|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
19 نيسان 2006 |
|
أفكار عراقية
كامل النجار وجريمة الارتداد - أخطاء وإتهامات
كتابات - نبيـل الكرخي
ما زلنا مستمرين في سلسلة مقالاتنا حول جريمة الارتداد والحوارات التي تجري حولها. ففي مقاله المنشور في موقع كتابات بتاريخ 8 نيسان 2006م بعنوان [(أين الأمانة العلمية يا سيد الكرخي ؟)] ، توهم الدكتور كامل النجار أنَّ هناك خرقاً من قبلي للأمانة العلمية التي يتوجب وجودها في الباحث. ومنشأ الشبهة لديه أنه أعتمد على تفسير الجلالين فيما يبدو فاتضح له ان الآية (126) من سورة النحل والاية (114) من سورة هود هما آيتان مدنيتان بحسب قول الشيخ جلال الدين السيوطي. فيما اعتمدنا على مصادر اخرى تقول انهما آيتان مكيتان. ونتيجة لهذا فقد كال الدكتور النجار الاتهام لنا بخرق الامانة العلمية ، مع أننا لو افترضنا صحة ما ورد في تفسير الجلالين ثم اعتمدنا على مصدر آخر يقول بغير ذلك فليس في الامر خرقاً للأمانة العلمية بل هو قد يكون خطأ كأقصى ما يمكن ان يقال عنه. وبذلك فقد اتضحت ضعف حجة وتهافت الأدلة التي يستند إليها الدكتور كامل النجار ، فبدلاً من ان يرد على الحجج المنطقية والعقلائية والشرعية التي ذكرناها في مقالنا السابق الموسوم (كامل النجار وجريمة الارتداد) بحلقاته الثلاثة ، وإذا به يرد على هذا المقال مكتفياً ببعض الشبهات الجديدة والعقيمة في نفس الوقت مستنداً الى موضوع الآيتين اللتين ذكرناهما ، مع أنَّ ذلك لم يغيّر من جوهر القضية ولم يؤثر شيئاً على الادلة الصحيحة التي اوردناها في سياق نقض مقال وأفكار الدكتور محمد عابد الجابري ، حيث أثبتنا ان الارتداد جريمة عقوبتها الاعدام ، وبهذا يحكم الشرع الاسلامي الحنيف من جميع المذاهب الاسلامية.
فأما الآية (126) من سورة النحل : (( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين )). فقد قال أبن جرير الطبري في تفسيره (جامع البيان) ج14 ص101 أن سورة النحل مكية ، ولم يستثنٍ أية آيةٍ منها. في حين نجد انَّ القرطبي في تفسيره ج1 ص65 قال : (سورة النحل وهى مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر . وتسمى سورة النعم بسبب ما عدد الله فيها من نعمه على عباده . وقيل : هي مكية غير قوله تعالى : " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به " الآية ، نزلت بالمدينة في شأن التمثيل بحمزة وقتلى أحد . وغير قوله تعالى : " واصبر وما صبرك إلا بالله " . وغير قوله : " ثم إن ربك للذين هاجروا " الآية . وأما قوله : " والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا " فمكي ، في شأن هجرة الحبشة . وقال ابن عباس : هي مكية إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة بعد قتل حمزة ، وهى قوله : " ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا - إلى قوله - بأحسن ما كانوا يعملون " ).
واما الآية (114) من سورة هود (عليه السلام) : (( واقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل )). فقد قال أبن جرير الطبري في تفسيره (جامع البيان) ج11 ص231 أنها سورة مكية ولم يستثنِ أية آيةٍ منها. وكذلك قال السيد الطباطبائي في تفسيره الميزان ج10 ص134. وكذلك فهناك علماء آخرون يقولون أنها آية مدنية.
فهناك أختلاف بين العلماء ، ونحن كنّا قد اعتمدنا على التفاسير التي تقول أنها مكية ولم نستوعب بقية التفاسير في حينها. فالموضوع ليس له علاقة بخرق الامانة العلمية. فهل يعرف الدكتور كامل النجار معنى الامانة العلمية ؟! الامانة العلمية تكون في نقل النص كاملاً بدون بتر ، وتكون بذكر الرأي كاملاً بدون تحريف ، وتكون بأن لا ننسب للشخص ما لم يقله ، وما هو من هذا القبيل ، واما السهو والخطا فليس له علاقة بالامانة العلمية. وإذا كان إنتهاك الامانة العلمية يعتمد على الأخطاء فأول من يجب ان يُسائل عنها هو الدكتور كامل النجار لكثرة ما يرد في مقالاته منها. وقد أثبتنا في مقالاتنا السابقة والردود المتتالية مع الدكتور النجار في حوالي السنة والنصف الماضية اثبتنا فيها العديد من الخروقات في جانب الامانة العلمية للدكتور كامل النجار ، ولسنا بحاجة لإعادة التذكير بها.
