً ...

تأملني للحظات وهو يركز عينيه على عيني ، وأنا أركز أيضاً فيهما ، كان التحدي قد بدأ ...

: نحن نعلم أنك مَنْ كتبَ الشعارات ... ولكن صرّح لنا واعترف بالكيفية واخرج سالما ً غانما !!!

: أخي يا شعارات ؟ اشكـَاعد دتكـَول ؟ { كنتُ أظن أن هذا الكلام مسموح به }

وهنا انتفض عليّ غاضبا ً...

: شنو أخي ؟ كـَول سيدي ... هـ