الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

30  حـزيـران  2005

المسلمون بالغرب في مواجهة العداء السياسي والإعلامي

نموذج العداء السياسي: بيم فورتاون؛ الشبح الذي ما عاد يرعب الأجانب!

الجزء الأول

كتابات - التجاني بولعوالي

 

عن حياة رجل غير سوي!

المفاجأة غير المتوقعة هي السمة التي طبعت أجواء ما بعد الانتخابات البلدية بهولندا، والتي أجريت بتاريخ 6 مارس 2002، ولعل المتصفح للنتائج التي تمخض عنها ذلك التباري السياسي يخلص إلى نفس النتيجة/المفاجأة، عندما يدرك أن الخريطة التمثيلية اعتراها تحول مباغت، تراجعت من جرائه حصص التيارات الحزبية الهولندية الرائدة، لصالح شخص واحد سرق منها الأضواء، ليصير حديث الساعة في كل المنابر الإعلامية الهولندية سواء المسموعة أم المكتوبة أم المرئية.

 

لعلكم سمعتم أو قرأتم شيئا ما عن هذا الشخص غير السوي، الذي يدعى (بيم فورتاون Pim Fortuyn)؛ فهو من مواليد 19 فبراير 1948، ينتمي إلى أسرة كاثوليكية عريقة، كان أبوه تاجرا متنقلا، ممتهنا تجارة الورق والأظرفة، وكان بيم المفضل إلى أمه، حيث يسرد في سيرته الذاتية، أنه منذ نعومة أظفاره كان يسكنه شعور بالكبر والسيادة، وبأنه سوف يصبح سيد هذا البلد، وكان يحس كلما تقدم به العمر أنه متميز، يحلم بأنه شيرشل أو بيرلوسكوني! ويضيف كذلك أنه سوف يكون متفردا ليس لأنه يريد كذلك، ولكن لأنه كذلك، وقد درس في ستينيات القرن الماضي علم الإدارة والتسيير بجامعة أمستردم، إذ كان نشيطا في الحركة الطلابية الأمستردمية، بعد ذلك أصبح لمدة 16 عاما كاملة أستاذا لعلم الاجتماع بجامعة خرونينكن، وبعدئذ نال شهادة الدكتوراه من جامعة روتردم.

 

وقد تقمص مختلف الأيديولوجيات، ابتداء من الماركسية، مرورا بالتيار الاجتماعي الديمقراطي، وصولا إلى التوجه الليبرالي، وتجدر إلى أن مجلة (مليونير) قامت ببحث حول ثروته المادية، فتوصلت إلى أن دخله السنوي يصل إلى حوالي 400 ألف أورو، منها 100 ألف أورو تدرها عليه كتبه المطبوعة والمقالات والأعمدة التي يكتبها، كما أنه مقابل محادثة إعلامية متلفزة عادية يتلقى على التو 4000 أورو، ويحصل خلال ساعات محدودة على ما يفوق دخله الشهري باعتباره نائبا برلمانيا.

 

وقد كان بيم فورتاون في البداية منتميا إلى حزب هولندا الحية، لكنه بعد ذلك انسحب منه، ليخوض الانتخابات البلدية تحت مظلة اسمه الشخصي، معتبرا أنه وأتباعه لا يشكلون حزبا بقدرما يشكلون حركة سياسية، فيحدث بذلك المفاجأة غير المتوقعة، ليشد إليه أنظار الجميع من مؤيدين ومعارضين، خصوصا وأنه حقق نجاحا باهرا يتمناه كل ممارس للسياسة، فأصبح بذلك القوة الرابعة بهولندا ب 18 صوتا، كما أن آخر استقراء للرأي رشحه بأنه سوف ينال، في انتخابات البرلمان  التي سوف تجرى في  15 مايو المقبلة، حوالي 27 مقعدا، لهذا قد يتساءل المرء؛ لماذا هذا التقدم الخارق لشخص غير سوي؟ ما هو السر الخفي الذي يقف وراء ذلك؟ ألا ينم هذا عن تناقض صارخ لا يقبله العقل السليم؟

