الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

6  تــمــوز  2005

المسلمون بالغرب في مواجهة العداء السياسي والإعلامي

نموذج العداء الإعلامي: الإسلام ضحية مقتل تيو فان خوخ أم العكس صحيح!

الجزء الرابع

كتابات - التجاني بولعوالي

 

من هي الضحية الحقيقية؟

قد يقول المرء أن الضحية الحقيقية لهذا الحادث الدموي الرهيب، هو ذلك المخرج السينمائي الذي صرعه ذلك الشاب المسلم، فهذا صحيح على مستوى الواقع الملموس، حيث يبدو للإنسان العادي أن إنسانا قتل، وأنه ضحية ذلك القتل، لكن على صعيد الواقع المنظور، وهو واقع لا يدرك إلا بالرؤية الثاقبة للأحداث، وما ينجم عنها من أبعاد وتداعيات، ومن خلال هذه الرؤية، وفي إطار المناخ العام الذي شهد هذا القتل، استنبطنا أن الضحية الحقيقية ليست تيو فان خوخ، ولا غيره، وإنما الإسلام! الذي صار مشجبا يعلق عليه كل من هب ودب، أحقادهم المبطنة، وازدراءاتهم المهينة، وهم يدرون أن لهذا الدين أصحابه الذين تأخذهم الغيرة عليه، لكن رغم ذلك يتمادون في سلوكهم العدائي هذا، وكأنهم بذلك يقيسون درجة إيمان المسلمين وحرصهم على العقيدة التي يؤمنون بها.

 

ومثل هذه المعاملة الصادرة عن بعض الأوساط الغربية، شعبية كانت أم رسمية، تولد عند الكثير من المسلمين شعورا بالغيظ والإحباط والشحناء، الذي كثيرا ما يتخذ طابعا صداميا مع بعض مكونات الحضارة الغربية، وبمجرد ما يحصل هذا الصدام، توجه أيادي الاتهام إلى الإسلام، دون مراعاة لأحاسيس ملايين المسلمين، غير المسؤولين ولو عن ذرة من ذلك الصدام، ودون بحث في الأسباب التي تقف خلف تلك المعاملة غير المعتادة، لذلك يظل الإسلام دوما الضحية الحقيقية، سواء من خلال تجاهله من قبل العديد من الأوساط الغربية، التي لا تنظر إليه إلا من خلال نظارة، إما العداء الضمني، أو العداء العلني، أم من خلال تصرف المسلمين نفسهم، الذين يسقطون تحت ذريعة الغيرة على الإسلام في مأزق الإساءة إلى الإسلام، فيسيئون بذلك إلى دينهم وإلى أنفسهم، وهذا لا يعني أننا ضد الغيرة على الإسلام، بقدرما ندعو إلى غيرة مدروسة ومعقلنة، غيرة تنزل الأمور منزلتها التي تناسبها، وتجعل لكل مقام مقال.

   

حقا، أن ذلك الموقف الهجومي والعدائي ضد الإسلام الذي قاده تيو فان خوخ وغيره كثيرون، من شأنه أن يسبب أكثر من رد فعل، خصوصا وأنه يوجه سهامه إلى ما هو مقدس في هذا الدين، كالله سبحانه وتعالى، والقرآن الكريم، والرسول صلى الله عليه وسلم، لكن ألم يكن في الحسبان أن يحدث مثل هذا الفعل/القتل، من قبل إنسان مسلم له الغيرة على هويته ودينه، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن المقتول هدد بالتصفية أكثر من مرة، وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار كذلك أن ثمة الكثير من المسلمين الذين يعمي حبهم لدينهم، وغيرتهم عليه أبصارهم، فيفعلون كل شيء من أجله؟

 

لكن رغم هذه الاحتمالات فقد أقام هذا الحادث وأقعد الأمة الهولندية، التي وصفته بحادث 11 سبتمبر الأمريكي! مما دفع البعض إلى نعت المسلمين بشتى الإهانات والمساوئ، والنظر إلى كل من له شعر أسود بالازدراء والاحتقار، في حين أعلن البعض الحرب ضد الإسلام حيث قال نائب الوزير الأول، ورئيس حزب السيد زالم بصريح العبارة، أن هولندا في حرب! فكانت النتيجة وخيمة ومؤلمة، حيث سجلت اعتداءات شنيعة على المسلمين، وتم تخريب مدرسة إسلامية، وبعض المساجد، ووضعت الكثير من المؤسسات الإسلامية في جميع أرجاء هولندا، في حالة حراسة وطوارئ، يحدث هذا ونحن في الأواخر من شهر رمضان الأعظم، ومقبلون على عيد الفطر المبارك، والإعلام العربي والإسلامي غير مبال بهذا الذي يحصل لحوالي مليون مسلم، بل والأنظمة العربية والإسلامية غير مكترثة بحال المسلمين، الذين لم يدفعهم إلى الاستقرار في هذه الأرض إلا لقمة العيش والقهر والاضطهاد!

  

كما تجدر الإشارة إلى أن القاتل هو محمد ب، يبلغ من العمر 26 سنة، وهو هولندي الجنسية ينحدر من أصل مغربي، ولد وترعرع في هولندا، مما أذهل الرأيين الخاص والعام الهولنديين! وبعثر أوراق السياسة الهولندية، التي طالما فكرت في أن مفاهيم التشدد والإرهاب والتطرف وغيرها مستوردة من الخارج، لذلك عملت على استئصال كل أسبابها المباشرة وغير المباشرة، من مراقبة حازمة لحركة المرور الدولية، وتجسس متواصل على المؤسسات الإسلامية التي لها علاقة مع الخارج وغير ذلك، لكن غاب كليا عن مخططاتها واستراتيجياتها، أن تلك المفاهيم السالفة الذكر قد تنبثق من التربة الهولندية، ويتبناها شباب هولندي محض، لم يدرس في السعودية أو غيرها من دول العالم الإسلامي، ولم يلتق أسامة بن لادن ولا غيره من الذين يتحدون الغرب، بل تعلم داخل المدرسة الهولندية، وأتقن اللغة الهولندية، واستوعب الثقافة والقيم الهولندية... وهذا هو حال قاتل فان خوخ محمد ب! غير أنه بالرغم من ذلك سارع الكثير من الإعلاميين والسياسيين الهولنديين إلى وضع كل المسلمين في سلة واحدة، جهلا منهم أو تجاهلا لمدى براءة الإسلام مما يلصق به، مما يقترفه بعض الأفراد أو الجماعات من أعمال، ليست من صميم الدين الإسلامي، وإنما نتيجة تأويلات متعسفة لبعض النصوص الإسلامية، قرآنية كانت أم حديثية. وهذا معناه أن كلا طرفي الحادث ساهم في توريط الإسلام في مأزق عويص، أصبح فيها الضحية الحقيقية التي ينبغي أن تحرر سواء من شتائم وازدراءات ثيو فان خوخ ومن شايعه، أم من غلو وتأويلات محمد ب ومن ذهب مذهبه!

 

شاعر وكاتب مغربي مقيم بهولندا

tijanib@yahoo.com