الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

26  شــبــاط  2005

العلاقة الايرانية المصرية بين التنافر والتجاذب ؟

 رؤية عراقية

كتابات - حميد الشاكر

(( اذا استعملت تعبيرا عسكريا لتصوير الوضع الان ، فانني أظن انك بسلاح الدين ))

(( تستطيع أن تقوم بدور المدفعية البعيدة المدى وأن تهدم نظام الشاه فوق رؤوس ))

( أصحابه . لكن ذالك لايحقق النصر . تحقيق النصر - في الثورة كما في الحرب - )

يتحقق بالمشاة الذين يحتلون المواقع ويتولون تطهيرها ويتحملون مسؤولية المحافظة عليها . انني أسمع دوي مدافعك ، ولكني لا أرى أثرا لمشاتك ؟.

- محمد حسنين هيكل / ديسمبر : 1978 / لقاء مع آية الله الخميني / كتاب : مدافع آية الله -

.......................................................................

في محاولتنا   تناول موضوعة ( العلاقة المصرية الايرانية ) ، فاننا وبلا شعور مفتعل ننتقل الى اللحظة الاولى التي ساهمت في اللقاء الايراني المصري من ثلاثينيات القرن العشرين المنصرم ، عندما قدحت الفكرة في ذهن ذاك الرقيب من  فرقة الفوزاق الفارسية والمنحدر من العائلة الفقيرة ، والذي لعب الدهر لعبته  ليرشحه لان يكون شاها لايران ،  وامبراطور جغرافيتها الواسعة الشاه ( رضا ميزرا خان ) بان يزوج اكبر ابناءه ( محمد رضا ) من اعرق السلالات الملكية في الشرق الأوسط ، وهي أسرة محمد علي في مصر ، وكانت تلك الفكرة نتاج خليط من الشعور بحاجة الارتباط بالاسر الملكية المرموقة من جهة ، ونتاج حاجة التوسع بالعلاقات السياسية الخارجية من جهة اخرى ؟.

وفعلا تمت مفاتحة القصر الملكي في مصر من خلال رئيس الديوان الملكي علي ماهر باشا ، وسرعان ما اختمرة الفكرة عند الملك فاروق الذي ورث حلم الخلافة بعد سقوط الخلافة العثمانية من ابيه الملك فؤاد ، كما ان الملك فاروق كان يرى وجوب  ان يكون نصف عرش ايران مصريا بعد ان تتم المصاهرة ويكون ولي العهد الجديد ل ( محمد رضا ) بهلوي نصفه مصريا والاخر ايرانيا لتكتمل دائرة الخلافة المصرية للعالم الاسلامي في المستقبل ، فكان زواج الاميرة فوزية اخت الملك فاروق من ولي العهد ( محمد رضا ) بهلوي - في 15/ مارس / 1938م - ، ولكن سرعان ما انهارت كل المخططات المصرية الايرانية ، فلا الاميرة فوزية انجبت ذكرا ، ولا الخلافة المصرية تحققت على اي حال ، وانتهى المشروع بطلاق الاميرة فوزية ورجوعها الى مصر مع ورقة طلاق سياسية في العلاقة المصرية الايرانية ؟.

هذه هي البداية في العلاقة المصرية الايرانية او الايرانية المصرية  في العصر الحديث ، بداية زواج لم تكتمل اهدافه السياسية ، وسرعان ما انهارت كل مخططات الزواج السياسي لتطلعات القرن العشرين المنصرم ، المتبلورة  في مصر باسترجاع حلم  خلافة انتهت ، وفي ايران توسع سياسي واقتران بنسب امبراطوري متوارث ؟.

وبعد ثورة 1952 م المصرية على ايدي الضباط الاحرار ، وقيادة جمال عبد الناصر لمسيرة الثورة فيما بعد ، وحرب 1967م ، مع اسرائيل ، ايضا فتحت ايران  كلمة الحب لمصر مع الاختلاف والتباين في الرؤى  وهي تحمل مشاعر التعاطف هذه المرة ، كما انه كان هناك شعورا مصريا حقيقيا بعد الحرب بالحاجة الى الانفتاح الاسلامي على كل الدول الغير عربية  التي من شأنها ان تدعم الموقف المصري اسلاميا في الحرب مع اسرائيل ، وكانت ايران الشاه هي البوابة الطبيعية للعالم الاسلامي من وجهة نظر المصريين ، ولكن ايضا مع بقاء فكرة الانفتاح المصري على ايران ، قيد الدرس للخلافات الحادة التي كانت موجودة مع ايران انذاك بسبب حلف بغداد الذي ساهم بقطع العلاقات بين البلدين ، ولكن شيئا فشيئا يذكر ان جمال عبد الناصر وابان وفاته كان مقتنعا بضرورة عودة العلاقات المصرية الايرانية ؟.

