|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
21 تشرين الثاني 2005 |
|
الائتلاف العراقي الموحد في ربع قرن *
كتابات - د.محمود الأمير
الإهداء إلى أولادي يزن ومشرق وأزهار وكل أبناء العراق أهدي كتابي - د. محمود الأمير
كلمة.. للتاريخ من المؤسف أن يكون تاريخ كفاح الشعب العراقي لعبة بيد مجموعة عاشت ربع قرن على دماء الشهداء ولم يكن همها سوى الاعتياش على التاريخ والاستغراق بالملذات وبناء المشاريع التجارية والاستقرار بعيداً عن التحدي والمعاناة الطويلة ومعارك الشرف التي خاضها المناضلون في الأهوار وفوق مرتفعات كردستان. كان المجاهدون العراقيون يقاتلون ويحتملون كل مظاهر الجوع والعوز وتكاليف المواجهة العنيدة مع نظام الحكم السابق فيما كان أبناء القادة والزعماء ينعمون بالدفئ، يتنقلون في العواصم وكان هؤلاء الأبناء أحفاد كسرى والمجاهدون أبناء جواري. لم يكن أحد يهتم لأمرهم أو يعبأ باحتياجاتهم الإنسانية، وإذا صودف واقترن نجل أحد القادة بامرأة من أبناء الذوات أقيم له عرس في أفضل فنادق الدرجة الأولى بينما يفتقد المقاتل وصاحب القضية لمثل هذه المزايا، إن العديد من شبابنا المجاهدين كانوا يستعيرون بدلة العرس من أصدقائهم وكثير منهم كان يتزوج بالدين لعدم قدرته على توفير المال الكافي!!. كان الخلاف يعصف بنا، ولسنوات طويلة كان الواحد منا لا يزور صديقه المهاجر معه في نفس الرحلة إلى المنفى والسبب أن الأول في حزب الدعوة والثاني في منظمة العمل الإسلامي. كان خلاف الحزبين يمنع من لقاء عمارتين في طهران فكيف يمكن قيام وحدة المشاعر والعقيدة الواحدة في خضم صراع لا نهاية له؟ الشهداء العراقيون اليوم تزدحم بهم مقابــر قم وجنة الزهراء في العاصمة طهران، لكن لا أحد من زعماء اليوم يتذكر هؤلاء الشهداء بتصريح أو مجلس عزاء أو احتفال أو مناسبة. كأنهم ليسوا عراقيين أو أنهم لم يقاتلوا دفاعاً عن الشعب العراقي بالنيابة عن الأحزاب التي دفعت بهم إلى جبهات الحرب. هذه أول معارضة في التاريخ لا تعبأ بشهدائها. لذا كان يجب أن نوضح حقيقة ربع قرن من العمل والمعاناة الطويلة التي كابدناها ودفعنا فيها الضريبة دماءً زكية لشباب بعمر الورود قتلوا دفاعاً عن وطنهم وعقيدتهم وشعبهم وإيضاح سرقة دماء هؤلاء الشهداء من قبل مجموعة من الذين يسمون أنفسهم سياسيين وزعماء. فالمسؤولية تقتضي الإعلان الكبير عن الحقائق ورفض السكوت بعنوان حماية المصلحة الوطنية والإسلامية العامة فيما نشهد بعد سقوط نظام الطاغية سرقة واضحة لدماء هؤلاء الشهداء بمجئ مجموعة من المستفيدين والوصوليين الذين لم يسبق لهم أن استنشقوا رائحة البارود على امتداد ربع قرن.
لا بد أن يعرف شعب العراق خصوصاً شيعة العراق كامل الحقيقة وبشكل أخص عوائل الشهداء، حقيقة خلافاتنا التي مزقتنا وحولتنا مجموعة من اللاجئين في إيران وأميركا وسوريا ولبنان والسويد والدانمارك وألمانيا بعد أن خرجنا من العراق ثواراً وأصحاب قضية وطنية. ولا بد أن يعرف الشعب العراقي قياداته الحقيقية من الزائفة والمعتاشة على معاناته ومحنته الطويلة وأن يقوم بواجبه ومسؤوليته الوطنية والدينية والإنسانية في بناء مستقبله عبــر اختياره لقياداته وزعاماته النبيلة والمخلصة والمجاهدة التي تستطيع تقرير مصيره والانتقال به من حاضره المثخن بالجراحات والفوضى والدمار المنظم وعمليات القتل والذبح وعدم الاستقرار إلى الدولة القوية بدستورها وبنيتها الاقتصادية والأمنية والاجتماعية، على أن ذلك لن يتم إلا بالاختيار الحقيقي للقيادات الوطنية النـزيهة وليست تلك التي تتخفى بزي النـزاهة وهي كتلة من الزيف والاعتياش على الدماء الزكية. لقد قلت في هذا الكتاب بعض أوجه الحقيقية التي يخاف كشفها أولئك القابعون اليوم في مكاتبهم يخشون على الموقع والمركز والكرسي هدفهم الدفاع عن زعاماتهم التي لا يدينون لها في أعماقهم بالولاء، وهو دفاع في الحقيقة عن الوطن الحصة وليس عن وطن التاريخ والحضارة والشهداء. قلتُ في هذا الكتاب بعض أوجه الحقيقة التي تزعج أولئك السادرين بغي المكاتب الفخمة الذين يحصنون أنفسهم بالكونكريت المسلح ومئات من عناصر الحماية من دون أن يعتمدوا القواعد الجماهيرية المليونية في العراق قاعدة للتحصين. بل تركوا الجماهير التي انتخبتهم وسط النيران متذرعين بالاحتياطات الأمنية وكأنهم إذا ماتوا عقمت الأمة ولن تنجب بعدهم قادة يخلفونهم في العمل الوطني العام. وأقسم أنني لم أقل إلا ربع الحقيقة بعد ربع قرن من العمل والتجرد عن الملذات والعيش وسط النار. ولو قلت الحقيقة كاملة لهاج الناس وماجوا لكننا سنكتفي بهذا القدر الذي ذكرناه لعل ما سيرد في ثنايا الكتاب سيشكل إشارةً لهؤلاء السادرين بأن يعودوا إلى ثوابت العمل الحقيقية ويقتربوا من الناس أكثر ويجتهدوا بحق في تذليل صعوبات الحياة وتقديم كل ما لديهم من أجل الشعب العراقي ـ هذا الشعب المسكين الذي يدفع عن حريته سيارات مفخخة وذبحاً على الهوية ويقاتل وخنادقه مكشوفة للجماعات المجرمة فيما ثوار الأمس المترفون لربع قرن يتحصنون في المنطقة الخضراء. كنت أتمنى أن يرتفعوا في روحياتهم الوطنية المثقوبة إلى روحية العراقي، إنَّ هذا (المواطن العراقي) دليل على أن العمل للعراق لا هوية له، أي هوية مذهبية أو قومية أو حزبية. لكن من أين تأتي الوطنية لهؤلاء وهم يعتقدون أن وجودهم في هذه المواقع تعيين رباني ولا علاقة لهم فيه. أي أن الله سبحانه هو الذي اختارهم لهذا الموقع وممنوع عليك أن تناقش أو تنتقد أو تكشف شيئاً له علاقة بالناس تماماً كما اختارهم الخالق العظيم قادة للمعارضة العراقية. هذا المنطق لا بد أن يواجه بالنقد الحقيقي عبــر كشف هوية وتاريخ هذه (الزعامات) أمام الشعب العراقي لكي يدرك هذا الشعب كيف يختار زعاماته الحقيقية. وأن زيف هؤلاء لا يعني زيف الخلفيات العقائدية والدينية والسياسية التي غادروها إلى فنادق الدرجة الأولى والصالات الرئاسية المكيفة بقدر ما هو خروج فاضح على تلك الخلفيات والعقائد. لقد كشفت بعض أوجه الحقيقة وربما أعود في مناسبة أخرى لكشف المزيد من الحقائق وإذا كانت الديمقراطية تعني قبول رأي الآخر كما يقول السيد جلال الطالباني في لقائه الأخير مع نخبة من الإعلاميين العراقيين بعد عودته من نيويورك فعلى الزعماء والقادة الحاليين في حكومة الائتلاف العراقي الموحد قبول ما سيرد انطلاقاً من توصيفة الطالباني للديمقراطية رغم انهم أحرار في رفضها وقبولها مع احتفاظنا بالحرية الكاملة في قول ما نريد وما نشاء إزاء مرحلة عشناها بصدق النوايا وأصالة الإيمان بالوطن الحر وشغف العودة إلى وطن الشهداء.
