عدد القراءات : 113
تقارير
آراؤهم

الثورة العربية

الأربعاء، 15 شباط، 2017

ذات مرة قال فرنسيس بيكون (1561 – 1626) أن العلم وحده هو الوسيلة المثلى للتغيير، وأن تحميل الإنسان وزر خطيئة لم يرتكبها أمر تأباه الفطرة السليمة، وكلام لا يقبل به العقل، وتفكير تنقصه الواقعية.
كان ذلك في وقت بدأت فيه الإنسانية تتطلع نحو عصر جديد، وتعد العدة للانتقال نحو نهضة حقيقية، ماتزال تجني ثمارها حتى اليوم.
إن الثورات الكبرى التي حفظها لنا التاريخ، هي الثورات العلمية، وثمارها التقنية. فاكتشاف النار، أو تدجين الحيوان، أو صناعة الفخار، أو اختراع الكتابة، هي في الأصل علامات فارقة قلبت حياة الإنسان رأساً على عقب. وجعلت مجتمع القرية أو المدينة حقيقة واقعة. بل ومكنت الجنس البشري من البقاء طول هذه المدة.
في ما بعد حدثت ثورات عارمة أمدت في عمر الإنسان ومكنته من تسخير الطبيعة، مثل الثورة الصناعية وثورة الطباعة وثورة النفط وثورة الإلكترون وثورة الحاسوب، وغير ذلك كثير. ومازالت هناك ثورات قادمة في الطريق.
أما الحوادث التي أفضت إلى تغيير نظم سياسية والإتيان بأخرى، من طراز ثورات تموز وشباط وآذار وأيلول، وثورات الربيع في البلاد العربية، فقد اتضح أنها تضر ولا تنفع، وتجلب الكثير من البؤس والفقر والتخلف. ومع كل ما أتت به من مآس، فمازال هناك من يحتفل بها في كل عام، ومن يتغنى بذكرها في كل مناسبة. وهي لا تخرج عن كونها أعمالاً انتقامية من أشخاص أو أحزاب أو سياسات يختلف معها البعض اختلافاً جذرياً. ويرى أن إزاحتها مكسب جليل سيؤدي لا محالة إلى خلق نهضة صناعية وفكرية واجتماعية تنتظرها الأجيال العربية منذ قرون.
والواقع أن هذه الثورات هي في الأصل ثورات رومانسية حالمة وإن كانت قد ضمخت بالدم، وعمدت بالآلام. لأنها لم تضع في اعتبارها أن بناء الدول ونشوء الحضارات لا يتعلقان بأفراد أو جماعات، بل بلحظة تاريخية تجعل من الماضي فكرة غابرة، ومن الحاضر إطاراً مرجعياً يطال مفردات الحياة كافة.
إن محاكمة الحوادث التي جرت في الثلثين الأوليين من القرن الماضي في البلاد العربية يجب أن تبنى على منهج نقدي صحيح، لا على أهواء عاطفية أو طائفية. فليس من العدل إدانة أشخاص كانوا يفتقدون الوعي اللازم بمستلزمات التغيير. واعتقدوا أنهم سيتمكنون من إحداث نقلة كبرى عبر إزاحة هذا الملك أو ذاك الرئيس.
هل يحق لنا أن نتطلع إلى ثورة جديدة في العراق أو البلاد العربية تستطيع بناء مجتمع عصري يضمن بقاء العرب لقرون أخرى، بعد أن أصبحوا خارج حركة التاريخ؟ وهل بإمكان العرب الشروع في ثورة كهذه بالفعل؟
شخصياً أعتقد أن مثل هذه الثورة ممكنة عبر انتهاج برنامج طموح لبناء منظومة اقتصادية أو خدمية واسعة النطاق، كالتعليم أو الصحة أو الطرق أو السكك الحديد أو النقل البحري، يجري بعدها الانتقال إلى الكهرباء أو الصناعات الثقيلة والخفيفة، في مدة لا تطول أكثر من عشرة أعوام.
لا نحتاج إلى أشخاص أو نظريات سياسية أو أحزاب أو نقابات عمال، ولكننا نحتاج إلى عمل متواصل مدعوم بجهاز أمني قوي يستطيع إبعاد مافيات الفساد إلى أقصى ما يمكن. في ما بعد، وعندما تبدأ عجلة الحياة بالدوران، سيكون تغيير الوجوه سلساً وناعماً وتلقائياً.
من يضع اللبنة الأولى لهذه الثورة، ومن يتجاوز خط الشروع في هذا الفعل الصادم الكبير؟ هل ثمة رجل شجاع يتخذ مثل هذا القرار؟

.
تعليقات الفيسبوك
تنويه لابد منه : ايمانا بشعارها ( الضمير رقيب الكاتب ) " كتابات " غير مسؤولة عن محتوى تعليقات الفيسبوك المنشورة في موقعها .. ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارتها ويتحمل كٌتَاب التعليقات المسؤولية الأخلاقية عن محتوى تعليقاتهم .

Designed by : Enana.com
enana
Programed by : Jasmineshost.com
JasminesHost
كتابات لاتتحمل أية مسؤولية عن المواد المنشورة , ويتحمل الكتاب كامل المسؤولية عن كتاباتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكية أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر.