الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

17  حزيران 2006

أفكار عراقية

 

إحراق مكتبة الاسكندرية بين الأقباط والمسلمين والآرثوذكس

 

كتابات - نبيـل الكرخي

 

إنَّ البحث في موضوع (إحراق مكتبة الاسكندرية) عبر التاريخ يجابهه صعوبات كبيرة نتيجة قلة المصادر وندرتها وتناقضها في بعض الأحيان ، واحتوائها على تفاصيل قابلة للطعن فيها من قبل بعض المؤرخين. وقد تعرضت مكتبة الاسكندرية لعدة حرائق في مراحل تأريخية متعددة ، ولعل أهم جدال وقع حين تم إتهام المسلمين بحرق هذه المكتبة وتحميلهم زوراً مسؤولية تأريخية لفنائها وإنقراضها ! وهذا الاتهام له علاقة بالصراع بين الاسلام والصليبية بدرجة أعلى بكثير من كونه مجرد مسألة تأريخية ، حيث أنَّ الادلة والقرائن تدل على نفي ذلك وتبرئة المسلمين من هذه التهمة.

اما المسيحيون الاقباط الذين تناولوا موضوع حرق مكتبة الاسكندرية في كتاباتهم مثل الاستاذ عزت اندراوس ـ في موقعه على شبكة الانترنيت ـ فقد اتسمت بعدم الموضوعية وبالتحريض ضد المسلمين ومحاولة تشويه صورتهم بأدلة غير معتبرة ، لذلك فلا يمكن إعتبارها مصادر محايدة مما يوجد صعوبة في الإعتماد عليها وحدها كمصدر تأريخي.

 

تأسيس مكتبة الاسكندرية :

أسس بطليموس الثاني الملقب فيلادلفوس (285 ـ 247) ق.م مكتبة الاسكندرية(1) ، وهي جزء من المتحف الذي بناه بطليموس الثاني نفسه حوالي سنة 280 ق.م أَو تم بنائه مِن قِبل أبّيه بطليموس الاول الملقب سوتر (حَكمَ 323-285/283 ق.م)( 2 ). ويبدو انه قد تم بناء مجمع كامل يتكون من متحف ومعبد وثني ومكتبة ، حيث يشير قاموس الكتاب المقدس إلى أن المكتبة كانت جزءاً من معبد وثني يسمى السيرابيوم Serapeum ، والسيرابيوم هو معبد وثني ، فهو هيكل "الإله" سرابيس وهو "إله" مكون من إمتزاج "الإله" أوزيرس بـ "الإله" أبيس ! ويظن بعضهم أنه خليط من من زيوس "الإله" اليوناني وأوزيرس "إله" العالم الآخر عند المصريين القدماء(3) ! وتشير الموسوعة البريطانية إلى ان المتحف بني قرب القصر(2) ، فيكون المتحف والمعبد والمكتبة كلها قد بنيت قرب القصر الملكي. وتذكر الموسوعة البريطانية انَّ هناك مكتبة فرعية ("daughter library") تم تأسيها في معبد السيرابيوم Serapeum من قبل بطليموس الثالث الملقب اورجيتس سنة 235ق.م ، إذن هناك مكتبتين الأولى رئيسية تابعة للمتحف والثانية فرعية تابعة للمعبد الوثني.

 

وذكر الاستاذ عزت اندراوس نقلاً عن كتاب بارسون الموسوم (مكتبة الاسكندرية : مجد العالم الهيليني : بزوغها وآثارها ودمارها) أن أول أمين لمكتبة الاسكندرية هو ديمتريوس الفاليري حوالي سنة 284 ق.م ، وذكر أيضاً بقية أسماء أمناء المكتب كالاتي(4) :

