الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

8  آذار  2006

صلاة الغرباء

 

قراءة في المفاهيم المعرفية للقرآن - 20

 

المرأة - الأنثى

 

إلى معلمتي وأمي الروحية: Inga-Clara Lepke*1

 

كتابات - إنطلاق الرحبي

 

إن الله اصطفى ءادم ونوحا وءال إبراهيم وءال عمران على العالمين* ذرية بعضها من بعض والله سميعٌ عليم*.ءال عمران 33-34

إذ قالت امرأت عمران ربِّ إني نذرت لك مافي بطني محرراً فتقبل مني، إنك أنت السميع العليم* فلماوضعتها قالت ربّ إني وضعتها أُنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعذيها بك وذريتها من الشيطان الرجيم* فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفّلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يامريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إنّ الله يرزق من يشاء بغير حساب*.35- 36-37 آل عمران.

وإذ قالت الملائكة يامريم إن الله اصطفاك وطهّرك واصطفاك على نساء العالمين* يامريم اقنتي واسجدي واركعي مع الراكعين*. 42-43 آل عمران.

.

وقلنا يآءَادم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين* فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدوٌ ولكم في الأرض مستقرٌ ومتاعٌ إلى حين* فتلقى ءَادم من ربه كلمات فتاب عليه. إنه هو التواب الرحيم* قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدًى فمن تبع هداي فلا خوفٌ عليهم ولاهم يحزنون*.البقرة 35- 38.

ويآءَادم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولاتقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين* فوسوس لها الشيطان ليبدي لهما ماووري عنهما من سوءاتهما وقال مانهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا ّ أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين* وقاسمهما إنّي لكما لمن الناصحين* فدلاّهما بغرور. فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدوٌ مبينٌ* قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين* قال اهبطوا بعضكم لبعض عدوٌ ولكم في الأرض مستقرٌ ومتاعٌ إلى حين* .19-24 الأعراف.

 فقلنا يآءَادم إنّ هذا عدوٌّ لك ولزوجك فلا يُخرِجَنَّكُما من الجنَّة فتشقى* إنَّ لك ألاَّ تجوع فيها ولاتعرى* وأنُّك لاتظمؤُا فيها ولاتضحى* فوسوس أليه الشيطان قال يآءَادم هل أدُلُّكَ على شجرة الخُلْدِ ومُلْكٍ لايَبْلَى* فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى ءَادم ربَّهُ فغوى* ثُمَّ اجتباه ربُّهُ فتاب عليه وهدى* قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدوٌّ فإمّا يأتينَّكم مِّنّي هدًى فمن اتَّبَعَ هُداي فلا يضلُّ ولايشقى*. 117-123 طه.

(إنني أنا أيزيس .عاهلة البلاد جميعا، لقد تعلمت على يد هرمز وابتدعت مع هرمز الكتابة الشعبية حتى لايكتب كل شيء بحروف واحدة. لقد سننت للناس القوانين، وأبرمت مالايستطيع البشر نقضه، وإنني كبرى بنات كرونوس، إنني زوج الملك أوزيريس وأخته، إنني أنا التي تشرق في نجمة الكلب، إنني أنا التي يسميها النساء ( ربّه) واخترعت الملاحة... وعقدت بين الرجل والمرأة... وقضيت بأن يحب الأبناء آباءهم، لقد وضعت مع أخي أوزيريس حداً لأكل البشر، وأريت الناس الأسرار الخافية... لقد أدلت دول الطغاة، وحملت الرجال على حب النساء، وجعلت العدالة أقوى من الذهب والفضة وقضيت بأن يرى الناس الحق جميلاً).ادولف إرمان: ديانة مصر القديمة ص559-560 .

