الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها - الرقيب ضمير الكاتب

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

17  تشرين اول  2008

ابحث في كتابات

 

ســـنــمّــار ، أوبرا شعرية ... تمثيلية ... إنشادية ... إِيقاعية ... إيمائية  للشاعر العراقي الكبير محمد علي الخفاجي

 

sabahashour@yahoo.com

 

 

المقدمة

 

أزعم – بهذه المدوّنة – أنني أقدم نصاً حوارياً متداخل الأجناس لأول أوبرا عراقية عربية تتعدى الأشكال الى رؤية شاملة لمسرح كلّي شامل . ولأن النص هذا – حد اطلاعي – سيكون الأول في أبناء جنسهِ فإنه لاشك سيكون هدفاً واضحاً

– ولأن الأهداف الواضحة هي المقصودة بالرمي دائماً – لذا توجَّب عليَّ أن أتقبل كل ملاحظةٍ قاسية شرط أن تكون مخلصة .

وسنمّار معمار بنى قصر الخورنق لملك الحيرة النعمان ، وجعل ذلك البناء الشامخ يقف على آجُرَّة واحدة لا غير !! لاشك أنها معجزة أليس كذلك ؟! . وبدلاً من أن يكافئه الملك على جهده المبدع هذا ألقى به من أعلى القصر .. فأماتَهُ . وهكذا يتجلى واضحاً مناوأة الحاكم للمبدع منذ القدم فيسقط الوطن لسقوط مبدعيه ويصبح سنمار شهيد إبداعه المتمثّل في تلك العمارة التي لن تتكرر . وهكذا أيضاً علينا أن نتذكر أن هذه البلاد كانت ومازالت هي بلاد الحضارة والعمارة والقتل العمد بدم بارد .

 

" شدنا الحياةَ فكوفئنا الممات كما          

   شاد الخورنقَ كي يردى سنمارُ "  - محمد علي الخفاجي

 

 

 

المشهد الأول

 

للمسرح ستاران

الستارة الأولى لا تبتعد عن الثانية سوى بضعة أمتار

ترفع الستارة الأولى إشارة الى أن الأوبرا قد بدأت

عزف منفرد على آلة العود - يفترض أن يكون أحد الآلات المشاركة في فرقة العزف . يتحول هذا العزف تدريجياً الى عزف هارموني جماعي لجميع الآلات كمقدمه لافتتاحية الأوبرا . يظل العزف مستمراً لفترة مناسبة ثم  يعود الى عزف شرقي لما يشبه الحان مدرسة الرحابنة وهم يسيرون ببطء نسبياً

أصوات من الجوقتين تسمع من خارج المشهد

الجوقتان تسيران من يمين المسرح الى يساره أو تقفان متقابلتين مع بعضهما قريباً من الستارة التي تفصلهما عن الجمهور أو تشف عنهما

 

جوقة 1:

             [ لا تضعوا بيضكم

                           في سلةٍ واحدة

                           فالسلال تُستهلك

                           والرجال              

                                     يموتون شبابا ] 

جوقة 2 :

                          لا تهجروا وطناً

                            غضاً بلا خارطة

                             فالبلاد تستبدل 

                               والجوار

                               يصيرون ذئابا

[ يتكرر الإنشاد حتى انتهاء المسير ]

لاشيء على المسرح حتى الآن في المسافة بين الستارتين . تنزل أو تتوجه الإنارة بحدة لتقف في مواجهة الجمهور كستارة ضوئية مانعة للرؤية بحيث لم يعد يُتبين خلفها شيء . ثم تنقطع فجأةً ليفاجأ َ بالستارة الثانية وقد رفعت وبان المسرح ولكن في عتمة تامَّة .

صمت قاطع يلف المكان

يتضح المسرح حين ينار فيما بعد مقسماً الى دكات وسلالم عريضة في عمقه وعديدة ترتفع على بعضها لولبياً وتفضي كل دكة الى أخرى وكأنها طريق جبلي .

كل دكة من الدكات تكفي لان تسير عليها المجاميع .

من خلفية المسرح ترد أصوات لطبول تُقرع على بعد بما يشبه قرع طبول الحزن في عاشوراء كربلاء . القرع يظل بعيداً وهو بمثابة تحية تؤدّى للبطل التراجيدي .

في الزاوية المظلمة من المسرح وعلى يسار المتفرج تنبعث أصوات تصدر عن بوقين متصالبين تخترق الصمت لبرهة من الوقت .

تهبط الإنارة من عليائها سريعاً الى أرضية المسرح مثل طير وببقعة تتحرك هنا وهناك وكأنها تبحث عن مصدر الصوت حتى تهتدي إليه فتضيء المكان الذي يقف فيه نافخا البوقين .

على يمين المتفرج من المسرح في الجهة المقابلة لجهة نافخي البوقين يخرج بعض الأفراد من بيوتهم وهم في حالة من يريد التعرف على مصدر الصوت حيث يقف أولئك الأفراد على أبواب بيوتهم قرب الكواليس .

تسقط بقعة ضوئية على وقفة كل منهم .

يغادر نافخا البوقين مكانيهما خفية عن الجمهور بينما تظل بقعة الضوء التي كانت تغطيهما ثابتة في مكانها وكأنهما لم يغادراها .

تنقطع أصوات الطبول البعيدة والأبواق .

فجأة ينتقل صوت البوقين الى أعلى دكات المسرح كأقرب مكان الى سقفه.

وحال صدور الصوت ثانيةً من الأعلى تتحرك بقعة الإنارة للبحث عن مصدره هنا وهناك حتى تهتدي إليه حيث تضيء الموقع الجديد لنافخي البوق .

تشرئب أعناق الواقفين أمام بيوتهم الى الأعلى حيث مصدر الصوت الجديد .

يبزغ في سماء المسرح هلال صغير يتكامل شيئاً فشيئاً ليصبح قمراً ... ثم بدراً  ، ثم لِيتراجع بعدها ليعود كما كان هلالاً . حتى إذا تلاشى عن الأنظار تعود أصوات الطبول والصنوج الى القرع والضرب وكذلك الأبواق وبصخب سريع ومتتابع كأنها الرعد ، حتى إذا بلغت ذروتها سقطت من ذلك الموضع رأس لترتطم بيسار أرضية المسرح محدثةً بذلك صوتاً هائلاً وكأنه صوت ارتطام نيزك لتستقر تلك الرأس على طابوقة مشعة لاهثة ومميزة وبالحجم الذي يفوق به الحجم الطبيعي . وضعت على محفة لتكون وسادة للرأس التي سقَطت .

الإنارة ترافق الرأس بالسقوط الى الأرض وكأن الرأس نجم هوى . تسود المسرح لحظة صمت ٍ قاطع .

تنهال البيارق والأعلام لتغطية الرأس .

مجاميع من الناس تخرج من بيوتها وهي تحمل بأيديها الشموع وتقف على الأبواب باحثةً عن مصدر الصوت وكنهه ، وحين تحاول التحرك الى أمام يلفت انتباهها دخول المسرح فتاة شديدة الجمال والتناسق هي زوجة سنمّار التي جاءت وبحركات إيقاعية تبحث عن زوجها وهي أيضاً كالمجاميع الواقفة في حال من الدهشة والذهول . تتلفت يمنة ويسرة وقد بدت عليها الحيرة ، فهي تجهل المكان الذي سقطت فيه تلك الرأس ، عندها تتحرك بقعة ضوء في اتجاهها باحثة عنها وما أن تصلها حتى تحاول أن تقودها باتجاه الرأس وببطء .

في البدء تظل زوجة سنمار واجمة .

بقعة الضوء تعاود الرواح إليها والمجيء حتى تنتبه الزوجة لذلك .

تتحرك الزوجة وبأداء باليه راقص وعلى إيقاع الطبول تزيد سرعته كلما اقتربت من الرأس وهي تقودها بقعة الضوء حيث تجتاز الحشد الواقف وتلقي بجسدها هاويةً على موضع الرأس منحنية وبأداءات من الباليه ليهرع أفراد المجاميع لوضع الشموع حول موضع الرأس .

موسيقى فيها مسحة من الحزن تستمر لبرهة ثم تتوقف ليعود قرع الطبول أحدهم يترك شمعة بطول رجل عند موضع الرأس

مجموعة من راقصات الباليه تتحرك من عمق المسرح باتجاه الزوجة المنحنية في طقس مواس ٍ لها حين تصل موضع الرأس تنحني عليها كما الزوجة ثم تنهض لتأخذها معها الى المكان الذي دخلت منه وقد غطى رأسها وشاح الحزن .

تنهض الزوجة حاملة الشمعة الكبيرة حيث تتقدم مجموعة الراقصات بأداء جنائزي

المجاميع الواقفة تظل في مكانها وأعناقها تتابع مسيرة الزوجة .

حيث تغيب الزوجة عن أنظار الواقفين، يهرع الواقفون ليستكشفوا ما تحت البيارق ، وما أن يصلوا حتى ترتفع تلك البيارق فجأة ً .

أصوات الطبول والأبواق والصنوج عالية ومتتابعة وكأنها توحي باكتشاف مهم .

بارتفاع البيارق ينهض على تلك الرأس ضريح شامخ وتصعد نافورة ضوء ساطع من موضع الرأس يغطي كامل المسرح حيث ترتد المجاميع الواقفة الى الخلف من هول المفاجأة

الزوجة التي كادت أن تخرج من المسرح تقف حين ترى ذلك الضوء ومعها راقصات الباليه وينتبه الجميع الى الضريح .

تخرج من ذلك الضريح أعلام وبيارق وهي تتقدم جوقات عزاء  تتابع والأعلام تتقدمها بين المسير مرة والوقوف مرة على بعد مسافة من الجوقات .

قطع مفاجئ لهدير الطبول

 

جوقة 1  :

           [ تنشد من داخل الضريح دون أن تُرى ] 

                            وهكذا الرجال في العراق

                                    مثل حنطة الشتاء

                                        ينهضون ثم يسقطون

 

[ حالما تنتهي الجوقة1  من النشيد تسير متقدمة الى الأمام حتى يصبح نصفها مرئياً   للجمهور حيث تتوقف لتبدأ الجوقة الثانية بالإنشاد ]

جوقة 2 :

           [ تنشد من داخل الضريح ]

                    ما دامت الأسماء أنثى

                                      فالملوك يحكمون

                   الماء في الجوار

                   والغيوم في الإناء

                                      والناس ظامئون 

 

[ تتناوب الجوقتان الأناشيد وهما يتقدمان الى الأمام بعد كل نوبة نشيد .

  زوجة سنمار ما أن ترى طلائع جوقة 1 تخرج من الضريح حتى تتقدم هي ومجموعة الراقصات وبيدها الشمعة الطويلة لتسلمها الى أحد أفراد الجوقة الذي  يتقدم أناشيد الجوقات

  تعود الزوجة ومجموعة الراقصات وبأداء باليه الى المكان الذي كنّ فيه ]

 

[ حين تغيب الجوقات المنشدة عن الأنظار يتخلف عنها رجل أعمى يسير على هدى  عصاه ، يتوجه نحو الجمهور وكأنه يوجه حديثه له وهو ينشد ]

 

                           خذوا بيدي ... خذوا بيدي

                      عراقيٌ أضاع هوية خضراء

                        بين غباره وتناحر الفرقاء 

                               [ صمت ]

                           يقال : وكان لي بلدٌ 

                           يعاودني

                           وخضرته عليه كغيمةٍ من آس

                           ومما في الطقوس

                                  يعلق الزوار في الأقداس

                          لماذا ألبسوه قطيفة حمراء

                         خذوا بيدي

                         فذا بلدي

                         خذوا بيدي

                         فذا بلدي

 

[ تتقدم الإنارة إثناء إنشاده لترشده الى الجمهور وقد حطت على مقدمة عصاه ]

  صوت 1 :

              [ من خارج المسرح وهو ينشد من مقام الحجاز ]

                     أنا الذي نظر الأعمى الى وطني

                                          فارتدّ عما رأى 

                                                  وارتاع من زمني

جوقة 3 :

          [ من العميان تخرج من المكان الذي خرجت منه الجوقات ويدُ كلٍّ منهم على كتف الآخر . يسيرون حتى يصطدموا بالأعمى صاحب العصا الذي تخلّف حيث الإنارة تتقدمهم لتدلهم عليه وهم يرددون ]

 

                                    متى نصل

                                    قولوا لنا متى نصل

 

صوت 2 :

            [ من داخل الجوقة ]

                                   

                                    ليس المهم أن نصل

                                    أو لا نصل

                                    بل المهم أن نرى حين نصل

                                   ما قد تركناه طرياً هناك

                                   باق ٍ كما كان على حاله

 

[ بعد أن ترتطم جوقة العميان بالأعمى صاحب العصا تسود لحظة صمت قاطعة   بعدها يسير جميع العميان ومعهم صاحب العصا باتجاه موضع الرأس وعلى إيقاع  طبول المحرم والإنارة خلفهم هذه المرة لان الأعمى يسير ببصيرته دون أن يحتاج الى ضوء أمامه .

 العميان يفترعون الواقفين حتى يقفوا على موضع الرأس .

يسرع القرع على الطبول والصنوج .

الأبواق ترسل أصواتاً يشبه السلام الملكي .

بأداء مسرحي ينحني العميان على المحفة التي سُجّيَ عليها الرأس والطابوقة حيث يرفعونها الى الأعلى بحيث تبدو الطابوقة للعيان واضحة وبريقها يخطف الأبصار وهي اكبر من الحجم الطبيعي .

المسير جنائزي

ترفع محفة الرأس الى الأعلى حتى تبدو واضحة أمام العيان هي والرأس التي تتوسط الطابوقة كما يرفع النعش على رؤوس أصابع اليد .

على إيقاع طبول وضرب السلاسل من خارج المسرح تضرب الأرض أقدام العميان وهم يدورون بالرأس حول محيط المسرح حتى إذا انهوا دورة كاملة ترسموا الطريق الى ارتقاء الدكات والإنارة خلفهم وهم في نية الخروج منها في موضع السقف .

 

 

 

 

صوت 1 :

            [ من الخارج ]

أنا الذي نظر الأعمى الى وطني

فارتاع  مما رأى وارتد عن زمني

جوقة :

        [ من خارج المسرح [ أصوات فقط تنشد ] 

                     يا شاهق الوقفة راجلا ً

                                    على آجرة البقاء 

                    والزهو حوله

                               تبرج الغابة في الربيع

                      آن لك الآن لتستريح 

                      فأنت منذ ذلك المساء

                     ومنذ أن تناقصت محبة الجميع

                                              لم تنم

                 ما مر عام والعراق ليس فيه جوع  

                 ما مر عام والعراق ليس فيه دم

 

[ طيلة مسيرة العميان يتوزع رجلا 1، 2 على جانبي المشيعين إثناء المسير وهما يتبادلان حواراً

 

رجل 1 :              أ رأيت

                        هذي آجرة

                        وهذي رأس

رجل 2  :            [ يتساءل ]  آجرّه  ؟!

