الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

4  كانون الثاني 2005

لـ مركز التخطيط الشيعي

فصل من كراس سيصدر قريباً

الشيعة في عالم متغير (2)

الشيعة وفلسفة المجتمع المدني

shia50@hotmail.com

 

أريد للشيعة العزل والنبذ ، أُريد لهم الطرد من حومة الاجتماع الإسلامي ، وقد مورس بحقهم مختلف أساليب التغييب والتهميش ، وقد وضعت إستراتيجية كبيرة لتحقيق هذه الأهداف العدوانية بحق المسلم الشيعي ، وكان لذلك مجموعة أسباب وعوامل ، منها الانتماء العقدي ، لقد كان هذا الانتماء سببا جوهريا في تصميم هذه السياسية الخطيرة ، ومراجعة بسيطة للتاريخ الذي يسمونه إسلامياً تكفي لذلك ــ أقصد التاريخ السياسي بشكل غالب ــ  ولعل من المعروف أن كلمة شيعي كانت  عنوان إدانة سياسية ودينية . ومن هذه الأسباب الموقف الشيعي من الاستعمار ، فقد عرفوا بمقاومة الاستعمار القديم والحديث ، يحدوهم في ذلك المعتقد الإسلامي ، ولما ورثوه من تاريخ نضالي مصبوغ بالدم ، وقد شاع في الأدب الإسلامي التاريخي ، وفي الخطاب السياسي التحليلي أن الشيعة يشكلون الجماعة المعارضة للحكم ، بل حتى المستشرقون بما فيهم الجدد يسمون الشيعة بـ ( حزب ) المعارضة .

الشيعة كانوا حقا معارضة ، ولكن أسيء فهم هذا المصطلح ، لم يجر على سنته الموضوعية ، حرَّفوه ، بما يكفي لخلق رأي شعبي من داخل المسلمين ضد الشيعة ، زادوا عليه ما ليس منه ، ما ليس من حقيقته ، ما ليس من مهماته ، وذلك  بما يكفي ليجعل كل الحكومات حذرة خائفة متوجسة من هذه الطائفة .

هل صدفة أن يلف الفقر  الشيعة في كل العالم ؟

هل صدفة أن تكون حصة الشيعة من الوظيفة المدنية متدنية بدرجات نوعية عن غيرهم ؟

هل صدفة أن يشيع مصطلح رافضي ، وسبئي ، وحفيد العلقمي ، على طول وعرض الاجتماع الإسلامي ؟

هل صدفة أن تتكالب كل الحكومات والأنظمة  على شيعة العراق مجرّد أن لاحت زاوية  انعطاف بسيط  في مجال المعادلة الطائفية ؟

من الطبيعي أننا نتكلم هنا بلغة النسبة الغالبة وليس المطلق .

الشيعة طائفة معارضة .

الشيعة حزب معارض .

صحيح .

ليس من شك ، هم معارضة ، ولكن فُسِّر ذلك بما فيه حذف الشيعة ، مطاردتهم ، قتلهم ، ذبحهم ، حرمانهم ، تغييبهم ، تحجيمهم ، تكفيرهم .

الشيعة يعارضون الحكومة الظالمة وليس الدولة من حيث هي دولة ، هذه هي النقطة  الجوهرية التي يجب تجليتها .

لقد صوَّر الآخرون الشيعة طائفة فوضوية ، تريد أن تربك المجتمع المسلم ، تخرب الدولة  الإسلامية ، تشيع الظلام والخراب والدمار ، لقد نظروا لهم كطائفة عدمية ، مخيفة ، تهدف إلى نشر الكفر والزندقة ...

لقد كان الشيعة في زمن الخلافة الراشدة حركة تصحيح .

وكان الشيعة في زمن الانحراف الخطير دعاة عودة إلى  الإسلام ( كنا نقاتلهم على تنزيله واليوم نقاتلهم  على تأويله ) .

وهذا الحسن عليه السلام ، لقد كان بطل الصلح ، ولم يكن الصلح عن ضعف أو مهادنة ، بل تغليب لمشروع السلام الاجتماعي الشفافة ، حقن الدماء ، حفظ تراث الإسلام .