البدايـــــــة حين وصلنا إلى إيران من مناطق العراق المختلفة هرباً من بطش السلطات الحكومية وحملتها الشرسة التي قادتها ضد الحركة الإسلامية في العراق، فوجئنا بحجم الخلاف الكبير بين أقطاب وزعامات التيار الإسلامي، ما حدى بنا إلى سلوك طرق مختلفة في العمل، فالبعض اختار العمل العسكري في المكاتب الجهادية والبعض الآخر العمل الإعلامي عبر الأقسام العربية العديدة التي فتحتها إيران لمواجهة الأسطول الإعلامي العراقي والعربي ضدها خصوصاً أيام الحرب العراقية ـ الإيرانية والبعض منا، ولأنه أدرك استحالة الخروج من نفق الأزمة المتفاقمة داخل التيار الإسلامي ومشكلاته الكبيرة، فضّل الهجرة الثانية إلى أوروبا والاستقرار في الغرب. كان أقطاب التيار الإسلامي يتخذون من الخلاف مادة دسمة لإبقاء الساحة متوترة وساخنة، يغذيها فقه سياسي يعتمد ردَّات الفعل السياسية سبيلاً لطرح خياراته على الكوادر والقواعد الجماهيرية وصيغ محاربة النظام. من هنا، اختارت منظمة العمل الإسلامي بقيادة السيد المدرسي في بداية الثمانينيات سلوك العمل المسلح، مدعومة بقيادات ونفوذ شخصيات إيرانية، كانت توفر الدعم الكبير لهذا التنظيم، لإبراز قيادة المدرسي وخط المنظمة بوصفه التيار السياسي ـ الجهادي الحقيقي وذي المصداقية الواضحة مقابل هجمة كبيرة على حزب الدعوة الإسلامية ـ خط الشيخ الآصفي ـ الجعفري، وصل حد اتهام مهدي هاشمي الذي أعدمته السلطات الإيرانية لقيامه بدور تخريبي داخل جسم الدولة الإيرانية ـ السيد محمد باقر الصدر المفكر والفقيه والمرجع العراقي بالعمالة للأمريكان!!. المفاجــــــــــأة: حين وصلنا إلى إيران، زرافات ووحدانا قبل ربع قرن تقريباً فوجئ الكثيرون منا إن الخلافات الحادّة التي عاشتها الساحة العراقية يعود سببها الأساس إلى الصراع على زعامة ساحة العمل وقيادته والحظوة المفترضة لهذا التيار أو ذاك لدى إيران. كنا نتصارع في بعض الأحيان على لافتة مرفوعة في الشارع بطهران ويشتّد الخلاف ويتسع ليصبح بحجم أزمتنا مع صدام ونظامه الإرهابي. وقد عشنا سنوات مديدة لم يكن فيها (ثابت) مواجهة صدام في أولويات قياداتنا الفكرية والسياسية بمقدار ما كانت الأولوية للصراع الذاتي داخل الساحة العراقية. واذكر هنا للأمانة التاريخية أن الشهيد السيد محمد باقر الحكيم لم يكن ينظر بود للسيد محمد تقي المدرسي. وعاش الرجلان ربع قرن في إيران من دون أن تنفرج تلك الغمامة عن سماء علاقتهما والسبب كما أعرفه ويعرفه غيري التنافس المحموم على قيادة الساحة وقرار الجماهير الشيعية العراقية والحظوة الإيرانية. إن توالي السنوات، ومرور أكثر من عشرين سنة على التوتر والاحتقان والسخونة غير المفهومة التي كانت الساحة العراقية تغلي بها، دفع بنا إلى التآكل والاستسلام بمرارة لأجواء الخلاف، وقد وجد الكثير منا نفسه