الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

22  تشرين الثاني 2005

فلسطين..في الوجدان الشيعي..

مقاربة في فتاوى ومواقف الإمام السيستاني وكوكبة من فقهاء النجف *

 

كتابات - عمار البغدادي

 

الإهــداء

 

إلى البطل الأول في الإسلام

الذي حطم غطرسة اليهود في خيبر

إلى المطيح برأس الفتنة .. مرحب

إلى المجاهدين الذين تنكبوا درب علي وساروا على طريقته فحرروا جنوب لبنان وأطاحوا بـ(كبرياء العدو الزائف)

وقهروا أسطورة الجيش الذي لا يقهر..

إلى ابن الجنوب العراقي بطل عملية أم العقارب..

إلى جحافل شعبنا الفلسطيني وهي تقاتل

من أجل الحرية وحق العودة وإقامة الدولة

إلى فقهاءنا الأئمة الجزائري والسيستاني وكاشف الغطاء والحكيم

لهؤلاء وأولئك ومن سيأتي

أقدم هذا الجهد قرباناً في محراب المجاهدين

 

عمــــــار

خريف 2005

 

إذا كان السيستاني مرجعية روحية وزمنية في الحياة الإسلامية فهو المسؤول مسؤولية مباشرة عن أطهر أرض أسري منها إلى معارج السماء.

السيستاني في وظيفته الروحية والزمنية، يتعاطى مع المشهد الفلسطيني وبالرغم من قداسة أبعاده السياسية والإنسانية والأخلاقية والثورية، بوصفه المكان الذي يسمو بالمرجع المتصدي والحزب القيادي والتيار السياسي والقاعدة الجماهيرية المؤمنة بخيارات الثوار ومجموعات الاستشهاديين، إلى سماء الإسراء، وصولاً إلى مشهد القيامة.

إن السيستاني يعتبر العمل من أجل فلسطين وقضية الشعب الفلسطيني، مقدمة ضرورية واستثنائية للدخول في مشاهد الحسم النهائي لأكبر القضايا في الكون ـ قضية الحرية ـ حرية الإنسان من العبودية المستلبة، ونقله من أجواء القمع والمصادرة والأسى، إلى عملية انفجار الكرامة في وجوه المعترضين والمحتلين الرافضين لانطلاقتها في رحاب الملكوت.

ما بين السيد السيستاني وفلسطين، أكبر من أن يتم تداوله في نصوص الشعراء والأدباء وأماسي المثقفين، أكبر وأكثر نزاهةً وأكثر قدسيّة من رسائل الغرام الصوفية. إنها علاقة بتاريخ من الرسالات المستمرة بالهبوط في ساحة تتحشد بكواكب الأنبياء والأوصياء والصالحين والمجاهدين ودماء الأنبياء والشهداء البررة.

إن جزءاً كبيراً من كفاح العراقيين وانخراطهم في الثورة الفلسطينية منذ بداية انبثاق مشروع الحرية عام 1965، بتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، كان قتالاً في الأراضي الفلسطينية المحتلة بوصفه التوق الشديد للدفاع عن المكان المرتفع عن المهابط البشرية ـ المرتفع بسمو القيامة وقداسة القضية ونبل الروح التي ترقد بسلام في كنيسة القيامة ـ إنهم قاتلوا لكي يؤكدوا أن سمو هذه القضية، لا يتأصل في النفوس، إلا بتأصيل خط الشهادة، والإصرار على تحرير الأرض لأنهم يريدون ويسعون بدفق الدم المهراق إلى الارتقاء بالمعارك الشريفة إلى المرتفعات العالية ـ وفلسطين هي المرتفع الأعلى ـ وهذه هي المقاومة الحقيقية.

إن السيد السيستاني الذي يؤمن بخصوصية كل شعب في اختيار ما يريد، يشدد على ضرورة عدم التدخل في فلسفة هذا الاختيار ويعتقد اعتقاداً جازماً أن بداية حرية الشعب الفلسطيني تكمن في تحرير الثقافة الوطنية السائدة من التفتيت والتشظي والانقسامات الحادة وأمراض الصنمية القيادية. فلا حرية من دون ثقافة سياسية وطنية توحد جهد المشروع العام وهو يواصل الكفاح بنبل أهدافه الإنسانية المقدسة التي كفلتها له الأديان والشرائع والقيم والمثاليات الأخلاقية والأعراف الإنسانية.