ثم انتقلت دراما العلاقة الايرانية المصرية الى اوجها في حرب 1973م بين مصر واسرائيل لتقف ايران موقفا عاطفيا قويا مع مصر ، مع وجود علاقتها القوية مع اسرائيل  ، ومن ثم لتحفظ مصر هذا الموقف الايراني ،  وباعتبار ان البوصلة بعد هذه الحرب المصرية الاسرائيلية غيرت من معادلة السياسية المصرية الخارجية ، ووضعت منطلقات جديدة للسياسة المصرية الخارجية تجاه اسرائيل والولايات المتحدة الاميركية ، فقد كانت النوايا المصرية عازمة هذه المرة على الانخراط في النادي الاميركي تماما بدلا من السوفيتي ، فكان لايران السعودية المغرب ومصر  ، استراتيجية التقاء ومصالح مشتركة ومترابطة وقوية كاعضاء في النادي الامريكي في المنطقة  ، ثم  كانت سنة 1979م منعطفا متأخرا جدا في عالم يستعد للتبلور بصورة مختلفة لمصر وللعالم بشكل عام ، كان عام الثورة الاسلامية الايرانية ، والتي كانت بمثابة الصرخة الاخيرة لعالم الثورات الشعبية ، التي تحمل شعار انتصار الدم على الدبابة ومقاومة العين للمخرز ؟.

الثورة الاسلامية في ايران الذي فاجئة العالم الانساني ككل برصاصة انطلقت من فم التاريخ الاسلامي الحسيني القديم  ، لتستقر في قلب ايران الشاه وكل امبراطورية الشر التي كانت موجودة في ايران ماقبل 1979 م  لتودي بها والى الابد ولتقيم مكان الشاهنشاهية الايرانية جمهورية الموت لاسرائيل ؟.

نعم قد تفاجأ العالم باسره بهذه الثورة التي لم تكن تسير وفق قوانين الثورات الحديثة مطلقا ، بل هي آخر ثورة شعبية حقيقية للقرن العشرين الذي عاصر الكثير من التحولات الثورية في العالم ككل ، ولكنها هذه المرة ثورة تنطلق في العالم الثالث المهيمن عليه سياسيا وعسكريا واقتصاديا ومخابراتيا  من قبل قوى الهيمنة الحديثة اميركا والاتحاد السوفيتي ونوعا ما بريطانيا العظمى انذاك ؟.

 انها الثورة التي هددت مصالح القوى العظمى بصورة مباشرة سياسيا واقتصاديا وعسكريا ، لابل اكثر من ذالك ، انها الثورة التي تحركت في اهم بقعة مخابراتية عالمية امريكية في منطقة الشرق الاوسط ، فمن ايران كانت خلايا المخابرات الامريكية تتحرك وتخطط وتقرر مصير الشرق الاوسط بكل ابعاده السياسية والاقتصادية والعسكرية والامنية ، اضف الى ذالك ايضا ان تحرك ثورة في ايران ونجاح تحركها يعني تخلخل لكل المفاهيم القائلة والقائمة على ان اميركا العظمى هي الاقدر بلا جدال على الحفاظ على النظام السياسي القائم في منطقة الشرق الاوسط ، والموالي لها بطبيعة الحال من أمارات وملكيات ونظم فاشستية في المنطقة العربية وغير العربية والتي  تتلقى الدعم الامريكي في استقرارها ، فما الحال اذا كان شرطي المنطقة والداعم الاساس للادارة الاميركية في منطقة الشرق الاوسط الشاه الايراني قد اسقطته هذه الثورة ، لتحل محله النظام الاكثر عدائية او الاصح القول  ( وهذا مفهوم واحد عند الادارة الامريكية الاستقلال في القرار الوطني لاي دولة يعني العداء للادارة الامريكية )   الاكثر استقلالية في القرار عن الادارة الامريكية مكانه ؟.

