الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

19  كانون ثاني 2007

ابحث في كتابات

 

الرواية الإسلامية ولغة العصر

توظيف التقنية في البناء الروائي

 

كتابات - حسين عبد الخضر

 

      بعد انحسار المد الروائي في العراق ووقوعه تحت نفوذ السلطة الشمولية السابقة ليصبح أداة ايديلوجية معبرة عن توجهات تلك السلطة تهلل بانتصاراتها المزعومة إلا ما شذ وندر من الأعمال التي تملصت من سطوة التسلط باستخدام تقنيات مخاتلة والاختباء وراء لغة الغموض وتشفير القصد والنص معا ، ظهرت بعد الانفتاح الأخير مهارات سردية شابة استطاعت ان تردم بإعمالها الفراغ السردي في إعادة البحث عن المقموع والمسكوت عنه من عصر التسلط والخوف ، ساعد في انتشار أعمالها ولو بشكل ضيق ، انتشار دور النشر الأهلية التي شكلت متنفسا لتلك الأعمال رغم صعوبة النشر فيها وما يتكلفه الأديب من صعوبات مادية قد تحل مكان سلطة الرقيب السابق في ظل حكومات همشت الأدب ولم تصنع المؤسسات الكفيلة باحتضان نتاجات  الأدباء . ومن هذه الأعمال هي رواية الأديب الشاب مرتضى علي عايد ( صفر واحد / كمبيوتوبيا ) الصادرة عن دار المغرب للطباعة والنشر .

 

الرواية ولغة العصر

 

    استفادت الرواية من التقنيات الحديثة التي وسمت عصرنا بطابعها ونفذت لتحتل مساحة كبيرة من حياتنا ووسائل اتصالاتنا ( الكمبيوتر ) وجعلتها جزء من بنية الرواية ومكون يربط عناصرها إلى بعضها من خلال لغة روائية تنافذت فيها لغة الآلة مع لغة الإنسان لتكون النسيج السردي لتلك الرواية الذي بعث الحياة في تلك اللغة الرقمية ( الشيء الغريب في حاوية القمامة ان هذه المكونات معصوبة الرأس لا تعاني حالة تكرير كما هي وظيفة ( سلة المهملات ) بل إنها تلبث في قضبانها الدامية إلى حين ، بدا أمية متثاقلا جدا حينما فتحت السلة ) الرواية ص 57 .

    من خلال الآلة تنبثق العقدة ويبدأ الصراع ، وهو صراع غير بعيد عن واقع المجتمع بل هو جزء من المحنة التي تحاول الرواية معالجتها من خلال معالجة خلل آلي يحدثه فايروس ( قال انه فايروس تاريخي مؤدلج هو موجه بالتأكيد ، ولم يسبق ان سمعت بشيء يشبهه ، انه نظام كامل يفرغ نفسه في جسد الحاسوب المضيف ) الرواية ص41 . وتتداخل الأحداث والعوالم ( الرقمية والواقعية ) من خلال طبيعة الفايروس ( أمية ) فيشير الخلل الآلي في الآلة إلى خلل يصاحبه في المجتمع ، وهو خلل ذو عمق تاريخي وبعد ايديلوجي أسس لمراحل الاضطهاد الطائفي السابق والأعمال الإرهابية الحالية ( أمية بكل ملحقاته  . . . أجياله مخيلته ، مصالحه ، لامة حربه ) الرواية ص 41 . وتأتي طريقة القضاء على الفايروس لتشكل حلا موحيا ينعكس على الواقع بكل تناقضاته ، إذا وافقنا المؤلف في ان أمية هو السبب الوحيد لما يجري من أحداث القتل الجارية في العراق ( انه يتكون من مفردات تاريخية ويتخذ ايديلوجية معينة ، وإذا أردت التخلص منه عليك ان تقراه جيدا وتعيد تفكيك ملفاته ) الرواية ص42 ، إذ يقابل إعادة تفكيك الملفات واستبدالها بأخرى تناسب غرض ( المخترق ) للفايروس ، إعادة تشكيل العقل الجمعي بتصحيح الأخطاء التاريخية واستبدالها بالمعلومات الصحيحة وهذا ما قامت به الرواية على امتداد صفحاتها اللاحقة ، بسرد مقاطع تاريخية تتعلق بشخصية أمية وامتداداته التاريخية ، لتغلب عليها صورة السرد التاريخي المطعم ببعض التعليقات والشروح التي تربط هذا التاريخ بالواقع وتجعل من اللغة الرقمية لغة فاعلة على صعيد الواقع ومحيلة إلى عدد من المرجعيات المعرفية .

    كما تطرح الرواية أيضا ، مشاكل الإنسان الحديث الذي يعيش في ظروف يحكمها العالم الرقمي الذي جعل العالم مضغوطا ومتقاربا جدا ( ماذا ينكسر على وجهي الآن ؟ آلاف الأرقام التي لا اشعر بها ، إنها البيانات التي لا تعدو رأسي وتظل فوتوناتها تتقافز على انفي وجبيني حيث لا تجد مساماتي من يؤولها ويمارس مها الرقمنة ، بينما يترشح من على الشاشة ما اقرأه وأسدله من قوائم ، استطيع الآن ان أتخيل هذا الضياع وان اشتم أجيال هذه التقانة وقدماء الهنود ) الرواية ص 20 . ومع العيش في العالم الرقمي يصبح الإنسان ملوثا وغير قاد على التواصل مع الأحياء ( ان الذي يتحدث مع رمزية يجب ان يصرخ بمعية أي شيء يزاوله ، يقرأ ويصرخ ، يموت ويصرخ ، ويبصق ويصرخ ) الرواية ص 22 .

    ويشير هذا التوظيف للآلة ( الكومبيوتر ) في الرواية إلى قدرة الرواية الإسلامية على النفاذ من قالب القص التاريخي التقليدي والتخاطب بروح العصر عبر شكل لا ينزاح كليا إلى جانب الحداثة بما هي مجموعة من الآليات الانفصالية القائمة على سلسلة من عمليات الانفصال والتمرد على كل ما هو قديم ، فيتحلى عن روح الأصالة الذي تحتم وجودها فيه طبيعة العمل الإسلامي نفسه ، والذي يبقى منساقا دائما إلى ثوابت محددة اعتقد أنها لعبت دورا كبيرا في تحديد شكل العمل وتحجيمه ليكون اقرب إلى القصة الطويلة منه إلى الرواية .

بنية الرواية

 

    تقترب الرواية في بنيتها إلى البناء القصصي البوليسي ، فنجد فيها  ( المجرم ) الذي جاء هنا على شكل فايروس يصيب الحواسيب ويستبدل نظامها بنظام آخر ، ورجل الشرطة  ( السيد أيوب ) الذي يطارد هذا الفايروس ويقوم بفك شفراته من اجل القضاء عليه بعد جهد كبير يشابه إلى حد بعيد عملية مطاردة المجرم ومعرفة طرق تفكيره وأغراضه من اجل محاصرته . وقد قامت البنية على عدد من الروابط بين الشخصيات التي حكمتها صفة التقابل والتضاد ولم تخلوا أيضا من طابع الرمزية الذي يحيل إلى دلالات سياسية ومذهبية ، فلا نجد صعوبة في التعرف على مرسل الفايروس ( سلمان الجعبوب ) الذي تشير الرواية إلى انه من السعودية وهو مصدر للفكر الإرهابي ( الفايروس / أمية ) بينما يقابله ( السيد أيوب أو أيوب السيد ) الذي يمثل الطرف المقابل كما هو واضح من خلال دلالة الاسم المذهبية ، وكذلك الأمر مع ( عمار ) و ( صلاح ) الذين توحي أحداث الرواية بانتماءاتهما المذهبية المختلفة رغم ان صلاح ينحدر من عائلة منقسمة مذهبيا ، فبينما استبدلت والدته ( رمزية ) وأخوه ، عقيل مذهبيهما بقي هو ووالده على مذهب يقترب إلى ايديلوجية الفايروس . لقد حددت هذه العلاقات مسار الرواية ومكنت الراوي عبر النفاذ من خلالها إلى تحقيق قصديته الكامنة وراء اختياره لنوع تلك العلاقات في تحليل الأحداث التي يمر بها  الشعب العراقي في الفترة الحالية وهي أحداث يقف وراءها ( أمية التاريخي ) . وتبرز عبر سير الأحداث طبيعة العلاقة التي تربط هذا الشخصيات التي شكلت نموذجا مختصرا أو عينة من الشعب العراقي المنقسم بين طرفي الصراع بحكم عملية التمذهب ، فيكون صلاح إلى جانب الفايروس ويخشى الآخرون ثورته بين الحين والآخر لكنه يبقى محافظا على هدوءه حتى النقطة التي يصل فيها إلى قناعة إنهما لا يستطيعان القضاء على الفايروس فيعلن عن رأيه ( أنتما اسمعاني جيدا . . . أنا هنا معكم كي أمكن نفسي من ان تعترف بان السيد أيوب ، رجل طيب . . . وأكثر من يجيد التعايش ، بينما أمي على فراش الموت ) الرواية ص110 . وبينما يظهر ان الأم ( رمزية ) تعيش خارج حلقة الحث الرقمي ، مشغولة بحزنها ، إلا إنها موجودة في صميم الحدث ( الآن رأيت صورتها أو تجلياتها السفلى في هذا العالم / الرواية ص 113 . صرت اقتفي مثيلاتها في الشفرة . . أم الصبية في اليمن وغيرها من ثواكل التاريخ إلي أبادت فلذاتها خيول أمية طاعة للمخلوق / الرواية ص114 ) .

    وتأتي نهاية الرواية كما هي النهايات في أي عمل بوليسي آخر ، حيث يتم القضاء على الفايروس بعد تعثر كاد الجميع ان يفقد الأمل معه ( لقد فشلنا أليس كذلك . . . . وتركنا أمية خلفنا يعبث بالعالم ويثكل أشياءه ) الرواية ص 110 . ثم تأتي الفكرة التي قدحت في رأس عمار ، الراوي والشخصية المحورية في الرواية ، بعد ان رأى رمزية فاستذكر مثيلاتها في العالم الرمزي واكتشف الحلقة المفقودة التي أدت ال القضاء على الفايروس /  المجرم .

 

Hsaen2000@maktoob.com