في بيته المتواضع، وفي حارة أكثر تواضعاً في مدينة النجف الأشرف، مرقد الخليفة الإسلامي الراشد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، يقيم هذا الفقيه الإسلامي الكبير، لكن قلبه في بيت لحم والجليل ونابلس وجنين وغزة والضفة الغربية، ومنشغل دائماً بشؤون المسلمين في كل مكان، وتحظى فلسطين وكنيسة القيامة ومهد السيد المسيح عليه السلام بأهمية استثنائية في برنامجه الإسلامي، حيث يعتقد الإمام أن فلسطين لا تمثل محط الآمال وقاعدة ارتكاز الأهداف وعمق ثقافة الحرية والمقدسات وأولى القبلتين وثالث الحرمين والرئة المفتوحة على الآلام، بل هي محور حركة الأمة العربية والإسلامية، وتعاطيها مع مسؤولياتها الإنسانية والرسالية في الحياة.

وفي عقيدة المرجعية الدينية، أن الإنسان المسلم لن يكون في إطار شروط الإسلام الحقيقي إذا لم تكن هذه القضية المقدسة في ضميره وإيمانه الداخلي العميق، فهي الأرض المباركة وهي أرض الإسراء والمعراج، وملتقى الأديان والحضارات والثقافات، ومركز تقاطع إنساني حافل بالتنوع، وتجاري ـ اقتصادي كانت الأمم تجد في ساحله الأمن والاستقرار الذي يمكنها من الاستمرار في العمل والتواصل مع العالم.

في بيته النجفي المتواضع، ينتقل الإمام السيستاني الذي يؤسس في داخله فقه الحرية الذي يعشقه ويدعو إليه بكل حكمة وروية، ويتبنى الحرية كشرط أسمى من شروط البقاء الإنساني، وإقامة الخيار الاجتماعي السياسي القادر على تلبية كل الأهداف لا نصفها، لا يكتفي هذا الفقيه المحمدي الكبير بالكلمات المجردة، والفتاوى الصامتة، رغم أن الفتاوى في الفقه الشيعي متحركة وفاعلة وذات نمطية ساخنة، للوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني في كفاحه من أجل الحياة.

إنه يسهم في كل ما يستطيع من أجل معالجة الأزمات والمشاكل والاعتلالات التي تواجه الوجود الفلسطيني في الشتات من الذين حرمتهم ظروف البلدان العربية التي كانوا يعيشون فيها بعد هزيمة 1967 من العودة إلى ديارهم والبقاء في العراق.

تقول المعلومات الواردة الموثوقة أن الإمام السيستاني يوصي مكتبه الرئيس ووكلائه العلماء في بغداد والمحافظات العراقية ومسؤولي الدولة الحالية، وقيادات في كتلة الائتلاف العراقي الموحد، بضرورة حماية الوجود الفلسطيني في العراق والاهتمام به ورعايته وإبعاده عن أجواء الصراعات والأزمات والمشاكل الأمنية والسياسية التي تضرب البلاد العراقية طولاً وعرضاً. ورغم أنه يحسم أمر معالجة الحالات الشاذة، عبر المحاكمات العادلة التي ينهض بها القضاء العراقي، لكنه حفظه الله، يشدد ويتحدث بقوة عن ضرورة الاهتمام بالإخوة من أبناء الشعب الفلسطيني ويصفهم دائماً في كلماته وعباراته بـ«أنفسنا».

هذا الموقف التاريخي، ليس موقفاً شخصياً عابراً، أو حالة تعاطف مزاجي تنتاب هذا المرجع الكبير إزاء الإخوة من أبناء الأرض المحتلة، بل هو موقف الإسلام وحركته وقراره الشرعي ومرجعيته الدينية وقيادته الروحية، درجت عليه ألسن الفقهاء وعقولهم، ولم يخرج عن هذه السنة الحسنة أحد. والسيستاني في الحقيقة هو الامتداد الطبيعي لخط الموقف الشرعي من المسألة الفلسطينية وقد استطاع القيام بتمثيل مواقف المرجعية الدينية التي تولت الدفاع عن قضايا المسلمين منذ عقود طويلة.