عند ذاك لابد ان تدخل ايران الثورة بأزمة مع كل العالم المنخرط تحت عباءة قوى الهيمنة الغربية والشرقية ، من منطلق التهديد الحقيقي الذي مثلته تلك الثورة على استقرار المنطقة الذي كان  ينبغي لها ان تكون مستقرة انذاك ، والحقيقة انه لو كان هناك أمل لقوى الهيمنة الغربية والشرقية في استمالت الثورة الجديدة في ايران ، او كان للثورة الاسلامية في ايران عام 1979م استعداد ملموس للاستمرار في اخذ وظيفة شاه ايران كشرطي يعمل لحساب الادارة الامريكية على المنطقة ، لكانت بوصلة الاحداث قد تغيرت تماما في تلك الحقبة من القرن المنصرم ، ولكن وباعتبار ان قوى الهيمنة ادركت خطر الثورة الايرانية بعمق فكان لزاما القضاء الفوري على ايران الثورة ، اما من خلال تفتيت ايران من الداخل بتحريك الاقليات في شمال وجنوب ايران ومطالبتها بالانفصال ومن ثم قتل الثورة من الداخل ، او بشن حرب خارجية مضادة تطيح بالنظام الداخلي الذي لم يزل غير ناهض او قائم ؟.

وعلى اي حال استمرت ايران الثورة ، واستمرت معها اجندة قوى الهيمنة في حصار ايران وتحويل ثورتها من خيال واحلام الانتشار السريع ، الى خنقها في دائرة الثورة الشيعية الايرانية المحلية فحسب وهذا ماحصل فعلا حتى هذه اللحظة  ؟.

ان من الطبيعي وبمثل هذه الاجواء السياسية ان تكون علاقات ايران الخارجية محجمة دوليا من قبل قوى الهيمنة الغربية  ، ولكن مايلفت النظر ان اجندة هذا التحجيم تختلف من هنا او هناك ، فهناك تحجيما لايران كدور في المنطقة والعالم ، وهناك تحجيما لايران كفعل وممارسة ونشاط وتنمية وتقدم علمي او عسكري ، كما ان هناك تحجيما لايران كعلاقة بالمحيط الاقليمي والعالمي ، وهذا التحجيم الاخير هو ما نريد تسليط الاضواء عليه من خلال العلاقة الايرانية المصرية وارادة قوى الهيمنة تحجيم اي علاقة مصرية ايرانية وعلى كل المستويات التي ذكرت سابقا من سياسية او اقتصاديا او علميا او ثقافية ....الخ  ؟.

ان مصر وباعتبار انها بوابة العالم العربي الكبيرة ، وباعتبار انها منبت الحلم العربي ، وباعتبار انها الامل الحقيقي لعالم عربي قوي ومتقدم ،.........الخ ، كل تلك المفاهيم جعلت من مصر المفتاح الحقيقي للعالم العربي ، ولكنها وبنفس الوقت جعلت من مصر بؤرة توتر ايضا للعالم الغربي والامريكي بالتحديد في العصر الحديث ؟.

والحقيقة ان قدر مصر العربية الاسلامية الثورية ، لايختلف عن قدر ايران الفارسية  الثورية الاسلامية ، الا ان الفرق هو فرق الزمن وفرق الاشكاليات والمواقع فحسب ، فلمصر وحسب السياقات التاريخية والسياسية الحديثة ، من الاهمية ما يرشحها لان تكون الخطر المتوقع للعالم الغربي الاستعماري ، وبالفعل كانت لمصر الريادة الثورية في المنطقة العربية والتي غيرت من المعادلة الغربية برمتها لاستنزاف المنطقة العربية وجعلها البقرة الحلوب على طول خط التاريخ المعاصر ، ولكن وبفضل النقلة القومية في 1952 م ، كانت مصر منبر اشعاع وتطلع حقيقي للاسقلال العربي ، وسرعان ماتوالت الاحداث السياسية لتربك كل المخططات الاستعمارية الغربية للمنطقة العربية ، ومن ثم كان هناك الالتفات السريع من قبل قوى الهيمنة الاستعمارية لخطر مصر الثوري والتغييري على مستوى المنطقة العربية ، وسرعان ماكانت الضربة الغربية العسكرية الاولى لمصر قبل ان يشتد عود مصر الثورية في خمسينات القرن العشرين المنصرم ، وكان للتدخل الغربي على خط الحرب في 1967 م ، بين اسرائيل ومصر الدور البارز لمخطط ضرب الثورة المصرية من الخارج بعد ان ايقن المستعمر الغربي بصلابة الجبهة الداخلية في مصر والتفاف الشعب المصري حول الثورة المصرية ؟.