رجل 1 :             انظر

                      أن لها لمعاناً

                             وبريقاً

                             وكأن تتثلم من شمس

رجل 2 :                   ومن أين يجيء لها اللمعان ؟

                             لابدّ هنالك من سر

رجل 1 : [ يكمل ]        وهذي الرأس

رجل2 :                   لمن ؟

رجل 1 :                 رأس سنمار

رجل2 :                 وإذن هذي آجرة ُ سنْمار

رجل 1 : [ يكمل ]     وسنمّار هذا  معمار

                          ما شهد التاريخ له أنداد

                          فيما مد الى الشمس من العمران

                          بأحلام مفرطة في الطول

                          والكرم الباذخ  بالساحات

                          وقرون طالعة بالورد وبالزينة

                          وسطور مثمرة تتدلى بالكلمة

                          واذرعه تتصالب تحت الشرفات

                          فكأن قلوباً والهة تُحمل بالأغصان

                          وأبوابا ينطبق المصراع على المصراع

                          بها من فرط الحشمة

 

رجل 2 :

           [ يتساءل وهو يروم الاختزال ]         

                                         مختصر السيرة  ؟

 

رجل 1 :

            [ يجيب ]     

                               مختصر السيرة

                              إن الملك النعمان

رجل2 :

            [ يتساءل ]    

                               النعمان الأعور ؟

رجل 1 :                       كلفه أن يبني قصراً

                                           في بادية الحيرة

                                فبناه سنمار من الآجر له

                                وبنفسهْ

                                جعل الآجرّة هذي في أسَّه

                                كي يتكئ القصر عليها

رجل2 :                      عجباً

                                لسنمار هذا من معمار

                                أن يتكئ القصر على آجرّه

                                لم يرو الأسلاف كهذا

                                              قبل سنمارٍ بالمرّه

 رجل1                                      ولا بعد سنمار

رجل2 :                وماذا بعد ....  ؟

رجل 1 :               في مجمل ما سأقول  

                        أن سنماراً هذا

                        كان ضحية تلك الأسرار

جوقة :[ العميان قد وصلت موضع الخروج بالرأس الذي تشيعهُ باقي الحشود

              ومعها رجل 1 ورجل 2 ]

 

صوت1  [ ينشد وبمقام عراقي وليكن الحكيمي مثلاً بيتي الشاعر الجواهري .. بتصرف . الإنارة على الرأس ]

        

       [ نحن الذين أعرنا الكون بهجته

                                      وخربته ملوك وهي أنفارُ ]

 

جوقة العميان تتوقف . تنتقل الإنارة الى جوقة الأدباء المفكرين يقفون على أحد الدكات وهم يحملون كتباً وأقلاماً وحقائب وقد رفعت على رؤوسهم لافتة تعّرف بهم كُتِبَ عليها - اتحاد الأدباء والمفكرين -  تكرر القول  

                 نحن الذين أعرنا الكون بهجته   ...... الخ

 

راقصة 1  [ تتحرك من مجموعة راقصات الباليه بخفة أداء وتَبْرُكُ قدّام مجموعة الأدباء  وهي في هيأة من يريد التصوير معهم . نلمح فجأة بريق فلاش التصوير كناية عن أنّ الصورة قد أنجزت ]

 

جوقة :      [ من الفنانين التشكيليين يحملون ألواحاً وأصباغاً واستاندات وباقي اللوازم وقد وقفوا على الدكة التي تلي الأولى باتجاه السقف وهم يكررون ]

                                 نحن الذين أعرنا الكون بهجته ...... الخ

وقد رفعت على رؤوسهم لافتة وقد كتب عليها- جماعة الفنانين التشكيليين -

 

راقصة 2  [ تتحرك وتفعل مع الفنانين التشكيليين ما فعلته راقصة 1 يتكرر بريق فلاش التصوير أيضاً ]

 

صوت 1  [ يكمل ]

                         وخربته ملوك وهي أنفارُ

 

جوقة :   [ من المعماريين وهم يحملون التصاميم والخرائط والنماذج وقد رفعت عليهم لافتة كتب عليها اتحاد المعماريين .. يكررون ما قرأه صوت 1 ) وقد وقفوا على الدكة الثالثة ]

                                          وخربته ملوك وهي أنفارُ

 

راقصة 3  [ تفعل مع المعماريين ما فعلته راقصة1 وراقصة2 مع السابقين ]

 

جوقة :   [ من النحاتين وقد حملوا أزاميلهم وطينهم ونماذج من منحوتاتهم وقد علتهم لافتة كتب عليها "النحاتون" وهم يقفون على الدكة الرابعة وهم يرددون ]

                         

                                         وخربته ملوك وهي أنفارُ  

 

راقصة 4  [ تفعل مع النحاتين ما فعلته الراقصات السابقات ]

صوت 1  [ يعيد ]

   نحن الذين أعرنا الكون بهجتهُ

                                      وخربته ملوك وهي أنفارُ

 

[ تتضح الفرقة الموسيقية مع صوت 1 ومن بين آلاتها آلات شرقية ,العود والربابة والناي والسنطور والطبلة والرق والجوزة إضافة الى الآلات الأوربية حتى ولو لم   يشارك صوتها في العزف ]

جوقة : [ الأدباء تنشد]

                                           شدنا الحياة

جوقة : [ التشكيليين]

                                           فكَوفئنا الممات كما

جوقة : [ المعماريين]         

                                           شاد الخورنق

جوقة : [ النحاتين]

                                           كي يردى سنمّارُ

الجوقات [ مجتمعه تنشد وهي تتقدم بالصعود الى نهايات أعالي المسرح ]

                  نحن الذين أعرنا الكون بهجتهُ

                                    وخربتهُ ملوك وهي أنفارُ

                   شدنا الحياة فكوفئنا الممات كما

                                    شاد الخورنق كي يردى سنمّارُ  

[ تكرر ]

                         شاد الخورنق كي يردى سنمّارُ

 

[ يتكرر الصوت والجوقات تتقدم حتى تخرج من المسرح من الجهة القريبة من السقف حيث تختفي وقبلها مجموعة العميان حاملةً الرأس ]

 

رجل 3  [ يتخلف عن الحشود حيث يرتقي المكان ويعلق لافتة عريضة كتب عليها عنوان :  أوبرا سنمّار ]

 

[ يظلم المسرح ]

 

رجل 1 ورجل 2 يهمان بالعودة الى البيت من الجهة التي دخلا منها بعد أن اظلم المسرح قليلاً

رجل2 :                      لم يبق الآن لنا

                                  سوى العودة للبيت

 

رجل 1 :                       نعود إذن

                                ذلك اكثر أمناً وسلاماً

                                فالوقت تأخر

                                وقد نؤخذ بالشبهة

 

[ يظلم المسرح كلياً فيضلان طريقهما .. يرتطمان ببعضهما حيث يذهب كل منهما   لطريق غير طريقه ]

 

رجل2 :                       لكن كيف لنا أن نصل البيت

                                وقد أظلمت الدنيا  ؟

 

رجل 1 :                       وأنا أيضاً اظلم ما حولي

 

رجل2 :                     إذن من أطفأ هذا الضوء

 

رجل 1 :                       لا أدري

 

رجل2                       سأضل طريقي

                               فمن يرشدني كي أصل البيت  ؟

 

رجل 1 :                     بل قل من يرشدنا

                               فأنا مثلك قد ضلت قدماي طريقهما

                      هيا

                              اطلب من يرشدنا وعلى عجل

                             

رجل2 :                     حسناً

                              لكن يبدو أن لا أحد ظل هنا

                              حتى الأعمى

  [ يطلب المساعدة ]    يا أهلُ الخير

                             أحد يهدينا في هذي الظلمة

                                               حتى لو كان بصيرا

                             أحد يرشدنا

 

الأعمى   [ يعود الى المسرح بعد أن سمع النداء وهو يضرب بعصاه الأرض ذاهباً باتجاههما وكأنه يرى حيث يأخذ بيد أحدهما ليضعها على كتف الثاني فيضع الثاني يده على كتف الأعمى ليسير بهما حتى يوصلهما الى منطقة الخروج فينفصل عنهما ]

 

رجل2 :                 والآن

                          من أين سيسلك كل منا للبيت ؟

                          وأيّ طريق يختار

 

الأعمى   [ يرفع عصاه مشيراً الى الجهة التي يريدون وكأنه بهذا يرشدهم الى الطريق حيث يتجه الرجلان وهما يتلفتان بين حين وآخر الى الأعمى .

 

 

[ إظلام ]

 

 

المشهد الثاني

 

الإنارة على سنمّار وهو شاب وسيم يرتدي ملابس بيض يزنره حزام عريض من نسيج ازرق ، يرصعه بوضوح صدف اصفر ذهبي ، يقف على أعلى دكات المسرح وكأنّه يريد أن يطل على الأرض التي سوف ينهض عليها قصر الخورنق . في الأرض وعند موضع الباب الذي سوف يقام للخورنق هناك بئر ماء سوف يؤخذ منه الماء الذي يستخدم للبناء وهناك إناء عريض فيه الآجرة التي سوف يقوم عليها القصر . الآجرة هي كما وُصِفَت سابقاً .

 

[ سنمار واقف بشموخ وهو يطيل النظر الى ارض القصر والى ماحوله من ارض الحيرة ]

 

 

جوقة 1 :

            [ تنشد ] [ وكأنها تتغزل بسنمار ]

 

                               طيور الجبال

                                             عليها خيال القمم

                                 وظل البيوت على الراحلين

                                               وصمت الحجر

                               هكذا         

                                حامل النار في قلبه

                                        دائماً مكللة ٌ راسُه بالشرر

 

سنمار :

           [ يهبط من السلالم الى الأرض حيث ينحني على البئر متناولاً منه ليشرب أو ليغسل يديه مدللاً للجمهور أن البئر فيه ماء ]

         

   جوقة 2 :

            [ تقف قبالة جوقة 1 وتنشد ، والعيون على سنمار ]

            [ تنشد ]

                                  في انتظار المياه

                                  في انتظار البذور الجديده

                                  تجلس الحيرة الان بين صهيلين

                                  يصعد الماء في البئر

                                               من اخمص القدمين

                                  ويدفق بالسيل نحو التخوم البعيده

                                  والخورنق

                        تل من الورد يعبق

                        ومصباح هذي الفيافي المديدة

 

[ ينهض سنمار ليقف عند الإناء الذي تتوسطه الآجرة حيث يطيل النظر إليه . تظهر الزوجة على المسرح وتبدأ بالدوران حول سنمار بأداء راقص يدل على الفرح والإعجاب به وببريق الآجرة ] .. مجموعة الراقصات في حالة اقتراب وابتعاد عنهما .

سنمار :

          [ يرفع الإناء من على الأرض وينظر الى الآجرة التي تتوسطه أو يكتفي الوقوف عنده وينشد ]

 

                         واذن

                         هذه حجر الزاويه

                         وجمرتها الواقده

                         هي اصل الأجنّةِ في الرحم الواعده

                         كم هي الان مترعة بالجمال

                                           ومثقلة الطين بالعافيه

 

الزوجة :

           [ تهوي على الآجرة التي تُلفت انتباهها ببريقها كالطير ، وهي في حالة من الانبهار .. ثم تقف عند سنمار مخاطبة إياه ]

                      أوَ تسمح لي باللمسْ  ؟

                      هذا حجر ذهبيّ اللونْ

                      كأن يتثلم من شمسْ

                      انا لم ار من قبلْ

                      طيناً من عسجدْ

                      او آجُرّاً مثل نجوم تتوقد ْ

سنمار :

          [ يكمل متغزلاً بالزوجة مداعباً ولامساً خدها ]

           

                     او مثل خدود مغوياتْ

                                   وهي تشع من الحسن

                                                      كضوء يتهجد ْ

[ متمادياً ]         لو تسمح لي الوردةُ باللمس

 

[ راقصات الباليه ينسحبن بعيداً كي يخلى المكان للزوج وزوجته ، الغزل يتصاعد .. تنسحب الإنارة بشكل شبه كامل ويبقى سنمار وزوجته في الظل الشفيف . الأجواء   فيها شيء من الرومانس والخيال ]

 

الزوجة :

          [ بغنج ]

                      سنمار

                      أنت تقول كلاماً

                           يستدعي الروح على عجلٍ

                           حتى تقطفني فيه بخلوه

 

سنمار :             دعيني أتبتّلُ عند رخامكِ ياامرأةً

                                واقطف شيئاً في هذي الخلوه

                      اصطادك نهراً يجري بنعومه 

                    وممر حرير

                    فأنا حين أقول كلاماً بضاً

                    وأراك به ماثلةً

                    فكأني اشعل في كل امرأة مثلك

                                      نون النسوه

 

الزوجة : [ بغنج ]     

                   دع عني الساعة َ نونَ نسائِك .

 

سنمار :          لماذا   ؟

 

الزوجة :         أخشى لفراشاتي

                    أن تهجر في الفجر

                                 بَليلَ الروض

                    وتسقط في جمرة مائِك

سنمار : [ يتمادى . حيث يسحبها إليه لتصبح بين يديه . الإنارة تتحرك خاطفه لتسرق منهما لقطة ثم تعود الى ما كانت عليه ]

 

                         كل نهار

                         يتجدد فيكِ ربيع غض

                         يتلهف لي

                         وتخبئهُ عني اوراق حيائِك

                         يتفجّر تفاحك فيّ شظايا

                         فَيُرتل حبك في روحي

                         جوقُ ملائِك

 

 

الزوجة :

    [ تنفلت من بين يديه وتتحرر حيث تعود الاناره لتغطي مشهدهما ]

 

                     قلت سنمار

                          دعني الساعة

                               كي اعرف ماذا يومض حولي

 

سنمار :          ماذا يومض  ؟!

 

الزوجة :        كأن عيونا لطيور النورس قد ومضت

 

سنمار :         أين  ؟

 

الزوجة :       في هذي الآجرة

                  قل لي   ما السر  ؟

                 تبدو هالتها كالشمس على اهبة فجر

 

سنمار :       حسناً

         

 [ يشرح حيث يأخذ الآجرة بين يديه أو الإناء الذي يحملها .. الإنارة تركز عليها وتمنحها بريقاً ]

 

                هذي الآجرة ياامرأتي بيضةُ عقر

                ليس هنالك ما يشبهها

                او يخلفها

                هذي الآجرةُ

                سوف تُدسُّ بارض الحيرة

                حيث يحط عليها قصر

                           وكأن حط عليها نَسْر

               والحيرة أرض ومياه

               لو دست هذي الآجرة فيها

               لتلألأ وجه الأرض كعاج

               وصار لذلك أشباه

[ يضع الاجرة من يده ]

 

الزوجة : [ تتحرك راقصة بمرح مجسّدة ما يقوله سنمار ]

 

سنمار :       أرض صافيةٌ

                ومياه طافيةٌ

                في النبع المنهمر الصافي

                تتعدد اشباه القمر الرجراج

 

الزوجة :     لا أعجب

               إذ أنت تَزيد من المدح

               لِما تنوي ان تبنيه به

               ذيل الطير يشي بتوجهِهِ

               حيث يميل ويرتد

 

سنمار :      سأجعل ما ابتنيه به

               درةً من عجب

               تفاحةً في اوان القطافْ

               لن تريْ في المنام مثيلاً له

               أو شبيهاً له في المكان

               فكأني به – والرياحين من حوله –

               ولد طالع بثياب الزفاف

 

الزوجة :    أتعني بذلك قصر الخورنق ؟!

