عدد القراءات : 605
تقارير
آراؤهم

متى ترفع الحصانة عن جامعاتنا لتطبيق معايير الشفافية والنزاهة ؟!

الخميس، 16 شباط، 2017

ليس الغرض لما سيتم عرضه هو التقليل من شأن التعليم العالي في بلدنا أو التشكيك فيه أو لجعله بمواقف محرجة ، بل إن الهدف هو الإشارة إلى وجود نصوص قانونية نافذة لم تعد صالحة للتطبيق لأنها وضعت في ظل الأنظمة الشمولية التي كانت لها أهدافا انتهى أجلها بعد تشريع الدستور العراقي الذي مضت على تشريعه والعمل به أكثر من 10 سنوات ، ونقصد هنا بالتحديد ما ورد في نصوص المادة 38 من قانون وزارة التعليم العالي والبحث العلمي رقم 40 لسنة 1988 وتعديلاته التي وصلت إلى تشريع التعديل الثامن عليه ، وتنص هذه المادة القانونية النافذة لحد اليوم على :
1 لا تسمع المحاكم الدعاوى التي تقام على الوزارة أو الجامعة أو الهيئة أو الكلية أو المعهد في كل ما يتعلق بالقبول والانتقال أو الامتحانات أو العقوبات الانضباطية التي تفرض على الطلبة والفصل وترقين القيد وغيره ويكون للوزارة وللجامعة وللهيئة وحدها حق البت في الشكاوى التي تنشأ عن هذه الأمور .
2 تمنع المحاكم من النظر في دعاوى تقويم الشهادات والدرجات العلمية العربية والأجنبية التي تلي مرحلة الدراسة الثانوية ودعاوى منح الألقاب والشهادات العلمية والفخرية .
وهذا النص ليس حديثا وإنما ورد في قانون وزارة التعليم العالي والبحث العلمي رقم (55) لسنة 1983 كما انه ورد في نص المادة 38 من قانون وزارة التعليم العالي رقم 40 لسنة 1988 ، بمعنى انه يكرر في كل قوانين التعليم العالي قبل 2003 وهي مادة غير منتجة لان هدفها هو جعل التعليم العالي بمنأى عن المسائلة لكي يكون أداة بيد السلطات الحاكمة لجعل التعليم العالي في مساراتها ومنحه الحصانة غير المحدودة ، ولم توقف هذه النظرة بعد 2003 ، ومما يثبت ذلك إن تعليمات انضباط الطلبة في مؤسسات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي قد صدرت بموجب التعليمات 160 لسنة 2007 استنادا إلى أحكام الفقرة ( 2 ) من المادة ( 37 ) والفقرة ( 2 ) من المادة ( 47 ) من قانون وزارة التعليم العالي والبحث العلمي رقم ( 40 ) لسنة 1988 ، والمادة القانونية التي نتحدث عنها اليوم ، صارت خارج هذا الزمان الذي ولدت فيه إذ يفترض العمل بموجب مبدأ الفصل بين السلطات فالنص جاء بصيغة منع المحاكم في حين إن للقضاء سلطات مستقلة لا يجوز منعها من النظر بحالات معينة .
وربما بسال أحدا ما الضرر من وجود المادة 38 نافذة في قانون التعليم العالي الحالي ؟ ، والجواب إن وجودها يتعارض مع مسار التحول الديمقراطي في العراق لان وجودها سيحرم فئات ربما تكون متضررة أو مظلومة من حق التظلم لدى محاكم الموضوع خصوصا عندما يصدر قرارا من التشكيلات الجامعية ربما غير منصف أو غير مقنع لمن يشعرون بالحيف أو الظلم ، مما يعني إن وجودها ونفاذها يتعارض مع نصوص عاملة في الدستور سيما تلك التي تتعلق بالحريات والتمتع بكامل الحقوق المدنية ، ومن جهة أخرى إن القراءة لنص المادة يشير إلى حجب جزء من الشفافية في تعامل تشكيلات الوزارة مع الجمهور ونخص بالذكر منهم الطلبة وأولياء أمورهم فهي تمنع المحاكم من قبول الدعاوى المتعلقة بالقبول والامتحانات والعقوبات الانضباطية وتقويم الشهادات ، ويمتد الموضوع إلى فئات أخرى وقد يكونون من أساتذة الجامعات فيما يتعلق بالدرجات العلمية ودعاوى منح الألقاب العلمية والشهادات الفخرية ، وكأن جميع القائمون على حقول التعليم العالي والبحث العلمي هم من ( الملائكة ) غير المعرضين للأخطاء والسهو بقصد أو بدون قصد ، فالطريق الذي وضعه النص القانوني للتظلم في المادة 38 ترك للوزارة وللجامعة وللهيئة وحدها حق البت في الشكاوى التي تنشأ عن هذه الأمور ، ويعني ذلك من الناحية العملية إن الجهات التي عينها المشرع هي داخلية وليست خارجية وان قراراتها غالبا ما تكون قطعية ، ففي حالات رفض الترقيات العلمية يكون التظلم لدى لجنة الاعتراضات التي تتبع سياقات محددة في البت بالاعتراضات ، وحين يعترض الطالب على نتيجة الامتحانات فان ذلك يحال إلى لجنة تشكل لهذا الغرض من داخل القسم العلمي غالبا وحين تعلن النتيجة بأنها مطابقة فهي بدون ذكر أية تفاصيل وتكون القرارات نهائية والطالب لا يتم اطلاعه على أية بيانات ومعلومات ، وهكذا لبقية الحالات التي تبقى عند هذه الحدود داخل اسيجة الجامعات لان المحاكم تم منعها من قبول تظلم المعنيين .
