هــيــئــة الــتــحــريــر

كــــتـــــابـــــات

الكتابات المشاركة تمثل رأي اصحابها

انــــــتــــــم

صــحــيــفــة عــامــة مــســتــقــلــة

الــبــدايــة

المالك ومـراقـب الـتـحـريـر

تحتضن الرأي وتساند الرأي الآخر

1 ايـــلـــول 2002

ايـــاد الـــزامـــلـــي

مسائية يومية تصدر الساعةGMT21:00

E -  kitabat@kitabat.com

الصفحة الرئيسية محاور بحوث ودراسات كـــــتـــــــــب كتب الارشيف كلمة التحرير

خاص بـ كتابات

كتاب في حلقات لـ الدكتور كامل النجار

الدولة الإسلامية بين النظرية والتطبيق

المقدمة

شبه الجزيرة العربية – التي تمتد من الخليج الفارسى/ العربي شرقاً إلى البحر الأحمر غرباً، ومن الشام والعراق والكويت شمالاً إلى المحيط الهندي جنوباً، تميزت بكونها مهد الحضارة الإنسانية، والتي بدأت في منطقة ما بين النهرين ( دجلة والفرات). في هذه المنطقة بدأ الاستقرار البشري عندما اكتشف الإنسان الزراعة وترك حياة الصيد والترحال. ومع الاستقرار وتوفر الغذاء أصبح الزمن متوفراً للإنسان ليفكر فلسفياً فيما حوله بعد أن كان يقضي جل وقته في مطاردة الحيوانات ليصطاد قوته، وبالتالي يترحل مع هذه الحيوانات حيثما ذهبت في طلب العشب، مبدداً جُل وقته في الحركة والترحال. فالزراعة قد وفرت له الاستقرار وفراغ الوقت بين مواسم الزراعة، وبذا سمحت له بالتفكير الفلسفي. وأول ما فكر فيه الإنسان فلسفياً كان معنى الحياة وتفسير الظواهر الطبيعية التي شاهدها حوله، وعليه اتجه تفكيره نحو القوة التي تتحكم في هذا العالم، وولدت لدى الإنسان فكرة الأديان. وكان طبيعياً أن تبدأ فكرة الأديان في منطقة ما بين النهرين التي بدأ فيها استقرار الإنسان الصياد. ومنها هاجر إبراهيم إلى أرض كنعان على شواطئ البحر الأبيض المتوسط، وأصبحت هذه المنطقة مركزاً لنزول  الديانتين التوحيديتين – اليهودية والنصرانية.

وقد ظلت اليهودية محصورة في منطقة فلسطين، لعدم التبشير بها، ولاعتقاد اليهود أن ديانتهم خاصة بهم فقط وليست لغير بني إسرائيل، وكذلك ظلت  النصرانية التي كانت مضطهدة من قبل اليهودية ثم الرومان الذين كانوا يحكمون تلك المنطقة. ولما اعتنق الإمبراطور قسطنطين المسيحية التي أصبحت الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية ومستعمراتها في جميع أنحاء العالم، انتشرت المسيحية في منطقة الهلال الخصيب ( الشام والعراق )

فاجتمعت في جزيرة العرب الديانة اليهودية والنصرانية وعبادة الأوثان حتى العام السادس الميلادي، ثم جاء محمد بن عبد الله في مكة يدعو لدين جديد سماه الإسلام، ملة إبراهيم حنيفاً. وأهم قاعدة في هذا الدين الجديد كانت قاعدة التوحيد بالله، للتخلص من الأصنام العديدة التي كان يعبدها عرب الحجاز في ذلك الوقت.

وبعد مقاومة شديدة من قريش في مكة، هاجر محمد إلى المدينة حيث آمن به الأنصار ( الأوس والخزرج) وساندوه في نشر دينه الجديد. وفي ظرف عشرة سنوات انتشر الإسلام، بحد السيف، ليعم كل الجزيرة العربية وبسرعةٍ خاطفة انتشر الإسلام في بقية البلاد المعروفة آنذاك.