 

سنمار :

           [ يسترسل ]

          

               بناء من الشرفات الموشاة

                         في الضوء يغرق

              وآنيةٌ كلما اتسعت

              اُ تْرِعَت بالشراب المعتّق

              غرفٌ ...

              حجرات

              وأبوابه خشبٌ صندلٌ

              إذا دقها الضيف في الليل تعبق

 

[ راقصات الباليه يجسدن مايصفه سنمار ]

 

الزوجة :    ذاك قصر إذن

               ليس يهرمُ

               او تستقر التجاعيد فوق ملامحهِ

               سيبقى فتىً امرداً

               فللضوء ممحاتُهُ

               تمحو شروخ المكانْ

               تلك التي أعقبت خطو أظلافهِ

               سوف أفضي له في الشباب مكاناً

              فيشيب عليه الزمان

 

الزوجة : [ تؤدي الرقصة بشاعرية واضحة ]

 

جوقة 1 :  [جالسة حيث تجلس جوقة 2 قبالتها ، تنشد وكأنها في حوار مع سنمار ]

 

             الخورنق  !!

             بناء من الشرفات الموشاة

                                   في الضوء يغرقْ

            وآنية كلما اتّسَعَتْ

            أُتْرِعَتْ بالشراب المعتقْ

            وأبوابه خَشَبٌ صندلٌ

            إذا دقها الضيف في الليل تعبقْ

 

سنمار :  وسأعجن حنّاء حيطانه

                           من خضرةٍ وأَبَدْ

            من مياه الفرات ببابلَ

            من صخر آشورْ

            وزقورة اورْ

            وحجارتُهُ من اكدْ

            سأدبب اطرافها جيداً

           لأرهف في رأسها حدِّّّّّة الوخزْ

           افقأ فيها عيون الحَسَدْ

 

الزوجة :

            [ تعلق ]

          

          لن تكون إذن أنت بانيه

          بل انت عاشقه المتفانيَ فيه

          والقرين الذي

          يُطعم النار وردَ الجسدْ

 

سنمار :

           [ يكمل ]

        

          ولكي أفتري                        [ يهيم اكثر ]

          بعض ما أفتري من ضَلال

          سأجعل من حوله خُدْعة للظِلال

          موهمة عين ناظرها

          كلما زحفت عن قوائم ابوابه

          طاردتها كلاب الحراسةِ

         واختلفت نحوها بالظنونْ

         سارفعه شامخ السمت حتى

         تخب النجوم على سطحه بالزبد

         وتطوف الكواكب مُحْرِمَةً حولهُ

         حبال اشعتها كالمسد

 

سنمار : [ صوت مع ايكو ينشد بمقام حكيمي ]

         

           وبكل منعرجٍ من الصحراء

           اوقف أيّلاً صعب المنال

           يدعو الايائل في العشيات النديةِ

           كي تعلمني خطاها في الجبال

           والأزهار عند القطفْ

           ثم أُوصي الريح تحمل لي

           تراباً خاشعاً

                   حين الحمام يمرُّ ارض الطف

           وطيناً من تخوم اكد

 

الزوجة :   إن قصراً تصير النجوم حجارتُهُ

              لن تكون مياه البناء لهُ

              غير فيض الزبد

 

سنمار :   كل آنٍ تمر به نجمة في السماء

              فيقنصها

             ولذا ...

             سوف لن يقفل الليل آخرَهُ

             كي تعود النجوم لاعشاشها

                              قبل ان يهجر الفجر قبتَهُ

            ثم أُشعِلُ أعين حرّاسِهِ

             وجنود مداخلِهِ

             بدوام الهوى والهيامْ

             وحنين اليمام

             هكذا ........

             فالهوى

             للعيون التي لاتنامْ

 

الزوجة :  وجنائنهُ ؟

 

سنمار:    ما تعنين  ؟!

 

الزوجة : اعني

            كيف ستبذرُ زهراً أو عشباً في صحرائِهْ

            كيف تغطي صحراءً واسعةً

            بغزير البذرْ

            ومن اين تجيء لها بالماء لِتخضر

 

سنمار :

           [ متباهياً ]

            أنا لن ابذرها

الزوجة :

            [ تعجب ]

           لن تبذرها .. ؟

 

سنمار : أو أجري الماء لها

 

راقصة 1 :

               [ ترافق مجرى الحدث ]

 

الزوجة :

             [ بدهشة ]

              ماذا  ؟

 

سنمار :   فأنا حين أشيد القصر

                               منيفاً .. مرتفعاً

            ستأتيه لتنعم بالظل طيور الصيف

            وبين أصابعها ومناقرها

                               ما ادِّخرته من الحَبّ او البذر

            واذ هي تشغلها دهشتها 

                                      من هيبة ذاك القصر

           ومما تُبْصِرهُ فيه

           وما اتسعت فيه مبانيه

                             بالطول وبالعرضْ

                             ستسهو

                  وستأخذها الغفلة عما حمَلَتْ

                  واذ ذاك

                  سيسقط من بين مناقرِها

                  وأصابع أرجلِها

                  ما حملته من البذر

                            الى الأرض

 

الزوجة :      والماء ؟!

                 من اين تجيء لها بالماء

 

 

سنمار :

          [ يستمر ]

         

               ولعل سحابا مُسِنّاً يمر به

               وهو يحمل في حضنهِ الماء

               واذْ هو يعجز عن مسك اذيالهِ

- لكهولته -

                سوف تفلت منه حواشيهْ

                وَيُسْقط ما كان من مطرٍ فيه

                عندها - واذ يهطل الماء -

                 يتفتق من فرحٍ موضع ميتٌ

                 ويصعد نَهدٌ من الأرض

                 فيأتلف الزرعُ والضرع

                            والبذرُ والماء

                            فيكون النماء

 

جوقة : 2

           [ تنشد بلحن بهيج . صوت فقط ]

         

           فتطول الاشجار

           وتشب الازهار

           حسناً تفعل ياسنمار

           حسناً .. حسناً .. تفعل ياسنمار

        

          [ يتكرر الصوت حتى يتلاشى ]

        

          [ يجري تبادل للأدوار حيث يحل النعمان في الحوار بدلاً من الزوجة ]

       

          [ وقبل أن يظلم المسرح وتغيب الزوجة . الإنارة على قصر السدير الذي لا يبعد كثيراً عن مكان قصر الخورنق . النعمان في الشرفة وسنمار على الأرض . النعمان حين يلقي تعاليمه على سنمار كأن سنمار واحد من حاشيته ]

 

صوت :

           [ من خارج المسرح ]

 

              النعمان الأعور

              الملك النعمان

 

النعمان :

           [ وكأن الحديث مستمر وهو يصدر اوامره لسنمار ]

 

             خذ هذه الاماد متسعاً

             لما تبنيه في الحيره

             أرْسِل سراة البيد تعرج في القرى

             أنْزِل بصهوتك الفرات

             واصعد بِسُلِّم موجةٍ

             أرْسَت رقائقها على الضفتين

             واختطت مياه النهر

                          فوق اديمها السيره

            خُذْ عنفوان البحر

- ان شب الهوى-  من ثوب موجتهِ

           وِمِنْ صفو المجازات الشفيفة في الكلام

 

سنمار :     هكذا كنت ازمعُ

              او هكذا كنت ارجو

              سأرفع هذا الخورنق

              سأُنشيء اعمدةً

               تبدو نعومتها

                         مثل قامات بعض النساء

               اذا سمعت غزلاً ناضحا

                          تتهدل للعري من طرب وهيام

               وان لامستها يد  مَثّالها

                             أرسلت غنجاً في الكلام

               وكأنّ هوى قادم

                          من عراقية العشق

                           قد اذنت بمحبتها

 

جوقة : 2

          [ تعلق منشدةً . صوت فقط ]

 

          رقصت

          ثم مالت - على طولها

          بالخصور المحزّمه

          فتنة فوق صدرها

                  ازهرت مثل اوسمه

          والخورنق من حولها

                        فائح بحدائقه

                        ناصع في الظلام

 

سنمار :

           [ يكمل ]

    

         وسأرفع ساقية

                         وكأن تنزل من جبلٍ

                         لها صخب الماء

                                           حين يفور

 

النعمان [ باعجاب ]

سنمار                 سحرٌ يجرُّ عشيقه للباب

                        سيكون الخورنق ذا

                                  لا شبيه له

                                           بين كل القصور

النعمان :            

                      حسناً  ياسنمار

                      نَبَّني  كيف تبنيه  ؟

 

سنمار :

           [ يخط على الأرض .. بينما الإنارة تتنقل بين تخطيطه وقصرٍ الى جانبٍ منه ينهض شيئاً فشيئاً مع حديث سنمار وتخطيطه . العمال يروحون ويأتون حاملين عُدَّةَ البناء ولوازمه .. آخذين الماء لغرض البناء من البئر الذي يقع عند باب القصر أو الى جانبٍ منه . سنمار يحفر الأرض ويدس الآجرة فيها ]

 

                   اولاً

                   هذه بذرة القصر

                   أُودِعُها في الاسس

                   سوف ارسم دائرة الوهم

                   في صفحة الغَمر

                                      من حولها

                  ثم اثبت ابنيةً فوقها

                  لامثيل لها

                  وسأجعله واقفاً

                  هكذا

                   وله هيبة الحجر المستبد

                   لن تجيء الرمال الى حدَّهِ

                   فهو دائرة دون حد

 

النعمان :

             [ يسأل ]

                 وحجارته ؟ !

 

سنمار :

                 ستكون حجارته

                 حافظة لقوائم ابوابه

                 وعلى تاجها

                 ارسم الكلمات المبينه

                 ذات المياه العميقه

                 سأجعله هكذا ...

                 صَدْفَة عائمه

                 وكأن سلال الزمان

                 اسقطت من تشققها

                               برهة ناعمه

                سيكون الخورنق

                شرفة للنجوم

                والنجوم له تنتمي

                حين ألفُظُ احرفه صُدفةٌ

                يتساقط زيتونه في فمي

 

النعمان :

              حسناً ياسنمار

              انا منتظرٌ

              اذا اكتملت وردة الحب

                                 في سرها

             وصار البناء دخاناً

                             يتصاعد من اسفل الأرض

             حتى عنان السماء

                                وقام الخورنق

                                اتيت اليك

                                          وشاهدتهُ

 

[ قصر الخورنق يقوم تدريجياً .. بينما يغيب النعمان ليظل سنمار واقفاً ]

 

جوقة 1 :

             [ تظهر واقفة . تنشد ]

 

                    مهندسُ التراب

                    مروّض الحجر

                    وواهب الاجر بردة الحياة

                    وخضرة الشجر

    

جوقة 2 : 

[ تظهر وتقف في الجهة المقابلة للجوقة 1 وكأنما يتقابلان في الحوار ]

  

                       من غابة روحٍ فيه

                       جاء له بالخضرة والطين

                       والشمس بدارتها

                                    ومياه التعدين

                        ولين خصورٍ وبساتين

                        وبأسفارٍ واعدةٍ

                                    من ماضيه

 

[ تظلم جهة سنمار والنعمان حيث يغادر المكان بينما تضاء منطقة البناء والعمل كل عاملين يتساعدان على حمل الأحجار الضخمة ]

 

[ الإنارة تتحرك من عامل الى عامل ومن العمال الى سنمار ... الى القصر والى الجوقات في حالة متابعة جادة ]

 

جوقة : 1

                 [ تظهر واقفة ]

                       

               هذا القصر له وزن جبل

                              فاذا نقص الواحد وزْناً

                                           نَقَصَ الاخر

                       وسنمارٌ يتوسَّطه والعَمَلَهْ

 

                     [ يظهر سنمار بين العمال ]

 

                     وكأنْ نَحْل يجلس بين خلاياه

              

                     [ الإنارة على سنمار وهو يحمل حجراً ضخماً ]

 

صوت :

            [ يعلق ] [ المقطع من النثر ]

 

                 يحمل الحجَرَ الضَّخْم لوحدِهْ

                 ولا يتمايل على كاحِلِه

                 يشكّل من الحجر لوالب وزهريات

                 أُسَراً لفراشات

                 يضع على الجدران طلاء شبابه

                 زجاج نوافذه ناعمه

                                   كرشاش الماء

                 هُوَ يضبط مكامن الحجر

                                      ليُجلسه حياً بين سواه

                 كما يضبط العازف اوتار معزفه

                 والشاعر في السر بحور الشعر

 

جوقة : 2

  [ تنشد ] [ والإنارة تتابع وتوضح ما ينطبق على الوصف بعد أن تنهض ]

 

                 يسقي الآجر بماء الروح

                          فيرسل في الأرض بياض القطن

                 ويؤسس في الصحراء مكاناً للغبطه

                 او يفتح طرقاً ماثلة

                                   مثل لحون ملتويه

                 يدقُّ على الاجر بقبضتهِ

                 كالريح تدق بموج البحر

                                  على درع سُُلحْفاة

                 ويفتح في الصخر مجالاً

                                        فيه لِمطْرقَتِهْ

                  مثل سنونوةٍ تَبني احلاماً

                                       بسقوف عاليةٍ

 

جوقة : 1

                  ملك الفيروز

                  ملك الرابية الخضراء

                  مرتفع الهامَةِ

                  ليس بمقدور احد

                  ان يفرقَ هامَتَهَُ عن نجم

                  هو يقظان ُ الان ويحلمْ

 

جوقة : 2

                سنمار

                غيرك لايترك من بَعدِه

                غير خيالات وغبار

                واذن

                ليظل على هيأتِهِ

                كعب حذائك مرتفعاً

                يدق على صدر الأرض

                فتطير عصافير القصر

                                   كَرَشْقِ حصى

                حسناً كان هو الباديء

                عرق يديه على الاجرَّ

                                       كما الطّل على الزهرْ

 

جوقة : 1

          [ تنشد ] 

 

                واذ تسقط حبات العرق الساخن منه

                لا تذهب هدراً

                                بل تتسرب في الأرض

                فيقوم الحجر الشامخ

                                 والظل الباذخ

                والافق يميل عليه

                                 كخيط واطيء

جوقة : 2

          [ تنشد ]

 

               آيه سنمار

               في حضرة اشجار الاجر

               تلك اليانعة الان بدهشتها

               لا احد يتذكر ملكاً في تاريخك

                                      او سلطان

               منسيُّ كل اولئك الا انت

               ولن يبقى في ذاكرة الزمن القادم

               الا وقع خطاك

                            وما عبرت من مألوف

جوقة : 1

 

           حين مسحت على الآجر يديك

                         كما تمسح كفٌ حانية

                                          اللمس على رأس

                          تعلّم كيف يلين

                                      وتعلمت الجدران متى تتأوّدْ

 

 

إظلام

 

المشهد الثالث

                  

 الوقت عصراً

 

في القصر  [ العمال خارجون داخلون  بلوازم البناء وعدّته ومنهم من يعمل ويواصل البناء .