أحبتي إنَّ الحديث عن المرأة – الأنثى هو هوالحديث عن قصة هذا الكائن الحي ابن الوجود المادي وربه التي شاءت الإرادة الإلهية أن يكون خليفتها على الأرض وبما أنه ابن هذه الطبيعة المادية أي جبل من عناصرها ( من تراب) كما يقول القرآن أي إنه وجودٌ ماديٌ طبيعيٌ تعمل في كينونته قوانين الطبيعة المادية (السنة والجعل) السيرورة والصيرورة أي قوانين التطوروالإنتخاب الطبيعي فكان وجوده الأول بشراً حيواناً من الثديات وهو نوع متميز بذاته لم يأتي من فصيلة  القرود أو أي فصيلة أخرى هو إنتخاب طبيعي (خلق) وفق القوانين المودعة في الطبيعة المادية التي خلقها الله جلت قدرته فالخلق في اللسان العربي المبين تدل على تقدير الشيء إختلاق الشيء إختراعه وتقديره، التصميم بلغة الحاضروهو مايدل على قانون الإنتخاب الطبيعي في الأشياء . فكان نفساً واحدةً (خَلَقَ منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً). ففي هذه المرحلة لم يكن هذا الكائن الحي ( البشر) شيئا مذكورا أي ليس له وجودا معرفيا متميزا فعاش ملايين السنين دون أن يترك أثراً أو معلماً حضارياً سوى بعض الرسوم وهي ميزته الأساسية فمعنى أن ترسم إنك تحاكي الطبيعة في خلقها ولانعرف مَنْ مِنَ الإثنين الذي رسم أولاً الذكر أم الأنثى ومَنْ عَلَّمَ الآخر،الرسومات المكتشفة تحمل الإمكانيتين، ولكن دور كل من الذكر والأنثى يعطينا صورة عن الطبيعة والمميزات الذاتية لكل منهما فماهو دور الأنثى- المرأة الطبيعي الأولي( الوجودي) الحمل والرعاية والتعليم ثلاث مهمات تم إنتخابها طبيعياً أي ذاتياً للأنثى – المرأة أما الرجل- الذكر فدوره كان الإخصاب والخدمة ( توفير الطعام وذلك بممارسة صيد الحيوان) وهي مهمة مشتركة عندما لاتكون الأنثى حاملاً ، فهو قد أنتخب طبيعياً لأداء هذه الوظيفة فهي ميزته الذاتية ( الإخصاب) وخدمة الأنثى – المرأة ولهذا لم نجد في واقع الحياة البشرية علاقة جنسية مباشرة بين الذكر الإبن وأمه في بداية وجوده وهو هو ماأثبته القرآن العظيم عندما تحدث عن نكاح المحارم فبدأ التحريم بالأم ( حرمت عليكم أمهاتكم...) والحرام كما ذكرت هو المنع والتشديد فكان ذلك ذاتياً بين الذكر وأمه وهو مانجده في الكثير من الثديات من غير البشر أيضاً. ومن هذه الوظيفة الذاتية استنتج علماء الأنثربولوجيا أن بداية المجتمع البشري كان إنثويا ً أي الأم هي التي حددت طبيعة التجمع البشري وكانت الربة الأولى للبشرالذكر وهو صحيح . وهذه الميزات الذاتية لكل من الأنثى والذكر هي التي تحدد دورهما في عملية الإنتقال إلى مرحلة الإنسان أي البشر الذي تَمَلَّكَ الوجود المعرفي والذي إكتسبه في خط (السنة والجعل) الذاتيين أي السيرورة الصيرورة في وجوده المادي وهذه الوحدة الوجودية للوجودين المادي والمعرفي هي هي التي سميت( نفخة الروح) وبها صار البشر إنسانا خالقاً مبدعاً عالماً وبها إستحق وسام الخلافة من رب العالمين على الأرض أمه الطبيعية التي خلق منها. فكانت أول تجربة خاضها الإنسان ( البشر الجديد الذي نفخت في الروح) لمعرفة ذاته (وجوده المعرفي)هي كيفية عمل الحد المعرفي الفاصل بين طرفي التناقض في وجوده المعرفي الجديد ( الملائكة- الشيطان) والذي سميتهما (المستوى الإنجذابي و المستوى الإنتباذي) فكانت التجربة الممارسية الأولى والذي فَصَّلًها القرآن العظيم في الإستشهادات الثلاثة التي أخترتها أعلاه*2. القول اليك يابن ءَادم  فأرجو أن تصبر معي لما ستسمعه مني فقد لايرضيك وترفضه ولكني أدعوك أن تصغي لقلبك وما فوق ذلك أي أن تقرأ بعين إنسانيتك وليس بشريتك، لعلك تصل إلى ماكنت فيه وضيعته بإرادتك رغم توسل زوجك ولكنك فوَّت الفرصة على نفسك في المرة الأولى وها أنت تكررها ملايين بل مليارات المرات والخاسر الوحيد هو أنت لأن زوجك الأنثى إختارت الخلود في سكنها الجنة أما أنت فأخلدت إلى الأرض وهو ما أدعوك إليه أن تقرأه معي، الحقيقة التي قلبتها إلى نقيضها بقراءتك الذكورية كيف لا وهي  تثبت وبالبرهان الساطع أن الذي هبط وهوى  وضل وشقى وعصى وغوى هو أنت ولكنها الأنانية والضعف الذاتي والغيرة من الزوج الصابر والصامد والقوي الذي إستحق التكريم وطيب الإقامة في سكنه الجنَّة وانت المحروم منها هذا هو السرالذي ستكتشفه في هذه القراءة للحقيقة التي غيبتها قروناً طويلة ولكن الله بالغ أمره وهو أرحم الراحمين. لاأدعي إمتلاكي للحقيقة لكنها القراءة ونتائجها عندي وقد تكون غير ذلك عند الآخرين وهي هي حياة المعرفة لاتهدأ ولاتركن على قول واحد أحد بل هي هي في سيرورةٍ وصيرورةٍ دائميتين.

فنقرأ في الآيتين 33-34 من سورة عمران عمل قانون السنة والجعل ( السيرورة والصيرورة) في عملية الإصطفاء ( الإنتخاب) ليعطينا بداية رحلة الإنسان المعلم للعالمين وليس كما يريد البعض من تحويل هذا القانون الطبيعي إلى تمييز عنصري بين الناس إستعلاءً واستكباراً. كما هو حاصل اليوم فعلاً في حياة الناس وهو من فعل الذكور!. أي أن البشر الذي تحول وارتقى إلى مرحلة الإنسانية سيكون هو المعلم للعالمين ( البشر) بصيرورته إنساناً. وبعد ذلك مباشرة ينتقل القرآن ليكشف لنا عن طبيعة وسمات هذا المعلم وإذا به ينبأنا عن مريــــــــــم وماأدراك ما مريـــــــــم!

قال آل عمران فمن اختار منهم مريــــــــم ! لماذا ؟ من هي مريــــم وما دورها في تعليم البشر ليصير إنساناً ؟ فيجيبنا القرآن بحقيقة أولية وهي: ( ليس الذكر كالأنثى) وفي اللسان العربي تعني أن الأنثى أفضل من الذكر حسب قاعدة ( المشبه والمشبه به) فراجع. وسِمَتِها ( مريم) البيضاء البراقة( الزهراء) النور فهي كلها نور، وبعد فهي مُحَصَّنَة ( أعيذها بك وذريتها: (عيسى ابنها ) من الشيطان الرجيم) لاانتباذ في وجودها المعرفي عن مستوى الإنجذاب فهي في حالة خلود في سكنها( الجنة = المستوى الإنجذابي).

فكان القبول الحسن والإنبات الحسن والخادم نعم الخادم لها ولها فقط أفضل الذكور في زمانه الذي ارتقى إلى إنسانيته زكريا المعلم / النبي (فكفّلها زكريا) من كَفَلَ وهو الضامن ويدلُّ على تضمُّن الشَّيء للشيء. فضمنها لنفسه لتكون معلمته، وهاكم الفرق بين الوجودين المعرفيين لمريم وزكريا : كلما دخل عليها زكريا المحراب.... دقق أين يدخل زكريا إلى المحراب ( جنة مريم) مدرستها، فهي تسكن مع الرحمن في حالة ( خلود) فالخلود من خلد ومعناه الثبات والملازمة ( خالدين فيها أبدا) وليس الأبدية. وهو ما ليس عند زكريا ولهذا كان يسألها متعلماً تلميذاً يسأل أستاذه ! يامريم ( يانور) أنّى لك هذا؟ فتجيبه معلمته عن كيفية الخلود مع الرحمن : هو من عند الله ...وهنا يثبت القرآن حقيقة مريم ... إن الله يرزق من يشاء ( وأنا شئت بملىء إرادتي) بغير حساب *. حساب جاري ورصيد مفتوح  على ( الأبدية)، وبعد من عجائب معلمة الناس أجمعين فهي الكمال الإنساني بأعلى درجاته وهو سر انتخابها على ( نساء العالمين ) آه ما أحقرك أيها الذكر الذي اختصرت ذلك على  النساء من الناس والقرآن يقول على الآتين من الناس إلى يوم الدين ( نساء العالمين) النساء هنا من النسيء المتأخر من الناس أي الذين سيأتون بعدها فهي ستكون معلمتهم أيضاً وهذا هو سر عظمتها لأنها معلمة الأنسان في كل زمان وليس زمانها فقط كما كانوا عليه آدم ونوح وآل إبراهيم وآل عمران فهي الوحيدة نعم الوحيدة التي إنفردت بذلك ولم يدانيها أحد في مقامها هذا سوى خاتم النبيين والرسول إلى الناس جميعاً محمد بن عبدالله معلمنا الأبدي ( وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً. لامبدل لكلماته. وهو السميع العليم)115 الأنعام. وهو الذي أقر لها بفضلها في قرآنه الذي لايأتيه الباطل. كان زكريا تلميذاً نجيباً في مدرستها فلم يأبى أو يتكبر أن تكون معلمته وهو أفضل ذكر/ رجل في زمانه فهو النبي/ المعلم وأنت أيها المفسر الذكر الصغير الصغير تأبى ذلك !!. هذه المقدمة اخترتها لتشكل المدخل إلى قراءة حقيقة الأنثى- المرأة في دورها الإنساني العظيم والذي اختصرته أيها الذكر بالإنجاب والرعاية فقط وأهملت عن سابق قصد وإصرار الجانب الأهم (التعليم) فضللت وشقيت!!. أعود إلى قصة أم الإنسان الأول (زوجك) هذا أسمها في القرآن وفي التوراة المرأة ( هذه تدعى امرأةً لأنها من امرءٍ أُخذت) تكوين2-22