لم تتخلف النجف الأشرف يوماً عن تلبية نداء الفرائض الواجبة النهضوية التنويرية التي كانت تنطلق من أنحاء مختلفة في مناطق العالم العربي والإسلامي الكبير، وكانت السباقة إلى تلبية الواجبات، بما أمكنها من جند وأموال، وعبر استخدام سلاح الفتوى الشرعية كواحد من الشروط التاريخية والعناصر الدينية والروحية والعقائدية المؤثرة في حركة نهوض أو استنهاض الهمم الخيِّرة في الأمة.

الإمام المرجع السيد محسن الحكيم الذي تولى المرجعية الدينية ما بين 1952 إلى 1970، كان من بين أهم المرجعيات الدينية في النجف الأشرف من دافع وكافح وقدم الجهد المميز الكبير، ووظف المسألة الشرعية، وموقع المرجعية الدينية في إطار حركة التحرير الفلسطينية ووقف إلى جانب الشعب الفلسطيني، وأوقف مرجعيته الدينية المباركة لصالح الدفع باتجاه تعريف العالم بهذه القضية، ومن من المؤرخين المعاصرين أو القيادات الفلسطينية القديمة التي عاصرت فترة الإمام الحكيم، من لا يعرف جهد الإمام الكبير في توظيف عناصر القوة لدى المرجعية لصالح القضية الفلسطينية، فقد قدمت أموال الخمس وبفتاوى صريحة لصالح الثورة الفلسطينية وقيادتها وقواتها المسلحة، ودعمه المستمر وإهابته الدائمة للتطوع والانخراط في صفوف الثورة، من أجل ذات الأهداف المقدسة في الحرية واستقلال فلسطين وتحريرها من ربقة الاحتلال.

مرجعياتنا الدينية، لم تكن تقدم كل هذا الدعم والإسناد، وتحشيد المواقف والرجال، من أجل القضية الفلسطينية بدوافع سياسية محلية أو بخلفيات الترويج الشخصي أو خدمة لهدف يصب في صالح هذا النظام الرسمي العربي أو ذاك، بل إن العكس هو الصحيح، فقد اصطدمت الفتوى الشرعية، ومواقف الإمام الحكيم من القضية الفلسطينية، برموز النظام الرسمي العربي خصوصاً النظام البائد في بغداد الذي كانت له صولات وجولات ضد القضية الفلسطينية فهو المسؤول عن تصفية شخصيات فلسطينية في بيروت وتفتيت القرار الوطني الفلسطيني، عبر إنشائه لجبهة التحرير العربية التي كانت تدار بدولارات صدام وجهاز أمنه الخاص بل كانت تعتقد أن الواجب الديني والقيمي والحضاري والقومي والرسالي يحتم عليها النهوض بتكليف صب كل الجهود والأموال وتعبئة طاقات الأمة كلها لصالح الثورة الفلسطينية.

لم تؤثر السياسات والمصالح، وتضيع بعض قادة الثورة لفرص تأريخية، لاستحصال حقوق الشعب الفلسطيني، وتلكؤ البعض الآخر، على مصداقية القضية المركزية في ذهنية المرجعيات الدينية المباشرة والقائدة. بل ظل الموقف على الدوام قائماً على التفريق ما بين الثورة وأبنائها، أو بعض أبنائها وقيمها ومثلها الروحية والسياسية والعقائدية والإيمانية والجماهيرية وبين المصالح والأهواء، لكن لم يحدث مرة أن تحدثت المرجعية الدينية عن قيادي بارزٍ في الثورة الفلسطينية بسوء، بل كانت تحترم إرادات ومشاريع ورؤى وسلوك القادة الثوريين وجهود الأحزاب الفلسطينية، لكن لديها ملاحظات على طريقة أداء البعض إلا أن هذه الملاحظات تبقى في الدائرة الأقرب للمرجع مُتَحفظٍاً عليها ولا تخرج لدائرة الاستهلاك المحلي والترويج لفكرة الإطاحة بهذه الشخصية أو تلك، لأن ذلك لم ولن يكون سلوك تلك المرجعيات الرشيدة وفي مقدمتها مرجعية السيد السيستاني، إيماناً منها بالمصالح العليا للثورة وعدم إعطاء الذريعة والمبرر للعدو للنفاذ إلى عمق الحالة الفلسطينية والإفادة من أخطائها.