1- ديمتريوس الفاليرى ( حوالى 284 ق. م )
2- زينودوتسى الأفسى ( 284 – 260 )
3- كاليماخوس البرقاوى ( 260- 240 )
4- ابوللونيوس الرودسى ( 240 – 235 )
5- اراتواسثينس البرقاوى ( 235 – 195 )
6- ارستوفانيس البيزنطى ( 195 – 180 )
7- ابوللونيوس ايدوجرافوس ( 180 - 160 )
8- اريستارخوس الساموتراقى ( 160 – 145 )
غير إنَّ هذه المعلومات تتضارب مع ما ذكره أرنولد توينبي في كتابه تاريخ البشرية(5) وهو أن فاراتوستينس القيريني كان امين مكتبة المتحف في الأسكندرية (276 ـ 194)ق.م أو (264 ـ 202) ق.م ، وهذا الأسم غير موجود مع الأسماء التي ذكرها بارسون في كتابه !

واول إشارة تاريخيـة لمكتبة الاسكندرية هو في وثيقـة يهوديـة في حوالـي 180-145 ق.م في رسائـل ارستياس Aristeas(6) .

 

روّاد مكتبة الاسكندرية :

مدرسة الاسكندرية هي مدرسة فلسفية وأدبية ، ومعظم أفرادها هم من الوثنيين رغم أن بعض افراد هذه المدرسة قد أعتنق المسيحية(7) . وكانت مدرسة الاسكندرية معقلاً للإتجاهات الوثنية بخلاف مدرسة أثينا التي شاع بها الجو الديني وانتشرت بها الصوفية وذاع التأمل والنسك فيها(8).

 

أول حرق لمكتبة الاسكندرية :

أول حريق اصاب المكتبة كان في سنة 48ق.م من قبل يوليوس قيصر حينما قدم إلى الاسكندرية لمساعدة كليوباترا ضد اخيها ، فتمت محاصرته مع أسطوله في المنطقة القريبة من القصر الملكي حيث كان يوجد المتحف ،  فقام قيصر بإشعال النار في احواض السفن للإضرار بسفن غريمه بطليموس الرابع عشر أخو كليوباترا ، فامتدت النار إلى المخازن القريبة ومن ثم أتسعت لتصل إلى المتحف وتحرق المكتبة. ويرى البعض ان ما يقارب الـ (400) ألف وثيقة قد احترقت في المخازن القريبة من موقع المعركة دون أن تصل إلى بناية المتحف(9)  ! ونحن نعرف ان قيمة واهمية الكتب والوثائق التي اتلفت أكثر بكثير من جدران بناية المتحف.

 

ثاني حرق لمكتبة الاسكندرية :

المؤرخ كيليوس Gellius المتوفى سنة 180م ، ذكر وهو يتحدث عن المكتبات انه في حرب اوكتافيوس Octavian ضد انطونيو Anthony وكليوباترا Cleopatra في الاسكندرية ، تم احراق (700) الف كتاب(10). وهذا الأمر يكشف عن أنَّ مصير كتب مكتبة برغاموس التي نقلت إلى الاسكندرية هو الحرق سواء على يد يوليوس قيصر أم على يد اوكتافيوس (تسمى فيما بعد بأسم اغسطس قيصر) ، كما سنذكر في الفقرة التالية...

 

كتب مكتبة برغامس تحترق مع مكتبة الاسكندرية :

قالت مسز أ . ل . بتشر في كتابها تاريخ ألأمة القبطية )صدر في 1889م( الجزء6 ص 148 الهامش : (لا مشاحة أن مكتبة الاسكندرية القديمة قد كان قد احرقها أوغسطوس قيصر أول إمبراطور روماني وضع يده على مصر ولكن لم يمضِ وقت طويل حتى تجددت هذه المكتبة إذ نقلت مكتبة برغاموس إليها فصارت أشهر من الأولى وانفع). وقد ذكرنا في الفقرة السابقة ان مكتبة الاسكندرية قد اخترقت في حرب اغسطس قيصر (اوكتافيوس) مع انطونيو وكليوباترا ، ولكن فول مسز بتشر بان مكتبة برغامس قد نقلت اليها بعد ذلك يبدو أنه قول غير صحيح ، فهناك مصادر أخرى تذكر أنَّ مكتبة برغامس وعددها (200) ألف كتاب نقلت الى مكتبة الاسكندرية في عهد كليوباترا(11) ، وكانت كليوباترا معاصرة ليوليوس قيصر(12) ، وهو أخو جدة أوغسطس قيصر لأمه(13) . ويتبادر إلى الذهن التساؤل عن السبب الذي جعل المخازن في ميناء السفن تحتوي على العدد الهائل من الوثائق التي ذكرناها والتي تلفت بسبب الحرب بين يوليوس قيصر وبطليموس الرابع عشر ؟ الظاهر أن تلك الوثائق التي تلفت هي كتب مكتبة برغامس التي نقلتها كليوباترا لتضيفها إلى مكتبة الاسكندرية ، ولكن الحرب التي اشتعلت أدت إلى تلفها قبل أن تصل إلى المكتبة ، ثم أمتد الحريق إلى بناية مكتبة المتحف نفسها.

 

حسناً هناك رأي يقول بان كتب مكتبة برغاموس كانت هدية من أنطونيو إلى كليوباترا ، وقد احرقت فيما بعد في احداث سنة 391م كما سنذكر لاحقاً(14). ولكن هذا الرأي لا يكشف عن سبب وجود هذا العدد الهائل من الكتب والوثائق في مخازن قرب الميناء والتي احترقت في حرب يوليوس قيصر مع بطليموس الرابع عشر ! كما أنَّ هذا الرأي المذكور لا يذكر الطريقة التي نجت بها تلك الكتب من حريق اوكتافيوس المذكور آنفاً. فإذا كانت مكتبة برغاموس قد نقلها انطونيو حقاً فهناك إحتمال انها احرقت على يد اوكتافيوس في حربه ضد انطونيو وكليوباترا.

 

عموماً فقد قام اغسطس قيصر نفسه بإعادة إعمار المكتبة سنة 12ق.م(15).

 

ثالث حرق لمكتبة الاسكندرية :

وتذكر الموسوعة البريطانية أن زنوبيا ملكة تدمر استولت على مصر سنة269م(16)  ،  وقامت بتدمير المتحف سنة 270م(17)  . وكذلك المكتبة(6) ، فنحن نعلم ان المكتبة هي جزء من المتحف ، ولا بد ان تكون المكتبة قد تعرضت هي ايضاً للتدمير او النهب والسرقة على أقل تقدير. ويبدو أن حرق المكتبة قد حدث أثناء حرب زنوبيا مع الامبراطور اورليان Aurelian الذي احتل الاسكندرية بعد هزيمة زنوبيا فيها ، حيث ذكرت الموسوعة البريطانية أن المكتبة والمتحف دمرا أثناء الحرب الأهلية في عهد الامبراطور اورليان في أواخر القرن الثالث الميلادي(18) ، مع العلم أن الامبراطور اورليان قد مات سنة 275م.  

 

رابع حرق لمكتبة الاسكندرية :

قال الاستاذ عزت اندراوس : (الحريق الثاني كان في عهد الإمبراطور أورليانوس 273م ، حيث دمر جانبًا كبيرًا من المدينة بعد اضطرابات من جانب المسيحيين ، وتكرر الأمر في عام 296م) (4) . حيث يبدو من خلال هذا النص ان هناك حريقاً رابعاًً قد حدث سنة 296م واحدث تدميراً بالمكتبة هو أيضاً ـ بحسب العبارة المذكورة ـ وتشير بعض المصادر إلى أن الامبراطور دايكليَّشن Diocletian الذي تولى الحكم سنة 284م حاصر الاسكندرية لمدة ثمانية شهور سنة 296م للقضاء على تمرد آتشيليس Achilleus ودوميتيوس دوميشانوس Domitius Domitianus وقتل الآلاف نتيجة لذلك(19). وفي سنة 305م اصدر الامبراطور دايكليَّشن Diocletian أمراً بتحطيم المسيحية وكذلك بحرق كل كتب المعادن في مكتبة الاسكندرية(6)  ! فهو إذن تدمير جزئي لكتب المكتبة !