ومن الجدير بالذكر أن آية (( وأقم الصلاة طرفي النهار )) ، إن افترضنا أنها مدنية ، فهناك آيات عديدة مكية غيرها تحتوي على تشريع الصلاة سنذكرها بعد قليل بمشيئة الله سبحانه ، وقد نزلت جميعها في مكة المكرمة.
فإذا قمتُ بذكر العديد من الآيات المكية فيها أحكام تشريعية ، ثم اتضح ان بينها آيتين فقط يمكن أن يكون الاستدلال بهما غير تام بإعتبار أنهما مدنيتان وليستا مكيتين بينما بقية الآيات العديدة هي آيات تشريعية نزلت في مكة المكرمة فإنَّ ذلك يعني ان أحداً لن يمكنه إثبات وجود "قرآنٍ مكي" يختلف عن "القرآن المدني" ، فالقرآن هو كتاب واحد ، وهو كتاب هداية للبشر في جميع آياته المكية والمدنية / كما أنَّ آياته معجزة بنفس المقدار سواء المكية أو المدنية ، بدليل تداخل الآيات المكية والمدنية بعضها ببعض في الكثير من السور بدون أن يكون هناك أي تأثير في السياق او البلاغة أو الاعجاز. نعم هناك خواص معينة للآيات المكية وخواص اخرى للآيات المدنية ولكن ليس من خواص الآيات المكية عدم وجود آيات تشريعية بل يوجد فيها آيات تشريعية سنعيد ذكرها الآن مع حذف الآيات التي تم الاعتراض عليها من قبل الدكتور النجار : ـ في سورة النحل وهي سورة مكية نقرأ تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير : (( إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغٍ ولا عاد فإن الله غفور رحيم )) ـ وتتحدث الآية المكية التي تتلوها في سورة النحل عن وجود تشريع في تلك الفترة المكية ، فقال تعالى : (( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون )). ـ وفي سورة النحل أيضاً نقرأ في الآيتين (90) و(91) تشريع الامر بالعدل والاحسان وصلة الارحام والنهي عن الفحشاء والمنكر وتشريع الوفاء بالعهد واليمين ، بقوله تعالى : (( إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون * وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون ). ـ وفي سورة النحل أيضاً نقرأ في الآية الكريمة (106) تشريع التقية بقوله تعالى : (( من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم )). ـ وفي مكة نزل تشريع حفظ مال اليتيم بقوله تعالى في الآية (34) من سورة الاسراء : (( ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتي هي احسن حتى يبلغ اشدّه واوفوا العهد ان العهد كان مسؤولا )). ـ تشريع زكاة الزرع وقد شرّعت في مكة المكرمة كما في الآية (141) من سورة الانعام المكية وهي قوله تعالى : (( كلوا من ثمره إذا اثمر واتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين )). ـ وفي مكة المكرمة نزل تشريع تحريم أكل الطعام الذي لم يذكر اسم الله سبحانه عليه وهو المذكور في قوله تعالى في الآية (118) من سورة الانعام المكية : (( فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إنْ كنتم بآياته مؤمنين )) إلى قوله تعالى في الآية (121) من نفس السورة : (( ولا تاكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وانه لفسق )). ـ وفي مكة المكرمة نزل تشريع تحريم الزنى في الآية (32) من سورة الاسراء : (( ولا تقربوا الزنى انه كان فاحشةً وساء سبيلا)). ـ وفي الآية (151) من سورة الانعام وهي سورة مكية نقرأ قوله تعالى : (( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاقٍ نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده واوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولوا كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون )). فانظر الى هذه التشريعات المكية العديدة التي ذكرها الله سبحانه في هذه الآية المباركة وهي متنوعة بين نواهي شرعية وأوامر شرعية ، بل وفيها تصريح بوجود أحكام شرعية في الفترة المكية فقال تعالى : (( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم )) ، كما أنّ هناك آيات أخرى من سورة النحل سنذكرها بعد قليل هي آيات تتضمن احكاماً شرعية ، فهل بعد ذلك لأحدٍ أن يقول بأن الآيات المكية التي نزلت في مكة المكرمة قبل الهجرة ليس فيها آيات تشريعية ! ونضيف لها بخصوص تشريع الصلاة الآيات المكية التالية : ـ قوله تعالى في سورة الانعام المكية : (( وان اقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون )). ـ وقوله تعالى في سورة ابراهيم (عليه السلام) وهي سورة مكية : (( قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل ان ياتي يوم لا بيع فيه ولا خلال )). ـ قوله تعالى في سورة العنكبوت المكية : (( اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله اكبر والله يعلم ما تصنعون )). ـ قوله تعالى في سورة الروم المكية : (( وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين )).