فهل أتى الإسلام بشئ جديد لم تسبقه عليه اليهودية والمسيحية؟ و كون العرب اعتنقوا الإسلام، هل أغنى ذلك حياتهم الاجتماعية والدينية؟ هل كان ممكناً لعرب الجزيرة أن يصلوا لنفس القناعة بوحدانية الله وعبادته دون الأصنام لو لم يظهر الإسلام وسطهم؟ وهل عبادة الأصنام تختلف عن عبادة الله كما يراه الإسلام؟

كل هذه أسئلة وغيرها سوف أحاول الرد عليها في متن الكتاب، وسوف أبدأ بالتوحيد. هل التوحيد في الإسلام يختلف عن التوحيد في المسيحية أو اليهودية؟

 الفصل الأول

التوحيد بالله

فلو بدأنا بفكرة التوحيد، وهي الأساس في الدين، نجد الإسلام يقول إن الله واحدٌ  وهو لن يغفر لمن يشرك به أحداً. فهل قالت اليهودية أو المسيحية بغير ذلك؟ القرآن يخبرنا " وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنّى يؤفكون" [1]. وكذلك يقول القرآن:  " لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار" [2].

فهل قال اليهود إن عزير ابن الله؟ للإجابة على هذا السؤال يجب أن ندرس كتاب " العهد القديم" الذي يتكون من تسعة وثلاثين سفراً، منها " التوراة" التي تشمل خمسة أسفار، وهي:

التكوين، الخروج، اللاويون، العدد، التثنية.

وهناك أسفار الأنبياء وتشمل:

يشوع، القضاة، صموئيل الأول، صموئيل الثاني، الملوك الأول، الملوك الثاني، أشعيا، أرميا، حزقيال، هوشع، يوئيل، عاموس، عوبديا، يونس ( يونان)، ميخا، ناحوم، حبقوق، حجي، زكريا، ملاخي

وهناك الكتب العظيمة، وهي:

مزامير داود، الأمثال، تاريخ أيوب

وهناك المجلات الخمسة وهي:

نشيد الأناشيد، راعوث، مراثي أرميا، الجامعة، أستير

وهناك الكتب الخمسة: أخبار الأيام الأول، أخبار الأيام الثاني، نحميا، عزرا، دانيال

وجميع هذه الأسفار تؤكد أن الإله واحد لا شريك له، وتحذر من الوثنية وعبادة الأصنام، فمثلاً نجد في سفر الخروج، الإصحاح الثالث والعشرين: " لا تسجد لآلهتهم ولا تعبدها ولا تعمل كأعمالهم بل تبيدهم وتكسر أنصابهم، وتعبدون الرب إلهكم" [3].

وفي سفر " اللاويون " يحذر الرب كذلك من عبادة الأصنام ويؤكد أنه إله واحد: " لا تلتفتوا إلى الأوثان، وآلهةً مسبوكةً لا تصنعوا لأنفسكم، أنا الرب إلهكم" [4]. ونجد في سفر التثنية: " لا تقطع لهم عهداً ولا تشفق عليهم ولا تصاهرهم، بنتك لا تعط لابنه، وبنته لا تأخذ لابنك لأنه يرّد ابنك من ورائي فيعبد آلهة أخرى، فيزداد غضب الرب عليكم، اهدموا مذابحهم واكسروا أنصابهم واقطعوا سواريهم واحرقوا تماثيلهم بالنار"[5]. وهذا تحذير واضح لليهود من الاختلاط بالكنعانيين الذين كانوا يعبدون الأصنام.

ويؤكد الرب في سفر أشعيا أنه هو الرب الوحيد، لا إله معه: " أنا الرب وليس آخر لا إله سواي"[6]. وقد أكد إله موسى وحدانيته منذ اللحظة الأولى عندما كلم موسى على جبل الطور، فقال له: " أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية، لا يكن لك آلهة أخرى أمامي، لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً ولا صورة مما في السماء من فوق وما في الأرض من تحت وما في الماء من تحت الأرض، ولا تسجد لهن ولا تعبدهن لأني أنا الرب إلهك، إله غيور" [7].