 

خامس حرق لمكتبة الاسكندرية :

أمر الامبراطور جوفيان Jovian (363 ـ 364)م ونتيجة لرغبة ملحة لزوجته بإحراق المعبد والكتب التي فيه ، أي في مكتبته ، مكتبة المعبد(20).

 

سادس حرق لمكتبة الاسكندرية :

حطم مسيحيون مكتبة المعبد الوثني في إضطرابات سنة 391م(18)  أي في نهاية القرن الرابع الميلاد في زمن الامبراطور ثيودسيوس الاول الذي أصدر أمراً بالقضاء على الوثنية ، فقام بطريارك الاسكندرية ثيوفليوس بجمع غوغاء المسيحيين والهجوم على معبد السيرابيوم ومكتبته ودمروها ، ويبدو ان التحطيم شمل المتحف ومكتبته أيضاً(6) .

 

 

مكتبة الاسكندرية مهجورة :      

قال المؤرخ أورسيوس أنه حوالي سنة 416م رأى مكتبة الاسكندرية شبه مهجورة(4) !

غير ان الاستاذ عزت اندراوس حاول ان يثبت ان مكتبة الاسكندرية بقيت مستمرة في الوجود حتى الفتح الاسلامي ، فقال : (اما عن وجود مكتبه الإسكندريه قبل الغزو العربى فقد ذكر المؤرخين بسوزومين وثيئودوريت وروفينوس انهم شاهدوا المكتبه فى القرن الرابع اما افتونيوس المؤرخ فقال :( وهذه مكتبه السيرابيوم المفتوحه للجمهور نهارا  هى للمدينه كلها0 دعوه مستمره للإستقاء من مناهل الحكمه)- اما الانبا كيرلس مقار ذكر ان شابا اسمه بول أوروز أسبانى رأى  مكتبه السيرابيوم ( بالاسكندريه) وذكر أيضا ان امونيوس الفيلسوف الأسكندرى الذى  كتب مؤلفات فى السنوات الاخيره من القرن السادس وصف مكتبه الاسكندريه وذكر انها تحوى فى هذا الوقت على 40 نسخه من " التحاليل الفلسفيه" - ونسختين من "المصنفات" وهما من تأليف الفيلسوف المشهور أرسطاطليس0وكان أمونيوس هذا معلما ل(يوحنا الغراماطيقى) الملقب بفيليبون الذى يروى عنه المؤرخين العرب انه حاول مع عمرو بن العاص لينقذ المكتبه من الدمار) ، نعم فإنَّ الذين راوها في القرن الرابع الميلادي إنما كانت رؤيتهم لها قبل حرق المسيحيين لها سنة 391م أي أواخر القرن الرابع الميلادي.

واما امونيوس الفيلسوف الاسكندري فلم يكن يعيش في القرن السادس الميلادي كما ذكر عزت اندراوس بل في الفترة (175 ـ 250)م(11) أي في نهاية القرن الثاني والنصف الاول من القرن الثالث الميلادي ، فلا يعتد بشهادته لأن تدمير المسيحيين للمكتبة كان في سنة 391م. فالادلة التي ذكرها الاستاذ عزت اندراوس غير معتبرة ، ولكن يبدو ان جانباً من المكتبة بقي رغم هجوم غوغاء المسيحيين سنة 391م ونرجح أن الذي بقي هو مكتبة المتحف وليس مكتبة المعبد الذي تحول الى كنيسة بعد الهجوم المذكور وتدمير مكتبة المعبد !

