يحررها كتابها ـ تأسست في 2002/9/1
مؤسسها ورئيس التحرير إياد الزاملي

تأملات في الاية ثلاثون من سورة البقرة - 1 / استفهامات الملائكة

حسن الشمري  
الثلاثاء، 16 تشرين الأول، 2012 الساعة 01:00

تشدني الاية الثلاثون من سورة البقرة الى بحر من التأملات يصلح ليكون قاعدة للدروس و العبر ، فما حاجة من لا حاجة له بمخلوفاته ان يخبر الملائكة (بسم الله الرحمن الرحيم ، اني جاعل في الارض خليفة) و هو الكامل كل الكمال في صفاته ، عالم الغيب و الشهادة يعلم ما كان و ما يكون و ما سيكون ، الا يعلم ان رد ملائكته سيكون ( اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء و نحن نسبح بحمدك و نقدس لك) ، من المؤكد ان علمه تعلقة بأرادته فلا هي تتقدم على علمه و لا هو يتقدم على ارادته، لذلك فسبحانه تعالى يعلم ان رد ملائكتة سيرجع الى شيء من التعجب والاستفهام ( اتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء) و و المقارنة ( و نحن نسبح بحمدك و نقدس لك)، فما كان رده جل و علا الا ان قال ( اني اعلم ما لا تعلمون).
استدل من الاية الكريمة ان ادم ( عليه السلام ) اما كان مخلوقا قبل هذا الحوار لان بلاغ الباري عز وجل لملائكته عن الجعل يمكن تفسيره بمعنى التنصيب او التكليف او التشريف و و يكلف المرء بأمر و هو لم يظهر الى الوجود بعد و هذا لا يخالف رأي جمهور المفسرين الذين بينو ان الجعل هنا بمعنى الخلق ( والله اعلم) ، و لانه تعالى اذا اراد شيئا يقول كن فيكون فمن الممكن ان يكون ادم خلق ابان الحوار او لحظة البدء به ، و الدليل على ذلك قوله تعالى ( و علم ادم الاسماء كلها) بمعنى ان ادم كان يسمع و يرى بحضوره المادي.

استفهام الملائكة ( اتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء) يثير عدد من التساؤلات ، منها اذا كان ابونا ادم قد خلق توا ، من اين علمت الملائكة بالفساد وسفك الدماء الذي سيقع على الارض؟ يرى بعض المفسرون ان الله سبحانه و تعالى خلق الجن قبل البشر و قد سكنوا الارض قبلنا و هم من فسد و سفك الدماء و الذي كان سببا كافيا لاستفهام الملائكة. قد لا اتفق مع هذا الرأي الى حد ما لا أعلمه ، ذلك ان صفات الجن تختلف عن صفات البشر و لا يمكن لنا ان نجزم ان مخلوقات النار شبيهة بنا و لو جاز ذلك لجاز ان تكون مخلوقات النور تسري عليها نفس الاحكام والانظمة التكوينية للبشر و من حيث اننا لم نسمع او نقرأ نصا قرانيا يقول بزواج الملائكة او تكاثرهم في عالمهم الخاص، اذا ليس هناك دليل ناهض حول تشابه البنية التكوينية بين الجن و البشر ، على الرغم من ورود اكثر من نص قراني اشار الى امكانية تشكيل الملائكة على هيئة البشر ظاهريا.