ومع ذالك وعلى الرغم من شدة الضربة للثورة المصرية استمرت مصر كنظام للثورة الوليدة ، ولكن بخطى اكثر حذرا وواقعية سياسية ، ومع الزمن وبعد حرب 1973م المصرية ارتأى المصريون ان تكون تطلعاتهم لابعد مدى ممكن من الحفاظ على مصر الدولة والموارد والبناء وكذالك مصر النظام العروبية ، ومن ثم كان التوجه المصري السياسي واضحا والمتبلور في :

اولا : الابتعاد الكلي عن اي مغامرة عسكرية اخرى تدخل مصر في استنزاف لمواردها العسكرية او الاقتصادية او البشرية .

ثانيا : اعتماد عملية السلام مع الكيان الصهيوني كخيار استراتيجي .

ثالثا : تأجيل او تعطيل الشعارات الثورية الناصرية من ( ما اخذ بالقوى فلا يسترد الابالقوة ) او ( الوحدة العربية كمصير حتمي ) او ....الخ .

رابعا : ايمان النظام المصري انه غير مسموح للعالم العربي التفوق العسكري او الاقتصادي او العلمي في هذه الحقبة التي يتواجد فيها الكيان الصهيوني الذيل الامريكي في المنطقة .................الخ ؟.

وعليه كانت الرؤية المصرية ، وباعتبار انها مرة بالمرحلة الثورية ، قبل ايران الثورية ، وضربت غربيا قبل ان تضرب ايران ، ودخلت مرحلة الواقعية السياسية قبل ان تدخلها ايران ......الخ ، كل هذا وغيره جعلت من الرؤية المصرية للاحداث العالمية والاقليمية العربية والاسلامية ، رؤية مختلفة تماما ( لااقول انضج ) عن الرؤية الايرانية  لمثل تلك الاحداث بل وربما كانت رؤية متناشزة في بعض الاحيان ومتناقضة في البعض الاخر مع الرؤية الايرانية او ملابسات الوضع الداخلي او الخارجي لكل بلد  ؟.

ان ايران القرن الواحد والعشرين وبعد ان اكملت دورتها الثورية تماما لتنتقل الى دورتها التاسيسية بنوع من الاطمئنان  بالامكان تصنيفها في خانة الدول القليلة جدا والتي تمتلك ساحة سياسية واقتصادية واجتماعية غير مخترقة غربيا مئة بالمئة ، مما يعني ان لايران الثورة ميزة افتقدت في دول كثيرة تؤهلها لان تكون من الدول المتوقع لها الدخول في مرحلة الدول الاكثر تقدما من النامية على المستوى العسكري والعلمي والاقتصادي وذالك لما تتمتع به ايران الجديدة من السيطرة المنظمة والحرة على مواردها الاقتصادية والتصنيعية والعسكرية ، اي ليس هناك ما يحجم ايران داخليا باعتبار انها تتمتع بنوع من عدم الاختراق الغربي لكيانها الداخلي ، من ان تتطور علميا وعسكريا واقتصاديا ، ومن المتوقع اذا لم تتعرض ايران خلال العشرة سنوات القادمة الى ضربة عسكرية من الخارج الاستعماري ان تحوز ايران على التكنلوجية المتطورة التي بامكانها ان تنتقل بايران نقلة كبيرة جدا بالتكنلوجية الحديثة ، وهذا مايمثل كارثة حقيقية لمعادلات الغرب الاستعماري للمنطقة ، فعليها وعلى هذا الاساس ( على الدول الاستعمارية ) ان تعيد كل صياغة معادلاتها السياسية للمنطقة باعتبار ان هناك لاعب مستقل وقوي برز في منطقة الشرق الاوسط الكبير ، وعلى هذا الاساس لابد من التفاهم السلمي مع هذا اللاعب الجديد سياسيا في المنطقة العربية بالخصوص ، مايعني ان هذا اللاعب الجديد سيطالب بحصة محترمة من غنيمة العالم المعاصر ولاسيما العربية منها ، وكل هذا لاترغب به الادارات الغربية الاستعمارية مطلقا والاميركية بالخصوص  ، لاسيما ان اخذنا بنظر الاعتبار انه ربما تتقبل قوى الاستعمار الغربي فكرة الشريك الجديد المتطلع لتقاسم الثروة المنهوبة من دول الشرق الاوسط ، ولكن ياترى هل ايران ان قدر لها الوصول الى مرحلة مابعد التكوين الجنيني للقوة الفعلية ، سوف تكون مستعدة لتقبل القسمة السياسية للكعكة المنهوبة غربيا من الدول المستضعفة ، أم ان هناك نوايا اكبر واوسع لايران النووية في المنطقة والعالم ؟.