منساقاً وراء خلاف الرجلين، يردد مقولاتهما، ويتخندق خلف رؤية كل منهما إزاء العمل، وحتى خلف تفاصيل لا علاقة لها بجوهر هجرتنا من العراق، واستعدادنا للتضحية من أجل بلدنا وشعبنا. أقول إن السخونة والتوتر اللذين كانا يسيطران على أجواء الساحة العراقية، دفعا بنا إلى التخندق خلف متاريس هذه القيادة أو تلك، خصوصاً وأن الرجلين استطاعا بمرور السنوات والدعم الذي كان يتسرّب إليهما من إنشاء شبه إمبراطورية مالية تغطي مساحات واسعة من نشاط عسكري وإعلامي وفكري. ومن المخجل حقاً أن يصل التنافس مثلاً وهو ما حصل فعلاً بأن يتاجر بعض المتصدين في المكتب العسكري لمنظمة العمل الإسلامي ومنهم (أبو جواد) وهو اليوم عضو في الجمعية الوطنية عن المنظمة إلى المخاطرة بدم المجاهدين عبر إصراره على تنفيذ عملية (عسكريّة) ولو محدودة وعديمة الأثر وغير ذات جدوى، لأن المهم إشعار الحكيم وحزب الدعوة الإسلامية مثلاً بأن المنظمة موجودة في الساحة ولم تنقرض. طبعاً جاءت هذه الممارسات إثر الهزائم التنظيمية التي حصلت في المنظمة، بعد خروج مجموعات وكوادر مهمة منها إلى الخارج، أو اختيار دراسة العلوم الدينية في حوزة قم، هروباً من مأزق الهزيمة والتراجع. إن (جواد عطاري) الذي يشغل اليوم عضوية الجمعية الوطنية كان يأمر بتنفيذ عملية في كردستان ضد القطعات العسكرية العراقية عَبْرَ مجموعة من المتدينين الأبرياء الذين لجؤوا إلى منظمته (من دون أن يعرفوا حقيقة الانقسامات السياسية والتنظيمية) وهو يعرف (كما أكد لي ذلك كادر في المنظمة التحق بالمؤتمر الوطني) أن تلك العملية خاسرة. وفعلاً تم تنفيذ العملية، وفشلت واستشهد أحد الشباب المتدينين الأبرياء ولم تحقق العملية ربع أهدافها، فيما كان العطاري (أبو جواد) ينظّر من طهران لفلسفة عمليات الداخل وهو يشير إلى عملية منظمته في كردستان!!. كانت الأحزاب الإسلامية العراقية، لا تستطيع التحرك المرن في إيران، بسبب هيمنة خط السيد المدرسي على الساحة، فيما كانت تلك المنظمة تتوسع في عملها بإسناد مباشر من مهدي هاشمي، لكن هذا التوسع، كان يتخذ خطين عمودي وأفقي، عمودياً عبر التغلغل في مؤسسات وسفارات إيران في الخارج، وقد عُيّن الكثير منهم ولأصولهم الإيرانية، سفراء لإيران في دول خليجية وافقياً عبر عدم السماح لبقية الأحزاب والتيارات الإسلامية، بالعمل في الساحة العراقية، والتضييق عليها، والتشويش على اعتقاداتها السياسية والفكرية. لقد شنت منظمة العمل الإسلامي، حملة شرسة ضد ثقافة حزب الدعوة الإسلامية، واتهمتها بالماسونية، كل ذلك كان يجري بدعم وإسناد واضحين من قبل قيادات ورجال دين إيرانيين ضد الحزب، لمعرفتهم أن الطريق إلى إكمال طوق النفوذ الإيراني على الساحة العراقية، يكمن في حصار الحركات والأحزاب الإسلامية الأخرى، بشن حملة واسعة لإسقاط رموزها وقياداتها