 

منع تدريس الفلسفة :

وبعد أكثر من مائة سنة ، وبالتحديد في سنة 529م أصدر الامبراطور جستنيان حظر تدريس الفلسفة فخلت أثينا والاسكندرية من مدارسها(12)، ومعنى هذا أن المكتبات ومكتبة الاسكندرية على وجه الخصوص إزدادت خلواً من روادها اكثر من ذي قبل ، ولذلك فلا نتوقع إلا ان تترك مكتبة الاسكندرية بلا رعاية وبلا ترميم سواء ترميم البناية أو ترميم الكتب فيها. ومن يضمن عدم سرقة الكتب الثمينة منها أو تسريبها خارج المكتبة نتيجة الفترة المظلمة التي تمر عليها من هجران وإنعدام للرعاية والمتابعة.

 

إضطهاد البيزنطيين للأقباط :

بدأ الخلاف بين كنيسة روما وكنيسة القسطنطينية من جهة وكنيسة الأقباط من جهة أخرى حينما تم عقد مجمع خلقيدونية سنة 451م ، هذا المجمع دعا إلى عقده الامبراطور مرقيانوس والامبراطورة بولخيريا بناءاً على طلب أسقف روما ، وكانت نتيجة هذا المجمع أنه تبنى عقيدة يعتنقها بابا روما واسقف القسطنطينية فلابيانوس تقول بان المسيح بعد تجسده كان له طبيعتين ومشيئتين ، بينما اعتنق بطريرك الاسكندرية ديسقوروس عقيدة أخرى تقول أن المسيح بعد تجسده صار اتحاد اللاهوت بالناسوت في طبيعة واحدة بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير !! ورفض بطريرك الاسكندرية ديسقوروس الاعتراف بقرارات هذا المجمع(13)، فكان اول إنشقاق في المسيحية المبنية على التثليث. 

 

يقول القس زكريا بطرس : (كان نتيجة لهذا الإنشقاق أن اضطهد قياصرة القسطنطينية الكنيسة المصرية وذلك لأن اولئك الأباطرة كان من مصلحتهم ان لا يكون هناك إنشقاق في إمبراطوريتهم ولذلك حاولوا بشتى الطرق ان يثنوا الكنيسة المصرية عن إيمانها ولكن باءت محاولاتها بالفشل وأخيراً أرسل اولئك الأباطرة بطاركة من قبلهم إلى الاسكندرية ليحلوا محل البطاركة الأقباط وعرف أولئك البطاركة المعينين من قبل الملك بالبطاركة "الملكيين" وطبيعي كانوا من أنصار معتقد مجمع خلقيدونية... وبهذا أصبح في مصر بطريركان أحدهما يختاره الآرثوذكس(14) الأقباط والاخر يرسله القيصر ليكون بطريركاً للملكيين)(15).

وأضاف قائلاً : (وكان القباط يرسمون بطريركهم سراً وكان لا يُسمح لهم بدخول الاسكندرية. وظل الحال على هذا الوضع حتى دخول العرب مصر وتخلص الأقباط من سلطة الرومان وبطاركة الروم (الملكيين)).

 

فدخول العرب المسلمين إلى مصر حوالي سنة 642م كان فيه إنهاء لإضطهاد الاقباط الذي استمر حوالي (190) سنة متتالية !

 

إتهام المسلمين بحرق مكتبة الاسكندرية :

يحاول بعض المسيحيين ولاسيما بعض الاقباط إتهام المسلمين بحرق مكتبة الاسكندرية بعد الفتح الاسلامي لمصر سنة 642م ! مستندين في ذلك إلى مصادر ثانوية غير دقيقة. وسنتناول الان تلك المصادر ونبيِّن عدم إمكانية إعتبارها أو قبولها.