البناء على أُهبةِ أن يتم .

سنمار يقف مشرفاً بلباسه الأنيق وقد أعجبه ما تم من عمل مبدعٍ في القصر ]

 

بيت سنمار في ركن من أركان المسرح تقوم على بابه غرفة شباكها على الشارع

 

العمال   [ وهم يعملون يترافق ذلك مع انشادهم واعادة ذلك الانشاد ]

             الصوت يتصاعد تدريجياً ، الإنشاد أفراداً  أفراداً أو جماعة متغزلين بالحيرة والخورنق

 

                              السماوات

                              مرصوفة  بالنجوم

                              كيف امكن للساهرين

                              ان يشهدوا

                              نجمة جديدة

                                                  ( يتكرر الإنشاد )

 

جوقة 1  [ تنشد وقد نظرت الى سنمار . الإنارة على سنمار ]

 

                      هذا البنّاء

                       لايشغل بيتاً مبنياً

                       بل هو يُجْبلُ  فخاً

                                           من ريحٍ وخيال

                                            او حلم ٍ ازغب ْ

                      ومن ملح مبتلٍّ بيديه

                      ثم يُسمي جدراناً

                                         بفمٍ مفتوح

 

[ الزوجة تخرج من دارها بمشيه انثويه ذاهبة الى سنمار ]

[ سنمار يطل على باحة خارج القصر فتشهده الزوجة بلباسه ذاك  حيث يستدعيها ذلك للتغزل  به ]

 

 

الزوجة :    الطول فاتن كأنصال السيوف

                            والحزام ازرق

              والثوب ابيض كضحكة القرى

                          والشعر مجدول كليلة السرى

                          والشمس في عينيه

                                وقت العصر قنديل على الخورنق

 

جوقة الراقصات  [ تمر وهي تنشد راقصه ماسمعته من الزوجة ]

 

سنمار [ ينشد ]

 

                امرأتي

                جسد تياه

                تمشي بنفائسها

                وكأنْ موجةُ بحرٍ

                        ضربتها ريح

               فمضت تترجرج بنوارسها

 

الزوجة  [ تقف في الظل على المسرح لتسترق السمع ، بينما الجوقات تواصل ]

 

جوقة 1 [ تقف ومعها جوقات اخرى امام سنمار والقصر ، وهي تنشد ]

 

               آه سنمار

               بهجة ذاتك تخفي مافيك

               فعجل بولادة مافيك

               فالكل سيرحل

               والكل سيُنسى الا انت

               وسلالة ماضيك

               من انطق هذا الحجر الصلد سواك

               واجرى في السقف

               سواقي  الاقواس المنحنيه

               فبدا كالكرم المفرط بالطول

                               في وسع مداها ومداك

            

                      ( الاناره على الخورنق )

 

جوقة 2  [ تتقدم من باب القاعه الى المسرح ]

 

             مهما قيل

             فقد كان هو الباديء

             طرد البحر عن الأرض

                                 وذاد عن الشاطيء

            اشرف بالطول وبالعرض على الحيرة

            كان كقوة حلم يتنامى

                              فوق اديم السيره

 

 

 

 

جوقة 3

          [ تكمل ]

          

              الحجر الشامخُ

             والظل الباذخُ

             والشرفة  درةُ تاجْ

             هذا الشاهقُ في وسط الصحراء

             والواقف في حالٍ نيرَّةٍ للسُّكر

                              والافق يميل عليه

                                        كخيط واطيء

 

جوقة 1

           [ تنشد ]

 

           لولا مااتقن نجّار من فنٍ

                         في خشب البستان ْ

           لما حط على عرش سلطان

           لولا ماشيَّد بنّاء من بنْيان

           لما نام ببيت نعمان

 

جوقة 2 :

            [ تنشد ]

 

          من سد ثقوباً

                       في رأس الملك الضال

                           سوى الحكماء

          من أوقد تلك الشمعة بالضوء له

                                   غير العلماء

          ومن علّمه قول الشعر

                          فأمتع فيه الروح

                                سوى الشعراء 

  

جوقة 3 :

            [ تنشد ] [ وهي تقف قبالة جوقة 1 وكأنهما في حوار ]

         

           من علمه النوم على فرش الديباج

           وأزال الصدأ العالق في التاج

                        الا ارباب الصنعة والفن

           وما ادرك كيميائي

                        فيما يفعله في الصدأ العالق زيت الزاج

 

الزوجة :

            [ تخرج من الظل وتقف مخاطبة سنمار بشيء من عدم الرضا من أنهُ يبني قصراً لغيره . تختفي الجوقات وكأن الحديث بين سنمار والزوجة ]

            وإذن

            أنت تحوك بساط الجمر لتفرشه تحت خطاك

                   فانت تشيَّد قصراً لملك

 

سنمار :         هو لي ياامرأتي

الزوجة :        بل لِمَلِكِ

                  قصراً لن تنزله انت

                                    بل الملك النعمان

 

سنمار :        أعْرفُ هذا

                 لكنْ بعد رحيل النعمان

 

الزوجة :

             [ مقاطعة ]

 

                ملك آخر

                ولن تنزله ابداً انت

 

سنمار :

          [ موضحاً ]

 

              لكنْ ياامرأتي

              الكلُّ سيرحل الا بانيه

              ومن دقّ الوتدَ الثابت للبيت

              وبانيه -  كما تدرين -  سنمّار

 

الزوجة :    لكنّك ترحل ايضاً

سنمار :

           [يردف ]

     

              ويقول الناس :

              خَوْرنَقُ هذا قصرُ سِنمار

             لن يُعرف هذا القصر الشامخ

                                     باسم ملك

            ولن يمكث فيه طويلاً

                                     ظلُّ ملك

            فبعد النعمان

                            سينزله الفُ ملك

           ولذا ..

           لن يعرف يوماً باسم ملك

                       أو يوسمهُ وسمُ ملك

         بينا بانيه سنمارٌ واحدْ

 

جوقة 1 :

          [ خلفيه تنشد ] 

                    حتى إن خَلَعَتْ

                               فاسُ الوقت طلاءَ شبابه

                    او هدمت آخر ما فيه

                                         من الاجرْ

                                  فصار رسوما وطلولْ

                    او جَرَفَتْه من الأرض

                                          مياهٌ وسيولْ

                    لن يُبقى هذا القصر

                                  ما يُعفنُه بعد خرابِه

                    غير نفايات عابقة

                                   مثل نفايات حقولْ

                  هي آخر ما ابقاه سنمارْ

                                    وما سحَّ به هذا العرق المبذولْ

 

سنمار :      

                 وعلى مر الايام

                 لو أحد بَعدي

                             مرّ بهذا القصر

                 فلن يلمح ظلاً لمليك او عرشْ

                 لا أكثرَ من قبر لمليك

                                         يتآكل من وطء الاقدام

                بل سيرى

                اعمدة شاهقة تحمل لؤلؤةْ

                ويقول سنمار

                ويرى قمماً

                كعمائم فوق جبين القصر مطهمةْ

                                     ويقول سنمار

 

جوقة 3 :

           [ خلفيه تكمل . صوت فقط ]

          

               ويرى في السقف مُقَرْنَصَةً

                                 تشبه فاكهة تتدلّى

 

جوقة 1 :

            [ تكمل ]

 

                ويقول سنمار

 

سنمار :

           [ يستمر]

 

                أقواساً

                 مثل ضفائر ملتويات بِخُصَلْ

                 او أسطرَ خُطت في قرطاس

                                       والآجرُّ جُمَلْ

                 وكوىً قد صَغُرت في السقف

                                     فبانت كخلّيةِ نحلٍ

                                     أو وَشْمِ قُبَلْ

                ابواباً من خشب الساج

                يُفَرَّقها ضوء الشمس صباحاً

                                             من خجلٍ

                حتى ان غادرها

                عادت تتعانق في الليل كأزواج

 

جوقة 2 :

             [ تكمل . تقابل جوقة 1]

               وشبابيك اذا انفتحت

                                 بستائر بيض

              تشبه ضحكة طفل

                                 في نوم

             ارضاً لامعةً مثل مرايا

                              او بركة ماء

             غرقت اخيلةُ الجدران بها

                             من تعب العومْ

 

سنمار :

           لااحدٌ يُبصر هذا يا امرأتي

                          ويقول بناه او ابدعه النعمان

 

الجوقة 2 :

             بل سيقول سنمار

 

الزوجة : [ تتقدم الى سنمار وهي توقع مشيتها وتنشد ]

    

             اصبحت تقول الشعر سنمار

             فكأنك تبني بيتاً للشَّعر

 

سنمار :

           لافرق

           فكل منا ينشيء ذاك

                                  فينجز بيتاً او ابيات

           وله في ذلك مفردتُه

           فانا حين اشيد بيتاً

                     أزن الآجر له علناً

                         والشاعر في خلوتِهِ يزن الكلمات

              لكن اول مايلزمنا

             ان ندهن مانبنيه بزيت البهجة

             وان يجعل واحدنا للبيت ممرّ حريرْ

             وحدائق خضرتها غامقة

                                 ومياه تجري بخرير

             وسلالم تصعد بالروح لصبح اخضر

             فاذا قال الشاعر شعراً في ذاك

             اوقد أوتاراً مطفأة في الروح

            وترنحَّ من طرب سامِعُهُ

            وصار طريَّ النفس

                 كطير يتوازن بالوقفةِ

                                  فوق الأسلاك ْ

         

الجوقة 2 : [ تكمل وهي تنشد ]

 

           ياما هزّ الشعر على شغفٍ

           حّمالات الورد

           فنبَّه للورد فراشاتْ

           واثار بهبَّةِ ريح دافئةٍ

                    اجساد ملوك وأميراتْ

           ذلك ما تفعله احجار الكلمات

سنمار :

          [ يكمل بانشاد ]

 

          وكذاك البنّاء

          يقول كلاماً من حجرٍ

                         مدهون بينابيع من الروحْ

          فيقص بما يَبنيهْ

          ويوقظه بمعابد ترسل في الليل

                                      مياه النور

                             وتبعث فيه بخوراً ودخانا ورياحين

        ينعش قلباً مهجوراً

                             ويبل حواشيه

       فاذا وَخَطَتْ عتبتَه الشمس

                        قام كثيب الرمل

                                    يدبّ باضلافٍ من ذهبٍ فيه

     ورأت اشجاراً

     وهي تحف به في الصبح

                   كأن عروشاً نُصبت لسلاطين

    لن يحسبه الرائي قصراً

                   بل نورسةً

                  صهوةَ بلور

                           تلهث عند سطوع الشمس

الزوجة :

            [ تنشد ]

             قلتُ بأنك

                     صرت تقول الشعر سِنّمار

 

سنمار :

          [ ينشد ]

         

          بل انا لي صبرَ الصيّاد

          أُرسِلُ في البحر شباكي

          وخيوطي المخفية تحت الماء

          واجلس ساعات كي اصطاد

          فاذا اهتز الخيط

          نما فرح في القلب

          وعرفْت بان هنالك ما يعلق

                           من سمك فيه

         وانا بنّاءٌ

         سَمَكي الآجر

        ومفاجأةُ الخلق الساعة في رأسي

        وازيز خيالي

        فالقصر يقوم على الأرض

                         وله في الرأس هنا

                                   مملكة منفصله

 

الزوجة :

            [ بغنج ]

         وانا قيثارة سنْمار

         لم تلمس اوتاري يوماً

                         غير اصابعهِ

        ولذاك ترى لحني بكراً

                       واوتاري صامتة لاتصدح

                       باللحن سوى لسنمار

       كل مساءٍ اجلس قدام المرآة

       اصقل عودي

      وانسج نيراني

      وأُذَهَّب اوتاري

      حتى ان عاد سنمار

      ومسّد تلك الاوتار

                         صرت أموء بما كنت اخبئهُ

                                          في جسدي من الحانْ

 

[ تسير باتجاه بيتها حيث تدخله ]

 

جوقة 1 :

               آه سنمار

               قلنا بهجة ذاتك تخفي مافيك

               فزودنا مما فيك

               فالكل سيُنسى

               والكل سيرحل الا انت

              منسّي كل اولئك الا انت       [ يتكرر الصوت حتى يتلاشى ]

سنمار :

          [ ينظر الى قرص الشمس الذي بدا يزداد حمرةً ايذاناً بالغروب . حيث يقترب من عماله

            وهو يأذن لهم بالانصراف ]

 

             هيا .. هيا

             الحلم طويل . والوقت ازف

             الشمس ستغرب هذي الساعة

             فاشعتها تمسح بالحمرة ريش النخل

                        عروساً  تضع الحناء على خصل الشعر

            بل الشمس تسير لمغربها

            واهنة تزحف فوق الرملْ

            كجثة نسرٍ كهلْ

            وكأن فرغت هذي الصحراء

                                      من الضوء

             وتدلت من فوق

                  على الأرض عناقيد الظلمه

             هيا انصرفوا

                     قد ازف الوقت

 

العمال :   وانت  ؟

             ألا تمضي معنا   ؟

 

سنمار :   دعوني الساعة وحدي

            كي تلج الروح

                        حدائق هذي الحيره  

            وكأنْ تسمع اصواتاً

                                   من جرس مطمور

            تتأملها  / وسأغمض عيني على ما تتأمل

                     كي تتفتقَ في قلبي اهدابُ الرؤيه

               اذ لا ضير على نجمٍ نائمْ

               ما دام بريق الضوء

                                يشع باطياف كوميض ابيض منه

               فهيا انصرفوا

               فلقد وَجَدَ القلب بما اتأملْ

                           واندلعت فيه - كما الموجةِ -

                                              ألسنة السيره

 

العمال :

          [ يبدأون بالنزول والتواتر على بئر الماء كي يغسلوا ما علق بايديهم من مواد البناء ]

 

عامل 1 :

            [ لعامل 2 ]

           

            خذ مغرفة

            واستخرج بعض الماء

                                 من البئر

           لنغسل ايدينا

 

عامل 2 : 

            [ يأتي بمغرفة ويمتح الماء من البئر ليسكبه على يدي صاحبه . ثم يعلق ]

 

            هذا البئر

            يشبه قبعة البنّاء المقلوبه

            والماء به

            بات عميقاً

      

         [ ينحني ويمد المغرفة بيده على طولها حيث يأتي بالماء ليسكبه على ايدي العمال الواحد بعد الآخر ]

 

عامل 1 :

 [ وهو يغسل يديه ينظر الى الماء الذي  يتساقط  على الأرض جراء الغسل ]

 

        

         انظر ...

         الماء على الأرض

         يتساقط من ايدينا

                       بعد الغسل

         مثل رنين فضي

                  او قطراتٍ متدحرجةٍ من زئبق

                  وكأن الفضة

                  قد سالت وانسكبت فيه

 

             [ ينهض بعد ان انتهى من الغسل ]

[ يتقدم العمال الواحد بعد الآخر نحو عامل 2 ليسكب الماء على أيديهم . حتى إذا انتهوا اخذ أحدهم المغرفة منه وسكب الماء على يديه ]

 

عامل 2 : 

            هيا .. هيا

           فليتقدم كل مني

                        الواحد بعد الآخر 

                                 قبل نضوب الماء لدي

           

          [ يتقدم العمال ]

 

عامل 3 :

           والآن

           لم يبق سواك

                   فناولني مغرفتك

 

عامل 2 :

            [ يناوله المغرفة . حيث يبدأ بسكب الماء على يديه بعد ما ينحني على البئر ويمتح منه الماء . إذ يرى شخص سنمار خيالاً غارقاً في الماء . العمال الذين انتهوا من الغسل تنكبوا الطريق وساروا تباعاً ]

عامل 3 :

           خيال سنمار

عامل 2 :

            مابه  ؟

عامل 3 :

           يترجرج في الماء

          وكذلك ظل القصر

                      وبعض من نخل الحيره

          كأن النخل بدا يتنزه عبر الماء

عامل 2 :

           هيا .. هيا  اسرع

           فالدرب طويل

           والشمس تكاد تزول

 

[ ينتهيان . ثم  بهزل وهو يشير الى المغرفة ]

 

        والآن

        ضع ملعقة البئرعلى شفة البئر

        ولنلحق بالباقين

 

عامل 3 :

[ يضع المغرفة ويواصلان السير لغرض اللحاق بمن سبقهما من العمال ]

 

عامل 1 :

            [ يردد انشودة مع نفسه حيث يعلو صوته تدريجياً يراتفقه العزف ]

 

           السماوات

           مرصوفة بالنجوم

           كيف امكن للسائرين

           ان يلمحوا

           نجمة جديدة     ؟

        

[ يلتحق باقي العمال به الواحد بعد الآخر وينسجم معه في الأنشودة ويعلو صوتهم تدريجياً حتى إذا اقتربوا من الخروج من المسرح راحوا يرددون الأنشودة بأصوات جهيرة يرافقها العزف وعيونهم على الحيرة . تنتقل الإنارة على سنمار الذي يبدو متأملاً للخورنق وحين يمتد نظره باتجاه الحيرة وما عليها من خضرة وزينة يغمض عينيه وهو يدخل حلماً من أحلام اليقظة ]

 

 [تنسحب أفقياً من المسرح ستارة شفافة من قماش التول كإشارة الى ذلك الحلم تفصل سنمار الواقف على الشرفة عن الباقين . أنشودة العمال ترد الى أذنيه وكأنها ترد في نومه . إذ يتخاطر سنمار معها بانشودة ينشدها وكأنه يجيب عما ينشدون]

سنمار : 

          [ ينشد برقة ]

         صِبْيَةٌ

         قذفوا حجراً في المياه

         فتجلّت من الماء حوريَّةً

        عامت على موجهِ مثل عطر

         ثلثاها من الياسمين

                      والبقية من معجبين

 

العمال :

          [ من بعيد وكأنهم سمعوا الانشودة ]

 

         إنها الحيرة الفاتنه

         والخورنق في حضنها

                          قد بدا زورقاً راسياً فوق كف

        كل موج رأى ظله سابحاً

                             مال عن دربه وانعطف

 

[ يتحرك شاريو من الاعلى يحمل حُجْرَةً تضم جوقة تنزل خلف سنمار والستارة تفصلها مع سنمار عن الباقين وكأنها دخلت معه في الحلم ]

 

الجوقة :

          [ تنشد وكأنها تواصل اجابته        

             حيث ظلت عيون المها

                                  واجمة كلها

              يشاغلها عاشق مذنبٌ

              ذنبه : انه عاشق لا يتوبْ

             ونخيل القرى ساهم حولها

             كأن تماثيل - صُبّت من الشمع -

                                تسمعه فتذوبْ

 

سنمار :

          [ يواصل ]

 

          حيث التقى الموج والشَّعر

                                في وصفها

                                دهشةً وشَغَفْ

                                ثم فضّضها زبداً

        وكساها - على طول قامتها -

                                   بنثار الصّدَفْ

 

الجوقة 1 :

           

           الجمال اعترف

           حتى اذا انحسر الماء من حولها

                                      اشتعلت حمرة 

                                               من نحاس الشموسْ

           واذ اكمل النهر جلوتها

                          فبدت - وهي جالسةٌ - كالعروس

 

[ تنتقل الإنارة عن الجوقة التي ستعود إليها وقد نزلت الى أرضية المسرح ]

 

سنمار :

          [ ينشد ]

 

       صاحت امرأة

                      - وهي تسترُ -

                              ما بان من عاج ركبتها

                              لا تدعوا في الشرفات غريباً

                              يطل على ركبتيْها

                                     اذا ما تصالبتا في الجلوس

 

الجوقة 1 :

             [ وقد اصبحت على ارضية المسرح وهي تنشد ]

 

                ثم قامت على الأرض نخلاً

                                  وسارت مسافهْ

                وحتى تلين على الحسن

                                    سالت فراتْ

 

 

 

 

 

 

سنمار :

          [ ينتبه من حلمه على صوت الجوقة فيطل عليها وهو ينشد بعد أن انفرجت ستارة التول ]

                ومن خطأ عابرٍ في النصوص

                                رمت اهلها بالتلهف والحسراتْ

                وكستها النساء بنونات نسوتها

                                       وماشاع من خجل الفتيات

 

[ يهبط سنمار ليصير بين الجوقات التي تسير للخروج ومعها سنمار يتجه الى بيته ]

 

[ زوجة سنمار تطل من الشباك الذي يطل على الدرب وهي تستمع وحين تصل الجوقة الى مكان الشباك ترتد الزوجة الى الوراء لتصبح في الظل استحياءً من رجال الجوقة كي لا ترى]

الجوقة :

           [ تنشد ]

             ثم حباها الرجال غيوماً

                                     تثور حميتها

            وتقطر غيرتهم لهباً صوبَها

            لكي لا يقول الذين

                                 يجيئون من بعدهم

           وجدنا سيوفاً تنام

                              واغمادها يبست قربَها

           رأتها المدائن تفتح ابوابها

                            وتُشعلُ فحمَ العيون

                                 والمجانين من حولها يستضيئون

 

الزوجة :

[ وقد هبطت الى اسفل الدار ووقفت في فرجة الباب . سنمار ينشد وعيناه على زوجته]

             إنها الحيرة الفاتنه

             هي الآن فرجَةُ مابين بابٍ وبابْ

             اسوارها في اقترابْ

             واحجارها شهب

                               علقت في التراب

 

[ تخرج الجوقة بينما يصبح سنمار عند الباب وهو يهم بالدخول . تتراجع الى الوراء لتخلي طريق الدخول .

سنمار

     [يكمل ]

                 وأنهارها

         اسطر في كتاب

                          [ يدخل سنمار ويوصد الباب خلفه ]

 

                                  

                                           -  إظلام  -

المشهد الرابع

 

قبل أن يضاء المسرح نستمع الى مقدمة موسيقية حافلة تنتبه لها الإنارة تدريجياً حيث تواصل البحث عنها حتى تهتدي الى مصدر الصوت .

تتجه الإنارة الى قصر الخورنق الذي اكتمل البناء فيه .

حشود من الناس محتفلة بهذه المناسبة وقد جرها فضولها لمشاهدة هذا الإنجاز الباهر .

راقصات الباليه يؤدين رقصاً وثنياً

الساحة مزانة . وهناك مشعل مسدس الأضلاع مطفأ

أضلاعه طويلة من الخشب وضع الى جانب مدخل القصر خال من أية زينة قاعدتُهُ مدورة أو سداسية عريضة .

جموع من الفنانين التشكيليين ينتشرون في الباحة التي تقع أمام القصر وقد نصبوا استانداتهم وباقي عدتهم ولوحاتهم وراحوا يرسمون واجهات من القصر .

النحاتون جلبوا طينهم واحجارهم واخشابهم لينحتوا بعض ما يمثل جوانب من الخورنق .

المعماريون نشروا خرائطهم على واجهات الجدران ووقفوا يتأملونها او يعلقون على ما فيها وشاركهم في ذلك بعض الناس.

أعضاء اتحاد الأدباء تجمعوا أمام الخورنق وقد ارتقى احد الشعراء منهم منبراً وراح يمسك بيده قصيدة ورقتها طويلة . بينما يمسك باقي الأدباء بأيديهم شموعاً مشتعلة يبدأون الإنشاد حال انتهاء العزف . الإنارة عليهم وعلى الخورنق .

 

جوقة الادباء :

                  [ ينشدون ]

                 

                  الخورنق

يقف الآن بين سماءين

                                     منتشياً بالوقوف

                       ومبتهجاً بين هذي الصفوف

                                            والنجوم على سطحهِ

                                                     براعم ورد ِ

                                                     مضرجة بالعبير

                                                    وآيلة للقطوف

                                    وهو مزدهر بين هذي وتلك

                                                  كتاج معلّق

 

 

 

الشاعرة1 :

               [ تلقي وهي على منبرها او وراء منصة والجوقات جمهورها ]

 

               في الصباح

               تستدير الحدائق

                        والشمس من حولهِِ

              فكأن الخورنق مملكة

                                ومن حولها صحن وردٍ وعسجد

              في المساء

              الظلال بمفرقه تاج هدهد

 

جوقة الادباء :

                وفي الليل

                تحل العجائب في بهوه

                بالذي يأخذ القلب من صدره

                ويقذفه خارجاً

                 كوعلٍ

                 يحيط به الليل

                            من حوله

                                   وهو أرمد

 

 

 

 

 

الشاعر 1 :

[ يلقي من وراء منصة أو من على منبر والجوقات تستمع كجمهور ]

 

              هذا القصر

              سكنته الانس عيانا

              واختبأت بين مخابئه الجنْ

              ولأن به روح سنمار

              ما وهن الآجرّ

                             ولم يطعن بالسن

            [ يستعرض ]

 

            تلك عقود متدلّية من طيف

            او أمطار نازلة في صيف

           وعصافير الحيرة

                               جاءت بالقش

           لتشيّد في الآجر

                        عروشاً مونقةً

           كمن يكتم جوهرةً 

                         او يدفن سر

           شرفات القصر

                           وضع البرق عليها مشكاةً

                                            فتدلى النور

           وتراب يمشي مختالاً للنهر

                                   فيجبلهُ الماء

                                          ويرفعه لَبِناتٍ

          كطيور سنونو

                واقفة تصطف على سور

                او سرب قطا

                           نسيته جناحاه

                           فتبلَّد كالكمأ المنثور

      

جوقة الادباء :

                   [ تسأل ]

                 وبنات الحيرة   ؟!

 

الشاعر2 :

                بنات الحيرة

                أعطت أعمدة القصر نعومتهنَّ

                وتبرّجن

                فأوْلَمْنَ لها ريش الشعر

                وفرشْنَ جدائلهنّ

                                  على الاعتاب

                                  كزهر مضفور

                ثم نهضنَ

                         ودوّرنَ هضاب الصدر

                                    لرمان الابواب

     [ تنتقل الإنارة على سنمار الذي يظهر واقفاً على سطح القصر ]

 

 

 

جوقة الأدباء :

[ ما أن ترى سنمار وما أن ينتهي شاعرها من إلقاء قصيدته حتى تنشد ]

      

                  سنمار دالية والخورنق

                  بركة لمياه السبيل

                            يعاشرها ماء عنقوده

                                      فتسكر من مائه السلسبيل

                  والطيور الطليقة فيها

                                        نثار من القطن

                                          في الضوء يغرق

 

الشاعرة 1 :

                [ تعود الى الانشاد وهي تخاطب سنمار ]

 

                ملك للعماره

                بأصابع شاعرة

                وكتاب من الجمر

                يدوّن ما أبدع الفأس فوق الحجر

                              له نكهة الطين والشعر

               كأن الاساطير خطتَّه من زمنٍ فاستقر

               كأنَّ الفضاء الذي فوقه

                               قد غدا خيمة للضياء

               والنجوم التي فيه ليس استعاره

 

 

جوقة الادباء :

                  [ تنشد ]

               الحيرة زينها شجرك

               والحيرة ما إن مستها نارك

                                   حتى كللها شررك

               فاذا ما خلعت أردية البدو

                                  تدانت منك ليسترها قدرك

[ صوت بوق يأتي من السدير يأذن بقرب خروج النعمان لزيارة الخورنق . يتوقف الإنشاد شيئاً فشيئاً . يبدأ الجميع بالانتباه لمصدر الصوت ومنهم من يحاول مغادرة مكانه والاقتراب اكثر منه وهو في حال من الاستفهام . صوت البوق يسمع ثانيةً . يشهق الجميع الى الأعلى وكأنهم يريدون الإجابة من سنمار . الذي يطل عليهم من أعلى القصر لينبئهم بحقيقة الأمر ]

سنمار :

          أصوات الأبواق تجيء إلينا

                                      من قصر النعمان

          هذا ايذان

          بقدوم النعمان

 

[ يبدأ الاهتمام واضحاً من قبل الحشد الواقف على المسرح ]

[ التشكيليون يهرعون وهم يحملون لوحاتهم التي اكتملت ليضعوها كل واحد منهم في أحد أضلاع المشعل ويعود الى مكانه حتى ليغدو المشعل معرضاً تشكيلياً ]            

[ الأدباء يهرعون لوضع شموعهم الموقدة في الأماكن المخصصة لها في ذلك المشعل . وبعد أن يضاء يرفع على كرسي أو ستول مرتفع كي يبدو واضحاً للجميع ]

[ بعضهم يأتي بجرادل ويغطسها في البئر كي يخرج منه ماءً يرش به ماحول طريق النعمان ]

 

رجل 1 :

            [ يستحثهُم  ويستعجلهم ]

 

            اين السجاد الاحمر

            هيا .. هيا

            هاتوا السجاد الاحمر

                     حتى يُفرش في درب النعمان

           كل ملوك الارض

                            وكل سلاطين الدنيا

           حين تسير

                        تسير على سجاد احمر

 

[ يهرع البعض الى إخراج بساط احمر رُكِنَ الى جانب الخورنق وحمْلِهِ لينشره على طريق النعمان بدءاً من الموقع الذي يترجل فيه من العربة وحتى قصر الخورنق كما يفعل الملوك .]

