الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

11  حـزيـران  2005

الحبر الأبيض

ميثاق اوركاجينا - 2

ثقوب سوداء ابتلعت الحداثة - الازمنة العدمية

كتابات - امير الدراجي

- اقتحام الغرف المحرمة / المساحات الخطرة / الاضافات المارقة / الفرادة المتوحشة / المعازل الحرام / الكلمات العاصمة / الارتكازات المتحجرة / كل شيء احيط  باحاجي امامية ومثيولوجيا ، فتاسطر وتبطر ، واصبح ، اتفاقا في الفضل ونفية ، يحدد القيم السائدة ويمنحها تلك القدرات السحرية على تمثيل وعي الناس ، وعلى هذه الإبرارات والخطايا تحتمي الشرعيات القائمة في ملاذاتها ، تماس عصمة الفساد والطغيان وكل الامتيازات العتيقة ، التي خلقت ثقافة السلطة والمسؤولية ، كقوة معصومة متعالية ، تمتاز بتحقير ما دونها ، وتلزم نفسها بشتى الخروقات الفاحشة ، كدليل تقابلي على حدود السلطان . .. كل ذلك  النظام التفسيري والكشفي ، الباحث في التصميمات العمياء ، وقد اعتادت اغلاق الوعي حيث يجري ذكرها ، سيكون ضرورة لخلق حراكا افكاريا ، في عالم فقير الارث ، بائس الحداثة ، لم ينتج لا ذاته  القديمة ولا الحدايت’ ،  الا بضعة افكار مشوشة ، متواضعة المصدر ، تمكنت ، في غفلة من الزمن والغياب ، ان تحدث ثقافة سياسية مشوهة ، اصبحت من اخطر العوامل المدمرة للامن الاجتماعي والحياة المدنية ، بل وهزمت نظام البراءة والعواطف والمحسوسات الفطرية ، لانها تقوم على المغالق الحزبية وعقل الاسوار العالية ، وحيطان المباكي ، بل وفي معزل المحميات العقائدية ، التي لا تختلف ، في تداعيات منتجها الثقافي عما تنتجه محميات الشعوب المنقرضة التي اختارت التاريخ ولم تنخرط في الحاضر ، كما حال الهنود الحمر او قبائل التذابح الافريقية .. هذا الامر يجعل البعض في الحنين لماضي الخمسينات وما قبلها ، حيث بدا العراق متمدنا وطاهرا وسلميا ومتقدما اكثر من الان ، لماذا وكيف حدث هذا ؟ تلك هي افة السياسة في ثقافتها التي تحيل العصبية القبلية للحزب والعقيدة ، وتشطب الاتصال الانساني مستبدلة اياه بالاتصال الحزبي الايديولوجي العقائدي ، على ثنائية حادة وجامحة ، في التضديد والمعية الولائية ، حيث تقام اكبر جريمة تمثيل في جثة الزمن ، عبر عملية تشطيب قديمة جديدة ، حيث كل قادم يشطب ما قبله ، ويحرم التاريخ والمستقبل من مساراته التمثيلية ، حين تفرض نزعته العقائدية صياغة التاريخ من منطقة الحاضر ، وتاليا صياغة المستقبل من ابدية الحاضر ، تلك قدريات الطغاة وهم ينحرشون بعملقة الزمن الكوني ، الذي سيبتلعهم حتما ...

  هكذا حتى بدت الحياة لا تطاق والمجتمع فقد ، حتى الاجتماعية الادني ، لبعض الاحياء المسالمة او المتوحشة ، واصبح الفرد جندي في ثكنات متعددة ، ينتظر اوامر ضباطه ويعيش انظمة انضباطية صارمة ، امكنها انجاح النموذج القروي فالبدوي ، على انسان المدن ، اذ حدث اتساق متواتر مع شتى التشكيلات والافكار ، بما في ذلك نزعة ترييف وقروية  المشروع الديني ، حيث تراجع الفقه المديني داخله واصبحت القرية سيماءه المسيطرة.

           

انسنة الشيطان ضرورة لصداقة الرحمن ( الخجل المبرمج )

 

- ارض  الشيطان هي مجال البحث الممنوع ، وهذا مكمن من مكامن المنهجة الكاملة ، التي اسست خباءها على نظام استمر طويلا ، استطاع ان ينوب بقمعه قمع السلطان الفوقي ، نظام الرحمان الذي اصبح قهرا ومظلمة يفرض انسنة الشيطان كي نصادق الرحمان ونعقمه عن الاسطورة والهيبة الساحقة .. هذا الثنائي الخرافي المؤسطر  ، وهو يوزع غنائم الناتج العملي بينه وبين طباقه ، انتج هامشا لا يكاد تلمسه باللسان او بحاسة الجرح ، لشدة خباءه وحياده ، وهو ما ادعوه بـ ( الخجل المبرمج، وانسان بالنيابة ) ، حيث اصبح اكبر وسائل القمع رواجا وسهولة  ، بل وخدمة لثقافة القمع الذاتي فالانفجارات التربوية وتاليا الارهاب ، كمكان لتنفيس الاحتقانات التربوية وحجزها في خدمة الفقه الشيطاني! حين تطور هذا النظام الداخلي الكامش للعواطف المتسيبة ، بصدقية الانفعال ، تحول الى خطر تربوي كبير ، بعد ان كنّه الدهاة والعرافون والسحرة ، نلطيف الخوف بفكرة الحشمة والخجل ، كي تكون منتخبة ذاتيا ، مع انها تقوم على تغطية مقابح الذات واستعيارها واستعيابها، ومن هنا بامكان هذه الوصلة التربوية ان تشكل خطرا ، وبالتالي فانها توصل المغرر بهم الى تلك القربانية البشعة ، والعمياء ، موزعة جسدها شضايا قاتلة لا خبزا للجياع كما اقتضت امثولة السيد المسيح !  هكذا خلف هذا الخجل المبرمج والانسان المستناب ، ارثا هائلا يستحق التعرية والوقاحة ، كي تتضح انفعالاته وملامحه دون ان تختفي خلف حجاب الخجل ، وهي مسحورة بكارزما وسطوة ساحرة لا تمكنها مقدرتها مواجهة تلك القوة بغير حجاب الخجل ، وتاليا التمثل لتوجيها بعد ان  اختزنت عناصر التفجير الذاتي  ، وعليه ينبغي ابلسة وشيطنة تلك القوة الساحرة وهدم ارثها الكاريزمي ، بل وتشييع نهاية موت البطل  ، وقد  انهته الامم المتمدنة منذ ان اصبح سلاحا تدميريا هائلا لا يحتاج لعضلات بغل بل لاصابع رقيقة ، بقوة اصابع طفل يضرب على الالة الحاسبة لتطير صوارخ تدمر الكوكب خمسين مرة ! ( انهاء عقل التبعيل ، والمصطلح لنا استخدمناه عام 1994 في صحف لبنانية )

         

 الثقوب السوداء ، حداثة النقد الهيجلي تصحو على حوار الوضوء وديك العباس:

 

- الذبول الصاعق ، في مواجهة الواقع ، وهو يفرض تكيفا بيئيا وجمعيا ، اكثر سوداوية ، بحيث حين ياتي استاذا جامعيا من ارقى معاهد المعرفة في العالم ، لا يجد تقابلا متمدنا لمضمونه ، لان حراك البطل والمثل الشعبي ، يختزن صورة " ابو عليوي" كما يقول الوردي ، فيما ان ابو عليوي ( نموذج الوردي) اختفى تماما عن مدننا ، واصبح التعبير الوطني والمحلي مشوها وبرانيا ، انتج [ ابو مهاوش وخنياب ، وهذا القروي الطيب  اختفى تماما ، وحل بديله البدوي والبربري ، فصار ابو فدعة واخو مضاوي وشقيق الغضنفر ... الخ ، ولاختصار هذه الحالة المشوشة ادبيا وفكريا ، استنفرت حالة من الرمزيات المدوخة / لحية / صور / ازياء / نوع التحية / الوان / رموز تكميلية مثل : مسبحة ، مسواك ، رمزية الازياء ، قصيرة وطويلة ، مماثلة اوضاع الصلاة ، الحجاب ... هذه المختصرات الصلفة ، احتوت خبرات الوافدين والمستقبلين ، حيث السيطرة والسلطة تبيع  احلام فوكوياما بكتيب عن طرائق الوضوء ، وتفتدي ماركس وهيجل ببطاقة حج الى كعبة المؤمنين ، هكذا لم يجد الحالمون ارثا يتحمل ذلك التراكم المعرفي ، وبتروتوكولات اقداح الشمبانيا الدبلوماسية باقداح الزنجبيل على بساط الزهد الملائي الممسرح ، فوق الارض ، تواضعا ممتثلا وتقشفا كاذبا ، لذا ليس مدهشا ان يرمي شخصية كالجلبي ليبرالية جان دوي  وتبشير فوكوياما فتفكيك دريدا ليسلم امره لملالي المرجعية ، وينهل ، كاعادة صياغة ، مصادر التعرف على نفسه ، مما اعتبرته الحداثة مهترئا ومتعبا وفاشلا انتهى بامبراطورية فاسدة ، مثلها العثمانيون ، وحين يصبح الموتى هم قادة الحياة وينتعش ربيع التاريخ والماضي ، من المحتم ان الزمن ينحت مغرياته نحو الانتحار والاصطدام الناري الاسوء ، فنظام الكون يصنع شتى الفخاخ لممن خالف مشيئته وقدريته على ان يكون التاريخ مهملا ، ميتا ، لا حنين اليه الا للراغبين في الموت بجسد حي .