 

أدلّة الإتهام :

 

1. (قال عبد اللطيف البغدادي المتوفى 629 الهجري في الافادة والاعتبار ص 28 : رأيت أيضا حول عمود السواري من هذه الأعمدة بقايا صالحة بعضها صحيح وبعضها مكسور ويظهر من حالها إنها كانت مسقوفة والأعمدة تحمل السقف وعمود السواري عليه قبة هو حاملها . وأرى إنه الرواق الذي كان يدرس فيه ارسطوطاليس وشيعته من بعده وأنه دار المعلم التي بناها الاسكندر حين بنى مدينته ، وفيها كانت خزانة الكتب التي أحرقها عمرو بن العاص بإذن عمر رضي الله عنه)(16)

المناقشة :

هذه الرواية مرسلة ولا إسناد فيها ، والبغدادي قد عاش في القرن السابع الهجري بينما الحدث المزعوم وهو إحراق المسلمين لمكتبة الاسكندرية يفترض به ان يكون قد وقع في الربع الأول من القرن الاول الهجري ! فكيف وصلت هذه المعلومة إلى عبد اللطيف البغدادي بدون ان يذكرها احد من مؤرخي المسلمين المعاصرين أو القريبين من الحدث ولا من مؤرخي المسيحيين ولا من مؤرخي اليهود ! علماً انَّ ثلث سكان الاسكندرية في الزمن الغابر كانوا من اليهود(17). فتهمة إحراق المكتبة غابت عن تواريخ جميع المؤرخين المسلمين والمسيحيين واليهود قبل القرن السابع الهجري – الثالث عشر الميلادي ، مثل تواريخ الطبري واليعقوبي والبلاذري وسعيد بن بطريق وابن عبد الحكم والكندي وغيرهم. وكذلك حنا النقيوس الذي كتب عن الفتح الاسلامي ولم يذكر تهمة الحرق المذكورة. وأيضاً فإنَّ افتيكيوس بطريرك الاسكندرية الذي توسع في الكلام عن استيلاء المسلمين على مصر(18) لم يذكر التهمة المذكورة.

وكذلك احتوت رواية البغدادي على خطأين فذكرت الرواية انَّ أرسطو طاليس كان يدرس في مدرسة الاسكندرية أي المتحف الذي ذكرناه سابقاً ، وهذا الأمر غير صحيح ، لأن أرسطو طاليس (384 ـ 322)ق.م لم يحضر إلى الاسكندرية ولا إلى مصر(19). والخطأ الآخر هو أنها نسبت للاسكندر بنيانه وإنشائه للمكتبة وهو خطأ لأن الذي بناها هو بطليموس الثاني فيلادلفوس وقيل بطليموس الاول سوتر.

فإذا اخطأ البغدادي في معلومتين تأريخيتين فلا يستبعد انه قد اخطأ في المعلومة الثالثة ايضاً. فنجد انه من غير المجدي الإعتماد على رواية البغدادي هذه في إسناد التهمة للمسلمين بأنهم أحرقوا مكتبة الاسكندرية.

 

2. (وجاء في تاريخ مختصر الدول لأبي الفرج الملطي المتوفى 684 ص 180 من طبعة بوك في اوكسونيا سنة 1663 م ما نصه : وعاش ( يحيى الغراما طيقي ) إلى أن فتح عمرو بن العاص مدينة الاسكندرية ودخل على عمرو وقد عرف موضعه من العلوم فأكرمه عمرو وسمع من ألفاظه الفلسفية التي لم تكن للعرب بها أنسة ما هاله ففتن به وكان عمرو عاقلا حسن الاستماع صحيح الفكر فلازمه وكان لا يفارقه ثم قال له يحيى يوما : إنك قد أحطت بحواصل الاسكندرية وختمت على كل الأصناف الموجودة بها ، فمالك به انتفاع فلا نعارضك فيه ، وما لا انتفاع لك به فنحن أولى به . فقال له عمرو : ما الذي تحتاج إليه ؟ قال : كتب الحكمة التي في الخزائن الملوكية . فقال عمرو : هذا ما لا يمكنني أن آمر فيه إلا بعد استئذان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب . فكتب إلى عمر وعرفه قول يحيى فورد عليه كتاب عمر يقول فيه : وأما الكتب التي ذكرتها فإن كان فيها ما وافق كتاب الله ؟ ففي كتاب الله عنه غنى ، وإن كان فيها ما يخالف كتاب الله ؟ فلا حاجة إليه فتقدم بإعدامها . فشرع عمرو بن العاص في تفريقها على حمامات الاسكندرية وإحراقها في مواقدها فاستنفدت في مدة ستة أشهر).