( ودعا آدم اسم امرأته حوَّاءَ لانها امُّ كل حي) التكوين 3- 21.

القرآن لم يخبرنا عن اسم أيَّةِ امرأةٍ في جميع قصصه، الإستثناء الوحيد كان مريم فهي الوحيدة التي عرفها القرآن باسمها. امرأت العزيز، امرأت فرعون ، امرأتا نوح ولوط ، امرأت عمران أم مريم وهكذا. أعتقد أن سبب ذلك لأنها هي الأصل التي يتحدد به النوع الإنساني فكانت هي المثل للمستويين ( الإنجذابي= امرأت فرعون ومريم ، والإنتباذي= امرأتا نوح ولوط) وهو قول القرآن: ( ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا .....) ،( وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأت فرعون... ) ،( ومريم ابنت عمران......) . هي الثابت على مقام الإنسانية بالعكس من الذكر/ الرجل فهو المتحرك بين المستويين هبوطاً وعروجاً كما سنرى بعد قليل!!.

أنا اؤمن أن القرآن يمثل قراءة الوجود المعرفي للإنسان في مستواه الإنجذابي وهو الذي يؤدي إلى تبيان الحقائق الوجودية والمعرفية في الكون والمجتمع (تبيان لكل شيء) ،( قوله الحق) وعلى هذا كنت أشدد في كل ماقلته حول التفسير والمفسرين وغيرهم ممن يعتمدون على نتائج التفسير المعرفية من المؤمنين وغير المؤمنين فالنتيجة واحدة لأنهم يغرفون من بئرٍ معطلةٍ واحدة فيتيه البحث ولا يصيب حقاً ولا حقيقة. ولهذا فأنا لااؤمن بأن هناك مجازاً أوتكراراً أوتشبيهاً أوكنايةً ، لأجل الموعظة والإرشاد ليس إلا ّ ، عندي إنها قصصُُ ُحقيقيةُ ُواقعيةُ ُقرأها القلب الإنساني العظيم لمحمد بن عبدالله واستخرج منه ماتحمله من معرفة حقيقية وليست مجازاً أو تشبيهاً هذا مايقوم به الكهنة والفقهاء والمفسرين، وقد عبر القرآن عنهم  زمن نوح وصراعهم ضده حين قال :( وقد أضلوا كثيراً ولاتزد الظالمين الاّضلالا) .وعلى هذا البيان فأن قصة الخلق الأول للإنسان هي قصة واقعية بكل تفاصيلها الدقيقة التي حدثت مع ءَادم وزوجه فهي خبر حقيقي عنهما. وهو ما سأحاول في قراءتي هذه تبيانه بالأدلة التي استخرجتها من اللسان العربي المبين الذي كتب فيه القرآن العظيم.

أقرأ في المقطع الأول الذي أخترته من سورة البقرة حيث تقول الآية الأولى: وقلنا يآءَادم اسكن أنت وزوجك الجَنَّة....أقرأ هذا الجزء من الآية فهي تبدأ بكلمة: وقلنا من هم الذين قالوا لاءدم والقول كما أوضحت سابقاً كلاماً يحمل معنًى بين طرفين فأين المعنى الذي يحمله القول (اسكن ، الجنَّة) أقف عند اللفظين وأعود لـ(وقلنا) بعد قليل. اسكن من سكن: أصل واحد مطّرد, يدلُّ على خلاف الاضطراب والحركة. يقال سكن الشيء يسكن سكوناً فهو ساكن...... والسَّكْن: النار،... وإنما سميت سكناً للمعنى الأوّل، وهو أنَّ الناظر إليها يسْكُن، ويسكن إليها أهلها، ولذلك قالوا: ( آنَسُ من نار)،... 1 . أما الجنَّة فمن جنّ أصل واحد، وهو السَّتْر و التستر. فالجنَّة مايصير إليه المسلمون في الآخرة، وهو ثواب مستور عنهم اليوم. والجنَّة البستان، وهو ذاك لأنَّ الشجربورقه يَستُر،.... والجَنَان: القلب. والمجنّة: الترسُ، وكلُّ مااستُتِربه سلاح فهو جنَّة.2 . إذن المعنى الذي يحمله القول هو السكن ضد الاضطراب والحركة أي الثبات والإطمئنان والنار أيضاً وهو حال مستور يعرفه آدم وزوجه الجنَّة  أي المستوى الذي تكون النار فيه مستورة وساكنة ، لاحظ أتت معرفة أي ميزة ذاتية لكليهما وهو هوالمستوى الإنجذابي في وجودهما المعرفي الذي تملكه ءَادم قبل قليل فالآية التي قبلها ختمت القول في الوجود المعرفي الجديد للإنسان بسجود الملائكة التي تمثل جميع المستويات المعرفية التي يتضمنها المستوى الإنجذابي في وجوده العام . والتي به عرف ذاته وصار منتجاً للمعرفة.

الآية34( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لاءَدم فسجدوا ألاّ أبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين*). فهي تدلُّ على وحدة النقيضين الملائكة وإبليس الذي لم يتملكه معرفياً، من بلس : اليأس والسكوت والذي سترت عنه الحقيقة  وهو معنى(من الكافرين)  لأن الكفر تعني الستر والتغطية. إذن لامعرفة ولاتملك وهو نتيجةً لـ ( أبى واستكبر) أي إمتنع واستعظم في نفسه، إنها مسألة ذاتية في بنية الوجود المعرفي للإنسان نفسه. هنا سؤال يطرح نفسه أين زوجه من كل هذا لأن القصة تدور حول ءادم وجعله خليفة وهو الذي كان (يفسد فيها ويسفك الدماء) كما تقول الآية 30 . وعندما تم له ذلك أسكن هو وزوجه في الجنَّة التي يعرفاها مامعنى هذا ولماذا هو مسكوت عنه ؟! أي متى تملكت زوج ءَادم الملائكة؟. فعلى ضوء تسلسل القصة نستدلُّ إنَّه كان قبل ذلك بالضرورة أي إنها كانت قد أتمت ذلك والدور أتى على ءَادم ليلحق بها لتكتمل الصورة الإنسانية في وجودها المادي والمعرفي ولتبدأ رحلة الإنسان الخليفة في الأرض لأن يكون شيئاً مذكوراً.إعمار الأرض والنفس وليس الفساد وسفك الدماء. والجنَّة ليس مكاناً خارجياً إنها تمثل الشيء المستور وهو هو وجودهما المعرفي الذي توحد مع وجودهما المادي أي إنهما يحملاه ذاتياً وبه أصبحا إنسانين وعليه مدار عملهما وإنتاجهما المادي والمعرفي ( بناء المجتمع الإنساني في الأرض) ولهذا أتت مُعَرَّفَة أي ذاتية فهي حال ومحل وكيفية للسكن, فتأمل عظمة القرآن في نحته المعرفي الدقيق!!. ولأنها ذاتية فهي تحت مشيئتهما يتحركان فيها من مستوِ معرفي إلى آخروهو معنى :(وكلا منها رغداً حيث شئتما) ونكتة أخرى عندما يكونا في المستوى الإنجذابي يكون الخطاب لكليهما وعند العكس فالخطاب لاءَدم فقط فتأمل!!. فالأكل هو التنقُّص.3 أما رغدا فمن رغد: وهو أصلان : أحداهما أطيب العيش، والآخر خلافه. فالأول عيش رغد ورغيد، أي طيب واسع،... والأصل الآخر المرغاد: الذي تغيَّرحاله في جسمه ضعفاً، ومن ذلك المُرْغادُّ: الشّاكُّ في رأيه لايدري كيف يُصْدِرُه.4. فالأكل رغدا ( التنقُّص والذي يؤدي إلى التغير في الحال) لايخرج الإنسان في وجوده المعرفي عن مستواه الإنجذابي هو الحد المعرفي الفاصل فإن تعداه فينزلق (يهبط) إلى نقيضه الإنتباذي وهو هنا الشجرة ( ولاتقربا هذا الشجرة) فأتت معرَّفة أيضاً لأنها تمثل النقيض في بنية وجودهما المعرفي . فكيف عمل عامل الحد المعرفي بين المستويين عند كلِّ منهما؟. فماهي الشجرة من شجر: أصلان متداخلان ، يقرب بعضهما من بعض، ولايخلو معناهما من تداخل الشيء بعضه في بعض، ومن علو في شيء وارتفاع. 5 . وعندي الشجرة هنا للدلالة على المستوى الإنتباذي الذي عرفته لنا الآية34 السابقة وهو معنى إبليس الذي أبى واستكبرعلى النقيض من الملائكة التي سجدت لاءَدم وزوجه. وحين نطابق بين المعنيين نرى أن الشجرة تنطبق على إبليس كمفهوم معرفي. ويدلُّ على ذلك مآل القرب وهو من قرب: أصل صحيح يدلُّ على خلاف البعد. ... وتقول: ماقَرِبْتُ هذا الأمر ولا أقْرَبُه، إذا لم تُشَامَّهُ ولم تلتَبِسْ به.6 .