 يفهم من ذلك ، ان الافكار المستحلمة ، بشتيت الاستمناءات الطيبة النوايا ، حول الحداثة ، كانت تتحالم وتتراغب على صلابة دولة القمع التي لا تهتم لخيال هيجلي او ايمان نيتشوي فماركسي ، لان همومها القروية والبدوانية منصبة على الامن ، وامن لم ينتقل الى مرحلة الاخطار الفلسفية لانها لا تحمل أي فقه فكري وسياسي فثقافي غير المفهوم المبتذل لحماية الحاكم والسلطة ، وهذا ايضا حدث في ازمنة الخلافة الاستنسابية في عصريها الاموي والعباسي ، حيث كانت الافكار والفقه والمعرفة في واد وهؤلاء في واد اخر / يحتاج الامر لتفصيل اطول ، ولكن سرعان ما انتهت الاحلام والحداثة ، وكما اشرت في ذلك خلال الستينات ، عبر حواراتي المتهمة بالوجودية ، بان الماركسية لم تجد  هيجل لتقلب مشترعه الفلسفي الى ماركس ، بل قفزت على صراعات فقهية ، مثلت الحياة الادبية والفكرية لكجتمعنا ، اذ ما تزال ماخوذة في حرب الوضوء وموضعة واو  العطف ، وحوار زيارة الاربعين وثواب ديك العباس ، وهكذا في مطلع الالفية الثالثة ، اثبت ديك العباس اهميته على الجدل الهيجلي ، لذا فالديك لا يات الا بنقد الديكة المتقابل ، وقد هدرنا الازمنة في ترف فكراني ، كان من الممكن ان يحدث انذاك ، كي نعفي هذه الاجيال مخاطر حوار واو العطف والوضوء والبسملة ، لكنا حقا كنا كسالى وانانيين واغبياء ، نتصيد في ضباب الاحتفاليات البيضاء عن بقعة سوداء ، لذا لم يكن بدا من ان تكون هذه البقعة ، هي ثقب اسود من تلك الثقوب السوداء العدمية التي ابتلعنا موتها وحتوفها ومحوقها .. انها الثقوب السوداء في سيرورة الزمن ، ذلك البعد الذي اختفى عن ابعادنا الثلاثة ، وهي تمتثل بالسكوت والحجرية دون ان تمسها حركية التاريخ الا بكونه ثقبا اسودا ، حرم الزمن من الزمنية ، وهذا ما يجعل الخمسينات من القون المنصرم اكثر توهجا وشعاعا تنويريا من طلائع الالفية الثالثة ، عند هذا الحد لا نجد غير امكانية واحدة ، وهي وجودنا وسط ثقوب سوداء ، ابتلعتنا دون رحمة ! هل الواقع المعاد  انتاج تارخيته ، يكفي ليحتوي احلامنا وهو لا يشبه حتى هوامش الحرية في النسخ الاصلية للتاريخ نفسه ؟ أي تاريخ اليوم هو بلا معتزلة ولا اخوان الصفا ولا الراوندية وعبقريات التصوف ، لا ذلك الشعر والفن والنؤاسيات ، وهذا ما يجعل وارثي التاريخ ابناءا غير شرعيين للاب الاول ، في وقت كانت الحداثة تتعالى وتتافف  على ذلك الاب ، دون حتى مجرد نقده ، بل عاشت ذلك النموذج المشوه لـــ ( انسان بالنيابة ) ، فلم تجد التاريخ الاول ولا انتجت حفادة امينة ولا بنوة صالحة لافكارها او افكار تاريخ حداثتها ، هكذا فان الحداثة خسرت الابن الزمني والحفيد التاريخي ، معا ، ولم يعد امامها الا عالما يسير من الافكار للطقوسية ومن الدين الى الشعوذة ، ومن الفقه الى العرافة ، ومن الفرق المعزولة الى الفراق في الفرقة .. كيف نرتق تلك  الثقوب السوداء ؟ ذلك ما لم يعد من مهمة الافكار بل مهمة الصدمات النارية الصاعقة ، وهي تفرض اعياءا وتقيئا للسموم ، التي تركتها الحداثة الاحتفالية، في امعاء المجتمع . هكذا لا يبدو الواقع الحالي وهو يفرز طبقة سياسية وافكارا مسيطرة الا حالة من حالات الإعياء والتقيؤ الاجباري... حتى الان ما زلت احتفالية التسمم الاول تتبجح بنموذجها المشوه ، دون حشمة وعذر من تاريخ الفشل ، ذلك الذي تطفل على حضارة الاخر وامتثل عبر مشهدية ممسرحة ، كما لو ان فشله اصبح  مصدرا للتبرج بنجاح وانتصار ، ولكن حين تغيب الافكار الكبيرة عن مشروع الانسان ، تصبح  الانقلابات ممكنة ، وكما يدعي صدام انه مظلوم يدعي فاشلو الحداثة انهم الحق ، ويدعي الباطل انه العدل.