|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
25 كانون ثاني 2007 |
|
مــا الــجــمــال ؟
كتابات - اورخان محمد علي
منذ آلاف السنين والشعراء والأدباء والفنانون وأصحاب الحس المرهف يتغنون بالجمال وينبهرون به ويحاولون التعبير عنه وعن أحاسيسهم ومشاعرهم تجاهه فلا يملون ولا يسأمون ولا يكتفون اذ لا تزال في قلوبهم المترعة بنشوة الجمال أشياء وأشياء تحاول الإفصاح عن نفسها وحق لهم هذا، فهم يعيشون في عالم نثرت على جوانبه آيات من الجمال عديدة ولو كان للمصادفة أي دور في هذا العالم وفي هذا الكون لكان الجمال نادرا بعكس ما نشاهده الآن من وفرة وتعدد أشكال الجمال وصوره في الزهور والورود... في الطير وفي الفراش... في المرجان وفي الأسماك... في السماء ذات النجوم المتلألئة... وفي البحار الواسعة الزرقاء... في شروق الشمس وغروبها... في الكثبان الرملية الذهبية... في أشجار الغابات الباسقات... في تغريد الطيور... وفي خرير المياه...في صوت المطر ... وفي لمعة البرق ... في منظر الثلوج الناصعة... وفي ألوان قوس قزح. وتعد حاستا البصر والسمع عندنا أهم حاستين تنقلان الينا صور الجمال. فبهما نبصر المناظر الطبيعية الخلابة والصور التي يبدعها الفنانون، ونسمع أصوات الطيور وتغريدها وألحان القطع الموسيقية الرائعة والأشعار الجميلة فتهتز قلوبنا طربا، ونعبر عن هذه النشوة والمتعة بكلمات الاعجاب. وعندما يزداد الجمال ويطغى نبقى صامتين مذهولين نشوى، لا نعرف ماذا نقول ولا كيف نعبر عن أحاسيسنا اذ نجد ان اللغة قاصرة عن التعبير. والجمال أنواع ... فهناك الجمال الهادىء ... وهناك الجمال الرقيق ... وهناك الجمال الجليل والمهيب. ففي الزهرة النضرة الضاحكة جمال هادىء ... وفي جناح الفراشة جمال رقيق... وفي البحر الواسع والسماء اللانهائية جمال جليل ومهيب. في صوت البلبل جمال هادىء ... وفي خرير مياه الجدول جمال رقيق ... وفي القطع والالحان الموسيقية درجات مختلفة من الجمال الهادىء او الرقيق او الجليل، وفي صوت الأذان جمال مهيب. الجمال على أنواع، وعلى درجات وعلى طبقات وعلى مراتب متنوعة كتنوع الألوان والأنوار والظلال التي يزخر بها هذا العالم، وكل منا يأخذ منه حسب استيعاب روحه وقلبه، وغنى فؤاده وقدرته على تذوق الجمال، وكلما ارتقى الإنسان زادت قابليته على تذوق الجمال. فمنا من لا تحرك مشاعره أجمل المناظر ولا أحلى الاصوات والألحان ولا أرق الاشعار. ومنا من يحس بدبيب قليل في قلبه تجاه الجمال، ومنا من يظل قلبه عطشا على الدوام لا يشبع من الجمال كلما شرب منه ازداد عطشا يا نسيم الريح قولي للرشا لم يزدني الورد الا عطشا لي حبيب حبه وسط الحشا إن يشأ يمشي على خدي مشى مثل هذا الإنسان الهائم بالجمال، المتعطش له،العاشق له ، عندما يقابل جمالا تعروه هزة كهزة عصفور بلله القطر أو تعروه فرحة كفرحة عاشق رأى معشوقته وإني لتعروني لذكراك هزة كما انتفض العصفور بلله القطر بل عندما تزداد مرتبة الجمال ويمتلىء به القلب ثم يفيض قد نشعر حتى بالالم، ولكنه ألم من نوع آخر، ومذاق آخر ...ألم عبقري! توهمه قلبي فأصبح خده وفيه مكان الوهم من نظري أثر ومر بفكري خاطرا فجرحته ولم أر جسما قط يجرحه الفكر وصافحه قلبي فآلم كفه فمن غمز قلبي في أنامله عقر ولا يقتصر الجمال في الطبيعة على ما نستطيع مشاهدته بالعين المجردة، بل هو متغلغل حتى في الوحدات الصغيرة لهذا العالم التي لا ترى بالعين المجردة فتركيب الخلايا جميل والشريطان اللولبيان لجزيئات D.N. A بديعا التكوين، وندف الثلج تحت المجهر رائعة الجمال، وما من أحد يدري الآلية التي تجعل كل ندفة ثلج في شكل آخر وزينة أخرى، وتصميم آخر. وقد جمع " د. أ. بنتلي" بعد مجهود دام خمسين عاما ألفي شكل لهذه الندف الثلجية في كتاب أصبح اليوم مرجعا لمصممي المنسوجات وللفنانين ولصانعي الجواهر. ويلاحظ أن الشكل السداسي موجود في جميع هذه الاشكال المزخرفة لندف الثلج، ولم يتم التوصل حتى الآن إلى تفسير هذه الظاهرة. وكما لا يمكن تفسير الجمال بالمصادفة كذلك لا يمكن تفسيره بالضرورة. لأن الجمال يتجاوز الفائدة ويعلو عليها، فليس الجمال هو المفيد ماديا، بل هو المفيد في شكله الراقي الذي يثير في النفس مشاعر الانبهار والتقدير والمتعة المعنوية. فالأنف الكبير مفيد في التنفس أكثر من الأنف الصغير الرشيق، ولكنه لا يعد جميلا، والأذن الكبيرة مفيدة في جمع الأصوات ولكنها ليست جميلة. لذا عجزت نظرية التطور لدارون عن تفسير وجود الجمال في المخلوقات. اذ ما الضرورة لوجود الزينة والألوان في أجنحة الطيور والفراشات ؟ أهي من أجل التكاثر ؟ ولكن لماذا كان الجمال ضروريا للتكاثر؟ ولماذا تبدو هذه المخلوقات جميلة في نظرنا نحن ؟ ما الضرورة في هذا ؟ ولماذا كان صوت الطيور جميلا ليس في أسماع الطير فقط بل في أسماعنا أيضا ؟ ما الضرورة في كل هذه الأمور ان لم يكن الجمال وحبه مركوزا في طبيعة هذا الوجود وفي خميرته؟. يقول مؤلفا كتاب " المنظور الجديد للعلم The New Story of Science " : ( ... فهل تستطيع آليات الطبيعة أن تفسر جمال الندف الثلجية، أو زبد البحر، أو أقواس قزح، أوغروب الشمس؟ إن جمال هذه الجوامد ينتج بالضرورة من قوانين الفيزياء والكيمياء، وهي قوانين جميلة كما رأينا في الفصل الثالث. وبفضل قوانين الطبيعة هذه لا يمكن أن يتولد من ذلك كون بشع. فجمال الجوامد مركب في آلية الطبيعة ذاتها. لنأخذ قياسا تمثيليا لذلك. فقد يستطيع أحدنا أن يبني مصنع سيارات مجهزا كليا بمعدات ميكانيكية لإنتاج عربات جميلة. بل هو قد يستطيع أن يركب في الآلية الجمال الناتج عن التصميم واللون. ولكن الجمال في السيارة لا يصبح بذلك ضرورة مطلقة، اذ تظل العربات البشعة قادرة على ان تنقل الركاب بفعالية. ومن الممكن اختراع آلات لإنتاج عربات كهذه وبالطريقة نفسها. ليست هنالك أي ضرورة مطلقة تفرض في المقام الاول أن تشتمل القوانين الفيزيائية للطبيعة على البساطة والتناسق. ولنا أن نتصور كونا آخر ذا قوانين طبيعية غير متماثلة ومعقدة لغير ضرورة ينتج ندفا ثلجية بشعة بضرورة ميكانيكية. الضرورة إذن لا تقدم تفسيرا نهائيا للجمال الذي نجده في الجوامد، كما أنها لا تستطيع أن تفسر الجمال الموجود في النباتات والحيوانات. إن عالم الاحياء "أدولف بورتمان Adolf Portmann "، وهو حجة معترف به في موضوع أشكال الكائنات الحية وعلاماتها المميزة، يشير إلى سمات كثيرة لا تفسرها الضرورة. ويشير بورتمان كذلك إلى أن ألاوراق ضرورية للشجرة لإنتاج طعامها، "ولكن هناك الشىء الكثير في شكل الورقة وخطوطها، مما ليس تكيفا مع البيئة، بل هو تصوير ذاتي محض "... إن متطلبات التخليق الضوئي Photosynthesis " تفسر سبب وجود الأوراق على الشجرة في المقام الأول ولكنها لا تفسر سبب اختلاف ورقة القبقب عن ورقة البلوط ". والشيء نفسه يصح على الحيوانات. ففيما يتعلق بريش الطيور مثلا، يلاحظ بورتمان أنه: " ساد الاعتقاد مدة طويلة من الزمن أن الريش ليس له دور سوى تيسير عمليتي تعديل الحرارة والطيران. ولكن علينا الآن أن نضيف دورا ثالثا وهو التعبير عن الذات، لأن هناك أصنافا كثيرة من الريش تغلب الزخرفةعلى تركيبه الخارجي. وجسم الإنسان يبرهن على أن الضرورة لا تفسر الجمال. فصوت الإنسان أكثر براعة وتعبيرا من أي آلة موسيقية. والضرورة لا تستلزم أن يكون للانسان صوت قادر على اخراج أنغام حلوة، اذ يكفي أن يكون له صوت رتيب وممل، أو صوت خشن للاستغاثة أو للتعبير عن حاجات بدنه. ودارون نفسه أقر بان الضرورة لا تستطيع أن تفسر ما حُبي به الإنسان من مواهب موسيقية فطرية فقد قال : " وحيث أن الاستمتاع بالانغام الموسيقية والقدرة على اطلاقها ليسا من الملكات التي تعود على الإنسان بأدنى منفعة في عاداته اليومية الحياتية، فلا بد من تصنيفهما في عداد أكثر الملكات التي حُبي بها غموضا". والضرورة قد تفسر لماذا يكون صوت عصفور جميلا في عين عصفور آخر، ولكنها لا تفسر لماذا يكون جميلا في عين الانسان. وعلى هذا الاعتبار نسأل :لماذا ينبغي أن يكون النمر أو الشوك جميلا في عين الإنسان ؟) . وقد عد هذان العالمان وجود الجمال من أهم الأدلة على وجود الله، وخصصا فصلا كاملا ( الفصل الثالث) لشرح هذه النظرة. ولكن ما الجمال؟ أهو مرتبط بالفائدة فكل من كان مفيدا كان جميلا؟ أم هو التناسب بين الأبعاد والحجوم؟ أم هو التناغم بين الألوان؟ وما معنى التناسب والتناغم وكيف نستطيع تحديدهما؟ وما الفرق بين الجميل والجليل؟ وكيف نستطيع إثبات صحة أحكامنا بان هذا الشىء جميل؟ وهل يمكن أن يكون لدينا موقف جمالي محدد تجاه الأعمال الفنية؟ ... هذه بعض الاسئلة القديمة قدم التفكير الانساني. فهناك من يربط نشأة الجمال بالألوان كالاستاذ " بين " في كتابه "الانفعالات والإرادة " اذ يقول : (إن الفكرة الاولى في الجمال تنشأ عن الألوان، فالطفل قبل أن يشعر بلذة من جمال شكل أو جمال حركة تأخذ ببصره الألوان الزاهية والصور البديعة. وإني أميل إلى تقرير ذلك عند القرويين، فانه تغلب عليهم هذه الفكرة في الجمال حتى في تقدير جمال النساء ). ويعلق الدكتور " ا. س. رابوبرت "على هذا الرأي مؤيدا فيقول : (ويوضح هذه الفكرة أن الأجناس البشرية الأولى والأشخاص الذين لا يزالون في طور الانحطاط ينجذبون نحو الألوان الزاهية في الجماد والحيوان. إن من أخذوا بحظ قليل من الرقي ولم يصلوا إلى حد أن يوجهوا نظرهم نحو أنفسهم يميلون إما إلى الألوان القوية -كالأحمر والأصفر -أو الألوان المتنوعة، أما الراقون المهذبون فيميلون إلى الألوان المتلائمة والخفيفة، تعجبهم وحدة الفكر التي تنسق الألوان المختلفة والمظاهر المتعددة ) . وأقدم حوار نعرفه حول الجمال في تاريخ الفلسفة نجده في حوار "هيبياس الكبير " مع سقراط، فهذا السوفسطائي المشهور حاول عبثا وضع تعريف جامع وشامل للجمال يكون مقنعا لسقراط. ولكن أول من استعمل مصطلح "علم الجمال Aesthetice " حسب رأي "ا. س. رابوبرت" هو " بومجارتن " (1714-1762) فهو أول من جعل الجمال فرعا مستقلا في الفلسفة. وقد قيل أن هناك تعاريف بعدد الناس الذين عاشوا في هذا العالم. وصعوبة وضع تعريف جامع ومانع للجمال كان سببا في أن علم الجمال فرع من أصعب فروع الفلسفة، وأقلها نموا وتقدما. ومع هذا فلا بأس من ايراد بعض الآراء حول الجمال : يرى سقراط أن الجمال مرادف للمفيد والنافع، ولا يقصد هنا بالنافع المنفعة المادية المحسوسة فقط، لأن اللذة والمتعة النفسية الناتجة من الإحساس بالجمال يدخل ضمن المنفعة والفائدة. أما أفلاطون فهو يرى ( حسب نظريته في المثل ) أن الجمال شيء إلهي ومعنى مطلق موجود في جوهر الأشياء لا يتغير، وهو مرادف للخير. والإنسان عندما يشاهد الجمال الذي هو ظل خفيف من الجمال المطلق الذي رآه في عالم المثل الذي عاش فيه قبل حياته الدنيوية هذه يتذكر ذلك الجمال بشكل غامض ويحس باللذة والمتعة التي سبق وأن شعر بها هناك. إذن فهذا هو سر الجمال، وهذا هو سر شعورنا بالمتعة منه. ويرى أرسطو أن الجمال موجود في الطبيعة بوفرة ولا سيما في المخلوقات الحية، ويقول بأن هذا الجمال دليل على وجود إله بارع الصنعة.وكان يشجع تلاميذه المبتدئين للإنتباه إلى وجود الجمال والصنعة الرائعة حتى في أكثر الحيوانات بدائية.فهو يقول في كتابه" طبائع الحيوان:
"لأنه إذا لم يكن لبعضها من الحسن والجمال ما يستهوي الحس فحتى هذا البعض ، بكشفه للإدراك الذهني عن الروح بارعة الصنعة التي صممتها، يعطي لذة عظيمة لجميع أولئك القادرين على تتبع روابط العلية والميالين إلى الفلسفة" لا نجد شيئا كثيرا حول الجمال في العصور الوسطى في أوروبا. ولكننا نجد أن توما الأكويني Thomas Aquinas هو من المفكرين القلائل الذي تناول موضوع الجمال وعدد عناصره. فهو يقول إن عناصر الجمال ثلاثة: أولها التمام أو الكمال. لأن الأشياء التي يشوبها النقص تكون بشعة. والعنصر الثاني هو التناسب الواجب أو التناسق. والثالث عنصر الإشراق .لأن الأشياء الجميلة تكون مشرقة الألوان. أما في العالم الإسلامي فان موضوع الجمال كان يرد عادة عند شرح الأسماء الحسنى لله تعالى ولا سيما اسم " الجميل"، وعند الحديث عن " الجمال الإلهي " وتجلي الله تعالى لعباده في الجنة حيث تصغر كل بهجة وكل لذة في الجنة أمام لذة تأمل الجمال الإلهي. ولكنهم تناولوا مباحث تعد في الفلسفة قريبة من بحث الجمال وهي مباحث الاخلاق ومباحث الخير والشر وجمال الخير وقبح الشر. حتى جاء الاستاذ بديع الزمان النورسي في العصر الحديث فتكلم عن الجمال بإسهاب نوعا ما. بعد عصر النهضة تناول العديد من الفلاسفة موضوع الجمال. من أهمهم "لوك" و"هيوم" و"كانط " أما في العصر الحديث فأشهر من تناوله هو الفيلسوف الايطالي "بندتو كروتشه"(1866-1952). يقول "كانط" :(إن أي حكم جمالي إلى جانب إضفائه القصدية على ما نحكم عليه بأنه جميل فانه يذهب إلى أبعد من ذلك، وهو إن الشيء الجميل يرتبط ارتباطا ضروريا بشعور باعث على اللذة، وإنه بوصفه شيئا جميلا ليس موضوعا للمنفعة، وإنه يثير اللذة في نفوس الناس جميعا وإن هذه الموضوعية المطلوبة للاحكام الجمالية تختلف تمام الاختلاف عن الموضوعية التي تتصف بها الأحكام التركيبية القبلية، اذ ليس في ملكاتنا الادراكية غير أساس ذاتي بحت ومن هذه الناحية تتساوى الأحكام الجمالية مع التفسير الغائي ). أما الفيلسوف الايطالي " بندتو كروتشه "( 1866- 1952) فيعد أشهر من بحث في علم الجمال في عصرنا الحالي، فقد تناوله في المجلد الاول من كتابه " فلسفة الروح" وفي كتابه " موجز علم الجمال" الذي طبعه عام 1902، وكذلك في المقالة التي كتبها في دائرة المعارف البريطانية تحت عنوان " علم الجمال ". وكروتشه يفضل الفن الذي يعبر عن الجمال على الميتافيزيقيا وعلى العلم. لأن العلوم تقدم لنا الفوائد، ولكن الفنون تقدم لنا الجمال، وهو يتجه بنا مباشرة إلى الحقيقة وإلى الكلي المجرد. وهو يرى أن أصل الفن هو القدرة على تكوين الصور الذهنية. ولكون الخيال يسبق الفكر وهو شرط ضروري له كانت الفاعلية الفنية -أي القدرة على تكوين الصور الذهنية -أسبق من الفاعلية المنطقية لدى الانسان. وهو يذكر قول " ميخائيل أنجيلو ": إن الإنسان لا يصور بيديه بل برأسه (يقصد بخياله ). وعندما يعرّف "كروتشه "الجمال يعرّفه هكذا :(انه التكوين العقلي لصورة ذهنية أو لسلسلة من الصور يتمثل فيها جوهر المُدرَك). فالجمال يتعلق بالصورة الباطنية أكثر من الصورة الخارجية التي هي تجسيد للصورة الباطنية. وهو يقول بأن هناك من يتصور أن الفرق بينه وبين شكسبير هو فرق في التعبير فقط، وأن لديه الأفكار والصور نفسها التي كانت لدى شكسبير، ولكنه لا يجد العبارة الفنية البليغة للافصاح عنها. ولكن هذا وهم باطل، فليس الفرق في قوة إخراج الصورة، بل في القدرة على تكوين الصورة الباطنية المعبرة عن الشيء الخارجي. والشيء نفسه وارد بالنسبة للإحساس بالجمال، فهو أيضا تعبير باطني. اذ يقول : " إننا حين نستمتع بالعمل الفني الجميل إنما نعبر عن بصائرنا نحن". اذن فسر الجمال يكمن في الصورة الذهنية المعبرة، سواء في الفنان المصور، أو المتفرج لتلك الصور. فاذا سئلنا ما الجمال؟ أجبنا إنه تعبير. وليس الأمر مقصورا على خلق صور الجمال ، بل إنه ليتعدى ذلك إلى الاحساس بالجمال، فهو كذلك تعبير باطني. فدرجة فهمنا أو تقديرنا للآية الفنية إنما تعتمد على قدرتنا أن نرى الحقيقة المصورة ببصائرنا . فهو يقول :( إننا حين نستمتع بالعمل الفني الجميل إنما نعبر عن بصائرنا نحن...فحين أقرأ شكسبير فبصيرتي أنا هي التي تكون الصورة الذهنية لهملت أو عطيل" ). الفن إذن هو عرض الشعور مجسما في صورة ذهنية . وليس الفن هو العمل النفعي العملي، وليس نشاطا خلقيا عمليا ، إذ لايجوز أن نحكم على الفن من وجهة نظر خلقية ،وإن كانت على الفنان – من ناحية كونه إنسانا- مسؤوليات خلقية. تلك هي نظرية كروتشه في علم الجمال ( ولكن علينا أن نتذكر أن علم الجمال في نظر كروتشه هو المجال الذي يدرس تجلي الروح في جميع مظاهره، ذلك التجلي الذي تعبر فيه الروح عن نفسها في أمثلة جزئية مجسمة. إذن فعلم الجمال يشمل بالدراسة كل أنواع التعبير فيما عدا التفكير المنطقي ) كما أفرد(ا.س.رابوبرت)وهو دكتور في الفلسفة- فصلا كاملا عن"علم الجمالAestheties في كتابه "مبادئ الفلسفة".نوجز رأيه هنا بإختصار، فهو يقول: (إن في حواسنا ، ولا سيما حاستي السمع والبصر،أليافا بها نشعر باللذة إذا سمعنا بعض الأوصاف أو راينا بعض المناظر. وصور الجمال – السمعية منها والبصرية – تحدث في نفوسنا هزة طرب. أما القبيح فنشعر تجاهه بنفور وألم. يقول "نيتشه:" كل ما كان قبيحا يضعف الإنسان ويقبض صدره، إذ يذكره بالانحطاط والخطر والوهن". علم الجمال يبحث في كل هذه الاحساسات ، فهو علم الشعور والعواطف والانفعالات. علم الجمال يحد الجميل والقبيح والجليل والهزلي والفكه ويبحث في السبب الذي من أجله يظهر الشيء جميلا أو قبيحا. يبحث في الجمال المطبوع كما يبحث في الجمال المصنوع، أعني أنه يبحث في الفنونوفي جمال الذات وجمال المعنى، فهو بذلك حلقة الاتصال بين الفلسفة والفن، وهو- فلسفيا –جزء من علم النفس. عم ينبعث الشعور بالجمال؟هل هناك جمال قائم بنفسه ،أو أن الشعور بالجمال يعتمد على ما نجده من أنفسنا في الشيء وعلى ما يظهر به الشيء أمام أعيننا، ومن ثم كان الصوت أو المنظر يسر إنسانا ولا يسر آخر بل ربما يسوءه؟ما خواص الحركات والأشياء التي يكون بها الصوت جميلا منسقا يلذ السامعين؟ هل هناك عنصر مشترك في كل ما هو جميل؟ هذه المباحث وأمثالها هي التي يشتغل علم الجمال بدرسها. والقوة التي بها نميز الجمال ونقومه هي التي نسميها بالذوق، وهي ملكة في الإنسان بها يشعر بلذة الجمال، منحها الناس على تفاوت فيما بينهم يرقيها التهذيب والمدنية في الفرد والمجتمع إلى درجات متفاوتة. والموضوع الآخر هو: هل الفن يجب أن يخضع للغرض الذي يرمي إليه علم الأخلاق أو أنه فوق ذلك؟ ذهب قوم ومنهم "رسكن" إلى أن الفن يجب أن يكون أخلاقيا،وأن أهم ما يجب على الفنان أن يشرك الناس معه في عواطفه الشريفة، وليس هناك شيء وراء الأخلاق يصح أن يقصد من الفن. وذهب آخرون إلى أن الفن إنما يبحث عن الجميل لا عن شيء وراءه، إنما يهم الفن جمال الشكل، أما الموضوع فليكن ما يكون، ليكن رذيلة أو جريمة. وذهب بعض علماء الجمال إلى أبعد من هذا فقرروا أن " علم الجمال أعلى شأنا من علم الأخلاق" وأن النظر في الجمال والبحث فيه أرقى ما يمكن أن يصل إليه الإنسان، وأن ذوق الألوان أهم في رقي الإنسان من الحاسة التي تدرك الخير والشر) . والجميل يختلف عن النافع، فليس كل نافع جميلا. فالأنف الكبير نافع لأنه ينفع في إدخال كمية أكبر من الهواء من الأنف الدقيق الجميل، ولكنه لا يعد جميلا.ولكن كل جميل نافع، في الأقل من الناحية النفسية وما يثيره من غبطة ولذة عند المشاهد له. ولكن أهم خلاف -حسب رأينا -حول الجمال يدور حول السؤال الآتي : هل الجمال صفة من صفات الطبيعة؟ أم هو موقف المراقب من الطبيعة؟ أي هل هو صفة نضفيها نحن على الأشياء وليس خاصية ذاتية في الطبيعة ؟ أم هو صفة أصيلة في الطبيعة؟... هناك نظرتان او جوابان على هذا السؤال: كان أفلاطون يرى أن الجمال صفة وخاصية أصيلة في الطبيعة. وكان نيوتن يرى هذا الرأي أيضا ويرى أن أهم عنصر للجمال هو البساطة وعدم وجود زيادات وحشو لا داعي له فهو يقول: " الطبيعة تسرها البساطة، وهي غير مولعة بأبهة الأسباب الزائدة على الحاجة " . ولكن الرأى القائل بان الجمال حكم للمراقب وليس صفة ذاتية في الطبيعة سادت في اوساط الفلاسفة والمفكرين طوال عصور عديدة بعد أفلاطون. فالفيلسوف الفرنسي "ديكارت" يقول في رسالة له : ( لا يدل الجميل ولا البهيج على أكثر من موقفنا في الحكم على الشيء المتكلم عنه) ويشاركه الفيلسوف الهولندي "سبينوزا "فيقول في رسالة كتبها سنة 1674إلى أحد أصدقائه: (الجمال ليس صفة في الشيء المدروس بقدر ما هو الاثر الذي ينشأ في الإنسان نفسه الذي يدرس ذلك الشيء ) ويكرر "تشارلز داروين" الشيء نفسه حول الجمال فيقول : (من الجلي أن الاحساس بالجمال يتوقف على طبيعة العقل بصرف النظر عن أي صفة حقيقية في الشيء محل الإعجاب) ومع ان الجمال غير مقصور على عالم الاحياء، لأن عالم الجماد حافل بصور عديدة للجمال، إلا أن فرويد يحصر الجمال في إطار واحد فقط هو إطار الجنس فهو يقول : (من دواعي الأسف أن التحليل النفسي ليس عنده ما يقوله عن الجمال، وكل ما يبدو مؤكدا انه مستمد من مجال الشعور الجنسي) . أي ليس هناك شيء اسمه الجمال، بل إن الطبيعة اخترعت هذا الشعور من أجل التكاثر الجنسي. ولكن هذا الكلام قاصر وغير مقنع بل هو شديد السطحية. فما علاقة جمال غروب الشمس وهي تعكس أشعتها على السحب بالجنس؟ وما علاقة جمال البحر والنجوم بالتكاثر الجنسي؟ ومن قال بأن الرجل لا يرى الجمال إلا في المرأة، والمرأة لا ترى الجمال إلا في الرجل؟ ولماذا لا يستطيع رؤية الأنواع العديدة من الجمال المبثوثة في الطبيعة؟ . إن الذين يرون الطبيعة عبارة عن المادة فقط معذورون عندما لا يدرجون الجمال ضمن خواص الطبيعة، لأن المادة ليست لها سوى خواص كمية كالوزن والحجم والشكل والعدد. هذه النظرة للطبيعة وللجم |