|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
5 تــمــوز 2005 |
|
المسلمون بالغرب في مواجهة العداء السياسي والإعلامي نموذج العداء الإعلامي: الإسلام ضحية مقتل تيو فان خوخ أم العكس صحيح! الجزء الثالث كتابات - التجاني بولعوالي يوم أسود لم يكن في الحسبان كانت الساعة حوالي العاشرة صباحا من يوم الثلاثاء 2 نوفمبر 2004/ 19 رمضان 1425 ، عندما قال لي أحد زملاء العمل، أن تليفونا جاءه اللحظة، يخبره بأن مغربيا يدعى( محمد ب)، قام هذا اليوم حوالي الساعة التاسعة صباحا بالتعرض إلى المخرج الهولندي المعروف، الذي يسمى (تيو فان خوخ)، وهو متجه على دراجته نحو العمل، فقتله شر قتلة؛ حيث أجبره على النزول من على دراجته مطلقا عليه النار، وهو يطارده إلى الناحية الأخرى من الشارع، ثم ذبحه في موضع العنق شر ذبحة، فوقف أمام جثته بكل شجاعة وجرأة حتى تأكد من موته، فألقى رسالة من 7 صفحات على جسده، فلاذ بالفرار نحو إحدى منتزهات شرق أمستردم حيث الغابات والأشجار الكثيفة.
يبدو، إذن، أن هذه الفعلة في غاية البشاعة، خصوصا وأنها تحدث في مدينة أمستردم؛ رمز الحوار والحرية والتعددية في الثقافات والأديان واللغات والألوان والأجناس، وما يزيد هذه البشاعة فضاعة، هو أن هذا الحادث وقع على مرأى من الملأ، وفي مكان عمومي، غير بعيد عن الأنظار، حيث رصد الإعلام الهولندي بمختلف أصنافه شهادات حية، لمواطنين عاينوا الحادث بكل تفاصيله مما زاد الطين بلة، وضخم وقع الرهبة والهلع الذي استفاقت عليه الدولة والشعب الهولنديين؛ كيف يحدث هذا في هولندا التي فتحت أحضانها للغرباء والفقراء واللاجئين؟ كيف يقع هذا في هولندا التي احتضنت مئات الآلاف، من رعاة الغنم والعمال والمتسولين والطلبة، فمنحتهم ما لم يحلموا به بتاتا في أوطانهم الأصلية؟ كيف يحصل هذا في هولندا رمز التسامح والمواطنة والتكافل وغير ذلك؟
هذا الكلام صحيح مائة بالمائة! لكن لماذا وقعت مثل هذه الواقعة في دولة، يبدو أن مجرد الحديث فيها عن مثل هذه القضية مقرف وغير وارد؟ ما هي العوامل المباشرة والمعلنة التي تقف وراء مثل هذه الفعلة؟ ما هي الملابسات العامة لهذه الحادثة التي سوف تشكل منزلقا خطيرا، ومطبا عويصا، في تاريخ الجالية الإسلامية في هولندا خاصة، والغرب عامة؟ هل هو مجرد عمل فردي أم فعل جماعي مخطط بإتقان وعن ترصد؟
نحو فك شفرات القضية حتى نفهم الأمر بشكل قريب من الصواب، واعتبارا أن كتابة هذه الورقة، جاءت مباشرة بعد هذه الحادثة، دون انتظار ما ستسفر عنه الإجراءات والاستنطاقات والبحوث، التي سوف تقوم بها، من غير شك، السلطات المعنية بالأمر، قبل ذلك إذن، يجدر بنا التعرف، ولو على جانب من شخصية ضحية هذه الواقعة، التي فاجأت الرأيين الرسمي والشعبي بهولندا، فهي تسمى تيو فان خوخ، وهو من مواليد غشت 1957 في مدينة دينهاخ، ( سوف لن أحيط بحياته الشخصية والعامة بقدر ما أشير إلى الحيثيات التي لها علاقة سببية بالقضية)، فهو معروف عليه بالعداء الأعمى للإسلام، وللنبي صلى الله عليه وسلم، وللمسلمين عموما؛ حيث ينعت الإسلام بالتخلف والرجعية، ويصف الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه مغتصب أطفال، ما دام أنه تزوج عائشة رضي الله عنها وهي ابنة تسع سنوات! بل ويعتبر المسلمين مجرد ناكحي ماعز!