يعلم كافة المسلمون ان ساعة الحساب لم تحن بعد و ان بعد الحساب سيعلم كل مخلوق مصيره اما في الجنة و اما في النار ، و لكن الصادق الامين المصطفى محمد (صلى الله عليه وعلى اله وسلم ) تحدث عن معراجه الى السماء العليا و مروره بالجنة و النار و تحدث عن قاطنيها ، الا يتعارض هذا الحديث مع النص القراني ؟ ظاهريا نعم على افتراض ان الله سبحانه و تعالى لم يرفع الحجب ليطلع المصطفى (صلى الله عليه وعلى اله و سلم ) ليستشرف المستقبل، و لكن حورات المصطفى كانت مع الملائكة خزنة النار و النار اللذان كانا يقومان بدورهما المكلفان به بشكل طبيعي.
عودة على ذي بدء ، هل خلق ادم قبل حوار الباري عز و جل مع مخلوقاته ؟ و من اين للملائكة معلومات عن سفك الدماء والفساد؟ و من اولئك اللذين اطلع عليهم المصطفى (ص) في الجنة و في النار؟ للاجابة على كل هذه التساؤلات و غيرها لابد لنا من الربط بين مجمل الاحداث و تفاصيلها لاصابة كبد الحقيقة و الله اعلم، لان هذا الموضوع يجرني الى ما بعد نزول ادم و تكاثر البشرية و فقا للشرع و علاقته بحور العين التي وعد الله المؤمنين كزوجات لهم في الجنة، و هنا نسأل اذا كانت حور العين من جنس اخر غير جنس البشر ، فكيف يتم التزاوج بينها و بين البشر؟ لا اتفق مع القائلين باثيرية الاجسام في السماء العليا ،بعد ظهورها المادي لان ادم عليه السلام كان حاضرا حضورا ماديا ابان الحوار و كذلك الرسول الاعظم الذي كان قاب قوسين او ادنى كان حاضرا بدمه ولحمه و لا يفوتنكم رفع النبي عيسى (ع) الذي لم تحن ساعة موته بعد.

ابونا ادم هو الثامن ، حديث قرأته لسيد الفقهاء وامام المحدثين سيدي و مولاي الامام جعفر الصادق، اجده الاكثر مقبولية في فهمي و ادراكي و يعطي جوابا شافيا لكل تساؤلاتنا السابقة و بلا اعجاز ، اي ان عالمنا هو الثامن من بعد سبعة عوالم ، اي ان ابونا ادم الذي خلقنا منه ليس هو ادم الاول الذي لانعرف عنه شيء بل ليس لابونا ادم اي علاقة به سوى انهما من خلق الله. تبدل ادم ثمان مرات و لم تتبدل الملائكة الذين يشهدون على خلق الله بكل افعالهم و هذا ما يفسر استفهام الملائكة ( اتجعل فيها ....) والمقارنة ( ونحن نسبح بحمدك ...)

علم ادم الاسماء كمن زق العلم زقا ثم قال( انبؤني بأسماء هؤلاء ان كنتم صادقين) ، يقول جمهرة من المفسرين بأن سبحانه و تعالى علم ادم الاسماء ( النبات و الحيوان والجماد و ما الى ذلك) ، و من حيث لا يستقيم عندي الطلب الالهي من الملائكة اعلامه بأسماء هؤلاء ( من هؤلاء) و علاقته بصدق الملائكة في طرحهم السابق ( اتجعل فيها..) الى قوله ( ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) ، ما هو الربط بين اسماء العلم مثلا و سفك الدم الذي اشارة له الملائكة و ما علاقة اسماء النبات و الحيوانات و تسبيح الملائكة وتقديس خالقهم؟ و هؤلاء هذه لا تشير الى ما ذكره جمهرة من المفسرين و انما تشير الى مجموعة مذكرة ( ذكور) ، و الاسماء تقع في تصنيفات المؤنث في السؤال تقول ما هي الاسماء و لاتقول ماهو الاسماء. و انبؤني باٍسماء هؤلاء ضمنا تدل على مجموعة من الصور المعروضة و ليس الكلمة و معناها ، اذا كيف لمن اطلع على القتل والدم و الفساد بكافة انواعه يكون عاجزا عن تفسير او تسمية بعض الصور بمسمياتها و هو في برزخ اعلى من المخلوقات التي ادنى منه؟ من جانب اخر ردا على مقارنة الملائكة لابد لهؤلاء الذين عرضت صورهم ان يكونوا اعظم تقديسا و تسبيحا لله من الملائكة حتى نفهم قوله ( اني اعلم ما لا تعلمون).

اذا من هؤلاء؟ 
(سنتعرض اليه في مقالنا القادم ان شاء الله)

كتابات لاتتحمل أية مسؤولية عن المواد المنشورة .. ويتحمل الكتاب كامل المسؤولية عن كتاباتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكية أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر