الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

14  حـزيـران  2005

الحبر الأبيض

 

حين لا تفرق السكين بين تقشير القنفذ ام الاناناس ! حرب العقائد والوقائع

 

كتابات - امير الدراجي

 

حين يخاصمك الضدان فانت على  حق/ لاتكن طرفا في حرب الاشرار / كن طرفا في مساحة الود الصغيرة ، وان نبذك هذا لانك ضد شيطانه ونبذك ذلك لانك ضد رحمانه

كنت عازما على الاستمرار ، في تتابع التقديم للدخول الى صلب ميثاق اوركاجينا ، محاولا خلاله رسم المدينة الفاضلة التي تتواءم مع البيئة العراقية ومنتجها الوطني والتاريخي وقيودها الامثروبولوجية ، الى مركزيتها الحضارية ، وشقها  الاثنوغرافي ، ناهيك عن ثقل مسؤوليتها التاريخية ، في واقع هرم وخرب ومتعب ، تنوء تحته ظهور حضارة متعبة ووطنية ممزقة ، ومجتمع يغرق في الطوفان الدموي ، دون ان يلوح في الافق نوح او مشروع سفينة ! كنت عازما على الاهتمام باتساخ الشوارع ، وترميم الحدائق ، وحوار الحصة التمويننية لا حوار البطر المنفاوي ، وخلافات الفلسفة والافكار او الصراخ النقدي ضد المفخخين اجسادهم بالحرائق ، فالاشرار يستدرجون الحكمة الى جحورهم ، كي تصاب بعدوى الظلام ، بل بعداوان على العقل ، وتفقد  صبرها  على التعقل ، وهنا مكان امتحان الورع والوداد والحنو ، حيث يلتهمك الغضب ـ وتمنحك محرضاته ذلك النعيم الثوري ، ولكن حيث تتبسم للنوائب ، حين يرمش حزنها كاختطاط موجة على اديم نهر صباحي هادئ ، هناك تستحق ان تكون ابا يقابل عصيان اولاده بقيلة لا بسوط . ولكن ليس في االيد  حيلة حين تجد حصيلة نجاحك وانتصارك ، في معادلة مهمة ، ظاهرها هزيمة وخسارة وباطنها المحكم هو انتصار وفوز . في مقدمة الزاوية هذه قلت لا تنجح حقيقة ولا تكون على حق الا حين يكرهها الضدين المتخالفين ، فتبدو منبوذة طريدة من كلا المحاربيّن ، لا تنتمي لطرف ، وفي هذه النقطة ينفضح امرهما فيبدوان اخوة ومتضامنون واصدقاء ، وقد اصبحت انت جبهة خصامهم .. انه فوز ساحق ، لا بل انتصار الضعف على القوة الهمجية التي تنهل مناهج العدوان والكراهية والقطوع وحوار السكاكين والعنف الادبي والتقشف العاطفي ، وقد اثبت طول الوقت عن وجود عتّة اخلاقية وانعدام مشروع الرحمة والسلام واللين ، اذ اكبر المزعجين لثقافة المكاره والعداواة الاطلاقية ، المسيجة بالمبادئ الطهرانية هم دعاة السلام والحوار والاخوة اللينة ، هكذا قادة الملاذات الدموية في كلا الاتجاهات يثبتان  ان الشيطان والرحمان من قبيلة واحدة ومشروع واحد وجذر واحد ، استطاعا خداعنا كي يخلقان بيننا حرب الاخوة ، حيث تمكنا من ارساء دعائم مناهج  عقائدية ومنظومات قيم ، واخلاقيات متحركة ، قلقة الثبات ، كي يحجزان المنتمين والولائيين لسلطانهما عبر منظومة الخجل والاستحياء المبدئي .

 هكذا لم يعد امام الحقيقة الا الخروج على مشيئة تلك الحرب ، بحيث تحرص على ان لا تجد من الاصدقاء والمؤيدين ، في هذا الطرف او ذاك ، كلاهما يطعنان الحق فتتعانق النصال ببعضها  البعض في جسد الحقيقة ، وربما سيكون ارتطامهما داخل الجسد المطعون ، يحدث انثلام السيوف او اسكاكين فالحراب !! .

 في المحرم المخيف / في المكان المنبوذ  / في المساحة التي يجتمع على كرهها طرفان متحاربان / هناك تقطف الحقيقة عناقيد النبيذ الالهي ، وتشربه كي تفرح وتبتهج ، وتخنق الكدر بالمسرات السحرية ، ذلك العشاء الابدي لحفلة الفداء الانسانية ، وهي توزع خبز الشك على دعوية الاضداد باعتبارهما مالكوا تفويض الحقيقة ومالكو استنواب الخالق والعدل والسلام ، لا ينبت الحق في حقول من سكاكين ، لا تتمكن الاقدام سحقها كما تسحق دثار العشب ، لا ينبت الحق في حقل الغام بل بحقل زهور ، وهناك في ذلك العالم المدّعى عليه بالشك والحذر والاحتراز ، حيث جعل الزهور حجابا لالغامه ، كي يوقع المغفلين والخصوم ، هناك تقيم الحقيقة عزاءها ونبيذها وعشاءها المقدس ، كي تتعلم درسا في البكاء لا درسا في علوم الامن والمخابرات او اقتلاع الالغام من حقول الوردة ، ما الفائدة ، ان تقلع اللغم من تحت الارض وتزرعه في قلبك ؟

 سراطات مستقيمة ، غرف الحقيقة المصانة بحصانة العصمة / مسيجات الف ليلة وليلة ، الغرف  المحرمة الدخول ، ثقافة الحريم تسكب شرائعها على الحقيقة ،  فتكون في غرفة ممنوعة الدخول الا للبعل المزواج من ديكة اللقاح الشرعي ، هذه الغرف التي تفصل بين الحق والباطل ، وقد احتضن الشريعة فيها عقل الديك الشرعي ، تمكنت من جعل كل ما عداها ، كافرا وغير شرعي وخائنا .. ان هو رفض فكرة الحريم لبوسا للحقيقة . هكذا فان دخول غرفة الحريم محرم ومحكوم بلوثة الزنى والاثم والشيطانية ، تلك الغرف المظلمة للاقحين من ديكة الحقيقة ، تجدها عند الطرفين المتحاربين ، وان مالت نفسك لاحدهم يعني انك اصبحت  حرمة في غرفة الحريم ، قينا او إمة او جارية او سيدة ، والارجح انك في حقل " ما ملكة ايمانهم " ، في مساحة القيان والاقنان والجواري ، تلك اسوء عبوديات الفحش البشري ، وقد جاء ذكرها في النص تكريسا ابديا لنظام العبودية المقزز ! اليس النص خالد ابدي صالح لكل الازمنة ؟ ان كان كذلك فان النظام العبودي سيكون صالحا لكل الازمنة ، والله لا يحب العبيد من خلقه ، بل يحترم الاحرار وان خالفوه ، لا يؤتمن عبد على ولاء ولا مكره  على محبة ، كلاهما سيطعنانك في اول فرصة او مناسبة ، فيما الاحرار يخاصموك قويا ويناصروك ضعيفا ، اذ لا نقبل على الله صورة طاغية همه كثرة المصفقين له ، وفي لحظة الضعف سيكون هؤلاء اول من يطعنه ، تلك معادلة مبسطة ،  تكونت في الآباد الخالدة لسلوك بني ادم .

 قلت لا احارب طغيانا بخلفية مستبدة ، ولا اكسر زنزانة بمعول دكتاتور جديد ، ولا امجد كفاح الذين يبنون جدارا عقائديا اثر سقوط جدار طاغية ، حيث كل المشاريع التي حاربت الطغيان كانت ترتكز الى دستور وبرامج وافكار ومعتقدات استبدادية ، فكيف ابدل الحريق بمحرقة ؟ كيف ابدل حديد الزنزانة بنحاس ؟ كيف ابدل نوع الجلود بالسياط واجعل تبديل السوط مكرمة ؟ أي قنيّة – من اقنان – هذه الهواية الدائمة لحني الظهور وانكسار الانفس واخصاء روح الاحرار ؟

