|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
10 أيـــلول 2005 |
|
صلاة الغرباء قراءة في المفاهيم المعرفية للقرآن - 8 الظن- الشك - اليقين كتابات - إنطلاق الرحبي
وما يتبع أكثرهم إلاّ ظناً إن الظنَّ لايغني من الحق شيئا. وما لهم به من علم إن يتبعون إلاّ الظنّ . وما لهم بذلك من علم إن هم إلاّ يظنّون. لايعلمون الكتاب إلاّ أماني وإن هم إلاّ يظنّون. فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرءون الكتاب من قبلك. ان كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله. لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل اليك. وما يعلم تأويله إلاّ الله والراسخون في العلم يقولون آمنّا به كل من عند ربنا. إلاّ لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك . واعبد ربك حتى يأتيك اليقين. إن هذا لهو حق اليقين. وإنه لحق اليقين.
الظن : هو الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض ويستعمل في اليقين والشك. وقيل الظن: أحد طرفي الشك بصفة الرجحان. التعريفات: الجرجاني
ظنّ: الظاء والنون أصل صحيح يدل على معنيين مختلفين: يقين وشكّ. فأما اليقين فقول القائل: ظننت ظناً, أي أيقنت, قال الله تعالى ( قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله) أراد , والله أعلم: يوقنون. والأصل الآخر: الشكّ. يقال ظننت الشيء, إذا لم تتيقنه, ومن ذلك الظّنّه . التهمة, والظنين: المتهم. المقاييس في اللغة: ابن فارس
الشك : هو التردد بين النقيضين بلا ترجيح لأحدهما على الآخر عند الشاك. وقيل الشك : مااستوى طرفاه, وهو الوقوف بين الشيئين لايميل القلب الى أحدهما على الاخر فهو ظن, فإذا طرحه فهو غالب الظن, وهو بمنزلة اليقين. التعريفات: الجرجاني
الشك: الشين والكاف أصل واحد مشتق بعضه من بعض, وهو يدل على التداخل. من ذلك قولهم شككته بالرمح, وذلك إذا طعنته فداخل السنان جسمه, ومن هذا الباب الشكٌّ, الذي هو خلاف اليقين, إنما سمي بذلك لأن الشاك كأنه شٌكًّ له الأمران في مشكّ واحد, وهو لايتيقن واحداً منهما, فمن ذلك اشتقاق الشك. تقول: شككت بين ورقتين, إذا أنت غرزت العود فيهما فجمعتهما. المقاييس في اللغة: ابن فارس.
اليقين : في اللغة: العلم الذي لاشك معه, وفي الاصطلاح: اعتقاد الشيء بأنه كذا مع اعتقاد أنه لايمكن إلا كذا, مطابقاً للواقع غير ممكن الزوال. يقال: يقن الماء في الحوض, إذا استقر فيه. وقيل اليقين : العلم الحاصل بعد الشك. (التعريفات: الجرجاني)
أواصل القراءة في المفاهيم المعرفية للقرآن والذي وصفه معلمنا الثاني علي ابن ابي طالب حيث قال: وتعلموا القرآن فإنه أحسن الحديث. وتفقهوا فيه فإنه ربيع القلوب. واستشفوا بنوره فإنه شفاء الصدور. فنقرأ في معنى الظن وكيف أعطى القرآن هذه المفردة بعداً معرفياً جديداً ووضعها على طرفي النقيض من العلم كما في الايتين ( وما لهم به من علم.... إلاّ الظنّ) و( وما لهم بذلك من علم..... إلاّ يظنّون) . فمعنى الاتباع في الاية الاولى هو رد الفعل النفسي المباشر ضد الكتاب لأنه غير مألوف لديهم هذا النمط من القول الذي يحمل معرفة عظيمة. وفي الاية الثانية نقف على حقيقة المستوى المعرفي للعرب في مكة بشكل عام حيث يخبرنا القرآن هنا ( إن العرب لايملكون النظر المعرفي بل جل ماعندهم إنهم يظنون وهي مرحلة متدنية معرفياً لأنها ( رد فعل نفسي) أكثر من كونها عملية معرفية. وعلى هذا يقرر القرآن بأن أكثرهم يتبعون الظنّ والذي يستحيل إنتاج المعرفة به والوصول الى إكتشاف الحقائق المادية (= لايغني من الحق شيئا) على اعتبار أن مفهوم الحق في القرآن هو الحقيقة المادية والمعرفية للوجود. وهو هو غاية المعرفة الانسانية (= التملك المعرفي للحقيقة المادية ) ليتمكن من تسخيرها بعد ذلك, والذي بها تتطور الحياة الاجتماعية للإنسان. وهنا إشارة أخرى في الاية الرابعة ( إلاّ أماني...) لاحظ الدقة في الوصف للمستوى المعرفي للناس المخالفين . فالأماني أيضاً تعبير عن حالة نفسية وليست معرفية ولهذا ربطها مع الفعل يظنّون. الايات الاربعة تؤسس للإسلوب القرآني في الحوار المعرفي مع مخالفيه بتحليله للبنية المعرفية والنفسية ومن ثم تبيان المستوى المعرفي الذي يملكون. القرآن في هذا المقطع من الحوار المعرفي لايقول إني أملك الحق أو أنا الحق وأنتم الباطل بل يؤكد على حقيقة معرفية وهو أن الظنّ لاينتج علم أو حقيقة. حدق في واقعنا المعاصر وانظر هل ابتعدنا شبرا عما كانوا عليه آباءنا الاولين أم رد الفعل والاتهام جاهز ضد كل من يحاول أن يقول شيئا جديداََ ينفع الناس في حياتهم!!. المفهوم الثاني الشك وماأدراك ماالشك أنه واحد من أعظم المفاهيم المعرفية للقرأن وأستطيع القول بأن القرآن كان له السبق المعرفي في التأسيس لمفهوم الشك والذي ينسب الى الفيلسوف الفرنسي ديكارت. هذا ليس إدعاء, مثل الذي يقول نحن نملك كل شيء ونحن ونحن ....الخ. إقرأ معي هذا التصريح الخطير والخطير جداً والذي يكشف لنا عن حقيقة معرفية عظيمة وهي ( المرجعية المعرفية للنبي نفسه) في إنتاجه للنظرية المعرفية والذي تمثل نبوته كما قررنا في معنى النبوة . فماذا تقول الاية الخامسة أعلاه ( فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك.....) الله الله الشك في الانزال إذن وليس في التنزيل ؟. في الحلقة الثانية وقفت على مفهوم الانزال وقررت بأن الانزال هو عملية( تمييز الحقائق الوجودية بعضها عن بعض أي التعليم لتلك الحقائق ليتمكن من معرفتها ( التملك المعرفي) أي أن الانزال ضرورة معرفية لتملك المعرفي للحقيقة الوجودية ) وهي مهمة معرفية ينجزها القلب من خلال عمليتي التفكر والتعقل . أي الشك ممكن الوقوع إثناء القراءة في عمليتي التفكيك والربط ( التفكر والتعقل) على ما تقرر. بل الاية تقرر المسألة وكأنما الشك عملية ضرورية لابد من وقوعها وإلاّ مامعنى الرجوع الى ( الذين يقرءون الكتاب من قبلك) ؟!. وهنا المسألة المعرفية العظيمة الأخرى وهي المرجعية المعرفية للنبي في حركة إنتاجه المعرفي والذي عليه سؤالهم حين يشك في عملية الانزال وهم أصحاب المنهج المعرفي الذي تؤسس له النبوة في حركة البحث والكشف عن حقائق الوجود المادي للكون والمجتمع الانساني(= القوانين الطبيعية والاجتماعية). فمن هؤلاء الذين يقرءون الكتاب؟. إنهم الراسخون في العلم منهم , والراسخون في العلم من المؤمنين ( علي وسلمان مثلا) . وهنا نفهم قول علي وهو يصف علاقته بمحمد إنه كان يخبره عن كل آية متى نزلت وعن ماذا نزلت ..........الخ. وقول النبي بحق سلمان ( سلمان منّا أهل البيت) فالحوار المعرفي للوصول الى الحق عندما نشك هو الذي ينبغي أن نتعلمه فهل من قلوب تسمع وتعي والرجوع الى الراسخين في العلم ( علماء المجتمع والاقتصاد والنفس والرياضيات والفيزياء ....الخ كل حسب اختصاصه) وليس ما يسمى عندنا ( السادة الفقهاء) !!. أي الى الذين ينتجون الحقيقة العلمية والمعرفية من خلال الكشف عن القوانين العامة للطبيعة والمجتمع, وهذا ما لايقوم به ( السادة الفقهاء) !!.وهنا أسأل مرة بعد مرة أين الانتاج المعرفي لأهل البيت ؟! أين ذهب؟! لاتقول لي الكافي ومالايحضره الفقيه...الخ. أريد نظريتهم المعرفية للمجتمع والكون الذي نبني به مجتمع الحرية والعدالة !!. أريد ولو كتاباً واحداً يشبه مافي نهج البلاغة لمعلمهم وإمامهم وأبيهم علي !!. أما المفهوم الثالث في حلقة اليوم فهو اليقين : والذي يمثل الحقيقة المادية الوجودية بعد معرفتها ( تملكها المعرفي ) من قبل الانسان. وهو غاية كل علم ومعرفة أي إنه (سيرورة معرفية) . ولهذا ربط القرآن بينه وبين الحق في علاقة تلازم معرفي ( وإنه لحق اليقين). وبين في الاية( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) على السيرورة المعرفية من خلال حرية الاختيار بين الايمان وعدمه به سبحانه لما تمثله كلمة اعبد : العين والباء والدال أصلان صحيحان, كأنهما متضادان, والاول من ذينك الأصلين يدل على لين وذل, والاخر على شدة وغلظ. المقاييس في اللغة. أي أستطيع القول: لك حرية الاختيار في الشك حتى تصل الى اليقين لمعرفة الله . فاليقين هو النتيجة المعرفية للقراءة في الكشف عن حقائق الوجود وهو ما يقرره الجرجاني أعلاه حين قال في تعريفاته: وقيل اليقين: العلم الحاصل بعد الشك. وهو عندي قول القرآن كذلك . السؤال هو: هل يتغير اليقين ؟ أي هل يخضع لقانون التطور؟ نعم فكل كشف جديد لقوانين الطبيعة والمجتمع تؤدي الى تغيير اليقين الماضي بيقين الحاضر الجديد وهكذا تتطور العلوم والمعارف الانسانية. ومثال على ذلك العلوم الطبيعية خذ علم الفلك , عاشت الانسانية ملايين السنين وهي تعتقد أن الارض ثابتة حتى جاء غاليلو وقال إنها تدور فلم يصدقه أحد وكاد يدفع حياته ثمنا لذلك , ولكننا الان نؤمن جازمين (= اليقين) بذلك على أنها حقيقة وجودية واقعية تم إثباتها وهلما جرا في باقي العلوم والمعارف. |