 

رجل 1 :

           غطوا الدرب به حتى العتبه           

        

          [ ثم ينده سنمار ]

          سنمار

          ما اخبار النعمان

 

سنمار :

          انا المح ساسته في الباحة

                            منهمكين يشدون سيور العربة

 

رجل 1 :

            ونحن الان على احسن هيأة

            وها نحن كما انت ترى

                         فرشنا الأرض بسجاد أحمر

 

رجل 2 :

            [ لرجل 1 ]

 

            أرأيت

            فرشوا للنعمان بساطاً أحمر

            ولماذا الأحمر بالذات

 

رجل 1 :

            هل من أحد لا يعرف هذا  ؟

            ولماذا الأحمر بالذات     ؟

          

             [ يفسر ]

                  الأحمر

             لون القوة والجبروت

             لون كسوف الشمس

             اذا خُنِقَتْ

             بمخالب من قبضة حوت

             وهو دم القربان

             يراق على المذبح

            حتى يثمل منه السلطان

            لون الرعب

            لون الفزع

                      ولون الموت

           ولون لباس يلبسه السياف

           ويحز رقاب ضحاياه

                           على نطعٍ أحمر

           والأحمر حين تلوح بأسنان الذئب

                              لحوم الضأن

           أوَ لم تسمع بليالٍ حمراء      ؟

                            وموت احمر   ؟

رجل 2 :

           [ باشمئزاز ]

           

           كم امقت هذا اللون اذن

           كم اكرهه  ؟!

                  اكره هذا اللون الاحمر

 

فنان تشكيلي :

                  [ وهو منهمك بعمله ]

 

                ارجوك تمهل

                لاتتعجل

                فأنا لي رأيٌ آخر مختلف

                                        باللون الأحمر

                فالأحمر عندي

                اجمل من كل الألوان

                الأحمر مثلاً ... لون الورد

                                 اذا أُودع في الخد الخجلان

                                 ورد الجوري المتصابي

               وكذلك ورد الخشخاش ......

                                              وزهر الرمان

                          ثمار التين اذا نضجت

                                        وغدت كالُحُلمات

              الرغبة حمراء

                            اذا اكتنزت في الشفة السفلى

              والخمرة حمراء

                                اذا سُكبت في الدنَّ

                                          وفاضت بالزبد السكران

 

رجل 2 :

            [ يهدأ ويتغلب عليه مزاج الراحة ]

               

                                          شكراً ... ياهذا شكراً

                                          ببيانك هذا

                                        

                                  قد هدأت اجراس

                                           راحت تضرب في القلب

                 فانت الان بما تسكب من ماء

                                   تطفيء ما شبَ بقلبي من نيران

                                         وكأني

                                         اغمس كفيَّ برمل رطب

 

رجل 1 :

            [ يرد ]

           ارجوك

           تمهل

           لا تتعجل

           فذاك الاحمر يأكل هذا الاحمر

           ان جاع قليلاً

                        ويصكّ عليه الأسنان

           فالأحمر هذا رقَّ

                      كما لان العشب النعسان

          وتناهى باللين

                     كما امرأة خجلى

 

رجل 2 :

            [ يستغرب باشمئزاز ]

 

            أوَ لا يخجل ذاك الاحمر

            من ان يدهس عشبة حقلٍ

            ويريق من الورد دم الالوان

            أوَ لا يخجل ذاك الطاغوت

            أوَ لايخجل هذا الملك النعمان

 

[ تلوح عربة النعمان وهي تقترب من الخورنق . النعمان وعليه ثياب الملك يبدو رجلاً يكبر سنمار بعقد من السنوات . يزدحم الحشد ويتدافع لرؤيتِهِ عن قرب فيراه البعض أعوراً ]

 

المنادي :

            هيا .....

            أخلوا الدرب أمام الركب

            وليتراجع كل منكم

            عن ركب الملك النعمان

                               النعمان الاعورْ

 

[ لغط بين الواقفين مابين التساؤل والحيرة والسخرية ]

 

أصوات :

            اعور  ؟

            ملك اعور  ؟

        

رجل 3 :

            يعني هو لايبصر

           الا نصف رعيّتِهِ

                     او يغفل عن نصف الرأي

           فالاعورُ نصفُ أَصَمْ

           هو لايسمع

           غير اواخر مايركد في اذنيه

                                    من الكلمات

             والاعور ما بين الخطين

             الاسود والابيض

              خط  ادهم

              نافذة نصف مضاءة

 

اصوات :

             [ تعلق ]

 

             دلو غير مليء

 

رجل 3 :

            ولذا حتى يبسط هذا

                                 بدلاً من ذاك

           سيكون الزهو نقيصته الاولى

           كَوَرْدٍ في خزف

           وسماءٍ دون عصافير

           وأضرحة للعشب

 

رجل4 :

           ولذلك فليحذره سنمار

            كل جبال الدنيا

                       لاتقدر أن تردم هوّةَ هذا الفقدان

            او ينبوع ثر يَملأ بئراً مهجور

            سيرى الرحمة من قسوة قلب

            والومضة من ظل

            ويُهرَّبُ موتاً في ورده

 

رجل 3 :

            لن يبصر من شرفتهِ كل الاشياء

            لن يبصر الا ماتبصره عين واحدة

                         ولذا ....

                          لا يمكنه ان يعدل بين الناس

            فهذا ملك اعور

 

النعمان :

 [ يترجل من العربة مع حرسه ليخطو فوق البساط الأحمر حيث سنمار والحشد الواقف.. بعدها يتقدم الى القصر ليقف على بابه ]

 

سنمار :

            مولاي الملك النعمان

            مولاي النعمان الاعورْ

 

النعمان :

 [ يمتعض دون أن يتظاهر بذلك- حال سماعه بكلمة اعور-  وكأن وخزه أحد ويشيح بوجهه ]

         

[ عين النعمان اليسرى عوراء . يتحدث بغطرسة ملك الى جانبهِ حارسٌ عينهُ اليمنى عوراء ]

       

[النعمان يضل طريقه الى باب القصر فيدعوه سنمار إليه ليرشده الى الباب]

 

سنمار :

           مولاي النعمان

           هذا هو باب القصر

            ألا ندخله   ؟

 

النعمان : 

            واين هو الباب  ؟  [ يذهب بعيداً عن الباب بعض الشيء ]

 

سنمار :

            مولاي   الى اين  ؟

 

           [ يدله على الباب ] 

   

            الباب هنا

 

النعمان :

           [ يداري خجله ]

 

            هه .. !

            ظننت الباب هناك

            لاتقدر عين واحدةٌ

             ان تبصر ما تبصره عينان

 

           [ يقنع نفسه ]

 

            لابأس

            فهذا ليس بامر صعب

    

            [ يشير الى حارسه ]

 

            فنحن الان اثنان

            وسنبصر ما تبصره عينان

 

   [ يشير الى كتيبه معلّقة على باب القصر يعجز عن قراءتها]

 

     أحد يقرأ ما خُط بهذي الرقعة

[ يسرع رجل من بين الحشد فيتقدمه ليقرأ الكتيبة المعلقة بصوت مُنَغَّم والحشد الواقف يردد خلفه جملة جملة وبصوت خفيض ]

رجل1 :

           [ يقرأ ]

           في عهد النعمان الاعور

الحشد :

          [ يردد ]

 

رجل 1 :

           النعمان بن المنذر

 

الحشد :

          [ يردد ]

 

رجل 1 :

           ملك الحيرة

 

الحشد :

         [ يردد ]

 

رجل 1 :

           شيد هذا القصر سنمار

                              في وسط الصحراء

          فإذا القصر الشامخ سنبلة

                             واذا الصحراء إناء

          هذا ما ابدعه المعمار سنمار

 

سنمار :

          [ يلتفت سنمار الى النعمان ويسلمه مفتاح القصر ]

 

          خذ يامولاي

           هذا هو مفتاح القصر

 

النعمان :

           [ يتسلم المفتاح ]

  

        لكن أنا لا أصعده وحدي

        ستكون معي

 

سنمار :

           سأكون معك

           والان – ابيت اللعن  -  تقدمْني

           تلك سلالمه واضحة

 

النعمان :

           [ يدخل ] [ وخلفه سنمار وهما يرتقيان السلم ]

 

           [ السلالم مواجهة للجمهور حيث يراهما الجميع ]

 

          [ العميان الواقفون يتلمسون جدران القصر . يزدحم الراغبون في التسلق من الجوقات الواقفة . لجدران القصر وأولهم العميان دون أن يستطيعوا .

            تتقدم الإنارة لتقود الجميع الى الدكات التي تفضي الواحدة منها الى الأخرى وهي ترتفع على بعضها . تتواصل الجموع بالصعود حتى يصبح بعضها في موازاةٍ من وقفةِ النعمان مع سنمار . باقي الحشود تظل على الأرض ]

 

رجل 1 :

           [ يشيح ببصره عن الرقعة المعلقة ويتجه الى حيث دخل النعمان ]

 

           والان

           دخل النعمان القصر

           ليرى ما ابدع فيه سنمار

           وأكمل فيه الزينة

           قصر مرتفع ، كالصرخة تمتد

                                      الى ان تصمت

          أعمدة تحمل تيجان ملوك

                          او أعرافَ ديوك

               او مثل خيالات

                   ترفعها الاذرع في كهف متروك

              ورخام ابيض شفاف

                       وشبابيك ستائرها

                            العشب الاخضر والجاف

              احواض فيها الماء

                          كما الزهرة في اللوزه

             حتى باحَتُهُ .....

                          تبدو للناظر مرعى

                          والحجرات على الجنبات

                                                   قطيع خراف

                     

                        [ يلتفت للجمهور ]

 

          في كل أوان

          في كل زمان ومكان

         سيكون هناك سنمار

         ويكون النعمان

         وفي كل الآماد

         سيبقى ارباب الحرفة في الفن

                             وارباب الصنعة في الشعر

                             برقاً مشتعلاً ورماد

 

جوقة 1 :

            [ تنشد وهي تغني سنمار ]

 

             جميع السلالم

                          ترقى به للاجلْ

             لان ضغائنهم

                          مثل مدًّ يشب

             سيقول الذين يجيئون من بعدِهِ

             ويرشون قبّته بالضياء

                                وشبّاكه بالقُبَلْ

                هنا شاعر

               أنشد في هذه الصحراء

                            عمارته وارتجلْ

                هنا قمة سقطت من جبلْ

 

صوت : 

           [ يعلق ]

 

             لكثرة ما تساقط فيها من المبدعين

                                 أصبحت هذه الأرض مقدسّة

                                  إنها حديقة الانكسار المشع

 

 

جوقه 2 :

  [ تتحرك لتقف قبالة جوقة 1 وكأنها بانشادها تريد محاورتها]

                               

                بلاد المحبين

                              والشهداء القدامى

                                  وماظل من اهلها الواقفين

               فكم اسقطت تمرها

                                   لسراة السبيل

             وكم بذلت تفاحة الخد

                                 للقاطفين

                                          وللراحلين الرغيف

              وظلت بلاد المحبين

                                  والشهداء القدامى

             وها هي

                      من بعد ما انفقت زادها

             تجلس كل مساء

             على باب خيمتها في العراء

            وتحلب أثداءها لليتامى

            وحين نأت عن أحبتها

            يئست مثل باقي النساء

                                وباعت ضفائرها للخريف

 

جوقه 1 :

              جرسٌ على نهر الفرات

                                 يدق دقته الاخيرة

            

              فيقوم موج

                         بالوحوش المعدنيّة والجراد

              فلا ترى في الفجر

                              غير هشيم ضفاتٍ

                                            وشطآن تنوح

                                             ونخلة تبكي

                                                     بقامتها الكسيره

 

جوقه 2 :

               من لاعب الشوط الاخير

               من البداية

               المبدعون  ...  ؟

                                  أم الملوك

              ومن الذي سيكون كابوساً وند

              ومن الذي

                         سيحوز أجنحةً فيكبو أو يطير

                من سوف يأكل زرعهَ

                                          دودُ النهاية

 

[ تتناسق الحشود التي سبق أن علت الدكات بصفوف تميد أو تتشابك مع بعضها البعض وهي متعاضدة ]

 

صوت :

[ جماعي خفي يتردد صادر عن الذين تسلقوا جدران القصر ودكاته ]

          

  [ الصوت يسمع بالكاد كنشيد جماعي ثم يرتفع شيئاً فشيئاً ]

 

صوت : سنمار 

            من خطف الحيرة من صحرائها   ؟

            واسرج الشمس الى بهائها

            وسرح النجوم في مسائها

            وغلغل الرياح في انبائها

الحشد : سنمار

صوت :           من خطف الحيرة من صحرائها

                           وارجع التلال جرداء الى ورائها

وسجّر الآجُرَّ في أحشائها

الحشد :           سنمار

صوت : ومن دعا خورنقاَ من غابهِ

           وروض الآجر في قبابِهِ

الحشد :          سنمار

          سنمار

 

[ الانارة على النعمان وسنمار يلوحان في شرفة احد الادوار من ادوار القصر المرتفع ]

 

جوقه :

         [ من الحشود التي على الارض تنشد وهي تراهما ]

         

           قلبان محتفلان في الشرفة

           قلب من الخشب القديم ...

                               وقلب شاعر

           وغزالة للوقت تهرع بيننا

                                وتمرُّ عابرة

                                 الى ما لا يراه الوقت في خِفَّه

 

جوقة :

         [ تنشد وهي من الحشود ]

 

         الحيرة الممتدة الاطراف بين مروجها

                                         تأتي اليك

          وتمد خيمتها مظللة وِتنشرها عليك

          ثم توقد ضوءها المسكوب

          في هذا المدى المفتوح بين يديك

          فكأنما هذا الخورنق بيتها

                             وانت فانوس معلق

 

سنمار :

       [ ينشر مرتسماً للقصر على جلد أو قرطاس وكأنهُ يعرضه أمام النعمان ويشرح له التفاصيل . المرتسم يمتد لأمتار يقف على طرف منه النعمان والآخر سنمار ]

           

          هذا مرتسم القصر

          وهذي خارطته

          قصر مرتفع

         يمكن ان يحسبُه النعمان على الشمس

         فاذا كان الدور الاول فيه

         يشبه تلاً

         او دارة عشبٍ تنزل من دير

         كانت ادوار اعاليه

         وكأن بنيت من اجنحة الشمس

                            وتسامت مثل بخار

         فاذا ما جلس النعمان بها ساعة راحة

         أمكنه أن يعرف جنح الحدأة

                                  من جنح سواها من طير

 

       [ يستدرك ]

 

        انا اعرف ان الملك النعمان

        لو أنفق اياماً

                      ما امكنه ان يسلك في كل ممر

                      حتى لو يسرف في السير

                      او يدرج في كل الانحاء

                      ولذا

                      احضرت له مرتسماً

                     وكأني اعطيه مفاتيح الاشياء

النعمان :

           [ يتأمل .. ثم يعقب ]

        

                 قصر مرتفع يتمادى ...

                               حتى تحسب قمته

                                              من ارق الليل

                الغيم بمفرده سيجيء إليه 

 ويكمل نزهته فيه

     

          [ ينظر الى سنمار باعجاب ]

         

               المعماريون

               اذا عشقوا .. رقوا  !!

     سنمار :

           [ يعقب ]

 

           وان عشقوا 

                      نضجوا  واحترقوا

 

النعمان :

           [ وكأنه يستفهم منه ]

 

           هذا القصر الباذخ بالطول

            لاشك بانك ارسيت له

                                   اكثر من قائمةٍ

           اعني

           اكثر من قدم راسخةٍ

           فبناء ممتد في الساحة مثل ميادين

           لابد لان يربض

                            فوق قوائم كثر

                                         لا عدّ لها

 

سنمار :

          [ يفاجئه ]

           أبداً يا مولاي

           بل ساق واحدة

      

         [ يستدرك ]

 

          بل قدم واحدة يا مولاي

                           كعينك

النعمان :

           [ يفاجأ ]

 

            ماذا  ؟!

 

سنمار :

           كل القصر له ساق واحدة

           او قدمُ واحدةٌ

           هي تلك الآجرّة

النعمان :

            [ بدهشة ]

 

           آجرَّة

           هذا القصر الشامخ بالطول

                                  يقوم على آجرّة ؟ ! !

 

سنمار :

          [ مؤكداً ]

      

          لاشيء يقوم عليه سواها

          لو كُسرت

          او زلّت عن موضعها

          أو أرخت وقفتها

                       فوق هشاشةِ أرضٍ

                        سقط البنيان  !

 

النعمان :

           [ بدهشة ]

 

         عجباً  ! !

 

سنمار :

          [ يواصل ]

 

        لو أحدٌ

        ترك الإرضةَ

               ترعى فيها سنة واحدةً

        سقط البنيان

      او طوفاناً غضباناً

      سلك الصحراء لها درباً وتمرد

      ثم رماها بين نواجذه

                       عائمة

        سقط البنيان

        لو أن عدواً

                  زحزحها عن موضعها

                  فاعوج الرسغ بها

                  واختل قوامٌ

                   سقط  البنيان

 

النعمان :

           [ ينتبه الى خطورة ماسمع اذ يتوجس خيفة ويبدأ بالتحسب ]

 

سنمار :

          [ لاينتبه لذلك فيواصل متباهياً ]

 

           انظر يامولاي

           لفعل سنمار

           وهل بلغت فطنتَهُ

                         فطنَةُ معمار

 

النعمان :

           [ بدهشة ]

 

          أوَ يُعقل هذا  ؟ !

          أوَ يُعقل ما اسمع منك سنمار  ؟

          هذا المرتفع الشامخ

                         حتى سمْت الشمس

                         يقوم على قدم واحدة  ؟ !

 

 

الزوجه :

            [ تخرج من دارها وتقف بنصفها في الباب وهي تغطي نصف وجهها بخمار كمن تستحيي أن تكشف عن وجهها . وهي تنصت لما يتحدث به سنمار للنعمان ولكن بخوف وإشفاق عليه مما يذيعه من سر ]

 

النعمان :

            لكني اسأل ياسِنْمار

            كيف لواحدة من آجر

                               يمكنها ان تحمل قصراً

                               كل جدار منه

                               رُصِفت منها فيه العشرات

                               ثم يظل على وقفته هذي منتصباً  ؟ !

                               كيف  ؟ !

 

سنمار :

          [ كأنه يقنعه ]

        

         وكيف اذن

         للعنقود الملآن

                        بالخرز

                        المثقل بالخمرة

                        والضارب بالنضج لحد البوح

                        ولايمسكه بالغصن

                              سوى خيط رق من الغصن ولان  ؟

                        عذق النخل المتدلي بالتمر بكامله

                         كم هو اثقل وزناً من حاملِه ِ ؟

            وكذاك الرمان

            يحبل بالحَبَّ المتكاثر

                                    حتى تتشقق عنه قشرتُهُ

            فتبينِ الرمانةُ

                            حاملة لقبيلة حَبٍ

            ثم نراها تتدلى

                            من خنصر غُصنْ

            كما يتدلى قِرط من أُذْن

            او قلمٍ مبريّ

                         دقّ لرقّتِهِ

 

النعمان :

            [ مع نفسه ]

 

            حقاً قد افحمني

                          هذا البنّاءُ بفطنتِهِ

            لّماحٌ

            يعرف كيف يُنَقَّي مِعْزَفَهُ

                                  من اي قصبْ

           ويعرف كيف يسمّي نافذةً

                                   ثم يدلّي

                                           من حكمتِهِ

                                   حبلاً مجدولاً

                               ويساقط منه الكلمات ْ

          فاذا بالسامع

               لايملك الا ان يفغر فاه

          حقاً هذا رجل

                          أوهاني في نفسي

         واشعرني اني ملكٌ

                           يمكنه ان يتملّك

ناصية الناس جميعاً في الحيرةِ ...                       

                                              الاّه

         

           [ يستدرك ]

 

         لست انا بالقائل هذا

         بل هذي اصوات الحيرةِ

                               تعلو بالمدح له

                               آيات ثناء

                               واكاليل من الورد

 

الزوجه :

 [ تتحرك بإيقاع وتخفًّ وكأنها تعرف ما يجول في ذهن النعمان . تمر خلف إحدى واجهات القصر وتخرج ]

النعمان :

           [ ينظر في وجه سنمار ثم يسأله وقد اخافَهُ حديثه ]

 

          قلتَ

          بأنْ هذا القصر له قدمٌ واحدةٌ  ؟ !

          هي تلك الآجّرة

          لو ان عدواً زحزحها

 

سنمار :

          [ بلهفة الفرح ]

 

          سقط البنيان

 

[ طبول خارج المسرح تبدأ بالقرع الهادئ والخافت ، يتصاعد صوتها قليلاً .. قليلاً مع تصاعد الحدث ]

 

النعمان :

           [ يرمق سنمار بنظرة فيها خبث ]

 

          حسناً ياسنمارْ

          هات القرطاسْ

          ودعني أتَمَعّن فيه

                    وقف انت على مبعدةٍ منهْ  

 

سنمار :

           أمرك مولاي

 

          [ يناوله المرتسم ويفعل ما امر به النعمان ]

 

 [ يبدأ النعمان بالتمعن فيه وخاصة في موضع الآجرة التي وضعت في أساس القصر وأذنه وعينه بين حينٍ وآخر على المحتفين في اسفل القصر بسنمار حيث يغيظه ذلك ثم يلتفت الى سنمار ويتحرك باتجاهه وسنمار يتراجع الى الوراء وكأن النعمان يدفعه الى حافة الشرفة . تنتقل الإنارة من النعمان الى المحتفين ثم الى فوهة البئر التي تقع في أسفل القصر وفي الموضع الذي يقع تحت وقفة سنمار . بعدها تنتقل الى سنمار . في هذه اللحظة يشتد قرع الطبول وتصدح الأبواق ، تعقب ذلك لحظة صمت قاطع ]

 

النعمان :

           [ يطوي قرطاس المرتسم ويضعه الى جانبه ]

 

              هل احد شاهد هذا الرسم سواك  ؟

            

سنمار :

              كلا  يامولاي

النعمان :

              او شاهد موضع آجرة هذا الرسم   ؟

                                        وانت تخبئها

                                                تحت بناء القصر  ؟

 

سنمار :   ابداً

 

النعمان :

            [ يسترسل ]

 

            أو أحدٌ ..     أي أحد

            كان على علم بالسر

            او أُخبر من بناء غيرك   ؟ !

 

سنمار :

          [ بخوف ]

 

          ابداً ... ابداً                !!

 

النعمان :

           [ يتقدم باتجاه سنمار وسنمار يتقهقر . وهو يستنطقُه ]

          

           [ قرع الطبول يتقهقر ]

 

            يعني

           انك وحدك

           من يملك عاتق ذاك السر

 

سنمار :

           بلى يامولاي

             

             [ تبدأ ساعة الحسم وبخبث ]

 

النعمان :

             اعلم ياسنمار

             لقد شُيد  هذا القصر ليبقى

                             وانا من يسكنهُ

            لكن كيف سيبقى

           وما خبَّيء فيه من سر

           ما زال يسير على الارض 

                                  بساقين خفيَّين

 

سنمار :

        [ موضحاً ]

 

         بل هو ما زال هنا

        يمكث في صدري

        عاش معي

        ويموت معي

 

النعمان :

           هو ما اعنيه انا ايضاً

                             وأراه

           فكما عاش السر معك

           سيموت معك

 

سنمار :

           اذن

           قد أمن النعمان وديعته

 

النعمان :

           أبداً ... أبداً

 

 

سنمار :

           [ بفزع ]

 

         لِمَ  يا مولاي

 

النعمان : 

              قد يكبر سرك هذا

                       فيفيض به صدرك

                                       اذ ينفذ من دقات القلب

             ويفتح نافذة ويطل

                       بصوت مرتفعٍ بين الناس

            ولهذا

            ولكي  يسلم هذا القصر

            ويسلم اهل الحيرة من شر

            ارى ان يدفن هذا السر

 

سنمار :

           وكيف سيدفن يامولاي  ؟

 

النعمان :

            انا لااجد العُسرَ بهذا

            بل هو امر سهل

 

             [ صمت قاطع ]

 

             اسمع ياسنمار

             كي تدفن سراً فيموت

             ولا يبعث ثانيةً

             او حتى تأمنه ابداً

             أدفُنْ حاملَه معهُ

             لا يُؤْمَنُ سرٌ نام بصدرْ

                                 اذ لابد لذاك النائم يوماً ان يصحو

              أو لابد لذاك السر وحامله

              يوماً ما ان يفترقا

                           في خير او شر

              اضلاع الصدر تَضيق

              على ما يخفي قفصٌ ضَيَّقِ

              ولا قُدرة للصدر

                          بان يحبس كل خفاياه

              والاسرار اذا حُبست في قفص ... تعوي

                                         وتنهش اضلاع الصدر

                                                    وتشعل مافيه

                                               بما يلزمها من حطبٍ

         حيث يضيق الصدر بها

         ساعتها يَدفعها ناعمةً فوق مراياه

                                       فاذا ما انزلقت

                                           ساحت بين الناس سريعاً

              فتلقفها كل لسان

                      وروت سيرتها كل شفاه

            والان ....

             ما عاد لديّ لذاك الامر

              سعةٌ لوساوس شكٍ ..... او ظنْ

 

جوقة 1 :

            [ صوت فقط ]

 

              ما دامت الاسماء انثى

                           فالملوك يحكمون

 

النعمان :

             وانا ملك

              تعوّد ان يُصدر احكاماً عاجلةً

 

جوقه 2 :

            [ صوت فقط ]

            الاحمرُ

            لون القوة والجبروت

            لون كسوف الشمس

            اذا خنقت

            بمخالب من قبضة حوت

 

النعمان :

            منذ البدء

            ولون كسوف الشمس يعاشرني

            فأُنادِمُه

            واخبئهُ في غضبي

 

 

سنمار :

           [ بخوف ]

 

            ماذا يعني مولاي  ؟ ! !

 

النعمان :

            لابد لذاك السر من الدفن

            سأعاجل حامله بالموت

 

سنمار :

           [ بهلع ]

 

            لكن ... انا حامله  !!

 

النعمان :

           [ وكأنه لايسمع ]

 

           لأدفن ذاك السر معه

 

سنمار :

           أنا مؤتمنٌ يا مولاي

 

النعمان :

[ يواصل اندفاعه ببطء وخبث نحو سنمار كمن يريد إيصاله الى الحافة من الهاوية ليُسقِطُهُ ، بينما راح سنمار يتراجع أمامه باتجاه حافة السطح ]

 

[ قرع الطبول يتسارع ويتصاعد حتى يصبح شبيهاً بقرع طبول الإعدام . سنمار يقترب من الحافة . فجأة وبغفلة منه تزل الآجرة التي تحت إحدى قدميه فيحاول الثبات والتوازن عندها يجدها النعمان فرصته . وبدلاً من مد يد المساعدة يمد يده لدفعه حيث يسقط سنمار من شاهق القصر في بئر الماء الذي بدت له فوهة مرتفعة البناء وظاهرة للعيان والذي هو واقع أمام القصر فيُحدثُ ارتجاجاً هائلاً على المسرح .

يسقط  بروجكتر من إحدى مصابيح الإنارة المعلقة ويحط الى جانب فوهة البئر أو في داخله . تسارع البيارق بالنزول لتغطية فوهة البئر وهي بألوان العلم الوطني .

       

 [ يصمت الواقفون ويذهلون ثم يبدأون بالتفرس بما حولهم . تتدحرج الآجرة التي زلت تحت قدم سنمار وتسقط متخذة السلالم طريقاً لها حتى تستقر أخيراً قرب البئر وتقف شاهدة  وعليها اسم سنمار ]

 

جوقه :

         [ صوت فقط ]

 

          وهكذا الرجال في العراق

          مثل حنطة الشتاء

          ينهضون ثم يسقطون

 

[ يصاب الجميع بذهول . وتدريجياً ينتبه الواقفون حيث يرفعون رؤوسهم بعد سقوط الآجرة الى أعلى القصر فلا يرون سوى النعمان يطل برأسه متطلعاً من فوق باتجاه فوهة البئر فيعرفون أن سنمار هو الذي سقط . يهمس كل واحد منهم في أذن الآخر مخبراً إياه أن سنمار هو الذي سقط . يدب الذعر في الواقفين ويبدأون بالتنصل من الجمع الواحد بعد الآخر بحذر واضح . يفر كل واحد منهم تدريجياً وعيناه تتوزعان بين طريقه وأعالي القصر وهو يتلفت هنا وهناك حتى تخلو أرضية المسرح من الجميع ]

 

[ الإنارة على فوهة البئر والشاهدة والزهور التي ألقتها فتيات البالية على الأرض والتي ديست بالأقدام . الكل يردد اسم سنمار حتى تمتلئ بالاسم وبأصدائه أرجاء المسرح ]

 

[ الجوقات في أعلى المسرح ومن الظلام تردد اسم سنمار وكأن الترديد تظاهرة ، وأول ما يظهر من تلك الجوقات التي يغطيها الظلام أذرع أفرادها وهي تلوح بإيقاع ينسجم والترديد دون أن تظهر باقي أجساد أفرادها ]

 

صوت :

            من خطف الحيرة من صحرائها

 الجوقات :

              سنمار  

 

سنمار :

            واسرج الشمس الى بهائها

 

الجوقات :  سنمار

 

صوت :

            وسرح النجوم في سمائها

 

الجوقات :

              سنمار

 

صوت :

           وسخر الرياح في أنبائها

 

الجوقات :

             سنمار

 

[ تتضح هيئات أشخاص الجوقات الواقفة على الدكات المقامة حتى أعالي المسرح نازلة الى الأسفل ]

 

صوت :

           من خطف الحيرة من صحرائها

 

الجوقات :

              سنمار

 

صوت :

           وارجع التلال خضراء الى ورائها

 

الجوقات : سنمار

 

صوت :

           وسجر الآجر في احشائها

 

الجوقات :

             سنمار

 

صوت :

           ومن دعا خورنقاً من غابِهِ

 

الجوقات :

             سنمار

 

صوت :

           وروّض  الآجرّ في قبابِهِ

 

الجوقات :

             سنمار

 

[ تواصل الجوقات النزول فيما يشبه الهرولة وهي على هيأة كراديس إثناء الإنشاد وهي تردد وتُنشد واذرع بعضها مشرعة . بينما أيدي بعضها الآخر على أكتاف من يتقدمه . الأعلام والبيارق مطوية على الأكتاف أو محمولة بالأيدي . أعلام أخرى تغطي فوهة البئر . تواصل الجوقات الهبوط حتى أول سلمة حيث تقف هناك وعليها رفعت بعض الأعلام ]

 

الزوجة :

[ ترتدي على رأسها وشاحاً وألوان ثيابها معتمة ، تخرج من بين الجوقات بيدها شمعة طويلة طول رجل وهي مشتعلة تهبط آخر سلمة وتتجه وبمشية إيقاعية للبحث عن سنمار هنا وهناك]

 

الزوجة :

            على العتبات انتظرتكَ

                           والباب مُغلق

           فقل اين انت

                           [ تبحث ]

          قل اين انت

                           [ تكرر المقطع ]

 

[ تقف على مقربة من البئر وهي لم تهتدي اليها بعد الحديث مع نفسها ]

 

الزوجة :

            ارى وهجاً لايُصَدْ

 

[ تتلفت يمنة ويسرة . ثم تنتبه الى مكان البئر فتقصده . حتى إذا اقتربت من الآجرة الشاهدة رمقتها بنظرة تكفي لقراءة اسم سنمار عليها حيث تركز الشمعة قرب الشاهدة أو مقابلها . تجلس عند فوهة البئر وكأن البئر قبر . ثم تتحدث وكأنها تعاتب سنمار . تنحني على فوهة البئر فيلوح شعرها مضفوراً بضفيرة واحدة غليظة ]

 

           لماذا خرجت على الضوء

                                 ياسيدي  ؟!

          ليخرج ظلك هذا عليك

                                 ويفتن هذا الخورنق  ؟

          لماذا خرجت  ؟!

 

                     [ لحظة صمت ]

    

         لئن كان لحدك أقصر من طولِهِ

     

                    [ تقص ضفيرتها وتضعها على فوهة البئر ]

 

        فان ضفيرة شعري ذا

                         تكمل الفرق

 [ تبسط وشاحها جيداً على فوهة البئر وتمسح كفها عليه لتعدل من ثنياته ]

           وشاحي ... !

           يُدَفَّيِك

           لعلك تحتاجه

                        من برودة ما يعتريك

         فمد اليه يديك

 

[ تنهض وهي تحاول توديعه . تنسحب متراجعة الى الوراء ووجهها الى موضع البئر .. تبتعد قليلاً فتوجه حديثها الى سنمار بصوت اكثر ارتفاعاً ]

 

      ولا تنس ياسيدي

      اذا مسك البرد في الليل

      كن مثل بجعة

      تنام ورأسك بين جناحيك

 

[ تودعه وهي تنسحب الى الوراء حيث مكانها بين الجوقات ]

 

جوقة :

         [ أصوات فقط تنشد وبصوت خفي في البدء ثم يتصاعد قليلاً حتى يسمع هادئاً مذكِّراً بغزل الزوجة بسنمار ]

 

       الطول فاتن كأنصال السيوف

                                والحزام ازرق

       والطول ملاح

                      وهذا القصر في الصحراء زورق

       والثوب ابيض كضحكة القرى

       والشعر مجدول كليلة السرى

       والشمس وقت العصر

                        في عينيه قنديل على الخورنق

 

[ حال انتهاء الزوجة وأصوات الجوقة الخلفية نستمع الى أصوات جوقة ثانية . تذهب الإنارة للبحث عنها حيث تستقر على جمعية الفنانين التشكيليين من رسامين ونحاتين وخطاطين وخزافين وأمثالهم وقد حملوا عُدَدَهم وطينهم ولوحاتهم وألوانهم واستانداتهم وأزاميلهم وفرشهم وتماثيلهم  . ثم رفعت بينهم لافتة كتب عليها جمعية الفنانين التشكيليين تتقدمهم قبة خشبية محمولة على رأس أحدهم مثمنة الأضلاع أو مسدسة تقوم أضلاعها على قاعدة دائرية قطرها متر شبيهة بما يسمى تراثياً بالمشعل المغربي . هذه القبة جرداء إِلا من مواضع أُعدت لتحمل الشموع وغيرها .

   جوقة هؤلاء الفنانين تنشد في مكانها ، حتى اذا انتهت غادرت السلم الى الارض ]

 

جوقة الفنانين :

                  [ وكأنها تخاطب سنمار ]

 

                   نعرف انك تشعل ناراً

                   لكن

                   لا بأس عليك

                  فالموت منازلة مفتوحة

                  وانك انزَهُ منهم موتاً

                  ساعتها

                  يالرحابة بيت الصمت

                  فسنصحبك الليلة في نزهة

                  في هذا القصر

                  بين زنانير الآجر المنسابة بين الجدران

                 وبين ازقة هذي الالوان

                 ندلف بين دواليه

                                   صفاً ... صف

                 نتشمم عطر ازاهير

                ونمسك اجنحة الحجر الطائر فيه

              

                           من اول كوة نور

                           الى آخر حجرة عصفور

                في آخر ما يتقوس من ظهر السقف

 

[ يهبطون من السلم ويتوزعون أمام القصر آخذين مواضع تتيح لهم أن يرسموا واجهات منه أو ينحتوا أو يخطوا حتى إذا انتهى أحدهم مما أكمله نهض ووضعه في أحد أضلاع القبة الخشبية - أو ما يسمى بالمشعل المغربي - التي وضعت أصلاً الى جانب فوهة البئر .

  صحفيون ومصورون تلفزيونيون يتابعون ويقابلون ويصورون .

  بعد التشكليين تنتقل الانارة الى السلالم وتستقر على لافتة مرفوعة كتب عليها بيتان من شعر الجواهري بتصرف هما :-

        نحن الذين أعرنا الكون بهجته              

                                          وخربته ملوك وهي أنفارُ

       شدنا الحياة فكوفئنا الممات كما        

                                   شاد الخورنق كي يردى سنمارُ 

 

[ الإنارة على اتحاد الأدباء تظللهم لافتة كتب عليها- اتحاد الأدباء والكتاب - يحملون شموعا  ويرددون نشيدهم وهما بيتا الشاعر الجواهري .

 

قارئ :

          [ قارئ مقام عراقي يعيد قراءة بيتي الجواهري بطور المقام العراقي . تتحرك الإنارة للبحث عنه حيث تستقر على مجموعة من قرّاء المقام العراقي وهم بملابسهم التقليدية وآلات عزفهم وقد توسطهم ذلك القارئ .

 

تنزل مجاميع الأدباء ومنشدو المقام من السلالم الى أرض المسرح .

الأدباء يحملون الشموع يذهبون الى القبة الخشبية ويضعونها في الأماكن المعدة لها فيها .

بعض الواقفين أو بعض المشاركين ضمن الجوقات كل يحمل قمقماً مليئاً بماء الورد يرشُّهُ على المشاركين . ومنهم من يحمل أكياساً من الحلوى الجافة ينثرها بين كل آن وآن عليهم . البعض الآخر يبادر بسقيهم الماء في كاسات مدورة صنعت من معدن الصفر تملأ بالماء من أماكن السبيل الموجودة على ارض المسرح أو من قِرَب عرق السوس .

        

 [ إحدى الرسامات التشكيليات أو النحاتات تعاود الخطو كل آن وآن بين لوحتها والقصر وهي تلمس جدراناً أو تتأمل مكاناً فيه لتنقله بعد ذلك الى لوحتها ]

 

 [ الإنارة على المعماريين وقد ارتفعت فوقهم لافتة كتب عليها اتحاد المعماريين وهم ينشدون ناشرين خرائطهم ورسومهم وهابطين السلالم الى ارض المسرح ]

صوت :

           من منح الصلصال طينَ الكوكبِ

الجموع :

            سنمار

 

صوت :

          من كان سبابتُهُ من ذهبِ

 

الجموع :

            سنمار

 

صوت :

            من رفع الحيرة بين الشهبِ

 

الجموع :

             سنمار

 

[ يكررون وهم يهبطون الى ارض المسرح ]

 

جميع المبدعين يتحلقون حول البئر ومعهم زوجة سنمار التي تمضي لتقف قريباً من الشمعة المشتعلة وحينما يتكاملون يعودون للإنشاد ثانيةً وهم ينسحبون باتجاه الخروج من المسرح سوى الزوجة التي تظل في آخرهم .  أحدهم يرفع المشعل المغربي ويضعه بمعاونة آخرين على رأسه ويدور به بين المجاميع . فجأة ومن المكان القريب من سقف المسرح يصدح البوقان المتصالبان . تنسحب الإنارة الى موقع البوقين ، تنتبه الزوجة فتصغي لصوت البوقين عندها تبدأ بممارسة أداء إيقاعي إيمائي تصاحبها في ذلك موسيقى زوربا التي تبدأ بطيئة ثم تتسارع شيئاً فشيئاً حتى تصبح بسرعتها الطبيعية ، الزوجة تؤدي إيقاعها بمفردها أول الأمر لتتبعها بعد ذلك مؤديات إيقاع البالية وكأنهن نسوة يواسينها ثم يَشمل الأداء الإيقاعي على موسيقى زوربا كافة أفراد الجوقات التي عادت الى المسرح وبالتتابع والأعناق مشرئبة الى السقف حيث مصدر الصوت الذي صدر عن البوقين .

 

يلوح في سماء المسرح بدر ياخذ بالتضاؤل حتى يصير قمراً ثم هلالاً ثم يتضاءل .

تعود الانارة على النعمان الذي مازال واقفاً على سطح القصر حيث تلمحه الزوجة عندها تنتبه الى المخدع الكائن في اسفل القصر والذي أودعت فيه الطابوقة المميزة حيث تسرع للدخول فيه واخراجها ووضعها قرب البئر وبمعاناة .

فجأة تسقط الرأس التي كانت قد سقطت في المشهد الاول من السقف فتصير تلك الطابوقة وسادتها المشعة . تتوقف موسيقى زوربا . يبدأ القصر بالانهدام شيئاً فشيئاً بعد إخراج الطابوقة ، يحدث ارتجاج اثر سقوط الرأس حيث يخرج بعض الأفراد ويقفون على أبواب بيوتهم . يصدح البوقان المتصالبان ثانيةً حيث ينهض من البئر تمثال لسنمار ويبدأ بالارتفاع  يتسارع القصر بالانهدام والنعمان يزداد هلعاً وخوفاً فيبادر الى النزول مسرعاً سلمة سلمة وطابقاً طابقاً كلما واصل التمثال الارتفاع والصعود . التمثال يرتفع الى الخلود والنعمان يهبط الى النسيان والمتاهة .

تنتاب الجوقات والواقفين على الابواب الدهشة اذ يفاجأ الجميع . لتعود الجوقات الى المسرح ثانيةً وتشكل بوقفتها خريطة العراق وأول من ينتبه الى التمثال زوجة سنمار التي تسارع نحوه وتقترب منه لتتفحصه وتتأكد منه . تمسك بيده وتتأمل ملامح وجهه وتلمس ملابسه ، وحين تتعرف عليه تصرخ فرحة وكأنها تخبر الذين يقفون حوله من المجاميع :

                      

                                         سنمار .. سنمار

 

وهي تجول بكل الاتجاهات ثم تصيح ]

 

الزوجة :

             كيف نجوت من الموت سنمار

             كيف نجوت من الموت سنمار

 

[ باقي الجوقات تأخذ هذه الصرخة وترددها نشيداً مع الواقفين على أبواب بيوتهم والأعلام المطوية تنشر وتخفق مرفرفة على الرؤوس ]

 

             كيف نجوت من الموت سنمار

                       كيف نجوت من النار

                                  فراش النار

 

حشد من الاطفال الذكور يحملون بالونات تعلو رؤسهم بارتفاع مناسب يرى واضحاً من قبل الجمهور ومثلهم مجموعة من الأطفال الإناث ينقسمون الى خطين يخترقان خريطة العراق المشكلة من قبل الجوقات من شمال العراق حتى جنوبه راسمين بذلك مسار كل من نهري دجلة والفرات .

الأطفال الإناث ترسم دجلة والأطفال الذكور يرسمون مسار الفرات بيارق بألوان العلم الوطني تنهضُ من على البئر متتابعة وتصطف الى بعضها مشكلة العلم الوطني

المشعل المغربي أو القبة المضاءة تجول محمولة حول الخريطة المشكلة من جوقات المبدعين ثم تستقر بوقفتها الى جانب التمثال وتظل باقية حتى بعد انسحاب المجاميع .

فتيات البالية يؤدين ايقاعات حول التمثال او حول الخارطة .

الزوجة تسارع فتتخذ موضعها أمام التمثال والى جانبها الشمعة والمشعل المغربي في مركز الخريطة .

الجوقات تردد أنشودتها وهي تنسحب بعد أن احتفت . بينما تظل الزوجة واقفة أمام التمثال هي والشمعة والقبة الخشبية

 

الجوقات :

             [ تنشد وهي تنسحب الى خارج المسرح ]

 

               كيف نجوت من الموت سنمار   ؟

               كيف نجوت وأنت فراش النار   ؟

               كيف بُذرت على هرم في الغيم   ؟

                                                  وكيف كبرت  ؟

                                                        محبرةً  ...

                                                   اوراقاً بيضا ...

                                                                  آجرّة شبّاكٍ

                 ديكاً ...

                           وطيور بساتين

                وطناً يملك جوهرة الشعر ...

                                       جدال الروح

                           جديلة شعر مضفور

                       نهراً ... نهراً

                       وشراعاً منتفخاً

                                  وطناً

                                   منتصباً بين المنتصبين

                                               وطناً لعراقيين

 

تصور الخارطة تلفزيونياً من الأعلى وتعرض على الجمهور في وضع يمكّن الجمهور من رؤية الرسم للخارطة واضحاً طيلة تشكيل الجوقات والزوجة لها . ومنذ أن يبتدئ الإنشاد حتى ينتهي بعد ذلك

تخرج الجوقات من المسرح في حين تظل الزوجة واقفة امام التمثال الى جانبها الشمعة المشتعلة والمشعل المغربي .

الانارة تنتبه بعد ان كانت منشغلة بتوديع الجوقات إذ تسارع الى الزوجة فتضيء موقعها .

يسرع المصورون الذين على المسرح لالتقاط الصور العديدة لها . الزوجة تتحرك بعد كل صورة كأن تلمس شعرها او تنظر الى الشمعة او التمثال . وبعد ان ينتهي المصورون وينسحبون يتقدم مصور اعمى او جوقة العميان وهم يحملون الكاميرات ليصوروا الزوجة من كل مكان حيث تثبت الزوجة دون حراك بعد التصوير وكأنها تمثال كسنمار

تصدح في المسرح انشودة وبصوت الزوجة

 

                          [ الطول فاتن كأنصال السيوف

                                                                ... الخ ]

 

الصوت يصدح من خارج المشهد . الأنشودة تبدأ ناعمة هادئة ثم تتصاعد تدريجياً وتتسع أصداؤها في كافة أرجاء المسرح مستمرة حتى أثناء مغادرة المشاهدين صالة العرض .

 

 

                                             النهاية