 في العراق امر يثير الحزن ، خصوم مفترضون يثيرون بنفسك البكاء لا رغبة العداء او القصاص ، وانت ترى كيف انتقلوا من حدة ولائهم القديم ليركبوه على الولاءات الجديدة دون ان يتغير الجوهر الاول ، فحيث تكون بعثيا في السابق ، اخذت قسطا طويلا في التمرين على : التملق والزلفى/ الولاء المطلق / سحق الخصوم / الاستعلام عن بعد من خلال ثقافة النوايا ، وتلك ثقافة حيوانية / الاخلاص الشكلي والفساد الباطني ، لان ضمان فسادك من ضمان ولائك / انفلاش الضمير / فقدان اللين وانعدام الرحمة في خصم / سلوك الجندي والشرطي المطيع حتى الاعماء .. كل هذه الترسبات الوجدانية والارتماسات الاخلاقية المحركة لخوف مختزن ، يمور في التلافيف السرية للتكوين النفسي والسلوكي ، وهو يحتكم لثقافة التطهير المجدلي ، يثير بانفسنا غيوم من البكاء والحزن ، على مجموعة كبيرة من مجتمعنا ما تزال مخطوفة كرهائن في عالم الخوف واستطراداته المتعاقبة ، وهي تحيل المجتمع كل مرة ، الى طريق سالكة للطغاة والفاسدين والقتلة .. لا يمكننا نقد مكره ولا قصاص قاصر ، بل الشيء الوحيد الذي تستحقه هذه المجموعات المشوهة هو الحزن على مصائرها ، بل وبامكان الاخاء والمحبة ان يدمران النوازع الشريرة في الداخل كي يبرآن الانفس من هذا العصاب الطهراني الهمجي ، الذي تاسس على ثقافة القربان والاضحية .

 حين نتفحص تاريخ الاخلاق ، ماضي العلاقات الاجتماعية في المجتمع العراقي ، منذ تموز حتى الان ، سنشاهد عالم من الغريب انه مر على بشر بهذه الطاقة من الصبر والامل بفرج ما ! لقد وضع الانسان في قصاص دائم منذ ذلك التاريخ وتدرج هذا القصاص لذروة ، ما تزال في حالة صعود ، ولم تنزل حتى الان . لا اروم كشف اوراق رصدي لهذه الظاهرة التي ضربت المجتمع بعدوان عقلي مزلزل ، خرب النسيج الاجتماعي البريء ، وخلخل توازن الشخصية العراقية ، بحيث زاد من تغريبها عن ثقافتها المنشأية ، لا اروم فحص المنضدات التوليدية لهذا الزلزال ، وما تفرضه من عوامل حنين لاوطني ، مقيد بعواطف اثنوغرافية وجيوثقافية ، لا نمتكن اجراء أي فحوص عبر المنهج التجزيئي الذي نؤمن فيه ، لانها ، وفي مجتمع متوتر ، قد تفضي الى قيم عنصرية بغيضة ،  تزيد اغتراب العراقيين غربة ، وتجعل حتى العودة لوطنيتهم الاولى ، هي عودة نحو غربة جديدة ايضا ! ، ذلك لان الامتياز الانساني والعالمي الكوني الكسموبولوتي ، الذي ميز  العراق عن جيرانه ، ليس بتنوع الاعراق ، بل بقوة الانصهار الثقافي لتلك الاعراق ، بحيث شكلت  هذه المجموعات مع اخوانها ، سكان العراق الاصليين ، نوعا  من الوطنية العالمية ، تلك  التي تعرضت لزلزال حسن النوايا في تموز، وانتهت الى تخريب تلك الكونية الرائعة ، بتفشي العنصرية والعنصرية المضادة  ثم الانكفاء للدوائر الضيقة الامنة ، اكثر فاكثر ، وتاليا خلق الانسان البراني ، على مستوى السياسة والمعتقد ، ثم الانسان البرزخي المغلق ، والقطوعي الطرفي والقطبي، المعزول في الدوائر الامنة .

 هذا الموضوع يحتاج لمشتركات حامية للحوارات ، العميقة بلا حياء او موانع ، حينها ستهدا عاصفة الخوف المستمر ، وهي تتقمص الضحية وجلاديه ، فتخلق المتاريس والمعازل الادبية والمعتقدية ، تنتج شتى الازدواجيات والعقل الباطني وثقافة التقية ، ترسم مشهدا من فوضى السراطات المستقيمة لشتى الحقائق المسيجة بغرف الحريم والقيان والخصيان .. الخ . في المدى المنظور ، انتهى الفرد العراقي الى منزلة من اسوء منازل التجربة والخبرة الانسانيتين ، وهي منزلة [ الكــائن المـــذنب ] ، المفعم بنظام الاثم  المسبق ، وهذا حتما يحتاج لتطهير واضحية ، فكل يصبح بهذه الحالة باحث عن طهارة وكفارة وضحية ينحرها كي يثبت بطلان اثمه ! ( جبل التطهير على الية سلبية وعدوانية ، تجعل القبح مصدرا لطرد الشر ، فكانت اعمال السحر ونحر الاضاحي ، الى اثبات الولاء عبر التضحية باقرب الناس ، وقد ترمز نظام النحر بهذه الفترة بكتابة التقارير والوشايات ، وتخريب النظام العاطفي ، الى حد جعل التأسي على الابن والاخ  المقتول عملا يخالف المنظومة العقائدية ، تحت عنوان الشهادة المقدسة او قصاص الاثم الشيطاني، وكل ذلك دمر المشروع الانساني ، ورحل الانسانية نحو صياغات العقيدة ، بكل توحشها البارد – بحثناه في الرحمة المتوحشة-) معادلة بسيطة وصئيلة التعقيد / كيف حدث هذا العامل وما هي الاسباب المنعشة لاستمراره ؟ الجواب على ذلك يسحبنا الى اخذ الانسان كمادة مجردة من موضعيته الوطنية ، أي ايجاد العوامل الكونية باناسيتها الشاملة ، ومن ثم الدخول في المواضع الوطنية ، وهنا نفترض قراءة هذا الشمول البشري ، في تجارب الخلق ،وكيف خلقت الافكار والعقائد غائلة الانسان المذنب سلفا ، كي تحكمه بنظام ذاتي محسوم الولاء ، وتلك ابشع تجارب  الخليقة قاطبة ،لاسيما تدميرها وتمزيقها للاساسات الاولى لثقافة المصير الانساني بتعامله ووقوفه الفطري من الحياة .

  الدول العقائدية او نظام الافكار الالزامية ، خلق المجتمعات البرزخية التي تضع حدا قاطعا بين اضداد عملية تستدرج الواقع للافكار ( ليس على اساس ثنائية هيجل ماركس ، لانهما قصدا بحوثا خارج التوتر العقائدي ، الذي خلق تدينا في انتماءاته ، ذلك ما لم تتوقعه الفلسفة ، ولكن كل فكرة محكومة بجوانية ثقافية هي المسؤولة عن الخطيئة او الصلاح وليست النصوص ، فلو كانت اسكندنافيا اشتراكية ماركسية لما حدث القمع الستاليني ، ذلك ما ندعوه الارتجاع الثقافي والجواني الاول ، والادق هو الاحتكام الامثروبولوجي المبرم ، كذلك الاسلام في اوربا اكثر تكيفا مع العصرنة منه الى دول المنشأ )، وتجعل الواقع محرما بلا تاشيرة تلك الافكار ، وهنا نعيد الاشياء للصراع الاول بين الانسان ومصيره ، ذلك الذي يشمل كل التجربة الانسانية ، وكيف اصبح الصراع بين الافكار والوقائع ذا جذور قديمة جدا ، وكلاهما متوحش مفترس ، انتج تلك الحروب الداخلية ان على صعيد المجتمع او على صعيد الانشطارات التناظرية داخل النفس الواحدة . هذا العامل خلق عداءا داخليا ، تحكم في تصيير البشر طبقا لانتماءاتهم ، على اساس طرفي حاد ، بين شرير وخير ، وهنا فقد الشر براءته الطبيعية وفقد الشر دلالته الفطرية ايضا ، بحيث اعيد صياغتهما طبقا لفكرة متوضعة ومنتجة من عقل بشري ، امكنها ان تغطي اعمال الشر بالولاء الدعوي للخير وحدث العكس مع الخير ، بحيث ان فعل الخير دون تاشيرة عقائدية سيصبح شرا ، هكذا جردت  السجايا الانسانية من فعلها البريء ، واحدث هذا خلطا مريعا للاضداد ، فتلبست الاحداث والسلوكيات طبيعة الافكار وليس طبيعة الطبيعة ، حيث القتل عمل من اعمال الشر ، الا ان العقائد قدمته كعمل فاضل ان كان محاطا بقداسة الولاء ، وهكذا حدث الخلط والالتباس ، بسبب الغطاء العقائدي والايديولوجي ، المعطى لاعمال الشر والاذى والسحق ، حيث احيطت هذه المثالب بقوة اغناء فاضلة ، جعلت الانسان قد تعرض لنظام مشوش ومشوه ، بل لعدوان عقلي ، فقد خصال التمييز العادي الاول بين الاضداد ،، فيما لم يفقده الحيوان ، ذلك بعد اعادة صياغة الفضيلة بواسطة الافكار والمعتقدات ، ما دمر الصيرورة الانسانية المتسيبة ذاتيا على ايقاعات كونية  منتظمة ، محكومة بالتمييز بين اعمل الشر والخير ، لان العقائد ، سواء تسلطة في نظام او بقيت خارج السلطة ، هي التي تحدد انواع الخير والشر ، فيكون شرها للخصم خيرا ، والخصم ايضا يقابلها بنفس التمييز ، ما فقد الانسان الذي لم ينتم لعقيدة او فرقة ضحية الاضداد ، وقد جرى تجريد هذا الانسان من سجاياه الاولى ، وحقه الطبيعي في الاحساس بالاذى والضرر،  وقد صاغته العقائد والافكار كائنا سكوتيا ، ثبوتيا تمثاليا ، حجريا رخاميا ، مقيدا  بحركة مقتطعة من احداث هائلة ، كمن يقتطع صورة او حركة تشكيلية او مشهدا من مسبباته واحداثه المؤرخة طويلا لحوادثيته المقتطعة ، باعتبار هذا الثبوت والاقتطاع هو الزمن المستمر والآبد ، وهنا تكون المعادلة تابيد السكتة في الحركة .. انه  تمثيل بجثة الزمن ، كمعيوش حوادثي مؤرخ بحركات متتابعة ، عملاقة في سرعتها الومضية ، سواء في الدماغ ام في الوقائع ، لهذا لم يحقق نظام العقائد غير تخريب النظم الشعورية واقامة عالم مشوش مضمخ بالغبش والتمويت واللاشعورية .

 

حين تخلط السكين بين تقشير القنفذ والاناناس :

  هكذا فان النظام  العقائدي هو سكين تقتطع لحم ودماء الواقع تحت ايمان تجميله ، كمن يبتر اذن حمار بغرض التجميل ، ثم يستمر بالبتر حتى يجد ان راس الحمار يجعل المنظر قبيحا ، ويستمر الى ان  يقطع اوصاله ! فلم يحصد لعملية التجميل غير الموت ، انه كمن يقشر قنفذ حسبه يقشر الاناناس . وهنا الارتكاز الاكبر لخطاب مشبع بثقافة الموت ، وقد استوضح طريقه في رمزيات ذروية حادة ، انتهت بانجاز مشروع الموت ، وهذه حقيقة المعتقدات  البرزخية المصابة بالعدوان والمحاطة بشرعيات التوحش المقدسة .

  الجانب الاقرب المراد توضيحه هنا ، وقد اشرنا لذلك قبل سقوط النظام ، لايماننا بان المعرفة تقدم الاعمال الاستبقاية الوقائية ، فتكون انذارا مبكرا يرشد نحو الوقائع العملية لا الترف النظري . قلنا في غير مكان واكثر من مرة ، ان الاحداث الزلزالية السريعة ، والمد الكاسح للبدائل الحديّة سوف تخلق مجتمعا [ ذمــــــيّا ]  سيعمد الى التماهي بثقافته  القديمة ، سواء في النظام  ام المعارضة ، الى ممارسة المناهج التطهيرية ، عن طريق اعادة مجتمع البرازخ  الضديّة ، والولاءات المتطرفة ، وروح الغلواء ، لانه لا يعيش ويتوازن الا في عقائد وافكار متوترة ، تنعدم فيها أي فسحة تامل او هدوء حكمة ، ذلك بسبب الجراح الوجدانية الاثمة ، التي تدفعه نحو الجموح التطهري واعادة صياغة العقل القطعي على اساس مجتمع الخير ومجتمع الشر ، ليصار الى عودة الجميع للحامية والمحمية والثكنة ، يمارسون عقل المحارب ، ويمنحان التوتر الشرطي نوعا من الانعاش ، كلما وجدوا منطقة خصومة وعداوة ، وذلك للمزيد من غسل الذنوب وخلط الاوراق .. هكذا في هذا العالم لا خلاص الا لسلطات ردعية متوحشة ذات مركزية امنية لحفظ الامن ، كون بيئتها هذا العقل الذمي بولائه وعدائه . هنا ايضا تفرض نظرية الامن الاجتماعي فالسلم الاهلي نوعا من الطاقة المعرفية العليا ، في حقل مراقبة التوترات الداخلية والنفسية في البنيان  الثقافي والوجداني والعقائدي ، وهذا يتطلب مجموعات قانونية اكثر حيادا ، لا تتعامل مع الفرد على اساس من التفاضل السياسي بين امتياز طبقة مناضلة او ذميّة طبقة منبوذة ، وهذا الوضع الانشطاري  تتكون حالته بين الاضداد ايضا ، فلكل منهما وشمة ، في التذميم والتفضيل ، عميل اميركي او مقاوم / مناضل او من جماعات النضام ( المعضدية في كلا الطرفين).. هذا االتفريق الحاد الذي ينقل منظومة قيمه من حال لحال اخرى ومن نظام لاخر ، يفرض انهاء تاريخ الحزبية  والعقائد كسيادة على المجتمع ، ونظام علاقاته وقيمه ، فيسلم التذميم والتفضيل بايدي مؤسسات قضائية محايدة اكثر نزاهة ، كما تفرض هذه النهاية السعيدة ضرورة انتصار منهج عرفــاني ، ينقل عملية التطهر من سجاله المجدلي  الدموي ، في الولاء والبراء الراجم ، الى الاعتراف والعرفانية كي يتوقف تاريخ الالم وصناعة العذاب والموت ، وتنعزل شركات الموت ومضاربات القتل .