فتوضح لنا الآن معنى : ولاتقربا هذه الشجرة أي لاتشامّا وتلتبسا بها وإلاّ فهو الظلم وهنا تبين لنا معنى (فتكونا من الظالمين) فهل هناك شيئاً أظلم من أن تهبط بإنسانيتك والتي تعني سكن الجنة (السلام التام) مع الوجود المادي كله والتراجع القهقري إلى مستوى الفساد في الأرض وسفك الدماء !!. ومدار كل هذا التفصيل في القول هو حرية الإختيار فأنت أيها الإنسان الذي يقرر ذلك بمحض إرادته إقرأ معي ( وكلا منها رغداً حيث شئتما) وهي هي الحرية الإنسانية بأجلى معانيها!!.

ولكن تبقى مسألة مهمة وهي أين تمت ممارسة ذلك في الواقع الحي ومن الذي قََرُبَ الشجرة فكان من الظالمين ؟. هل قال القرآن شيئاً حول هذه المسألة هذا ماأحاول تبيانه في قراءتي هذه بعد قليل. أعود إلى ( وقلنا) في بداية الآية والتي جاءت معطوفة على الآية 34 التي قبلها والتي حددت إتمام ءَادم لعملية التملك المعرفي  لجميع المراتب المعرفية المميزة للمستوى الإنجذابي في بنية الوجود المعرفي(سجود الملائكة) ونقيضها الإنتباذي والذي يمثله إبليس( أبى واستكبر) والنتيجة المعرفية ( فكان من الكافرين).

وقلنا: إذن تمثل لسان حال المستوى الإنجذابي في وجوده العام الذي يحمل جميع المراتب المعرفية المختلفة وهي هي التميز فكل مرتبة معرفية هي تميز للمستوى في وجوده العام ، ولهذا أتت بصيغة الجمع ( وقلنا) وهو كما حددت الكلام الحامل للمعنى . وذلك لأنَّ الكلام يدور حول كيفية صيرورة ءَادم إنساناً (جاعل في الأرض خليفة) في الآية 30 والتي بعدها.

الآية36 : فأزَلَّهُما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه....... فأزلهما كلمة عجيبة فهي ممكن أن تكون من الأصل أزل المهمزة أو الأصل زل بدون همزة فإن كانت من أزل فأصلان : الضيق والكذب. أما إذا كانت من زل فأصل مطّرد منقاسٌ في المضاعف, وكذلك في كل زاء بعدها لامٌ في الثلاثي، وهذا من عجيب الأصل. تقول: زل عن مكانه زليلاً  وزَلاًّ. والماء الزٌّلال: العَذْب. لأنه يزِلّ عن ظهر اللسان لرقّته، والزلة: الخطأ، لأن المخطىء زلَّ عن نهج الصواب.....7 .

