|
نجوى الغرباء
دولة دينية أم دولة
الحرية والعدالة الاجتماعية
كتابات
- انطلاق الرحبي
في البدء
أحاول أن أقف عند مسألة هي من البديهيات التأريخية( سياسيا ومعرفيا).
الاولى: إن الدين أي دين قد أسس دولة دينية, اليهودية أسست إسرائيل والسامرة,
المسيحية بعد أن تبنتها الدولة الرومانية القائمة وحولتها الى العالمية,
والاسلام ودولته الاولى في المدينة حتى آخر دولة في افغانستان ( دولة طالبان
).
الثانية: إن الدولة الدينية تمثل الاستبداد والظلم الاجتماعي بامتياز. ومن
هذين البديهيتين أتى مفهوم : الدين = الاستبداد أو بعبارة أوضح الدين=
العبودية. مما جعل ماركس يقول ( الدين أفيون الشعوب). معنى ذلك إن الدين يعمل
على تكريس ( العبودية والظلم) في المجتمع الانساني.
أنا أعتقد إن هذين البديهيتان غير دقيقتين في طرحهما بالنظر إلى المسألة
الدينية من
خلال الممارسة العملية والفهم التراثيين لأتباع الديانات في الواقع الانساني
, غافلين الممارسة العملية والفهم لصاحب الدين ( النبي والرسول) نفسه, من
خلال حركته في الواقع الانساني بالمستويين المعرفي ( الكتاب الذي أتى به إلى
قومه) والذي يمثل نبوته (القرآن)1 بالنسبة لمحمد (ص) والتشريعي ( الاحكام
السياسية والاقتصادية والاجتماعية) والتي تمثل رسالته (ص)وهي ( أم الكتاب)2له
(ص) . أي إن الدين الذي أتى به موسى وعيسى والخاتم محمد صلوات الله عليهم
يتكون من مفهومين متلازمين النبوة وهي المنهج المعرفي ( الفكر) والرسالة وهي
صيرورة الفكر بتحوله الى واقع حي من خلال التشريع للواقع الانساني ( سياسيا
واقتصادياوثقافيا).
فلكي نثبت إن الدين ودولته = العبودية والظلم علينا أن نثبت بإن حركة موسى
وعيسى ومحمد في الواقع الاجتماعي كانت تؤسس لذلك. أي إن الصراع مع فرعون
والطرد من الهيكل وقتال الملأ من قريش هو حركة من أجل إستبدال ( السلطة
المستبدة بإخرى مثلها), وهذا ما لم يقل به أحد , وهنا المفارقة بين
الحُكْمَين : الدين ودولته = الاستبداد والظلم . حركة صاحب الدين = الحركة في
سبيل الحرية والعدالة الاجتماعية. فكيف نوفق بين الطرحين؟ وأيهما أقرب إلى
الحقيقة والواقع الحي؟. والسؤال الاخر الذي يطرح نفسه إذن. من يمثل الدولة
الدينية في الواقع الاجتماعي؟! وما هي دولة النبي- الرسول؟ هل هي هي الدولة
الدينية؟ أم شيئاً آخر نقيضاً لها؟!. فأي مرجعية علينا أن نأخذ ونقرأ كي نثبت
أو ندحض كلا البديهيتين أعلاه؟. هل الفهم والممارسة التراثية للأتباع
بانزلاقهم لموقع النقيض السائد؟. الانقلاب على الاعقاب! كما يقول القرآن أم
حركة النبي وكتابه؟!. والتي كانت تؤسس في صراعها ضد النقيض القائم ( الدولة
الدينية المستبدة) فرعون وقيصر والملأ من قريش, لدولة الحرية والعدالة
الاجتماعية للإنسان المستقل في إرادته واختياره؟!. والعجيب من أمر هذين
البديهيتين إنهما تقبلان بالتمييز بين الفهم والممارسة لأتباع الفكرة
وصاحبها!! وها هي الماركسية أمامنا مثالاً حياً . كيف مورست واقعياً وفهمت
,فهل ستالين كان يحمل مشروع ماركس التغييري , من الضرورة إلى الحرية. بدولة
البوليس والارهاب الفكري الإستالينية؟. أو ماو ودولته الصنمية؟ أو تيتو أو
أنور خوجة أو الشيوعية الاوربية( فرنسا, ايطاليا, اسبانيا) , أو بريسترويكا
غاربوشوف, أو..أو..أو. لاحظ تعدد الافهام والممارسات وكل يدعي أصالته
الماركسية, إلاّ صاحبها الذي قال مامعناه الشيء الذي أعرفه إنني لست ماركسياً
. وهذا ينطبق على ذاك؟! أم على قلوب أقفالها كما يقول القرآن والذي أهمل
عمداً أو جهلاً . معتمدين على التفسير التراثي وممارسة أهله, بدلاً من الوقوف
عنده مباشرة من خلال معرفتنا المعاصرة وفهمنا نحن, لنثبت أو ندحض. نأخذ أو
نرفض.
وهذه هي أمانة ( النظر والقراءة) أي الفكر وعقله المنتج. فهل نختار مرجعية
فكرية
لبناء دولة الحرية والعدالة الاجتماعية للإنسان العراقي المستقل في إرادته
واختياره ؟
1: مفهوم القرآن هو النبوة للدكتور محمد شحرور في كتابه الكتاب والقرآن قراءة
معاصرة.
2: نفس المصدر
|