المناقشة :

الظاهر ان أبا الفرج الملطي هذا هو نفسه الأسقف المسيحي اليعقوبي جريجوري Gregory Bar Hebr?us (المتوفى 1286م)(10)، والرواية تحوي على اخطاء تأريخية منها انها ذكرت أن يحيى الغراماطيقي قد عاصر الفتح الاسلامي وعاش بعده بينما تذكر المصادر أنَّ يحيى الغراماطيقي كان ميتاً في وقت الفتح الإسلامي لمصر(10) ، وهذه اول نقاط ضعف هذه الرواية وعدم مصداقيتها ، يضاف لذلك أن أبو الفرج الملطي عاش في القرن السابع الهجري أي بعد حوالي سبعة قرون من الحادثة فهو لا يستند إلى دليل معتبر في إسناد روايته ولم يذكر أي مصدر يستند عليه في روايته هذه. واما تفريق الكتب على الحمامات لغرض حرقها ، فهو عمل مخالف لأوامر الخليفة لأن تفريقها على الحمامات يوفر فرصة مهمة لإنقاذها من خلال شرائها ممن يقومون بالحرق ، يالإضافة إلى ان من يقومون بالحرق هم مسيحيون يمكن ليحيى الغراماطيقي ان يؤثر عليهم بسهولة لإنقاذ الكتب. والأسهل على عمرو بن العاص هو جمع الكتب في ساحات او حتى في اماكنها وإحراقها بدلاً من معاناة نقلها وهي آلاف مؤلفة إلى مناطق تواجد الحمامات وهي مناطق متفرقة. فضلاً عن أن الكتب تصنع عادة من الصحف والاوراق التي لا تصلح لإيقاد قزانات الحمامات. فهي لا تصلح وقوداً لكي يتم إتلافها بهذه الطريقة التي تعرقل عمل الوقود الاصلي للحمامات وتتلفه.

 

3. قال علي بن يوسف القفطي المتوفى 646 في كتابه تراجم الحكماء المخطوط في ترجمة يحيى النحوي : وعاش ( يحيى النحوي ) إلى أن فتح عمرو بن العاص مصر والاسكندرية ودخل على عمرو وقد عرف موضعه من العلم واعتقاده وما جرى له مع النصارى فأكرمه عمرو ورأى له موضعا وسمع كلامه في إبطال التثليث فأعجبه وسمع كلامه أيضا في انقضاء الدهر ففتن به وشاهد من حججه المنطقية وسمع من ألفاظه الفلسفية التي لم يكن للعرب بها أنسة ما هاله ، وكان عمرو عاقلا حسن الاستماع صحيح الفكر فلازمه وكاد لا يفارقه ، ثم قال له يحيى يوما : إنك قد أحطت بحواصل الاسكندرية وختمت على كل الأجناس الموصوفة الموجودة بها ، فأما مالك به انتفاع فلا أعارضك فيه ، وأما ما لا نفع لكم به فنحن أولى به ، فأمر بالإفراج عنه . فقال له عمرو : وما الذي تحتاج إليه ؟ قال : كتب الحكمة في الخزائن الملوكية وقد أوقعت الحوطة عليها ونحن محتاجون إليها ولا نفع لكم بها . فقال له : ومن جمع هذه الكتب وما قصتها ؟ فقال له يحيى : إن بطولو ماوس فيلادلفوس من ملوك الاسكندرية لما &