هذه هي ايران القرن الواحد والعشرين  في المعادلة الغربية المعاصرة ، ولا تمتلك حتى اللحظة الانية المعادلة الغربية اي اوراق ضغط فعلية على ايران الثورة سوى ممارسة المزيد من الضغوط السياسية لتحجيم تطلعات ايران المشروعة في حيازة التكنلوجيا المتطورة ، والتي ان تمكنت من حيازة هذه التكنلوجية ستتغير حتما خارطة العالم العربي ايضا ، وربما خارطة الكيان الصهيوني ، وحصص البترول ، الى ما لانهاية من التغيرات الفعلية في حال حصول ايران على التكنلوجية المتطورة ؟.

اما مصر القرن الواحد والعشرين فمختلفة ، مخترقة خارجيا وغربيا بالتحديد وامريكيا بالخصوص ، ولكنه ليس بالاختراق الذي يعجز مصر كدولة ونظام وشعب من ممارسة الاستقلال الداخلي الكبير ، كالاختراق الحاصل مثلا في كثير من الدول العالمية والعربية ، وانما هناك اختراقا لبنية الدولة المصرية من خلال انفتاحها الاقتصادي الذي فرضته الظروف القاسية والضرورية لمصر بشكل عام ، وماتفرضه معاهدة السلام الموقعة مع الكيان الصهيوني ، وما لضرورة كون مصر دولة مواجهة مع الكيان الصهيوني ، مما يضع مصر بزاوية تفرض عليها الانفتاح القسري امام الضغوط العالمية ، وهذا شيئ لم يكن مفروضا على ايران الاسلام كما هو الحال على مصر العربية ، مما يعني ان عملية الضغوطات التي تمارسها الدول الغربية الاستعمارية على ايران كي تنغلق على ذاتها وتحجم تطلعاتها وعلاقاتها مع العالم ، هي بالعكس تماما في النموذج المصري ، فمفروض على مصر العربية ان تنفتح على الخارج ، بل وان تعمق علاقاتها بالخارج الاقليمي لاسيما مع الكيان الصهيوني والا اعتبرت من الدول الداعية لمقاطعة اسرائيل ، او ربما اعتبرت من الدول التي لاتفي بتعهداتها نحو عملية التطبيع والانفتاح مع اسرائيل ؟.

وهكذا فمصر القرن الواحد والعشرين ، ايضا من الدول القليلة التي حافظت على استقلالها السيادي الداخلي والخارجي ، وان كان ذالك الاستقلال ليس بالمساحة التي تتمتع به جمهورية ايران الاسلامية للاعتبارات التي ذكرناها انفا ، الا ان مصر العربية ومع ذالك هي الاخرى فهمت الدور السياسي بصورة واضحة ، فهي مما لاريب فيه تستشعر خطر ادراجها في لائحة الدول المتوقع خطرها على اسرائيل مستقبلا او حيازتها على التكنلوجية المتطورة ، وذالك من خلال ان مصر وان قدر لها ان تستمر مستقرة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ، فان نهضتها التكنلوجية غير مستبعدة ، لاسيما انه رغم المظهر الاقتصادي المتعب لمصر ، الا ان هناك بوادر انتعاش حقيقي يوفره الاستقرار الاجتماعي للاقتصاد المصري ، بالاضافة الى ان الانسان المصري كفوء علميا وله تطلعاته الكبيرة والتي تليق بمستوى مصر العربية كقوة عربية تكنلوجية ، ولكن مثل هذه التطلعات المشروعة لاي دولة في العالم ، هي الاخرى مقلقة جدا للعالم الغربي ، حتى وان كانت من مصر العربية المسالمة والملتزمة باللعبة الدولية الحديثة والموالية للادارة الامريكية ظاهريا ، فالاسباب الداعية لقلق الغرب الاستعماري لايرتبط بهذه الدولة او تلك بل هو قلق من منطقة عربية واسلامية لايراد لها ان تنهض تكنلوجيا او عسكريا او تنمويا على الاطلاق ، باعتبار ان تلك النهضة وفي اي مستوى هو ومن جانبه الاخر نكسة لاطمئنان الكيان الصهيوني من جهة ، وقلق للهيمنة الامريكية والغربية على المنطقة ، مما يضع مصر او غيرها في خانة المشتبه بهم امريكيا وغربيا ، لحيازة التكنلوجيا المتطورة او القوة العسكرية المهددة للكيان الصهيوني في المنطقة ؟.

