|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
16 تــمــوز 2005 |
|
دراسة في الفقه الجعفري - 3
كتابات - محمود المفرجي
العدالة والفسق
العدالة
ما يهمنا في بحثنا هذا هو التعرف على الفرد الذي ينطبق عليه مفهوم العدالة، ولا يهمنا المعنى اللغوي والفلسفي لها، ولكن لا بأس ان نمر عليها باختصار.
يقول اهل اللغة في العدل- انه ما يأتي في النفس انه مستقيم. وانهُ هو الحكم بالحق. ويوصف الرجل بأنه عدل على معنى ذو عدل. وهو صفة للمذكر والمؤنث والمفرد والجمع يقال: امرأة عدل وجماعة عدل.
وما يأتي في النفس انه مستقيم، هو التصرف الصالح، الذي يوافق الضمير الخالص غير المنحرف.
اما في الفلسفة- بأنه وضع الشيء في موضعه المناسب له، وهو معنى شامل لله عز وجل وغيره. فالعدل الالهي هو وضع الشيء في موضعه ، وكذلك هو العدل الصادر من المخلوقين، كالحاكم والقاضي وكذلك تصرف الرجل العادل في سلوكه، لانه تتوفر هذه الصفة في تصرفاته.
والعدل او العدالة هي من اصول الدين وليست من فروعها، وقد اشترطت في مرجع التقليد، فاذا كان فاقدا لصفة العدالة لا يجوز الرجوع اليه في الاحكام الشرعية. كما سبق ان سمعنا في حديث الامام العسكري (عليه السلام): فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا على هواه مطيعا لامر مولاه فللعوام ان يقلدوه. وهذه كلها صفات تدل على العدالة.
كما اشترطت العدالة في الشاهد ايا كانت شهادته، وهو الذي يجتنب الكبائر كشرب الخمر والزنا والربا وعقوق الوالدين، وان يكون ساترا لكل عيوبه.
وقد يقال- ان بعض الناس يعملون بالذنوب خلسة وليس ظاهرا فكيف تقبل شهادتهم في هذه الحالة..؟
اقول- كما قال الامام الصادق (عليه السلام): لو لم تقبل شهادة المقترفين للذنوب لما قبلت الا شهادة الانبياء والاوصياء لانهم المعصومون دون سائر الخلق فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا او لم يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من اهل العدالة والستر وشهادته مقبولة، وان كان في نفسه مذنبا. ومن اغتابه فهو خارج من ولاية الله داخل في ولاية الشيطان.
اما عن عدالة النساء- فهن المشهورات بالستر والعفاف، المطيعات لازواجهن، ولا يتبرجن امام الرجل الاجنبي. كقول الامام ابي جعفر (عليه السلام): تقبل شهادة المرأة والنسوة اذا كن مستورات من اهل البيوتات معروفات بالستر والعفاف مطيعات للازواج، تاركات للبذا والتبرج الى الرجال في انديتهم.
كما تجب العدالة، في الحاكم في مجتمع وفي القاض في الخصومات، سواء كان منصوبا او قاضي تحكيم، وحتى امام الجماعة. ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة فيما جاز عمل المرأة فيه من ذلك. كقول الامام ابي جعفر (عليه السلام): لا تصل الا خلف من تثق بدينه وامانته.
الفسق:
الفِسقُ في اللغة هو خروج الشيء بكيفية مُسبِّبَةٍ للفساد .
قال الراغب الإصفهاني : فَسَقَ فلانٌ : خرج عن حجر الشرع ، و ذلك من قوله : فَسَقَ الرُطبُ ، إذا خرج عن قشره .
فمعنى الفسق في المصطلح الشرعي هو خروج الإنسان عن حدود الطاعة لله سبحانه والتطاول على قوانينه بالسيئات وارتكاب المحرمات علنا وسرا.
الفسق عكس العدالة والفسق يقع بالقليل من الذنوب و بالكثير ، لكن تُعُورِفَ فيما كان كثيراً ، و أكثر ما يقال الفاسق لمن التزم حكم الشرع و أقرَّ به ثم أخَلَّ بجميع أحكامه أو ببعضه.([1]) وبعبارة اوضح ، الفاسق من يعرف ان اعماله تعد حراما برأي الشارع المقدس مع عدم انتهائه منها.
والفسق يعني الخروج ، كخروج ابليس عن طاعة الله أي فسق : { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا }.
وايضا كخروج الناس عن حدود طاعة الله : وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ }.
وورد في الاخبار : أن للفاسق سِماتٌ يُعرف بها و تميزه عن غيره ، و قد سُئل نبينا المصطفى محمد ( صلَّى الله عليه و آله ) عن هذه السِّمات فأشار إلى أبرزها ، و قال : ((وأما علامة الفاسق فأربعة : اللهو ، و اللغو ، و العدوان ، و البهتان )).
ويقول بعض المتشرعة والفقهاء ان الفسق يمكن ان ينطبق على من هو على ظاهر الاسلام ولكنه يعمل المأثم والمحرمات ، واما الكفار والمشركون فلا يصدق على حالهم الفسق.
ولكن يقول غيرهم ان الفسق يمكن له ان ينطبق على الظاهر للاسلام ويعمل المحرمات ، وايضا على الكافر ويستدلون بقوله تعالى: (يا ايها الذين امنو ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا)) وقوله تعالى: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وانه لفسق)).
وايضا بقوله تعالى: ((فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون)). وقوله تعالى: ((ومن كفر بعد ذلك فأؤلئك هم الفاسقون)).
ومن هنا يتضح ان (الفسق) يمكن له ان ينطبق على من كان على ظاهر الاسلام ، ولكنه يعمل المحرمات وغيرها من الاعمال القبيحة شرعا. ويمكن ان ينطبق ايضا على الكافر.
ومن الجدير بالذكر ، ان الفرد لا يمكن ان تجتمع فيه صفتي الفسق والعدالة معا، فهو اما ان يكون عادلا ، واما ان يكون فاسقا.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] - مركز الاشعاع الاسلامي / موقع على الانتر نيت
|