ونحن إذ نعرض هذا الموضوع فإننا ندرك مدى حساسيته لدى غالبية العاملين في التعليم العالي فالبعض يعده موضوعا مقدسا أو امتيازا لا يجوز التفريط به ، كما إننا ندرك أن انتقادات ستوجه لإثارة هذا الموضوع حيث لم يتم التطرق له أو مناقشته بشكل واسع من قبل ، إلا إننا نود أن نشير لمن يعنيهم الأمر إن الغاية من الدعوة لإعادة النظر بهذا النص ليس المساس باستقلالية وخصوصية الجامعات والكليات والمعاهد ، فالهدف هو التوافق مع المنهج الديمقراطي للبلد بما يضمن بلوغ الحدود المقبولة من الشفافية ورفع الحيف أو الظلم من بعض القرارات وفسح المجال الكامل للتظلم وعدم حصره في مساحات محددة خصوصا عندما يتعلق بمستقبل طالب في الدراسات الأولية أو العليا أو تتعلق بمعادلة الشهادات أو الترقيات العلمية وغيرها من التفاصيل التي تتعلق بالإنسان في ظل نقابية التصرف والقرار في بعض الأحيان ، ونعتقد بان رفع الحصانة عن التعليم العالي من خلال إعادة النظر في نص المادة 38 من القانون رقم 40 لسنة 1988 يمكن إن يفيد في :
. الإسهام في تطبيق معايير الجودة من خلال تحسين الأداء وعدم التعويل على الحصانة القانونية لفقرات مهمة من تفاصيل عمل الجامعات والمعاهد والكليات وإعطاء الأهمية المطلوبة في الابتعاد عن الأخطاء .
. تحفيز التشكيلات العلمية والإدارية والعاملين في الجامعات والمعاهد والكليات لبلوغ المؤشرات الايجابية لتجنب المساءلة القانونية التي قد يتعرضون لها بعد رفع الحصانة وما يترتب عنه من أحكام ونصوص قضائية .
. تقليل الضغوطات التي قد يمارسها البعض على التشكيلات الإدارية والعلمية من خلال إشعارها بان الأخطاء قد تعرضها للمساءلة القانونية لأنها ستكون في موقف المواجهة المباشرة دون وجود تشريع يحميها .
. نشر مفاهيم العدالة والنزاهة والشفافية في واحدة من أهم التشكيلات العلمية في المجتمع وهي الجامعات والكليات والمعاهد وتعويد الطلبة على كيفية ولوج الممارسات الديمقراطية وتحمل تبعية ذلك من التزامات .
. إيجاد رادع مهم للحؤول دون وقوع حالات للفساد بأنواعه فيما يتعلق بالمواضيع التي يتضمنها نص المادة موضوعة البحث سيما وان هناك حالة إحلال عالي في قطاع التعليم من خلال إشغال درجات المتقاعدين .
. رفع ثقة المجتمع بالمؤسسات العلمية باعتبارها تتمتع بحق التظلم ورفع التقولات الناشئة عن الحصانة من خلال القانون .
وقد يعتقد البعض إن المرحلة الحالية التي يعيشها بلدنا غير ملائمة لرفع الحصانة عن الجهات والحالات التي وردت في المادة 38 من قانون التعليم العالي والبحث العلمي ( المعدل ) رقم 40 لسنة 1988 ، وفي الوقت الذي نتفق فيه ضمنا مع هذا الطرح فإننا لا ندعوا إلى إلغاء نص المادة فورا وإنما التخفيف من تأثيراتها السلبية تمهيدا لأزالتها فيما بعد وعندما تكون الفرصة سانحة بالفعل ، رغم إن هناك آراءا تم استطلاعها ( بشكل شخصي) قد أشارت إلى إن إخضاع هذه المواضيع لحق التظلم في المحاكم أفضل كثيرا من حصرها بالإدارات ، لان هناك من يضغط للحصول على بعض المغانم أو لمنع تنفيذ بعض الإجراءات والقرارات باعتبار إنها من صلاحية الجامعة أو العميد أو القسم ومن الممكن إمرارها لأنه لاسلطان للقضاء عليها ، ويعني ذلك من الناحية العملية إن الوقت الحالي هو الأفضل للتغيير ، ومن وجهة نظر الأخرى فان هناك من يرى انه من الخطأ أن يتم إقحام الملاكات الجامعية بالقضاء لان ذلك يشجع على الدعاوى الكيدية لشرائح من الطلبة أغلبهم قد يكونوا من المهملين أو المشاكسين أو من باب التهديد والابتزاز ، والموضوع يتحمل الكثير من المناقشة التي نرجوا أن تثرى قبل الإقدام على تقديم مقترحات للتشريع ، ومن المفضل أن يراعى فيها إشراك الجهات ذات العلاقة ومنها هيئة النزاهة باعتبارها طرفا في بلوغ الشفافية ومعالجة الفساد .

.
تعليقات الفيسبوك
تنويه لابد منه : ايمانا بشعارها ( الضمير رقيب الكاتب ) " كتابات " غير مسؤولة عن محتوى تعليقات الفيسبوك المنشورة في موقعها .. ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارتها ويتحمل كٌتَاب التعليقات المسؤولية الأخلاقية عن محتوى تعليقاتهم .

Designed by : Enana.com
enana
Programed by : Jasmineshost.com
JasminesHost
كتابات لاتتحمل أية مسؤولية عن المواد المنشورة , ويتحمل الكتاب كامل المسؤولية عن كتاباتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكية أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر.