|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
15 تــمــوز 2005 |
|
دراسة في الفقه الجعفري - 2
كتابات - محمود المفرجي
باب التقليد:
بعد ان تطرقنا في الحلقة الماضية الى موضوع الاجتهاد ، نتطرق اليوم لمفهوم اخر وهو مقابل للاجتهاد ، الا وهو التقليد.
والمفهومين ضروريين ، ولا يمكن ان ينفك احدهما عن الاخر ، بغض النظر عن اختلاف المفهومين من الناحية العملية والشرعية. فالاجتهاد هو واجب كفائي ، اما التقليد فهو واجب عيني على كل فرد مسلم ليس مؤهلاً للنظر بالكتاب والسنة بنفسه، وعليه لابد له ان يبرئ ذمته امام الله من هذه الناحية بالرجوع الى احد الفقهاء. كقول الامام العسكري (عليه السلام): فاما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا لهواه مطيعا لأمر مولاه فللعوام ان يقلدوه.
والتقليد له عدة معاني يمكن ان نذكر البعض منها
فالتقليد مأخوذ من قلد. وهو ان الفرد الاعتيادي يقلد المجتهد في افعاله فيصلي كما يصلي ، ويصوم كما يصوم ، يعني في جميع الفتاوي والتفاصيل.
او انه يقلد المجتهد في اقواله. يعني انه يطبق كل ما يقوله المجتهد عمليا في حياته، بعد ان يعرف الحكم الشرعي منها.
او يمكن ان نقول بان التقليد ، هو جعل مسؤولية اعمال المكلف كقلادة بعنق المجتهد، الذي هو بدوره يتكفل امام الله سبحانه صحة او بطلان ما قاله من احكام وما افتاه من فتاوي.
وهذا بطبيعة الحال هو معنى عرفي سائر بين الناس ، وغير مستغرب . وهو يعبر عن الذمة والمسؤولية فقد يكون الفرد في رقبته دين او الحفاظ على مال معين كالامانة ، او الاتيان بفعل معين كاحترام الاب او المعلم.
وكما عرفنا ان الاجتهاد في اصطلاح الفقهاء احتوى على منحيين في الفهم احدهما : عملي وهو ممارسة الاستنباط والاخر نفسي وهو الملكة التي تتضمن القدرة على تلك الممارسة.
فكذلك التقليد ، يحتوي على منحيين من هذا القبيل:
احدهما: عملي وهو تطبيق فتاوي المجتهد، فكلما عمل الفرد وطبق منها، فقد قلده فيها، واما ما لم يطبق فلم يقلده فيه.
ثانيهما: نظري. وهو النية او العزم على الرجوع الى مجتهد معين ، حتى وان لم يطبق شيئا من فتواه بعد. فنية التقليد هي عزما على التقليد وليست تقليدا بذاتها.
ومن هذا الباب كان منشأ كلام مشهور الفقهاء ، بان العمل بدون تقليد ، انما يكون باطلا اذا كان مخالفا للحكم الذي كانت حجيته سارية المفعول عند العمل، واما اذا كان مطابقا له فلا اشكال في صحته، بالرغم من عدم وجود نية التقليد، بل عدم الالتفات اليها.
وكما ذكرنا ان التقليد واجب على العوام ، وان كل اعماله بصغائرها وكبائرها بدون تقليد تعد باطلة . ((فأسألوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون))([1]).
الاحتياط:
الاحتياط ، يشبه بالحائط الذي يدول حول بستان او مخزن ليقي ما فيه من التلف والسرقة. ومن هنا ورد : خذ الحائطة لدينك . وورد : اخوك دينك فاحتط لدينك
الاحتياط ، المقصود منه هو أن يأخذ المكلّف جانب الإحتياط في أعماله ، بأن يعتمد في أعماله على ما يقبله جميع الفقهاء ، بحيث لا يترك و اجباً على رأي أي واحد منهم ، ولا يرتكب حراماً على رأي أحدهم([2]) .
أي ان المكلف عندما يعمل بالاحكام الشرعية ، يجب ان يكون متيقنا من براءة ذمته ، وهو أصعب من التقليد بطبيعة الحال.
والمكلف العامل بالاحتياط يجب ان يكون عارفا ومحيطا بمطالب واراء كافة الفقهاء ، وفي كافة الاحكام التي يحتاج اليها الانسان، وهذا غير مستحصل الا عند اصحاب الخبرة والعالية في الفقه والاحكام الشرعية.
وقد اختلف الفقهاء في بعض جزئيات الاحتياط ، فمنهم من يقول ان عمل المكلف باطلا اذا لم يسلك احدى الطرق الثلاث (الاجتهاد ، التقليد ، الاحتياط).
في حين يرى القليل منهم بطلان عمل المكلف اذا لم يعمل في (الاجتهاد والتقليد). اما عمله في الاحتياط فانه باطل حتى لو كان محتاطا.
والاحتياط . اما ان يكون كلي او جزئي او موجبا للتكرار او غير موجب للتكرار .
ويعني بالاحتياط الكلي . بانه الاحتياط المستوعب لكل الاحتمالات الواردة في محل الابتلاء.
اما الاحتياط الجزئي. هو الاحتياط المقتصر على بعض الاحتمالات دون بعض.
والاحتياط الموجب للتكرار. هو ما كان فراغ الذمة متوقفا على تعدد العمل.
واخيراً الاحتياط الغير موجب للتكرار. وهو الاكثر مصداقا ، كما لو احتمل وجوب شيء فأن به او احتمل شيء فتركه.
ومثلما يقوم المكلف بالاحتياط، فان الفقيه يقوم به ايضا، وهو ما يسمى بالاحتياط بالفتوى.
وقد يفتي الفقيه بالاحتياط، وهذا ما يسمى بـ (الفتوى بالاحتياط) ، وهو يختلف عن سابقه، حيث يأمر الفقيه مقلديه بالاحتياط ويكون اغلب الاحيان احتياطا وجوبيا.
اما الاحتياط الثالث. فهو الاحتياط الاستحبابي، وهو في حالة قيام الحجة على خلافه، ولكن يبقى المجال مفتوحا للاحتياط. كما هو موجود مثلا في الصلاة ، كالقنوت او جلسة الاستراحة ، فهي غير واجبة في الصلاة ، حيث لو لم يأتي بها المكلف لا اشكال عليه، ولكن ينبه عليها الفقيه ، ويأمره بالاتيان بها استحبابيا.
وسنتناول في الحلقة المقبلة موضوع العدالة والفسق ، ان وفقنا الله سبحانه.
-----------------------
[1] - النحل 16- اية 43 والانبياء 21 اية 7
[2] - مركز الاشعاع الاسلامي / موقع على الانترنيت
|