ولم يكن الحسين عليه السلام صاحب مشروع حرب دموية ، لم يكن صاحب مشروع سياسي مسلح ، لم يكن صاحب ثورة مسلحة ، بل كان صاحب مشروع دولة مدنية ، مشروع عمل سياسي مدني ، مشروع جهاد مدني ، لم تكن لغة الدم في حسبانه ، لقد خلا الخطاب الحسيني من كل إشارة إلى الدم ، أو  إلى السيف ، بل كان خطابه مدنيا ، عمل مدني ، خطاب فكري يركز على واجبات الدولة .

وهذا الإمام السجاد عليه  السلام ، يشهد له دعاؤه الذي يدعى بدعاء ( أهل الثغور ) ، ينبض بحيوية  التعاضد المبدئي  الكامل مع المقاتلين على الحدود ، يدافعون عن حياض الإسلام ، ويصونون الحدود .

وهذا الباقر عليه السلام فقد كان سباقا لإنقاذ الدولة من الإفلاس الاقتصادي فيما هي تقتل آباءه وأجداده ، وتحرض عليه المنافقين والمندسين .

وهذا الصادق عليه السلام رفض القيام بثورة مسلحة فيما كانت الجموع تنتظره ، وانصرف لبناء كتلة علمية فقهية عريضة في إطار الدولة ، في ظل حكمها  ، في ظل التزاماتها العامة .

وهذا الكاظم عليه السلام لم يعرف عنه منظر ثورة مسلحة ، ولا داعي لعمل مسلح ، رغم ما لقي من الدولة من عنت وسجن واضطهاد .

والرضا قبل بولاية العهد ، وهو وإن كان رغماً عنه ، ولكن في المحصلة الأخيرة كان منسجما بشكل  عام مع الدولة .

وهكذا كل أئمة أهل البيت ، قادة الشيعة ، باني التشيع ،  عبر مئات السنين ، نعم ، كانوا أصحاب مشروع نقدي لممارسات الدولة ، وليس للدولة من حيث هي مؤسسة حضارية ، تمخضت عن مسار تاريخي معقد وصعب عبر قرون وقرون .

لم يكن الشيعة يحملون فكراً فوضويا ، وإلا كيف يكتبون في فقههم عن مواصفات الحاكم ، وشروط البيعة ، ومتى تعقد ، وعن طبيعة العلاقة مع الدولة الظالمة .

وهل الدفاع عن الدولة العثمانية سوى ترجمة حقيقية لهذا الموقف ؟

وقبل ذلك هل كان موقف ابن العلقمي الذي أنقذ فيه الدولة الإسلامية من شر المغول سوى إخلاص رائع لهذا الموقف ؟

وهل مطالبتهم بدولة عراقية يحكمها العراقيون في ظل نظام دستوري بقيادة ملك عربي من سلالة بني هاشم سوى تطبيق لهذا الموقف ؟

وهل دفاعهم اليوم عن جنوب لبنان سوى تماهي مع هذا الموقف ؟

وهل دعوتهم في البحرين إلى تحكيم الديمقراطية ، والمشاركة في العمل البرلماني سوى تجذير لهذا الموقف ؟

وهل بطولات الشيعة الكويتيين ضد الغزو الصدامي الإرهابي سوى تمازح حي مع هذا الموقف ؟

وهل دعوة المرجعية الدينية في العراق إلى الانتخابات الحرة النزيهة سوى توافق حي مع هذا الموقف ؟

وهل مشاركتهم الحية الفاعلة في ا للعبة الديمقراطية في الكويت سوى وفاء شفاف لهذا الموقف ؟

الشيعة بناة دولة وليس طائفة فوضوية .

ألم يكونوا بناة الدولة الحمدانية ؟

ولكن أصحاب التفكير المذهبي الجاف ، تفكير التكفير والإلغاء والإقصاء حرفوا القضية من الجذور ، صورا الشيعة أعداء دولة الخلافة ، وأنهم الداء الذي ينخر في جسم الدولة !

كانت عملية مدروسة لحذف الشيعة ، لتدمير هذا الوجود .

كانت عملية سياسية تخفي ورائها حقداً أمويا بغيضا ، ثم كانت عملية سياسية تهدف إلى إسكات كل صوت حر يطالب بحقوق الناس .