وفي كل أسفار العهد القديم لا نجد غير الحث على توحيد الله والابتعاد عن عبادة الأصنام. والقرآن نفسه يقول عن التوراة: " إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور" [8]. ويتكرر وصف التوراة هذا في عدة آيات في القرآن. وليست هناك أي آية بالتوراة تقول إن عزير ابن الله أو إن لله شريكاً أو ابناً. ويدّعي المسلمون أن الآية غير موجودة بالتوراة المعروفة لدينا الآن لأن اليهود قد حرفوا التوراة.

ولكن ليس في التوراة الموجودة بين ظهرانينا الآن ما يدل على أنها محرفة، وليست لدينا نسخة أصلية قديمة لنقارن بها التوراة الحالية لنعرف إن كانت محرفة أم لا. كل ما لدينا هو ما يقول علماء المسلمين والمفسرون من أن التوراة قد حُرفت. ولو كانت التوراة قد حُرفت، فهل يجوز لله أن يقول للرسول محمد: " وكيف يُحَكّموك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين ؟ "[9]  فهذا دليل على أن التوراة لم تكن قد حُرفت حتى ظهور الرسول محمد بن عبد الله. فلو كانت التوراة قد حُرفت لقال الله لرسوله:  " كيف يحكموك وعندهم التوراة قبل أن تُحرف "، أو " إنهم يحكموك لأن توراتهم محرفة" أو كلمات بهذا المعنى.

وكذلك يقول القرآن:   " قل يا أهل الكتاب لستم على شئ حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أُنزل إليكم من ربكم " [10]. فليس من المعقول أن يقول محمد لليهود إنهم ليسوا على شئ حتى يقيموا التوراة، وهو يعلم أن التوراة صارت محرفة. وعندما جاء عيسى بن مريم برسالته قال لبني إسرائيل إنه جاء: " مصدقاً لما بين يدي من التوراة ولأحّل لكم بعض الذي حُرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون "[11]. فعيسى قد جاء مصدقاً لما في التوراة، ولم يقل لهم جئت لأصحح التوراة التي قد حُرفت، وقد كانت الفرصة سانحة هنا أن يصحح الله التوراة عندما أرسل عيسى بالإنجيل، ولكن الإنجيل لا يختلف عن التوراة كثيراً، فهذا دليل أن التوراة لم تُحرف.

وكذلك نجد مرة أخرى أن الله قد أرسل عيسى مصدقاً لما بين يديه من التوراة: " وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقاً لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدىً" [12]. فليس هناك أي ذكر بأن التوراة قد أصابها تحريف، ولكن القرآن يقول في سورة النساء: " من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غيرَ مُسمعٍ وراعنا لياً بألسنتهم وطعناً في الدين ولو انهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيراً لهم وأقوم "[13]. وهذه الآية لا تدل على أي تحريف في التوراة لأن القرآن يقول " من الذين هادوا "، يعني أن بعض اليهود يحرفون الكلام عن مواضعه، وليس كل اليهود. وتحريفهم للكلام عن مواضعه هو قولهم:         " سمعنا وعصينا " بدل أن يقولوا: " سمعنا وأطعنا "، وقولهم " راعنا"، من المراعاة ولكنهم كانوا يقصدون   " راعناً " من الرعونة، وكأنهم يصفون الرسول بالرعونة. وهذا هو المقصود ب " يحرفون الكلم عن مواضعه ". وحتى لو افترضنا أن المقصود ب " يحرفون الكلم عن مواضعه " هو تحريف التوراة، فإنه تحريف في معنى الكلمات، وليس تحريفاً في النص.

ويقول القرآن في سورة البقرة، الآية 75: " أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ". مرة أخرى يخبرنا القرآن أن فريقاً منهم، وليس كلهم، كانوا يسمعون كلام الله ويعونه ثم يحرفون معناه، وليس نصه في التوراة.

وفي سورة المائدة، الآية 13: " فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسيةً يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظاً مما ذُكّروا به ". ويقول ابن كثير: " يحرفون الكلم عن مواضعه" أي فسدت فهومهم وساء تصرفهم في آيات الله وتأولوا كتابه على غير ما أنزله وحملوه على غير مراده وقالوا ما لم يقل". وواضح هنا أن تحريفهم لكتاب الله كان في تأويلهم لمعناه، وليس في النص.

ولو فرضنا، كذلك، أن جزءا  من اليهود قد حرّفوا نص التوراة، فهذا يعني أن بقية اليهود لم يحرفوها، وبالتالي لا بد من وجود نُسخ من التوراة غير محرفة، ومن اليسير على اليهود المتدينين، والذين يحفظون التوراة، التعرف على المحرف منها وتصحيحها، ففي اليهود كما في المسلمين أناس قضوا كل أعمارهم في حفظ وتدريس كتاب الله.

وفي الحديث النبوي أن الله كتب التوراة قبل أن يخلق آدم بأربعين سنة[14] . فإذا كان الله قد أهتم بالتوراة وكتبها حتى قبل أن يخلق آدم، فليس من المعقول أن يسمح لليهود بتحريفها، وهو قد قال: " إنا نحن نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون "[15]. والذكر هنا لا يعني القرآن فقط كما يدعي بعض المفسرين، فالتوراة ذكر من الله، خاصة أن الله لم يعهد بها إلى جبريل ليبلغها موسى، إنما كلم بها موسى وأنزلها عليه مكتوبة في ألواح، فلا بد له، إذاً أن يحفظها من الضياع والتحريف.

ويقول الدكتور محمد أحمد الحاج، في كتابه عن النصرانية " ومع كل هذه التحريفات فلقد بقيت التوراة دعوة صريحة في كثير من نصوصها إلى التوحيد، والمتتبع لأسفارها يجد آيات كثيرة، تصرح بتوحيد الله  وتنفي عنه الشرك، كما أنها جاءت بتفاصيل العبادة التي لا تنبغي إلا لله، وفيها تحذير واضح من الشرك والوثنية، وكذلك بقية أسفار العهد القديم"[16]. فالدكتور هنا قد قدم لنا الأدلة على أن التوراة التي بين أيدينا تحتوي على آيات عديدة تثبت وحدانية الله، لكنه لم يقدم لنا أي دليل أنها قد حُرفت، ليدعم قوله " ومع كل هذه التحريفات".

وفكرة التوحيد أصلاً كانت موجودة في القبائل البدائية في أفريقيا وأستراليا وأمريكا. فقد كانت هذه القبائل تعبد " الطوطم "، الذي هو عبارة عن رمز تتخذه العشيرة شعاراً لوحدتها وقوتها، وتعتقد أنه جدها الأعلى ومنه تناسلت، فتقدس العشيرة هذا الطوطم، وقد يكون هذا الطوطم نباتاً أو جماداً أو حيواناً. ولكل قبيلة طوطم واحد فقط. وقد اكتشف ( جلين) و ( سبنسر) خلال أبحاثهما في وسط أستراليا بين قبائل " الأبوروجنيز" أي السكان الأصليين، وهم قبائل بدائية حتى الآن، اكتشف هذان الباحثان أن عدداً من هذه القبائل يدينون بالطوطمية[17]. فإذا صح هذا القول، تكون فكرة التوحيد معروفة للإنسان منذ زمن طويل قبل نزول الأديان السماوية التوحيدية.

ولكن هناك من يشكك في هذه النظرية من أمثال ( لانج) و( تايلور) اللذين قالا بأن الطوطم لا يصلح كمبدأ للعقيدة، لأنه من خلال الأبحاث الكثيرة تبين أن هناك أمماً بدائية كانت تعبد مع الطوطم آلهة أخرى وربما لم تعبد الطوطم إطلاقاً، وإن كان رمزاً لها[18].

أما عباس محمود العقاد فيعتقد أن البشرية مرت بثلاثة مراحل تطورية، هي: التعدد، والتمييز والترجيح، والوحدانية. ويقول إن التوحيد هو نهاية تلك الأطوار كافة في جميع الحضارات الكبرى[19].

وسواء ابتدأ الإنسان بفطرته بالتوحيد كما في عبادة الطوطم أم تدرج إليه عن طريق التعددية، فأهل الجزيرة العربية، الذين نعرفهم ب " عرب الجاهلية"، قد كانوا يعتقدون بالتوحيد قبل ظهور الإسلام.  ونجد هذا مذكوراً في القرآن في سورة الزمر الآية 38: " ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله". وكذلك لما هلك أبو طالب خرج رسول الله ( ص) إلي الطائف يلتمس من ثقيف النصر والمنعة وعمد إلي نفر من ثقيف وهم أخوة ثلاثة، قال لهم: " أنا رسول الله إليكم". فقال له أحدهم: والله لا أكلمك كلمة أبداً، لئن كنت رسولاً من الله كما تقول، لأنت أعظم خطراً من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله، ما ينبغي لي أن أكلمك "[20]. فهذا، ولا شك, كلام رجلٍ يعرف الله ويُعظمه.

