الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

14  تــمــوز  2005

دراسة في الفقه الجعفري - 1

كتابات - محمود المفرجي

المقدمة:

بعد اطلاعي على السفر الخالد (ما وراء الفقه) المكون من عشرة اجزاء (اربعة عشر مجلدا)، للسيد الشهيد الصدر الثاني (قده) ، ومنذ حوالي ست سنوات ، وجدت من المفيد ان احاول ان اضغط او اختصر هذا الكتاب القيم في كتاب واحد ، اوفر فيه على المثقف التكلفة المادية التي يتحملها من جراء شراءه لهذا الكتاب من ناحية، واستخلص الفكرة التي من الممكن ان يستفاد منها المثقف من ناحية اخرى مع بعض الإضافات والافكار الذي قدحت في ذهننا اثناء كتابتنا لهذا البحث.

ولكني كلما شرعت في هذا المشروع اقف عند حد معين ، ولاسباب كثيرة ، منها كثرة مشاغل الحياة الشخصية من ناحية، وتثبيط الهمة التي تحصل من ناحية اخرى.

واليوم وبعد التوكل على الله عزمت ان اشرع بهذا المشروع خدمة للاسلام والمسلمين، ورد الجميل للسيد الشهيد الصدر (قده) الذي اغنى المكتبة الاسلامية ببحوثه القيمة. وعزمت ان اجعله ابتداءا على شكل حلقات ونشرها في جريدة (كتابات)، ومن ثم جمعها وعرضها على احد اساتذتي الفقهاء البارعين ، ممن كانوا دائبين على تشجيعي وبث روح الهمة في قلمي. ومن ثم جعله على شكل كتاب مختصر لاهم ابواب الفقه الجعفري بعد تنقيحه وترتيبه ، وبذلك نكون قد حققنا الغاية واصبنا الهدف المنشود.

لا ادعي لنفسي باني صنعت مجهوداً كبيراً، ولكن ما هذا الا بتوفيق من الله عز وجل ونسألكم الدعاء - م.م

 

باب الاجتهاد

المجتهد هو الفقيه الذي عرف الاحكام وهو الناظر في الحلال والحرام ومن تعلم عند رسول الله (صلى الله عليه واله).

ان من يحمل هذه العناوين صلح ان يكون مجتهداً وحاكما ومعلما وكان الرد عليه حراماً لانه مثل الرد على الله وهو حد الشرك بالله عز وجل. كما ورد في الاخبار كقول الامام صاحب الزمان (عجل الله فرجه الشريف): اما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم وانا حجة الله.

 

يتضح من قوله عليه السلام ، بانه الزام شرعي من قبل الامام (عليه السلام) باتباع رواة الحديث ، او ما نسميه في عصرنا الحاضر بالـ (مجتهد) . والالزام في هذا المورد هو وجوب الطاعة للفقيه في عصر الغيبة ، والطاعة معناها (التقليد) كما سنمر عليه فيما بعد في طيات هذا البحث ان شاء الله.

 

معنى الاجتهاد:

الاجتهاد هو مصطلح سار عليه الفقهاء وهو لم يرد في مصادر التشريع الاسلامي وهي الكتاب والسنة كصفة للفرد الذي يكون قوله حجة.

واذا اردنا تعريف الاجتهاد فيمكننا ذلك من ناحيتين:

اولهما- الناحية العملية: وهي بذل الوسع والطاقة في تحصيل الاحكام الشرعية من ادلتها التفصيلية وهي الكتاب والسنة، وهذه الناحية هي مطابقة لما يقوله اللغويين.

ثانيهما- الناحية الوجدانية- او النفسية ، او العقلية للفرد وهي الملكة . والملكة هي الصفة النفسية الغير قابلة للزوال.

والصحيح ان كلا الناحيتين مرتبطة الواحدة بالاخرى، وبتعبير اخر ان بذل الوسع والطاقة في تحصيل الاحكام او العلوم الدينية تؤدي الى ولادة الملكة ، ومن ثم نموها عند الفرد، فبالتقاء كلا الناحيتين في الفرد ، يصدق عليه اصطلاح الاجتهاد ولكي يكون قوله حجة امام الله عز وجل.

 

التجزي في الاجتهاد:

هو مصطلح اخر متداول بين الفقهاء او اصحاب الاختصاص، وهو محل اختلاف بينهم، فمنهم من يقول به ومنهم من يرفضه.

والتجزي معناه ، ان يكون لبعض الفقهاء يستطيعوا النظر ببعض الاحكام دون غيرها كما لو كان يستطيع ان يستنتج احكام الصلاة دون احكام الصوم مثلا. وفي مقابله المجتهد المطلق الذي يستطيع ان ينظر ويستنتج من المدارك الاصلية كل احكام الفقه في كل ابوابه وبكل مستوياته.

اقول:  مما سبق اتضح ان الفقيه هو الذي عرف الاحكام وهو الناظر في الحلال والحرام وهو الحاكم والعالم والمعلم ... الخ كل هذه الصفات تعطي لحاملها المفهوم الذي نسميه في عصرنا هذا (بالمجتهد) ، وعليه لا معنى لوجود التجزي في الاجتهاد ومن ناحيتين:

الاولى- ان عدم الاستطاعة في التوصل الى بعض الاحكام الشرعية يعد ضعفا واضحا في بذل الوسع والطاقة في تحصيل الاحكام ، مما يؤدي الى عدم نمو الملكة لديه ، او قل عدم نضوجها بالصورة التي تجعل منه مجتهداً. فكل فرد دون مستوى الاجتهاد ليس بمجتهد ولا معنى ان نقول عليه متجزي.

الثانية- ان الاخبار الواردة الينا من قبل المعصوم (عليه السلام) واضحة في تشخيص الفرد الذي من الممكن ان نطلق عليه صفة الاجتهاد ، وهي توحي على الاجتهاد المطلق.

كقول ابا عبد الله (عليه السلام): الحكم ما حكم به اعدلهما وافقههما واصدقهما في الحديث واورعمها ... الحديث.

وقوله (عليه السلام): ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف احكامنا فاني قد جعلته حاكما. (أي حاكما شرعيا).

حيث ان المعصوم يلفت انتباه الامة الى مستوى معين للفرد الذي من الممكن ان يكون حاكما شرعيا ، فتارة يقول (اصدقهما في الحديث) ، وتارة اخرى يقول (ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف احكامنا)، ولم يقل من عرف بعض احكامنا دون بعض، وهي اشارة للمجتهد المطلق لا المتجزي.

ويمكن ان نضيف ثالثهما- وهو ما قاله السيد الشهيد الصدر الثاني (قده) : وهو ان الفقيه العارف بالاحكام من حصلت له الملكة ، لانه لا يكون الفرد كذلك الا بذلك. ومن الواضح ان مجرد الممارسة لاستنتاج الحكم الشرعي على نطاق ضيق لا يجعل من الفرد مصداقا للفقيه العارف.

 

الاعلمية في الاجتهاد:

 

الاعلم: هو الفرد الذي يتصف بالاجتهاد المطلق او اكثر يتصف بدقة في النظر وسداد في الرأي وسعة في الاطلاع اكثر من غيره. بحيث لا يساويه الاخرون.

وقد اختلف الفقهاء في تشخيص الاعلم ([1]) فمنهم من يقول ان الاعلم من هو اعلم في علم الرجال ، ومنهم من يقول بان الاعلم من هو اعلم في علم الاصول ، ومنهم من يقول بانه الاعلم في الاصول مباحث الاصول العملية، ومنهم من يقول بانه بالفهم العرفي والسيرة العقلائية، ومنهم من يرى بانه من له الدقية في تفسير آيات الاحكام([2]).

وقد يرى جملة من الفقهاء بعدم وجوب تقليد الاعلم في حين يرى البعض الاخر بوجوب وضرورة تقليد الاعلم.

ومن الواضح ان منشأ هذا الاختلاف في تشخيص الاعلم نابع من المستوى العلمي الذي وصل اليه هؤلاء الفقهاء، فالفقيه الذي هو بارع في علم الرجال يرى ان الاعلم في علم الرجال هو الاعلم، وغيره من هو بارع في علم الاصول ، يقول باعلمية من هو اعلم في الاصول وهكذا.

والمهم ان المكلف لا يهمه اختلاف العلماء فيما بينهم في تشخيص الاعلم، ولكن الذي يهمه من يثبت اعلميته من خلال البحث والمناقشة والتحدي العلمي، وكيف يرتقي العلم بدون التحدي والمناقشة التي ترتقي بالعلم في اوساط العلماء المعاصرين وتفتح ابوابا وافاقا للعلماء اللاحقين.

 

الشهادة في الاجتهاد:

 

ان الشهادة في الاجتهاد ليست بابا من ابواب الفقه ، بل هي ليست فرعا من فروع الاجتهاد ، ولا اعتقد ان احداً قد تطرق اليها في كتابات او بحوث الفقه، ولكننا هنا تعرضنا لها لورودها على السنة الكثير ممن يعترضون على اجتهاد بعض الفقهاء ، بدعوى ان الفقيه الفلاني ليس بمجتهد ، لانه لم يشهد له احد الفقهاء المعتد به بالاجتهاد.

 

معنى الشهادة في الاجتهاد:

يقال ان الفقيه الفلاني شهد لفلان بالاجتهاد، أي ان الفقيه بعد اطلاعه على بحوث ومؤلفات فرد ما اقر له الاجتهاد ، ليكون هذا التصريح دعما له امام المكلفين ولكي يثقون بما يقول هذا الفرد ، ويعتبرون كلامه حجة عليهم.

والشهادة في الاجتهاد، ليست شرطا او اثباتا على نفي او اجتهاد ذلك الفرد، وذلك لاننا بينا فيما سبق ان الاجتهاد هي ملكة نفسية تلازم نفس الفرد الذي يدعي الاجتهاد ، فعند وصوله الى مرحلة من خلال البحث والتقرير والمطالعة يرى في نفسه انه وصل الى مرحلة يستطيع النظر بنفسه في الاحكام الشرعية من خلال ادلتها التفصيلية وهي القرآن والسنة . وقد يكون هذا المدعي صادقا او قد يكون متوهما ، وبهذا هو يتحمل المسؤولية وحده امام الله ، ولا يتحمل مسؤولية من يقلده او يرجع اليه في الحلال والحرام.

اما منشأ الشهادة في الاجتهاد، فقد اتت من خلال السيرة الحوزوية ، عن طريق ارسال بعض الوكلاء من قبل فقيه ما الى مناطق بعيدة ، مستصحبا اياه لكتاب خطي من ذلك الفقيه فيها اقرار بأهلية هذا الفرد في النظر بالكتاب والسنة.

يعني انها دعما اعلاميا لهذا الفرد من قبل الفقيه ، يوحي للمجتمع الذي ارسله اليهم بانه مؤهل كي يكون بمنصب الافتاء ليس اكثر.

وبهذا نرد الادعاء الذي يقول بنفي اجتهاد فرد ما لعدم حصوله على شهادة او دعما من فقيه ما . والا فان الاجتهاد محصور في بذل الوسع والطاقة ونمو الملكة ، وهو غير مرتبط بالوقت الذي من الممكن ان يقضيه طالب العلم في فهم العلوم الحوزوية.لان الافراد يختلفون في استيعابهم ودقتهم في فهم امثال هذه الامور ، فلربما يكون احدهم اذكى وادق واسلط ومتميزا عن اترابه ، وربما يكون الفرد قد استوعب علم الاصول مثلا خلال اربع او خمس سنوات ، في حين ان غيره يقصي عشرات العقود في فهم هذا العلم او ذاك . وهكذا.

وبهذا لا معنى ان تكون الشهادة في الاجتهاد ، هي حاملة القول الفصل في نفي او اقرار بالاجتهاد.

----------------

[1] - كثير ما نرى في الرسائل العملية للفقهاء (وجوب تقليد الاعلم) ، وهي اشارة للفقيه الكاتب لهذه الرسالة على انه هو الاعلم

[2] - خلافا للمشهور ، فان اية الله الشيخ الطائي يرى ان الاعلم هو الاعلم في اللغة فضلا عن اعلميته في علم الاصول.