ومثل هذه الأفكار المريرة وغيرها، ظل يفاجئ بها المسلمين أسبوعيا بإحدى الأعمدة التي يشارك بها في إحدى الجرائد اليومية الذائعة الصيت، هذا ناهيك عن الكثير من الحوارات والبرامج المتلفزة، التي يصرح فيها بكلام لاذع يصيب المسلمين في الأعماق، بكلام بذئ يندى له الجبين وترتعد له الفرائس! ولا من يحاول فتح حوار صريح ومتوازن، يراعي خصوصيات كل الأجناس التي اتخذت هولندا وطنا بديلا لها، منذ ما ينيف على القرن، حتى ولو أنك تناقشت مع بعض المواطنين أو المسؤولين الهولنديين، أجابوك بأننا في بلد حرية التعبير والرأي، ضاربين بعرض الحائط مبدأ حرية التدين واحترام كل العقائد، الذي ينص عليه الدستور الهولندي!
وما زاد الأمر تعقيدا، فاختلط الحابل بالنابل، هو ذلك الفيلم الهولندي المعنون بـ(الخضوع(submission الذي أخرجه هذا المخرج، وضمنه لقطات مثيرة تشوه الإسلام أيما تشويه، وتسيء إليه أنكى إساءة؛ وهو يستعرض عبر 11 دقيقة من الزمن حوارا داخليا أو مونولوجا، لامرأة تبدو من حيث زيها أنها مسلمة، والزي عبارة عن نقاب أسود شفاف ناحية الصدر وبعض مواطن جسدها، كما أن جسد هذه المرأة مخطوط عليه آيات قرآنية، ويفاجأ مشاهد هذا الفيلم، عندما يرى أنها تتقدم نحو السجادة ليس للصلاة، وإنما لبث شكاواها من الإسلام، حيث تقدم نفسها وكأنما كتب عليها الألم والشقاء، خلف لباس أسود لا يبين إلا عينيها، كما أنها تحاول سرد بعض أشكال المعاناة التي تعرضت إليها عبر مراحل حياتها، وقد شارك بكتابة سيناريو هذا الفيلم أيان هيرشي علي، الصومالية الأصل، والهولندية الجنسية، والتي ارتدت عن الإسلام، وصارت تكيل بمكيالين لكل ما هو إسلامي دونما وازع أو رادع، وتلصق بالإسلام وأهله كل دنيئة ومثلبة، مما ساعدها على أن تفوز في الانتخابات الهولندية، فتصبح عضوا بارزا في الحزب الثاني الحاكمVVD، ونائبة في البرلمان الهولندي.
والمتمعن في تفاصيل قصة هذا الفيلم، يدرك أنها تتمحور حول كاتبتها، التي هي أيان هيرشي علي، حيث ثمة تطابقا تاما بين سيرة حياتها، التي ترويها فيما تكتبه وتنشره، وفيما تصرح به للإعلام الهولندي خصوصا، والغربي عموما، وهذا إن دل عن شيء إنما يدل على أن هذه الكاتبة المعادية لكل ما هو إسلامي، لا تروم تحرير المرأة المسلمة، بقدرما تسعى إلى تشييد مجدها ونجاحها على أنقاض تلك المرأة، فتنظر إلى كل ما يحدث من تلك الكوة الضيقة، وتختزل كل التراث والإسهام الإسلامي الذي كان له شأن لا يضاهى، في ما عليه الإنسانية اليوم من ازدهار وتقدم، في قضية تافهة استطاع الإسلام فهمها وحلها منذ ما يربو على أربعة عشر قرنا، كذا تنطلق مما مورس عليها، إن صح ذلك، في بلدها الأصلي الصومال من لا أخلاقيات، لتوجه اتهامها إلى الإسلام برمته، وهي تتغاضى عن أن الإسلام ليس مسؤولا، عما يحدث من خروق وانحرافات في الصومال وغيره من البلدان الإسلامية، وأن ما حدث لها هنالك، يحدث مرارا وتكرارا في الغرب، وأحيانا بأساليب ممنهجة، لكن لا ينقص هذا شيئا من ذلك الوجه الإيجابي والإنساني للحضارة الغربية، أما إذا تعلق الأمر ببلد إسلامي معين، سرعان ما يصير الإسلام مرمى السهام والشائعات والاتهامات!