ومن هنا كانت الرؤية المصرية مختلفة او متناشزة او متناقضة مع الرؤية والتوجه الايراني في المنطقة ، . ان مصر هي بحاجة فعلا لرفع اي قلق غربي بشانها للحفاظ على استقرارها السياسي والامني والاقتصادي والذي يمثل بوجهة نظرها البوابة الحقيقية للتقدم خطوة نحو مستقبل اكثر قوة لمصر ، وهذا يعني عدم الاقتراب او ممارسة اي لون يوحي للغرب الاستعماري بان هناك توجها مصريا سياسيا او عسكريا او اقتصاديا او امنيا  او حتى ثقافيا .....الخ ، يسير خارج النص المكتوب امريكيا للعلاقة المصرية مع اي دولة غير منخرطة في اللعبة الامريكية ، ومن ضمنها الجمهورية الاسلامية الايرانية ، فمصر مدركة ان اي اقتراب مصري ايراني هو ليس بصالح مصر مطلقا ( حسب رؤية مصر السياسية ) باعتبارها علاقة غير مرغوب فيها امريكيا او صهيونيا، او هي علاقة ستفسر حتما اميركيا وصهيونيا على اساس التنصل المصري الكامل من عملية السلام القائمة في المنطقة  ، وهذا بعكس رؤية ايران الغير مقيدة بمعاهدات سلام او مكبلة بمساعدات امريكية ، فانها تسعى جاهدة لفتح العلاقة مع مصر المواجهة والتي تعتبرها ايران الذراع الاخرى التي بامكانها ارعاب وارهاب الكيان الصهيوني بشكل مباشر ان اقيمت علاقة بين مصر وايران ، ولكن وبما ان مصر غير مستعدة مطلقا بالمغامرة بمثل هكذا تطلعات ايرانية ، كما انها غير مستعدة باستعداء الولايات المتحدة في هذا الظرف فعلى ايران نفسها ان تدرك حساسية الموقف المصري من دعوتها لعلاقة مفتوحة  ، وان كانت ايران هنا اكثر حرصا على مصر فلتعمل لاقامة علاقة مع مصر بعيدة عن الاضواء المفتوحة ؟.

وهنا تكمن اشكالية مصر وايران كعلاقة ربطتها الظروف التاريخية والمصالح المتنافرة ، برؤى واشكاليات مختلفة ، لتجعل من الوضع العالمي الخارجي الحجر القوي الذي يقف بين علاقة ان اريد لها ان تقوم لكانت من العلاقات التي تغير مجرى السياسة في منطقة الشرق الاوسط الكبير والصغير ؟.

هذا حقيقة مايتعلق باشكالية العلاقة الايرانية المصرية الخارجية ، اما مايتعلق بباقي المعوقات الداخلية لمد جسور مثل هذه العلاقة التي بامكانها ان تقدم للبلدين الشيئ الكثير ، فهناك عدم الاطمئنان الكلي من قبل الدولة المصرية لتوجهات ايران الاسلامية ، فمما لاريب فيه ان هناك معوق مصري داخلي يفرض على الدولة المصرية ان تؤجل من هذه العلاقة المراد لها ان توصل ، فالحكومة المصرية وحسب تجربتها مع منعكسات الثورة الايرانية الاسلامية ابّان قيامها واجهت مشكلة التحرك الاسلامي داخل كيانها السياسي والاجتماعي ، وللسلطة المصرية الكثير في هذا الملف التي تحاول تلطيف ازماته السياسية الداخلية على مصر بعد ان لم تستطع اغلاقه مع الجماعات الاسلامية المصرية ، فالاخوان المسلمون  وغيرهم باعتبار انهم هاجس امني خطير للحكومة المصرية ، ايضا هو ملف مصري داخلي يعيق حقيقة من انفتاح مصر النظام والسياسة على ايران الاسلامية ، باعتبار ان علاقة كهذه مع جمهورية ايران الاسلامية ستحرك المياه الاسلامية المصرية الراكدة وتعطيها شحنة تحرك اكبر وضوء اخضر لقيام علاقة مع الجمعهورية الاسلامية الايرانية ، وكل ذالك تتوجس منه - حقيقة - خيفة السلطة المصرية اولا على استقرارها كسلطة مناوءة للحركات الاسلامية لارضاء الغرب الاستعماري من جهة ، وثانيا لخوف السلطة المصرية من انعكاس تحرك اسلامي داخلي على الاستقرار المصري بصورة عامة ؟.