فقال الدكتور كامل النجار معترضاً : [(والسيد الكرخي لا شك يعلم، والأمانة العلمية تفرض عليه أن يذكر، أن هناك من يقول إن الآية التي استشهد بها من سورة النحل، وهي الآية 115، هي في الواقع آية مدنية أُضيفت إلى سورة النحل المكية. فالإمام جلال الدين السيوطي يقول: (عن جابر بن زيد أن النحل نزل منها بمكة أربعون وباقيها بالمدينة ويرد ذلك ما أخرجه أحمد عن عثمان بن أبي العاص في نزول (إن الله يأمر بالعدل والإحسان)). ويقول كذلك: (وأخرج عن قتادة قال سورة النحل من قوله (والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا) إلى آخرها مدني وما قبلها إلى آخر السورة مكي) وآية الذين هاجروا هي الآية 41 وهذا يوافق قول جابر ابن زيد السابق. وهم يعني أن من الآية 41 إلى آخر السورة مدني، بما فيه الآية التي استشهد بها السيد الكرخي.)] ، فأولاً لم نعثر على القول المنسوب للشيخ جلال الدين السيوطي لا في تفسير الجلالين ولا في غيره من كتبه التي تحت ايدينا كالدر المنثور وأسباب النزول ، والدكتور النجار لم يذكر المصدر ! وثانياً إذا كان ما يقوله جابر بن زيد صحيحاً وإذا كان ما يقوله قتادة صحيحاً وقد نقل الدكتور النجار عنهما ان الاربعين آية الاولى من سورة النحل مكية والبقية منها مدني ، فكيف يقول السيوطي نفسه في اسباب النزول أن الآية (91) من سورة النحل نزلت في بيعة النبي (صلى الله عليه وآله) ، ويقصد بذلك بيعة العقبة قبل الهجرة ، وكيف يقول في الآية (103) من ان المشركين كانوا يتهمون النبي (صلى الله عليه وآله) بانه يتعلم القرآن من عبدٍ بمكة اسمه بلعام ، وكيف يقول السيوطي نفسه أنّ الآية (106) نزلت في عمار وبلال بعد تعذيب المشركين لهم في مكة ، وفوق ذلك كله فالدكتور النجار نفسه ينقل بعد ذلك أن السيوطي في تفسير الجلالين يقول أن سورة النحل كلها مكية عدا الآيات الثلاث الأخيرة ، فأين إذن ذهبت مزاعم مكية الاربعين آية الاولى فقط ؟
وأضاف الدكتور كامل النجار قائلاً : [(أما الآية التي تقول " ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب " فليست آية تشريعية بأي حال من الأحوال إذ أن الكلمات "حلال" و"حرام" كلمات كانت معروفة للعرب من قبل الإسلام والعرب كانوا يحرمون ويحللون الأشياء، وكل ما قالته الآية هو: لا تحرموا وتحللوا باسم الله كذباً، وهذا ليس تشريعاً. والقرآن نفسه يؤكد ذلك بقوله: " وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصةٌ لذكورنا ومحرّمٌ على أزواجنا " (الأنعام 139). فالمشركون كانوا يحرمون وأراد اله أن ينهاهم عن ذلك)] ، فيبدو ان الدكتور النجار لم يدقق في معنى الآية الكريمة ، فنحن لم نعتبرها آية تشريعية لأن الآية تذكر تحريم العرب وتحليلهم لأمور تعارفوا عليها في الجاهلية بل ذكرناها لأنها وهي الآية المكية تنهى عن تشريع القوانين الوضعية ، تنهى عن تشريع القوانين التي لم يأتٍ بها الاسلام. فالآية تنهى بقوله تعالى : (( ولا تقولوا )) تنهى عن القول هذا حرام وذاك حلال والاسلام بريء من ذلك.