الشيطان كذلك مفردة عجيبة فهي ممكن أن تكون من شطن أصل مطرد صحيح يدل على البعد. يقال شطنت الدار تشطن شطوناً إذا غربت، ونوى شطونٌ، أي بعيدة،........وأما الشيطان فقال قوم: هو من هذا الباب، والنون فيه أصلية، فسمي بذلك لبعده عن الحق وتمرده. أو من الأصل شيط يدل على ذهاب الشيء, إما احتراقاً وإما غير ذلك.......... ومن الباب الشَّيطان: يقارب الياء فيه الواو، ويقال شاط يشيط, إذا بَطَل, وأشاط السلطان دم فلانٍ إذا أبطله.......  وأخيراً من شطّ أصلان صحيحان: أحدهما البُعد، والآخر يدلُّ على الميل. فأما البعد فقولهم: شطت الدار،.... وأما الميل فالميل في الحُكم, ويجوز أن يُنقل إلى هذا الباب الاحتجاج بقوله تعالى: ( ولاتشطط)، أي لاتَمِلْ، ويقال شطَّ وأشطَّ ، وهو الجور والميل في الحكم.8 .

فأخرجهما من خرج أصلان, وقد يمكن الجمع بينهما, إلاّ أنّا سلكنا الطريق الواضح: فالأول : النفاذعن الشيء، والثاني: اختلاف لونَين.............

والخروج: خروج السحابة....... وفلان خرّيج فلانٍ، إذا يتعلَّم منه، وكأنه هو الذي أخرجه من حد الجهل. وأما الأصل الآخر: فالخَرَجُ لونان بين سوادٍ وبياض، يقال نعامة خرجاءُ.................. ومن الباب أرض مخَرَّجَة، إذا كان نَبْتُها في مكان دون مكان،................ 9 .

فلنفكر ونعقل ليتبين لنا معنى هذا القول: (فأزلَّهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه....) فكيف نقرأها ونجمع قرآنها؟!. فأستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وأقرأ: لقد تم الإنزلاق عن المستوى الإنجذابي ( الجنة) إلى نقيضه الإنتباذي ( الشيطان) هنا الآية تقول لنا إنهما إنزلقا من مستوى الإنجذاب ( الجنة) والتي تمثل مقام الإنسان الخليفة ( الرب)( الوجودالمعرفي) إلى مستوى الإنتباذ ( الشيطان) الوهم / الباطل والذي يمثل مقام البشر(الوجود المادي) فهبطوا لأن الهبوط من هبط وهي كلمة تدلُّ على انحدار, من مستوى أعلى إلى مستوى أدنى.وهذا التناقض بين المستويين هو الذي عبر عنه بـ ( بعضكم لبعض عدوٌ) أما لكم في الأرض وهي هي وجودكم المادي ( بشر) فأنت أيها الإنسان تحمله معك فهو بدنك وجسمك المادي وهو من الأرض وبه تجمع ( مستقرٌ) وبه تنتفع مدة عمرك في الزمن وهو معنى ( ومتاع إلى حين) في وحدة الوجودين المادي ( البشر) والمعرفي ( الإنسان) وبوحدة النقيضين المعرفيين الإنجذاب والإنتباذ فيهما. فالآية تٌقْرأُ بعين الوجود المعرفي العام في مستواه الإنجذابي لتكشف حقيقة الإنزلاق بالقراءة من الإنجذاب إلى نقيضه وأثر القراءة في مستوى  الإنتباذ ( فأزلهما الشيطان) ،أي عندما تفقد القراءة التمييز في عمل الحد المعرفي الفاصل بين النقيضين. فالقراءة لم تُفَصِّلْ آلية ذلك وكيفيته فتركته لمكان أخر في سورتي الأعراف وطه. فهي قراءة في الوجود المعرفي العام.

فتلقى ءَادم من ربه كلمات فتاب عليه........... تستمر القراءة بالوجود المعرفي العام وهنا يتلقى ءَادم إنتبه ءَادم وحده كلمات والكلمات هي هي الوجود المعرفي للمادة التي يقرأها الإنسان وهو هو تملكه المعرفي لها.

هنا عودة إلى القراءة بمستواها الإنجذابي ( الإنسان) ولهذا قال ( ءَادم ) ليعلمنا أن القارىء هو الإنسان ءَادم بعد أن إنزلق بقراءت