 المضاربات في عالم القاتل هي نفس المضاربات في عالم المقتول ، وتاليا جعل سنوات النضال والسجن والشهداء في عالم البورصة السياسية ، والتاشيرات نحو نعيم العالم الجديد ، تحت شرعية ومنهج يقوم على حق الغنائم للمتضرر  ، وهذا ليس بنيان دولة ونظام بل بناء يقوم على ثقافة الغزاة والقبائل الهمجية ، وهي تعيد صياغة شرعيات التتر الى ارث المناضلين ، وتاليا تصبح شكلا من اشكال  مقامرة الحرب ، ومن هو الفائز ، لذا خطاب المنتصر والمتضرر ، لا يبن دولة انما يبني دولة مليشيات واحزاب وعقل لا يختلف عما سبقه ، لان الطرفين يحاججان بشرعية الموالاة والنضال ..الخ مما تشوه في عالم التحزب والسياسة . لعل هذا المنطق جارح ومرير ولا يقبله قادة الغنائم والامتيازات  ، بين الفريقين المتناحرين ، لكن القانون والدولة لا تعرف الابرار والمؤلفة قلوبهم ، فهذا المنطق  قاد البلاد لالاف الاعوام من طغيان الى اخر ، ومن كدر لكربة ومن هدر دماء لمجازر وسفك ، زينة التاريخ كله ، ببهرج  دموي لم يتوقف ، فهل ثمة متسعا لقبور جديدة بين زحام المقابر العراقية ؟.

 الذين يصعدون لهجة البرازخ بين عالم شرير وعالم يكتسب صفة الخير ، يسوقون انفسهم لاغراض بدت واضحة ، متمركزة على قدر من الايحاءات السلعية ، وهي تبحث عن فرص مغانمية ، تمكنها حماية مكتسبات وامتيازات الفائزين بالمضاربة ، والا ما تفسير تصاعد درجة الفساد والمحسوبية والتحقير العلوي للمواطن ، الى انفتاح اللصوصية  على اسوء تشكلاتها الخلاقة ، بحيث يباع البشر للقتلة بمبالغ ، حتى بدت البلاد غابة للنخاسين والتجار الذين لا يلزمون  تجارتهم باي حصانة ادبية ،  كما تتوالى الاخبار ، التي ترد ، لتكشف حالا من اسوء  ما توصل له دهاء الجريمة والفساد والانحلال الاداري والاخلاقي ؟ كل هذا يدل على منهج الحصانات المناوبة بين مهزوم ومنتصر ، وقد استمد سلطانه من ثقافة الاطلاق وتحقير الادنى ، اذ ورث تاريخا يمنحه عصمة حماية الاخطاء  والحق الشرعي للغنيمة ، فانكب البعض كنسور جائعة على جثث بلاد منهكة لا تقو على اطلاق صرخة ، يا لغلظة قلوب المناوبين على امتياز الغامنين!! ذلك لانهم مدعومون بتاريخية حميدة والاخر مدعوم بتاريخية خبيثة ، ما يجعل حرب التفضيل والتذميم دستورا وقانونا ، يقود البلاد تدريجيا لسلطة الابرار والمعصومين ، ويجعل القضاء حبرا على ورق ، لاسيما اخضاعه لمنهجية جديدة من الولاءات وسلطان الاغتيالات والخوف ، هكذا يصبح المعادل لهذه الظروف هو انتصار لطاغية قديم تمكن ان ينتصر يوم حكم البلاد وينتصر يوم ادخل السجن ، لانه فرض على  سجانه عدوى السجين .

amirab9@yahoo.no