إن السيستاني، لا ينطلق في عمليات التقويم والنقد والملاحظة بدوافع الثأر أو الضغينة والأحقاد، مثلما تمارس تلك المفردات برعونة واضحة في الأوساط السياسية العربية والإسلامية، وداخل فضاء البيئة السياسية الفلسطينية، بل ينطلق من وعيه المسؤول عن تلك القضية وشعبها المضطهد، باعتباره الفقيه الجامع لشرائط التقليد والقيادة والحكمة وتولي المسؤولية في إدارة أحوال العالم الإسلامي، هذا العالم الذي يعتقد المرجع السيستاني، أنه مسؤول عنه مسؤولية مباشرة انطلاقاً من النص المحمدي الممتلئ بالوضوح فيما يتعلق بالرعية وقيادتها «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته».  

بدايـــــــات فلســــــطينية

«تأتي الثورة الفلسطينية 1936 ـ 1939 بمثابة الذروة في حركة المقاومة العربية الإسلامية للصهيونية والانتداب البريطاني في ذلك الحين ولا شك أن ما مر من تحديات كان كافياً لإيضاح الاتجاه الطبيعي الذي سارت فيه المقاومة بتصعيدها للكفاح ضد الصهيونية. فعلى صعيد الهجرة اليهودية شهدت فلسطين خلال فترة الثلاثينات من القرن الماضي نزوحاً هائلاً لسيل المهاجرين من مختلف مناطق أوروبا وعلى صعيد بيع الأراضي استمرت السلطة البريطانية بتسهيل عمليات الشراء ولم تحرك ساكناً بإغاثة الفلاحين العرب الذين تضرروا كثيراً وكان نصيبهم  الطرد والإجلاء بالقوة عن الأراضي التي عرفوا بها وعرفت بهم فقد جاءت مأساة العرب في وادي الحوارث بالقوة لتزيد في النقمة وتدفع الفلاح إلى معسكر المقاومة الضارية.

ثم توالت الأخبار المؤكدة عن تهريب اليهود للسلاح الحربي وتخزينه والتدريب عليه فهزت البلد وتمادى اليهود في تحدياتهم واستفزازاتهم فانتهك فريق من شبابهم حرمة الحرم الإبراهيمي في الخليل وكنيسة المهد في بيت لحم كما جاء تشكيل الحاميات اليهودية لانتزاع لقمة العيش من فم العامل العربي ليزيد في اشتعال النقمة وخابت آمال البلد عقب الرد الذي أجابت به حكومة الانتداب على مذكرة الأحزاب.

جاءت الحركة التي قامت بها عصبة المجاهد الشيخ عز الدين القسام إذ اعتصمت في تلال جنين وتوغلت في الأحراج وكمنت لأفراد الجيش البريطاني ثم اكتشفتها السلطات فطوقتها بمساعدة طائرات الاستكشاف واشتبكت مع أفرادها في معركة حامية أدت إلى استشهاد القسام وأربعة من رفاقه واعتقال أربعة آخرين بينهم اثنان جرحا جراحاً خطيرة في 10 تشرين الثاني عام 1935 فكانت هذه الحركة بمثابة الشرارة التي أشعلت نار الثورة في صدور عرب فلسطين وحفزتهم على تصعيد المقاومة والاقتداء بذلك الدرس البليغ في التضحية. وهكذا قامت الثورة الفلسطينية الكبرى ضد الانتداب والصهيونية في منتصف نيسان عام 1936، وسارعت السلطة المنتدبة إلى إعلان قانون الدفاع ووضع قانون الطوارئ موضع التنفيذ، وبالإضافة إلى تطبيق نظام منع التجول، فأعلن الشعب إضرابه العام ليعبر عن سخطه ونقمته، وناشد العرب في جميع أقطارهم التضامن مع فلسطين والوقوف إلى جانبها ثم تشكلت لجنة قومية للإشراف على الإضراب وتألفت اللجان لإسعاف المحتاجين وجمع الإعانة وتوزيع الدقيق، كما قامت اللجنة المركزية في القدس لمساعدة المنكوبين، وظهرت الحركة الوطنية على صورة رائعة من التنظيم بعد انبثاق اللجنة العربية العليا، وإذاعة بيانها التاريخي في جلسة 25/4/1936 متضمناً القرار الداعي إلى الاستمرار في الإضراب العام إلى أن تبدل الحكومة سياستها المتبعة في فلسطين تبديلاً أساسياً تظهر بوادره في وقف الهجرة اليهودية. بينما دعت اللجنة باسم عرب فلسطين إلى تحقيق المطالب التالية:

1 ـ منع الهجرة اليهودية منعاً باتاً.

2 ـ إنشاء حكومة وطنية مسؤولة أمام مجلس نيابي.

3 ـ منع انتقال الأراضي العربية إلى اليهود.

وأبرقت إلى الملوك والأمراء العرب والمسلمين تستغيث بهم لإنقاذ الأراضي المقدسة وتحقيق مطالبها. وفي هذا الجو المتوتر والمشحون بالنقمة عمدت السلطة المنتدبة إلى الإمعان في تحدي شعب فلسطين. فقامت بمنح اليهود 4500 شهادة هجرة جديدة، بينما بادر الصهاينة إلى افتتاح معرضهم الأول في مدينة تل أبيب وراح المندوب السياحي ينتقد العرب ويثني على اليهود لاحتفاظهم بفضيلة ضبط النفس، فأخذ نطاق الإضراب يتسع وأيده طلاب المدارس الذين دعوا إلى مقاطعة البضائع البريطانية والصهيونية، ثم انضم إليه الأطباء والمحامون والسيدات العربيات، والفرق التجارية، والصحافيون والمجلس الإسلامي الأعلى، ورجال الدين والسجناء والمشايخ والقبائل العربية في بئر السبع وأفراد البوليس العربي ثم نادى شباب يافا إلى تشكيل كتائب الحرس الوطني، كما عقدت اللجان القومية مؤتمرها في القدس (7/5/1936) للتداول في شأن ضرورة تغيير وسائل مكافحة الاستعمار ومقاومة الانتداب والصهيونية، ألقى الحاج أمين الحسيني خطابه التاريخي ليقول: «عند الشدائد تذهب الأحقاد»… وناشد العرب قائلاً إلى مسلميه ومسيحيه: إن أهل هذه البلاد المقدسة يستنجدون بكم فادركوهم قبل أن تصبح فلسطين أندلساً ثانية.. إن أهل هذه البلاد يقارعون ظلم الاستعمار كما أنهم يقارعون العالم اليهودي بأسره الذي يدفع بأمواله ورجاله إلى هذه البلاد المقدسة.

«إن تهديد هذه البلاد لا ينحصر ضرره بأهلها فحسب، ولكنه يصيب البلاد العربية بأسرها ويمزقها شرق تمزيق» وجاء قرار الامتناع عن دفع الضرائب وإعلان العصيان المدني لينقل المقاومة تدريجياً إلى ميدان الكفاح العملي بعد استنفاذ خطط المقاومة السلبية، فعمدت السلطات البريطانية إلى ممارسة سياسة الإبعاد والاعتقال عملاً بأنظمة قانون الطوارئ فتحول الإضراب العام إلى مظاهرات للتعبير عن الاستياء.