وثقافتها السياسية والفكرية. كان الحديث الداخلي لأعضاء وقيادات خط السيد المدرسي ضد حزب الدعوة الإسلامية، أعلى وتيرة من الحديث ضد صدام حسين وحكمه وسياساته وكانت كل جهود الوساطة لتذويب الخلافات، من قبل خيرين في الساحة العراقية تذهب أدراج الرياح. هذا الأمر، دفع بالمتنورين في خط المدرسي، إلى الاستقالة وترك العمل، أو الانشقاق عن ولاية الرجل، كما حدث في انشقاق كمال الحيدري العالم والمفكر الإسلامي، وهو انشقاق لم يكتب له النجاح، لأسباب عديدة منها علاقات المدرسي بالمؤسسة الإيرانية، والأسطول المالي ونفوذه في الجماعات الإسلامية غير العراقية البحرينية والجزيرية، وهي أسباب موجبة استدعت انكفاء الحيدري على الدرس الفقهي، وتسرب الآخرين إلى سلوك خيارات علمية واغتراب ثالث عن العراق وإيران. الجماعات الأخرى، كالدعوة الإسلامية وجماعة الشهيد السيد محمد باقر الحكيم قبل تأسيس المجلس الأعلى، كانت تتحرك على آفاق إيرانية أخرى لاستحصال الدعم. * أسباب الحاجة إلى الحكيم بدل المدرسي: في البداية لم يكن السيد محمد باقر الحكيم رجل إيران، أو الزعيم العراقي الذي تثنى له الوسادة والدعم، والسبب مؤاخذات إيرانية على مرجعية والده المرجع السيد محسن الحكيم، أيام كان زعيم الثورة الإسلامية الإيرانية السيد الخميني في النجف الأشرف. بدوره لم يكن الشهيد السيد محمد باقر الحكيم، يرغب في الاستقرار بإيران بعد خروجه من العراق أوائل الثمانينيات، لإدراكه حجم وطبيعة هذه المؤاخذات، لذلك فضل الحكيم الاستقرار في سوريا وعدم الذهاب إلى إيران. لكن حزب الدعوة الإسلامية كان بحاجة إلى شخصية دينية كبيرة، تقف ضد نفوذ الزعيم الروحي للمنظمة آنذاك السيد المرجع محمد مهدي الشيرازي ـ حيث كان شخصية ذات نفوذ كبير في الأوساط الإيرانية، ومن شأن وجوده والحرب في البدايات، التضييق على حركة الدعوة، وتقليص دورها السياسي المفترض في الساحة العراقية. وقد توجَّه وفد من حزب الدعوة الإسلامية لسوريا، ووضعوا السيد الحكيم بظروف الحزب والتحدي السياسي الذي يواجهُهُ وأشعروه أن قيادة الحزب بحاجة إلى عمامة نجفية كبيرة، تقف ضد مشاريع منظمة العمل الإسلامي التي تحاول الاستيلاء على كامل النفوذ المُفترض للحالة العراقية في إيران، وفي حين اختار السيد الحكيم سلوك طريق قيادة الدعوة في مرحلة صعود السيد الشيرازي ومنظمته فضَّل شقيقُهُ الشهيد مهدي الحكيم العمل خارج إيران. لكن الوئام ما بين حزب الدعوة الإسلامية والسيد الحكيم لم يستمر طويلاً، إذ سرعان ما حدث انشقاق في الرأي بعد أن اكتشف كل منهما عدم قدرته على البقاء في هامش تمثيل كل منهما للآخر، فلا الحكيم كان قادراً على قيادة الدعوة ولا الدعوة كانت تحتمل الحكيم والسبب أن كلاً منهما كان يتطلع لزعامة الساحة. وبدأت رحلة الخلاف الذي لم ينتهِ لليوم.
ضحـــايــــــــــــــا: كانت الحرب العراقية تغلي كالمرجل، والضحايا يسقطون بالآلاف من الطرفين العراقي والإيراني، وكان (المجاهدون العراقيون) وهي التسمية التي تطلق على العراقيين الذين هاجروا من العراق إلى إيران يتواجدون بأعداد قليلة في البدايات، على امتداد القواطع والمواقع الحدودية الإيرانية ـ العراقية. لم يكن هنالك ـ والحرب في البدايات ـ قيادة مركزية لهؤلاء المجاهدين، لذلك أنخرط قسم كبير منهم في ألوية الحرس الثوري، ولم تكن لهم أية علاقة بالقيادات والأحزاب الإسلامية العراقية، والسبب كما هو معروف، عزوف هؤلاء الشباب المؤمن برسالة شعبه ودينه عن هذه القيادات، لأنها قيادات (قاعدة) في طهران وليس لها قاعدة في جبهات الحرب. كانت الحرب العراقية ـ الإيرانية في أوجها، وشبابنا المؤمنون يسقطون على قلتهم شهداء في جبهات القتال، فيما الباقون من حاشيات الزعامات وأبناء القيادات، يتنعمون في إيران، مع حفظ كامل الامتيازات المادية والمعنوية المقدمة لهم من قبل البلد المضيف ـ إيران. وفي الوقت الذي كان المجاهد العراقي، يحلم بجواز سفر مزوّر من (كوجه مروي) حيث يباع الجواز المزوّر بمبلغ ليس هيناً على المجاهد دفعه، كي يسافر مثلاً لزيارة السيدة زينب في سوريا، وفي كثير من الأحيان يموت ولا يرى جواز السفر المزوّر هذا، في هذا الوقت، يتمتع أبناء القيادات السياسية بجوازات الخدمة، وهي دفاتر سفر تصدرها وزارة الخارجية الإيرانية. وتوجد الآن في وزارة الخارجية الإيرانية جوازات سفر صُرفت للقيادات والحاشية والمصورين والمطبلين والموالين وعوائلهم وأبناء العوائل، وهي بالعشرات، وقد تنعم هؤلاء بسفرات لم يكونوا يحلمون بها إلى سويسرا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا، اذكر منهم السيد صدر الدين القبانجي والشيخ أبو علي المولى التركماني والشيخ همام حمودي وآخرين. وكان العديد من الشباب المؤمن بشعبه وقضيته، يموتون لإصاباتهم البليغة في المعارك، أو يطويهم النسيان في غرفة قذرة بالعاصمة طهران، أو قُم، ولا يسأل عنهم أحد، في حين كان بمقدور هؤلاء المنعمين، التدخل لدى السلطات الإيرانية لاستحصال جواز سفر خدمة من الخارجية، لغرض إرسالهم للشفاء. كان الإيرانيون، يرسلون جرحاهم بأوامر قيادية عليا إلى مشافي ألمانيا، في وقت كانت قياداتنا، ترسل مؤيديها وأبنائها للاصطياف والسياحة بعنوان التبليغ الإسلامي!!. وهنا أتساءل بعد ربع قرن: لمصلحة من كانت تصرف هذه الجوازات؟ هل لحاشية همها علفها، وما تجود به موائد القيادات، في حين يمنع على المجاهدين والمقاتلين الجرحى على الأقل للاستشفاء؟ وإذا كان مفهوماً في الشريعة الإسلامية، الفرق بين المجاهدين والقاعدين، ودعاة الدفاع عن الإسلام والسقائين في الحج، فكيف يصّح هذا التمييز المجحف في ثقافة القيادات ـ هذه الثقافة التي تقدم القاعد على المجاهد، وتمنح الامتياز للحاشية وتهمل المقاتلين، وتدع جرحاهم يموتون من دون عناية؟. السبب فيما أعلم، يكمن في الولاء، أو تقديم فلسفة الولاء على الكفاءة، فمن لا يصفق ويهتف بحياة القائد، لا يحصل على الحياة، فيما الهتافة والمصفقون، ومعظمهم يتحدّر من أصول غير عراقية، ينعمون بخيرات القائد وبركاته وأعطياته، ومن يريد معرفة المزيد من أسرار وتاريخ هذه الأعطيات والبركات، فهناك أكثر من عنصر من عناصر الحاشية، موجودون حالياً سفراء للعراق في دول مختلفة