 

سر النجاح وخرق العادة

لا يمكن تفسير هذا الحدث السياسي إلا في إطار شمولي، يراعي الملابسات والخلفيات السياسية والثقافية والأيديولوجية والتاريخية الراهنة التي تشهدها الدولة الهولندية، حيث يبدو أن ثمة أمورا شتى تسترعي انتباه كل مهتم بما يجري على الساحة السياسية الهولندية، من شأنها أن تصبح أوراقا هامة في يد ممتهني اللعبة السياسية، وهذه مسألة عادية عندما نتصفح التاريخ السياسي لكل أمة أو دولة، إذ يسعى السياسيون دوما إلى جس النبض، وتحسس مواقع الضعف والإثارة لدى مختلف شرائح المجتمع، وجعلها شعارهم الآني والمرحلي في معترك الانتخابات، ويتضح في الآونة الحالية أن أغلبية الشعب الهولندي، ينقاد لاشعوريا نحو قضيتين ساخنتين، حاول العديد من السياسيين تبنيهما، وادعاء الذود عنهما، وهاتان القضيتان هما: أزمة الأخلاق والعداء للإسلام.

 

عندما نتحدث عن أزمة الأخلاق، نقصد بذلك تصاعد المد الشذوذي/اللواطي بالغرب عموما، وهذه حالة انحرافية لا يقبلها العقل السليم، وما دام الإسلام يقف بالمرصاد في وجه هذه العاهة، فهو يصبح من خلال ذلك العدو الفعلي الذي ينبغي مجابهته أو تنحيته، وهذا يكشف عن علاقة جدلية متداخلة بين هاذين المعطيين، حيث بمجرد ما يثار الكلام حول ظاهرة اللواط يكون الإسلام حاضرا وبقوة، سواء من خلال الموقف المعارض الذي ينعته بالتشدد والتطرف والرجعية، ويتقدمه موقف بيم فورتاون، أم من خلال الموقف المعاضد، إذ يحاول كل غيور على الإسلام تبرئة ساحته، وتبرير خطابه الديني.

 

وفي هذا الصدد، يمكن وصف بيم فورتاون بالظاهرة المرضية في الانتخابات الجارية التي تشهدها الدولة الهولندية، فهو شخص غريب المزاج والتفكير والتوقع، قلما يعرف التاريخ مثله، وهو يشيد أطروحته السياسية على التغيير الراديكالي الشمولي، على صعيد كل الميادين، سياسية كانت أم اجتماعية أم ثقافية أم اقتصادية أم غير ذلك، مما دفع أغلب القوى الحزبية والسياسية بهولندا إلى التصدي بشراسة له، ليس لأنه يبغض الأجانب، وإنما لأنه يهدد مصالحها السياسية، لهذا السبب نرى الوزير الأول (فيم كوك) يحذر الهولنديين من اختيار بيم فورتاون، الذي يشكل كارثة للدولة غير المستعدة لفقدان ما حققته بعد أمد طويل من الكفاح، وأن اقتصادها غير مهيأ للتجريب، وإلا سوف يفقد الكثير مما حققه من مكتسبات، فتنشأ بذلك مشاكل اجتماعية واقتصادية لا حصر لها.

 

كما أن البعض نعته بهتلر نظرا إلى أفكاره النازية والعنصرية، التي تقلل من قيمة ما هو أجنبي وتحقره، في حين وصفه الآخرون بموسوليني بسبب آرائه الفاشية، التي لا تأخذ بعين الاعتبار المصالح العامة للجميع، من حق التعليم والصحة والرأي وغير ذلك، وهي ملك لعامة الشعب الهولندي كما ينص على ذلك الدستور الهولندي، دونما تمييز بين الهولندي الأبيض أو الأسود، الأصلي أو الأجنبي، المسلم أو غير المسلم وهكذا دواليك.

 

شاعر وكاتب مغربي مقيم بهولندا

tijanib@yahoo.com