|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
28 تشرين اول 2005 |
|
صلاة الغرباء قراءة في المفاهيم المعرفية للقرآن -11 النبي- الرسول - الخاتم
كتابات - إنطلاق الرحبي
ماكان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين. ماكان لبشرأن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون. أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة. إن الله وملائكته يصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما. إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده. أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم. وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح.
تناولت في الحلقات السابقة مفهومي النبي والرسول وقلت أن النبي هو من أتى بحقيقة الوجود المعرفي للإنسان الكاشف عن قوانين الكون والمجتمع( القرآن= النبوة) أما الرسول فهو الذي يشرع للواقع الاجتماعي للإنسان( الحكم والكتاب= الرسالة) . ولهذا كانت حرية الاختيار في الايمان أو الكفر بالنبوة لأنها مسألة معرفية بحته والطاعة أو المعصية للرسالة لأنها تشريع ( قانون, أحكام) تنظم حياة المجتمع الانساني من سياسة ( الشورى- أولي الامر) واقتصاد( توزيع المال- الزكاة- التجارة- البيع- الربا) وعلاقات إجتماعية ( زواج - طلاق- إرث) . وقلت أيضا أن النبوة بدأت مع نوح عليه الصلاة والسلام في بداية التكون المجتمعي للإنسان ( القوم) حيث واجه نوح المترفين وحلفائهم الكهنه من قومه في مسألتين : الاولى الاستئثار بالثروة من قبل المترفين( الظلم الاجتماعي) والثانية التوحيد ( الايمان بالله) بالضد من الكهنة الأرباب فكان نضاله على جبهتين معرفية ( التوحيد) واجتماعية ( العدالة الاجتماعية) من خلال عدالة التوزيع للثروة في مجتمع قومه وهو الذي أدى إلى اصطفاف إجتماعي جديد بين المترفين والكهنة ونوح والاراذل من قومه ( الفقراء المستضعفين) وكان الإنقسام عمودياً على المستوى السياسي وليس على المستويين (الإجتماعي و الاقتصادي) بعد حركة نوح لتحرير الاراذل من علاقة التبعية الاقتصادية والمعرفية للمترفين والكهنة. وهذه الوظيفة التحريرية العظيمة هي هي مهمة الانبياء والرسل في حياة الإنسانية وتأريخها الطويل حتى تصل الى مرحلة الرشد فيتحقق حلم الانبياء في مجتمع العدالة والحرية بين الناس. ولهذا خلد القرآن دعوة نوح فقال بحقه:( سلام على نوح في العالمين) لأنه أول من بدأ عهد النبوة والرسالة معاَ. فلنقرأ في معنى الخاتم في الاية ( ماكان محمدا أبا أحد من رجالكم....): خاتم من ختم الخاء والتاء والميم أصل واحد, وهو بلوغ آخر الشيء: يقال ختمت العمل, وختم القارىء السورة. فأما الختم, وهو الطبع على الشيء, فذلك من الباب أيضاَ, لأن الطبع على الشيء لايكون إلا بعد بلوغ آخره, في الأحراز. والخاتم مشتق منه, لأن به يختم . ويقال الخاتم, والخاتام, والخيتام , قال: أخذت خاتامي بغير حق. والنبي (ص) خاتم الانبياء, لأنه آخرهم, وختام كل مشروب: آخره, قال الله تعالى: ( وختامه مسك) المطففين26, أي إن آخر ما يجدونه منه عند شربهم إياه رائحة المسك. ابن فارس: مقاييس اللغة. النبي فلها أصلان الاول من : نبأ النون والباء والهمزة قياسه الإتيان من مكان إلى مكان. يقال للذي ينبأ من أرض إلى أرض نابيء, وسيل نابيء: أتى من بلد إلى بلد... ومن هذا القياس النبأ: الخبر, لأنه يأتي من مكان إلى مكان, ..... والنبأة : الصوت, وهذا هو القياس, لأن الصوت يجيء من مكان إلى مكان. ومن همز النبي فلأنه أنبأ عن الله تعالى, والله أعلم بالصواب. أما الثاني فمن: نبو النون والباء والحرف المعتل أصل صحيح يدل على ارتفاع في الشيء عن غيره أو تنح عنه: ( نبا بصره عن الشيء) ينبو, ونبا السيف عن الضريبة: تجافى ولم يمض فيها. ونبا به منزله: لم يوافقه, وكذا فراشه, ويقال نبا جنبه عن الفراش, .... ويقال إن النبي (ص) اسمه من النًبْوة, وهو الارتفاع, كأنه مفضل على سائر الناس برفع منزلته. ويقولون : النبي: الطريق, قال: لأصبَحَ رتماً دُقاقَ الحَصَى مكانَ النَّبيّ من الكاثِبِ ابن فارس مقايس اللغة. هذه الاية بحق واحدة من أعظم ماجاء به القرآن العظيم لأنها تكشف عن حقيقة معرفية/اجتماعية بنفس الوقت . معرفياً تخبرعن انتهاء دور الفرد( النبي) في الكشف عن حقائق الوجود وتعطيه للراسخين في العلم كل حسب اختصاصه أو كما عبرعنهم القرآن في مكان آخر( بالأمة) أي الذين ينتجون المعرفة على المستوى المادي( قوانين الطبيعة) والاجتماعي( قوانين البنية الإجتماعية) . وهم ورثة الانبياء على حد تعبير النبي محمد عليه وآله أفضل الصلاة والسلام : العلماء ورثة الانبياء. وهي هي وظيفتهم المعرفية لتبيان ماتؤول اليه حقائق الوجود المادية في حياة المجتمع الانساني، وليس السادة فقهاء الشعائرمن صلاة وصوم وحج والتي لاتحتاج إلى علم عالم لأنها أتتنا عنه(ص) بالتواتر جيلاً بعد جيل فلم يمر على المؤمنين يوما لم يعرفوا كيف يؤدوا فرائضهم هذا أولاً وثانياً إنها ثابتة غير قابلة للتغييرلأنها شعيرة وهو معنى (كل بدعة في الدين ظلال) لأنها تمثل الهوية بالنسبة للمؤمنين بنبوة ورسالة محمد (ص) أي هوية الايمان. وهنا تكمن الطامة الكبرى حيث أختزل العلم بالشعائر. العلم الذي نادى به القرآن والذي به يحيا الانسان ويتطور نحو كماله الوجودي من خلال حركة الزمن (السيرورة) والتطور (الصيرورة) فالمجتمع الانساني يتكون من ثلاثة أبعاد : الوجود المادي (الناس) , السيرورة ( الزمن= التاريخ), التطور( الصيرورة) وبوحدة الابعاد الثلاثة ينتقل المجتمع الانساني من مرحلة أدنى إلى مرحلة أعلى في سلم التطور الاجتماعي وهو هو قانون نفي النفي الاجتماعي والذي به يحصل التغيير في الواقع الإجتماعي للناس وهو هو معنى ( لايغير الله مابقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). وعلى هذا فأن للمجتمع الإنساني ثلاثة أزمان : زمن التكون وزمن التطور وزمن التغيير وهذا ماعليه المجتمعات المدنية المنتجة فهي في سيرورة وصيرورة مستمرة نحو كمالها الوجودي بالعكس من المجتمعات التي طرحت بُعْدَ الصيرورة ( التطور) جانبا فباتت مجتمعات سكونية مستهلكة تدور في فلك المجتمعات المتطورة ذي الابعاد الثلاثة , بعلاقة من التبعية البنيوية لضعفها الذاتي عن المنافسة مالم تعيد البُعْد الأهم بُعْدَ الصيرورة لواقع البُنْية الاجتماعية لتفتح الإمكان العملي للتغيير في قوانين البُنْية الاجتماعية وتحولها إلى بُنْية فاعلة ومنتجة وعند ذاك نستطيع التحدث عن الاستقلال والحرية الحقيقيين. فأنّا لعلماء الشعائر هذا . إنها الإستحالة النظرية والعملية بنفس الوقت لاختلاف القاعدة المعرفية بين الاثنين. بين معرفة منتجة ومعرفة مستهلكة. أعود لقراءة الآية العظيمة والتي تحمل هذا الحس التاريخي التطوري للواقع الإجتماعي وهي تعلن عن إنتهاء مرحلة الطفولة المعرفية إن صح التعبيروبداية التأريخ الحقيقي للإنسان في بلوغه مرحلة الرشد والتي بها يؤسس مجتمع الحرية والعدالة الاجتماعية. هذه المرحلة التي كانت النبوة الفردية فيها ضرورة معرفية واجتماعية وهي زمان التطور والذي بدأ مع نوح وانتهى بمحمد حيث أعلن عن بداية زمان التغيير كاشفاً عن القوانين الاجتماعية للتغيير وآلية عملها في واقع البنية الاجتماعية. وعلى هذا أستطيع القول أن زمان التكون للبنية الاجتماعية الاولى للإنسان كانت مع آدم في تحول البشر من مملكة الحيوان الى مملكة الانسان تلك القفزة المعرفية الكبرى والتي عبر عنها القرآن بـ( نفخة الروح) والتي أصبح الانسان كائناً منتجاً للمعرفة من خلال وجوده المعرفي ( القلب) والمادي من خلال عمله اليدوي ( بنائه المادي). ثم زمان التطور والذي بدأ مع نوح وانتهى بمحمد وهو الزمن الذي تمت فيه عملية تكون المجتمعات الإنسانية وبنائها المادي ( الحضارات) وادي الرافدين ووادي النيل والصين والفرس والإغريق والرومان وباقي الحضارات وصولاً إلى العرب والمسلمين فبدأ بهم زمان التغييرحيث شكلت حضارتهم المرحلة الانتقالية بين زمان التطور وزمان التغييرحيث وضعوا الاسس المعرفية والمادية لتلك العملية الكبرى وخصوصاً في حركة النبي/ الرسول المعرفية والاجتماعية في الاعوام الثلاثة والعشرين التي عاشها جهاداً وقتالاً وبناءاً في سبيل الانسان وكماله الوجودي والتي تم التخلي عن أهم قانون فيها من قبل قومه العرب( وقال الرسول يارب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا) وهو قانون الصيرورة ( التطور) فورثها أقواماً آخرين فساروا ووقفنا( فما بكت عليهم السماء والارض وماكانوا منظرين) . ( قل ياأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً). فالنبي عندي من نبو ارتفاع المرتبة والوظيفة وهو الطريق الذي به تتكشف حقائق الوجود المادية وهو القراءة المنتجة للمعرفة الإنسانية الأصيلة وهو مايناسب المقام العظيم للنبوة وليس من نبأ والنبأ أي الذي يُنبأ أي المخبر الذي ينقل الأخبارفلم أجد في القرآن هذا الوصف للنبوة بل كان الفعل إقرأ هو المحور التي قامت عليه فالفرق عظيم بين أخْبِرْ وإقْرأ. الاول مستهلك والثاني منتج وهنا نكشف عن سبب ثاني لمصيبتنا وهو تحويل المنتج إلى مستهلك مما أدى إلى موت إنتاجه المعرفي والمادي . فالختم بهذا المعنى كان للقراءة الفردية الشمولية وجعلها قراءة جماعية متخصصة وهو هو ماعليه واقع المجتمعات الحية في زماننا هذا. وهو اعتراف ينبو عن ثقة عظيمة بالإنسان في سيرورته وصيرورته نحو كماله الوجودي الذي بشر به الانبياء. وهذا مايدعونا إلى إعادة النظر بكامل جهاز القيم والمفاهيم المعرفية الميتة نعم الميتة والتي آن أوان دفنها لنحرر وجودنا المعرفي من التحنط والدوران حول نفسه في تكرار إنتاج الماضي لعلنا نلحق بالركب: سفينة نوح وماأدراك ما سفينة نوح لنعيد الحياة لمعنى النبوة التي ختمت وظيفتها الفردية( خاتم النبيين) وليس ( خاتم النبوات) والفرق واضح بيّنْ .لأن لاحياة دون معرفة متجددة وهي هي وظيفة النبوة. أما الرسالة فهي للناس جميعاً معنى ذلك إنها تتطور وتتغير مع تطور وتغير البنية الاجتماعية ولهذا أتت حدودية حنيفية أي متطورة متغيرة ( الحدودية = المفتوحة الاحتمالات) و( الحنيفية = المائلة أو المتحولة), ولأنها أتت هكذا فلا ختم بل تجدد مستمر بتجدد الحياة الاجتماعية للناس. هناك مسألة هامة أريد الوقوف عندها ونحن نعيش أيام الإنسان العظيم بعد رسول الله معلمنا الثاني (علي) ، وهي من هو الوريث الحقيقي للنبوة بعد محمد كوظيفة معرفية ؟ هل هو علي ابن ابي طالب؟ أم ( صالح المؤمنين) كما يقول القرآن؟ عندي الاثنان معاً. لأن علي من صالح المؤمنين أولاً وأكثرهم قرباً ووعياً للنبوة والرسالة باعتراف الجميع ثانياً. وعندما نقرأ معنى حديث المنزلة ونقارنه بالقرآن نرى أن دور هارون كان متمماً للنبوة لأن دعاء موسى كان ( وأشركه في أمري) فهو شريكه في النبوة وهو هو دور علي مع محمد فلقد كان شريكه فيها وهو ما أقر له يوم الغدير (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) ( فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه) فعلي عدل القرآن(= عدل النبوة) فلم يكن خليفة رسول الله لأن خلفاء الرسول هم أولي الأمر منكم أي ماتختاره الناس لإدارة شؤنها السياسية العامة أما المرجعية المعرفية فتكون لوارثي النبوة وهم الراسخون في العلم وأستاذهم (علي) وهو الذي وصفهم في نهج البلاغة فقال: (واعلم أن الراسخين في العلم هم الذي أغناهم عن اقتحام السدد المضروبة، دون الغيوب، الإقرار بجملة ماجهلوا تفسيره من الغيب المحجوب،فمدح الله اعترافهم بالعجز عن تناول مالم يحيطوا به علما، وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه، رسوخاً، فاقتصر على ذلك، ولاتقدر عظمة الله سبحانه على قدر عقلك فتكون من الهالكين). هذا هو علي الانسان المنتج للمعرفة لما يحينا فهل من قلوب نسمع ونبصربها تعيد الحياة لمعرفة علي وارث النبوة الامين. |