وإنما عبدوا الأصنام كوسيلة تقرّبهم إلى الله الذي هو بعيدٌ في السماء، لا يستطيعون التحدث إليه مباشرةً. ورغم أن الكعبة كانت تحتوي على ما يزيد عن ثلاثمائة صنم، إلا أنهم كانوا يحلفون بالله، وكانوا يسمون أولادهم عبد الله و عبيد الله وما شابه ذلك. حتى اسم الجلالة نفسه كان معروفاً لديهم قبل ظهور الإسلام. وكانوا يحلفون بالله، فيقول الرجل منهم: " تالله" أو " والله".

وإذا نظرنا للمسيحية وكتابها المقدس – الإنجيل- الذي يحتوي على العهد القديم والعهد الجديد، لوجدنا أن العهد الجديد يحتوي على أربعة أناجيل هي: إنجيل متى، وإنجيل مرقص، وإنجيل لوقا، وإنجيل يوحنا. وكذلك يحتوي على أربع عشرة رسالة بعث بها المسيح إلى بلاد عديدة، ثم رسائل يعقوب وبطرس ويوحنا ورؤيا يوحنا.

والعهد الجديد، كالعهد القديم من قبله، ملئ بالآيات التي تدعو لوحدانية الله، فلو نظرنا في إنجيل متى ، مثلاً، لوجدنا أن الشيطان أخذ المسيح إلى قمة جبل وأراه كل الممالك وقال له: سأعطيك كل هذه الممالك إذا سجدت لي. فقال له المسيح: " اذهب يا شيطان، لأنه مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد " [21].

وفي رسالة الرسول بولس لأهل رومية نجده يسألهم: هل الإله هو رب اليهود فقط؟ أم هو كذلك رب غيرهم؟ ويجيب عليهم بأنه رب الجميع " لأن الله واحد"[22]. والأناجيل الثلاثة الأولى تتحدث عن وحدانية الله، والإنجيل الوحيد الذي تحدث عن ألوهية المسيح هو إنجيل يوحنا. وقد ظهرت عبارة الثالوث بعد مجمع " نيقيا" الذي دعا له الإمبراطور قسطنطين عام 325 ميلادية، بعد أن اعتنق المسيحية وجعلها الديانة الرسمية للإمبراطورية [23]. وقد كان آريوس، القس المصري يقول إن المسيح مخلوق ولا يمكن أن يكون إلهاً كالخالق، بينما قال آخرون بأن المسيح والروح القدس والرب هم بمثابة الإله. وقد فضّل الإمبراطور قسطنطين الرأي الثاني، وبذا أصبح هذا الرأي هو الرأي الرسمي للمسيحية، ولو أخذ الإمبراطور برأي آريوس، لما ظهرت هذه المشكلة.

والتثليث عند المسيحيين لا يعني أن هناك ثلاثة آلهة في السماء، وإنما يعني هناك إله واحد ذو ثلاثة أقانيم. والأقانيم كلمة سريانية الأصل، مفردها أقنوم وهي تعني الشخص أو الكائن المستقل بذاته. ويعني هذا أن الله له ثلاثة شخصيات مستقلة، لكنه واحد. ويقول البيضاوي في شرح الآية: " وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحنك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق " [24]  "إن صح أنهم يقولون : الله ثلاثة أقانيم الآب والابن وروح القدس ويريدون بالأب الذات، وبالابن العلم وبروح القدس الحياة، فذلك لا يدل علي تعدد الذات الإلهية، لأن العلم والحياة في الله هما ذات الله بعينها ".

ولكن كانت هناك طائفة في الجزيرة العربية يُعرفون باسم " المريميون " كانت منتشرة في الحجاز، وكانوا قبل اعتناقهم المسيحية يعبدون كوكب " الزهرة " ويقولون أنه نتيجة تزاوج الشمس و القمر، وقدّسوا هذا الثلاثي، وبعد اعتناقهم للمسيحية أتوا ببدعة تقول بألوهية المسيح وأمه مريم، وأن المسيح هو نتيجة الزواج بين الله ومريم العذراء. فحلّ بذلك هذا الثالوث: الله المسيح مريم، مكان الشمس والقمر والزهرة. ولم ينتشر هذا المذهب إلا في نطاق محصور في شبه الجزيرة العربية. وكانت هناك طائفة نصرانية تُعرف ب " الآريون " Arians جعلوا للمسيح ألوهية من درجة أقل من ألوهية الله. وكانت هناك كذلك فرقة النساطرة التي قالت إنه من المستحيل أن يجتمع في شخص واحد صفة الألوهية وصفة الإنسانية. وقبل مجمع نيقة لم يكن أحد يتكلم بالثالوث.

وفكرة التثليث هذه كانت معروفة لقدماء المصريين، فقد كانوا يعبدون إلهاً مثلث الأقانيم  مصوراً في أقدم هياكلهم [25]. ونفس الفكرة موجودة عند الهنود، فالبراهمة تعتقد بوجود إلهي مكون من ثلاثة أقانيم. وهذا الثالوث المقدس غير منقسم في الجوهر والفعل والامتزاج، مثل الشمس التي تتكون من قرص، وأشعة، وحرارة، والثلاث مكونات تعني الشمس في مفهومنا. وفكرة الثالوث كذلك كانت معروفة لقدماء اليونان والرومان والفرس والمكسيك.[26]

والتثليث في المسيحية لا يعني أن الإنجيل قد حُرف، فالمسيحيون يعتقدون أن الله واحد، وعندما يقولون أن المسيح ابن الله، لا يعنى هذا أن المسيح إله في حد ذاته، فكل المسيحيين أبناء الله، إذ يقول لهم الإنجيل " ادعوا أباكم الذي في السماء"،  فهذا لا يعنى أن كل شخص مسيحي إله بذاته، أو أنهم هم الأبناء الفعليين لله. وكل آيات الإنجيل تدعو للخضوع لله الذي أرسل يسوع.

فلو لم يظهر الإسلام،  لاتبع عرب الجزيرة اليهودية أو المسيحية أو خليطاً منهما كما فعل الأبيونيون  ( Ebionites) وهم اليهود المتنصرون، وكانوا يسكنون منطقة الحيرة،  ويعني اسمهم بالعبرانية الفقراء، وكيفية نشأتهم غير معروفة وكانت عقيدتهم خليطاً  من اليهودية والمسيحية فقد اعتقدوا بوجود إله واحد خالق الكون، وعظموا السبت وقالوا أن المسيح إنسان امتاز عن غيره بالنبوة، رسول أرسله الله للناس أجمعين، وأنكروا الصلب فذهبوا إلى أن الذي صُلب شخص آخر غير المسيح وقد شُبه لهم فاعتقدوا  أنه المسيح. فلو اتبع عرب الجزيرة أيً من هذه الديانات  لوصلوا إلى نفس النتيجة- توحيد الله وعبادته وفعل الخير والامتناع عن فعل الشر.

يتضح من هذا العرض أن الجزيرة العربية قبل الإسلام كانت موطناً لثلاث عقائد: اليهودية والمسيحية والتعددية ( عبادة الأصنام)، ولكن الثلاث عقائد كانت تعرف التوحيد وتؤمن به، ولم يزد الإسلام في هذا المضمار شيئاً.


[1]   سورة التوبة، الآية 30

[2]  سورة المائدة، الآية 72

[3]  سفر الخروج: 23/ 24-25

[4]  سفر " اللاويون": 19/4

[5]  سفر التثنية: 7/ 2-5

[6]  سفر أشعيا: 45/5

[7]  سفر الخروج: 20/ 1-5

[8]  سورة المائدة: الآية 44

[9]  سورة المائدة: الآية 43

[10]  سورة المائدة: الآية 68

[11]  سورة آل عمرآن: الآية 50

[12]  سورة المائدة: الآية 46