اذا للعلاقة المصرية الايرانية او الايرانية المصرية اشكالاتها الواقعية ، وعلى كل المستويات السياسية والامنية والاقتصادية والاجتماعية الثقافية ، ولكن وعلى اي حال لاننسى ان علاقة من هذا النوع بين البوابة العربية من جهة والبوابة الاسلامية من جهة اخرى وبغض النظر عن كل المعوقات التي ذكرناها ، هي من نوع العلاقات المصيرية للمنطقة العربية والاسلامية والمصرية والايرانية بالخصوص ايضا  ؟.

 نعم ان مصر وتحت وطأة هذه الظروف الدولية القلقة ، وتحت وطأة الكابوس الصهيوني الاقليمي الضاغط والمراقب حتى لانفاس مصر ، وتحت وطأة التخوف السلطوي المصري الداخلي المشروع ، وتحت وطأة طلب الاستقرار والابتعاد عن كل مايثير الازمات ....الخ ، كل تلك الضغوطات تدفع بالرؤية المصرية السياسية للجزم بان فتح علاقة حقيقية مع ايران لم يأن أوانها بعد ، وهذا مع تبلور ادراك مصري ينمو مع الزمن وشيئا فشيئا ان علاقة مع ايران القرن الواحد والعشرين بامكانها من جوانب كثيرة ان تنفع مصر تماما لو اتيحت الفرصة لذالك ، ولكن حتى وقت اتاحة تلك الفرصة فلا شيئ ينبغي ان يتحرك على هذا الصعيد ؟.

ولكن ومن جانب اخر ربما لم تلتفت اليه الرؤية المصرية السياسية بعد لعدم بروزه بشكل واضح ، وهو جانب السؤال الذي ربما يعيد الحسابات السياسية المصرية من جديد للتفكير بتأسيس هذه العلاقة مع ايران ، والقائل : هل ان مصر متيقنة تماما انها بمعزل عن الاجندة الغربية الاستعمارية والتي تبوبها حسب قائمة المشتبه بهم من ضمن الدول التي ينبغي تحجيم تطلعاتها السياسية والاقتصادية والعسكرية .....، ومن ثم وجوب ارجاع مصر كلما حاولت التقدم للمربع الاول في رقعة الشطرنج السياسية ؟.

بمعنى : ماهي ضمانات مصر الحقيقية التي تؤكد لها نية اميركا والغرب الاستعماري بصورة عامة من ترك الاستقرار المصري يأخذ دورته الطبيعية لتحصيل التنمية والتقدم للكيان المصري ؟. وماذا لو اثيرت قضايا مفتعلة من هنا او هناك لضرب مصر اقتصاديا او امنيا او سياسيا او علميا ، فما هي القوى التي بامكان مصر ان تتمترس بها للدفاع عن نفسها امام هذا التوجه الغربي الاستعماري المحتمل بل والاكيد ضد اي دولة عربية بالتحديد ، بغض النظر عن دول المواجهة مع اسرائيل ؟.

أليس التفكير المصري ذاك يكشف مصر تماما ، ويضعف من كل اوراقها السياسية ، ليحولها ومع الزمن الى كيان يراوح مكانه بلا تنمية او تقدم او قوة او اي مفردة بامكانها ان تقدم لمصر الموقع المناسب لحجمها العربي ؟. وماذا لو انتقلت ايران الاسلامية الى مرحلة مابعد الدول النامية ودخلت في نادي الدول الحائزة على التكنلوجيا المتقدمة ، اليس هذا سيجعل من مصر دولة مهمشة تماما في المنطقة ؟