وبمجرد أن طفا حدث مقتل فان خوخ على السطح، تكاثرت الآراء، وتداخلت التحليلات، وما استرعى انتباهي من ذلك كله، هو ذلك الرأي الذي استنبط أن أيان هيرشي علي كانت سبب شتى الويلات، التي بدأت تعتري تركيبة المجتمع الهولندي الراهن، وهي ويلات أتت على كل مكونات المجتمع دون استثناء؛ أجانب أو أصليين، مهاجرين أو هولنديين، مسلمين أو غير مسلمين، ومن بين تلك الويلات اغتيال فان خوخ، فلو افترضنا مثلا - والافتراض لا يغني هنا في شيء!- أن فان خوخ لم يأخذ بمبادرتها، وأنه لم يتعاون معها في صناعة ذلك الفيلم، الذي أساء كثيرا إلى روح التعايش السلمي، والحوار الثقافي الذي ساد المجتمع الهولندي طويلا، وبث بذور التفرقة والتصادم والعداء، رغم أن الدستور الهولندي يرفض ذلك مطلقا، ربما لاتخذت الأمور مجرى مغايرا.
بين العداء الضمني والعلني لكن صعود نجم فان خوخ تم في ظرفية ساخنة، مشحونة بالتناقضات إلى حد لم يسبق له مثيل، وأهم هذه التناقضات نجد الموقف الغربي من الإسلام، الذي يتراوح بين عداءين: أولهما يعتبر عداء ضمنيا ممنهجا ومدعما سياسيا وإعلاميا وفكريا وعسكريا وغير ذلك، حيث الأيدي الخفية تخطط منذ حين لقهر الامتداد الإسلامي، الذي يطلق عليه الخطر الأخضر، وهم على وعي بأن ثمة أكثر من مؤشر على أن الإسلام سيحسم المعركة لصالحه، سواء في المستقبل القريب أم البعيد، رغم تردي حالة الأمة الإسلامية وترهلها، فإن هذا التردي، أو ذلك الترهل، لا يمكن معادلته بما كانت عليه أيام الدولة العثمانية، ما دام أن ثمة أكثر من صوت يتعالى محملا بنسائم اليقظة والصحوة والتململ الحضاري، وهذا ما يقض مضجع الغرب، الذي تتملكه الحيرة أمام هذا الجسد الإسلامي المنهك، لكنه قابل لاستجماع قواه في كل آن! ففي هذه الحالة ينظر كل مسلم غيور على هويته الدينية إلى هذا التعامل الصادر من الغرب، على أنه تعامل حربائي، يعتبر في الثقافة الإسلامية مجرد نفاق، يبطن لك صاحبه معاملة مزدوجة، تحمل سلوكين أحسنهما أسوأ، أو خيرهما شر، أو أحلاهما مر!
أما ثانيهما فهو عداء علني يسيء إلى ما هو إسلامي بصوت عالي، وقد تصاعد هذا السلوك نوعا ما في تسعينيات القرن الماضي، وبالتحديد في أعقاب سقوط النظام الاشتراكي، حيث بدا للغرب أن الإسلام هو الند الجديد المرشح، لأن يكون طرفا في معادلة المواجهة الحضارية المقبلة، وهذه الرؤية لم تقتصر على كواليس السياسيين، أو بحوث الأكاديميين، أو اهتمامات المثقفين، بقدرما تسربت إلى حياة الناس العاديين، عن طريق الإعلام، الذي وفر كل جهوده البشرية والمادية للتنقيب في ذاكرة وواقع الإسلام، وتقديم صورة مقزمة حول هذا الدين، الذي لم تتعد أغلب التناولات الإعلامية الغربية جانبه الشكلي، الذي عادة ما يختزل في اللحية والنقاب واللا مساواة بين الرجل والمرأة والقصاص ونحو ذلك، وفي هذا النطاق يندرج الخطاب الإعلامي الذي كان يقدمه تيو فان خوخ، وحتى مصطلح الخطاب في هذا المقام غير مناسب، إذا ما تمعنا في كتابات هذا الصحفي/المخرج، وهي كتابات محشوة بالقذف والشتم والتنقيص والتحقير، لذلك ارتأيت أن أسمي ذلك: السباب الإعلامي! حيث أنه إذا كان العداء الضمني من الغرب للإسلام، لا يعدو أن يكون مجرد نفاق لا أقل ولا أكثر، فإن العداء العلني ما هو إلا سباب معولم!
شاعر وكاتب مغربي مقيم بهولندا
|