وفي 23/5/1936 وزعت مناشير في البلد حملت في أعلاها «الثورة العربية الثانية» فتألفت لجان العصابات المسلحة للثوار في جبال نابلس والخليل وانتشرت في سائر أنحاء فلسطين، كما هب سكان القرى إلى الاشتراك في الثورة. وفي 27/تموز/ 1936 دخل الإضراب العام يومه المائة والبلد أشد تمسكاً من اليوم الأول بمطالبة الأساسية بينما استمر نشاط الثوار في الجبال وأدى إلى تخريب أنابيب شركة بترول العراق ونسفها وإشعال الزيت المتدفق ولم يمض الشهر الثاني بعد المائة يوم حتى كانت ا لثورة قد دخلت في طور التنظيم الفعلي بقيادة فوزي القاوقجي الذي دخل البلد بدعوة من الحاج أمين الحسيني على رأس قوة من المتطوعين العرب تبلغ 150 مجاهداً والذي أذاع منشوراً عاماً في 28/آب/ 1936 صادر عن قيادة الثورة العربية في سوريا الجنوبية (فلسطين) ومما جاء فيه:

«إلى السلاح إيذاناً بسقوط الحكم الأجنبي الحاضر في فلسطين لمنافاته حقوق الشعب المشروعة وقيام حكومة ثورة مؤقتة تستمد وجودها من إرادة الأمة، إلى أن تنسحب الجيوش البريطانية وتمنع الهجرة اليهودية منعاً باتاً وتحل للجماعات التي هبطت فلسطين على أساس وعد بلفور الباطل».

وتدخل الملوك والأمراء العرب لوقف هذه الثورة التي راح ضحيتها ما لا يقل عن ألف شهيد وذلك من أجل المفاوضات لتنفيذ مطالب الثورة إلا أن الثورة توقفت ولم تتحقق المطالب.. كأنما تدخل الأمراء والملوك العرب لتحقيق هدف إيقاف الثورة. الذي كانت نتيجته تدفق الهجرة اليهودية بشكل كبير إلى فلسطين وهكذا حتى قيام الكيان الصهيوني مع العلم أن شعلة المقاومة للانتداب البريطاني والعصابات الصهيونية لم تتوقف خلال هذه الفترة. إلا أنها لم تكن بمستوى التحدي لبرنامج الحركة الصهيونية القائم على إجلاء العرب الفلسطينيين وإحلال المهاجرين اليهود مكانهم وهذا بالتعاون والتنسيق مع سلطات الانتداب البريطاني( ).

مـــــواقــف

لم تكن الثورة الفلسطينية على اختلاف مراحلها الثورية، معزولة عن محيطها العربي أو أنها لم تكن تؤثر فيه بالشكل الذي يحولها ثورة لا علاقة لها بمحيطها، بل كانت «وهذا ما يحدثنا عنه التاريخ المعاصر للمنطقة العربية والإسلامية ثورة تجد صداها السياسي والثوري في محيطها، خصوصاً عند القيادات الدينية والرموز الروحية ذات النفوذ الواسع في المنطقة. على سبيل المثال لا الحصر كانت المرجعية الدينية في النجف الأشرف، تلاحق باستمرار مراحل الثورة الفلسطينية، وتنظر بعيون ثاقبة وبرؤية مميزة لتطور العملية الثورية والسياسية في فلسطين. وهنا نشير إلى الرسائل المتبادلة، أو التي تم تبادلها، بين الحاج أمين الحسيني رئيس الهيئة العربية العليا ومفتي الديار المقدسة وآية الله العظمى المرجع الديني الكبير الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء حيث أكدت رسائله على وقوف المرجعية الدينية وقرارها النهائي إلى جانب الشعب الفلسطيني، وهو يواجه عنت وقمع السلطات البريطانية المحتلة وعصابات الصهيونية، كما يتحدث التاريخ عن عروض قدمت للقادة الفلسطينيين من قبل المرجعية الدينية، لإرسال المتطوعين والفدائيين من عرب العراق إلى فلسطين للوقوف إلى جانب إخوانهم هناك. لقد حدثني زملاء صحفيون وآخرون من المجاهدين والثوار الفلسطينيين في مخيم اليرموك، عن وجود مقبرة للشهداء العراقيين في الأرض المحتلة للدلالة على تاريخ مشترك جمع في لحظة حماسة متقدة، الدم العراقي والدم الفلسطيني للدفاع عن هذه الأرض المقدسة.