يستطيع الإجابة على ذلك لعلَّ في مقدمتهم سفير العراق بإيران المهندس محمد عباس.!! كان شبابنا، يجمعون التبرعات بشكل مستمر في لندن والولايات المتحدة الأمريكية، لدعم العراقيين الذين هجّرهم النظام السابق بدعوى أصولهم الإيرانية، ولثقتهم بتلك القيادات في إيران كانوا يرسلونها على شكل معونات ماديّة مالية وأخرى لوجستية، من ملابس للرجال والنساء والأطفال. لكن تلك المعونات، لم تكن تذهب للمحتاجين العراقيين في المخيمات، وبعضها يقع في مناطق قاسية البرودة سواءً في جهرم أو كرمنشاه. وشديدة الحرارة مثل أندمشك والأهواز، لم تكن هذه المساعدات، تذهب للعراقيين بل يتم التصرف بها وفق تراتبية الحاشية وعائلاتهم، والوصوليين الذين يقبعون في مكاتب الأحزاب والتجمعات السياسيّة. ويعرف العراقيون الذين هاجروا إلى إيران، فترة الثمانينيات ـ وهذا شائع في أوساط الشارع العراقي ـ اسم الشيخ أبو علي المولى ـ كمتصرف بهذه المساعدات، كان يبيع الفائض منها في شارع إسطنبول ـ أحد الشوارع التجارية في العاصمة طهران. وعلى ذكر عضو الجمعية الوطنية اليوم النائب أبو علي المولى، فالعراقيون التركمان يعرفونه جيداً، ويعرفون حياة الترف والبذخ التي كان يحياها في طهران. في هذا الصدد يذكر صديق تركماني عمل طويلاً في إطار الحالة التركمانية في طهران، أن الشباب التركمان حين كانوا يقصدون منـزل المولى المعد له في العاصمة فهم لا يقصدون منـزلاً عادياً بل فيلا أشبه بالمكان المقدس، لكثرة البهرجة والترف العمراني الذي يتضمنه المكان. وللمزاح أكد، أن أحد الشباب التركمان قصد منـزل المولى ذات يوم، وحين وصل باب المنـزل خرَّ الشاب ساجداً على عتبة الباب، في إشارة للمولى أنه من يسكن هذا المكان، ليس شخصاً عادياً، بل ولياً من أولياء الله الصالحين...!! ذات يوم، سألت (قيادياً) طريداً من حاشية أحد القادة الكبار عن سبب هجرته إلى لندن، واستقراره هناك، وعزوفه عن العمل مع (الجماعة) فأكد لي بالحرف الواحد، أن السبب (جنوبيته) أي أنه كان جنوبياً يتحدر من واحدة من المدن الجنوبية في العراق، والجماعة الحاشية لا يرغبون أن يتحول (معيدي) مهما كانت أخلاقيته وتدينه وثقافته وكفاءته وحركيته ووعيه السياسي ومقدار الجهد الشخصي الذي يبذله في الخط المذكور، إلى قيادي بارز، إن الأولوية في هذا الخط ـ وأقولها صريحة وواضحة ـ للنجفي أو الكربلائي ـ والبقية لا قيمة لهم مهما فعلوا!!. أسأل ثانية وبمرارة: كيف يتسنى لمرابي، أن يكون عضواً في جمعية وطنية منتخبة من قبل العراقيين؟ وأية شرعية ستبقى لجمعية يتواجد على مقاعدها مثل هؤلاء الأشخاص، الذين لم يكن لهم هدف في حياتهم غير (ولاية الفقيه) عبر الدعوة لها، وهي منهم براء، وخدمة توجهات شخصيات دينية تتعامل مع هموم العراقيين بفوقية واضحة ولا أُبالية مُفرطة؟. كيف ينتخب العراقيون من كان يبيع أَسمَال المساعدات القادمة من أوربا، لإخوانهم وأشقائهم في المخيمات، ويوزع الباقي منها على أصدقائه وحاشية الحاشية وعوائل المقربين، ويرسل ما تبقى منها للعوائل المحتاجة ـ وهي بالآلاف في مخيمات البؤس والجوع والمهانة؟. كان العراقيون، من أصدقائنا ينتشرون في أنفاق ومتروات لندن لجمع التبرعات من الناس أيام الانتفاضة، ويتصلون بالهواتف من مختلف مناطق العالم لإرسال الأموال دعماً للانتفاضة التي اندلعت في العام 1991، لكن تلك الأموال كانت تتبخر، وتختفي بطريقة |