»إني وبناء على ما يفرضه عليَّ الواجب الشرعي ألفت نظر الشعب الإيراني ومسلمي العالم إلى أن القرآن الكريم والإسلام عرضة للخطر وأن استقلال البلاد واقتصادها عرضة للسقوط في قبضة الصهاينة الذين ظهروا في إيران بلباس الحزب البهائي ولن يمر وقت طويل مع صمت المسلمين القاتل هذا، حتى يهيمن هؤلاء على اقتصاد البلاد بأسره عن طريق عملائهم ويدمروا الشعب المسلم في كافة المجالات، فها هم اليهود يتخذون من محطة تلفزيون إيران قاعدة للتجسس والحكومة ترى ذلك وتؤيده، لذا فإن الشعب المسلم لن يسكت، ما لم تزل هذه الأخطاء، ومن يسكت على ذلك فهو مسؤول أمام الله تعالى ومحكوم عليه بالسقوط في هذا العالم»( ).

هكذا واستمراراً لنفوذ الفتوى الشرعية التي تنطلق من النجف الأشرف ـ قاعدة الفتوى الثورية المتضامنة مع فلسطين والثورة الفلسطينية وشعبها ـ ينطلق آية الله الخميني في فضاء استثمار الفتوى الشرعية ليبث في نفوس الشعب الإيراني في القرن الماضي العزيمة والفاعلية لمواجهة المشروع الصهيوني داخل إيران، وليعتبر هذه المواجهة غير محصورة في إطار مواجهة المشروع داخل إيران، بل لمواجهة الصهيونية في كل مكان، وهذا واضح في إدارته للصراع مع الصهيونية عندما يؤكد في بيانه السياسي «وهو أشبه بالفتوى» أن الصهيونية العالمية لا تهدد مبنى الإذاعة والتلفزيون في إيران ولا تهدد المثل الأخلاقية لهذا الشعب المسلم بل تهدد القرآن، ومن يجد في نفسه أن له علاقة مع القرآن الكريم وأن لديه شخصية مسلمة فعليه مواجهة المشروع الصهيوني ومده التوسعي، ونظام الإمبريالية المتجذر في إيران.

لقد عشت التجربة الإسلامية في إيران عشر سنوات متتالية، وفي واحدة من أهم المواقع الإعلامية المسؤولة في طهران ـ مبنى الإذاعة والتلفزيون الإيراني ـ المبنى الذي كانت تتخذه الصهيونية قاعدة للتجسس على المحيط العربي والإسلامي، وهناك اطلعت على إدارة الثورة للعملية السياسية ضد الصهيونية في مختلف المجالات والمؤسسات والمناحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية في الداخل والخارج، وليت الذين يتحدثون عن المشروع الخميني المعاصر وعلاقته بالثورة الفلسطينية بروحية حقدية واضحة يطلعون على أرشيف المواقف السياسية للإمام الخميني وثورته ومشروعه السياسي المعاصر ودولته الإسلامية التي بناها على خلفية استعادة الحقوق العربية في فلسطين، وأرشيف من الممارسات والمؤتمرات واللقاءات والمهرجانات الجماهيرية الكبيرة التي كانت ولا زالت تقيمها إيران الخمينية لصالح الثورة الفلسطينية ومصلحة شعبها، حيث عبرت عن وقوفها إلى جانب الثورة، واستثمار كل الفرص من أجل استعادة الحقوق مع ترك خيار العمل لاسترداد تلك الحقوق للفلسطينيين ولفصائل الثورة الفلسطينية من دون إكراه، أو إملاء أو ممارسة الضغط الذي عادة ما تمارسه الدول التي تمول الثورة الفلسطينية وفصائلها السياسية والعسكرية. لقد كنت أرى وفود الثورة الفلسطينية تزور إيران وتلتقي الإمام الخميني ومسؤولي وقادة الثورة وألمس التعاطف الكبير من قبل فئات الشعب الإيراني مع تلك الوفود، ولا زلت أتذكر كيف كانت النساء الإيرانيات وبعد طرد الموساد من السفارة الإسرائيلية في طهران زمن الشاهنشاه يطرقن باب السفارة الفلسطينية، ويقدمن الأكل والمواد العينية إلى الأخ هاني الحسن سفير فلسطين في طهران. لقد تحولت الفتوى في عهد الثورة إلى سلا&