وقال الدكتور كامل النجار : [(وأظن أن السيد الكرخي يخلط بين التشريع والوصايا، فإن ما جاء به من الآيات هنا ما هو إلا نصائح عامة للمسلمين أن يوفوا بالعهد ويحسنوا إلى غيرهم وما إلى ذلك. وهذه الأشياء كانت سائدة في المجتمع قبل أن يحث عليها القرآن)] ، فأما سيادتها في المجتمع فأمر مكذوب وغير صحيح ، واما إدعاء بأن قوله تعالى : (( إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون * وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون ). وفي تشريع التقية : (( من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم )). بأن هذه التشريعات هي مجرد نصائح ! فهو أمر مخالف للفهم العربي. ففعل الامر (اوفوا) والنهي (لاتنقضوا) يدل على التشريع ، فالله سبحانه حين يأمر وينهى فلا يؤخذ أمره ونهيه من باب النصيحة بل هو تشريع واضح المعالم الا إذا دلت قرينة على غير ذلك. واما تشريع التقية في الآية المذكورة آنفاً فلا معنى للقول في انه نصيحة وليس تشريعاً.
وقال الدكتور كامل النجار : [(ويستمر فيقول( وكذلك في الآية (31) من سورة ابراهيم (عليه السلام) وهي سورة مكية : (( قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية من قبل ان ياتي يوم لا بيع فيه ولا خلال )). انتهى. وربما تكون هذه الآية مقدمة للتشريع ولكنها لم تشرّع للصلاة كما نعرفها الآن. فالصلاة بدأت في العام العاشر بعد البعثة وكانت صلاتين فقط، واحدة قبل غروب الشمس وواحدة قبل طلوعها، وكان عدد الركعات ركعتين فقط في كل صلاة، كما يقول ابن هشام في سيرته (هامش الصفحة 86). فلا يمكن أن نعتبر هذه الآية تشريعية لأن ما جاء فيها من ذكر الصلاة ليس تشريعاً كاملاً للصلاة التي زيدت فيما بعد إلى خمسة صلوات وزيد عدد الركعات في كلٍ ما عدا صلاة الصبح)] ، وهذا الكلام هو مجرد تحكم لأن الامر بالصلاة واضح في هذه الآية الكريمة ، وهذه الآية بالإضافة الى الآيات الكريمة التي ذكرناها آنفاً تدل جميعها كلٌ على حِدَة بان تشريع الصلاة كان في مكة المكرمة ، وقصة تشريع الصلوات الخمس في المعراج الى السماء مشهورة بين المسلمين ، وإذا فرضنا جدلاً بأن الصلاة لم تكن سوى ركعتين فلا يضر هذا ما دام التشريع هو موجود فعلاً في الفترة المكية ومن خلال آياتٍ مكيات ، وأما عدد ركعات الصلاة وعددها فلا يغير من القول بان الصلاة شرعت في مكة المكرمة قبل الهجرة.
وقال الدكتور كامل النجار : [(ثم يقول السيد الكرخي (وفي مكة نزل تشريع حفظ مال اليتيم بقوله تعالى في الآية (34) من سورة الاسراء : (( ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتي هي احسن حتى يبلغ اشدّه واوفوا العهد ان العهد كان مسؤولا )). انتهى. فهل نعتبر هذا تشريعاً؟ ما هذه الآية إلا وصية كوصايا موسى العشرة، ولا تمت للتشريع بسبب)] ، فلم يتجنَّ الدكتور كامل النجار على التشريعات الاسلامية وحدها بل انتقل للتجني على التشريعات اليهودية حين اعتبر الوصايا العشر مجرد وصايا وليست تشريعاً ! وكأن هناك تعارضاً بين كلمة (وصية) وبين التشريع! وهو امر لا وجود له في الحقيقة. والوصايا العشر لها أهميتها التشريعية الخاصة عند اليهود والمسيحيين ، ففي قاموس الكتاب المقدس الصادر عن مجمع الكنائس الشرقية ، ص348 يصف الوصايا العشر بأنها (القانون الاساسي للأمة) ، فيما الدكتور كامل النجار يصورها بانها مجرد وصايا ونصائح وليست تشريعات ! فالآية القرآنية تتضمن نهياً صريحاً بالتصرف في مال اليتيم الا بالتي هي أحسن ، كما تتضمن الامر بالوفاء بالعهد. وهذان التشريعان المهمان واضحان في معناهما. والدكتور كامل النجار لا يستطيع ان يبين لنا سبب أعتباره النهي الوارد في قوله تعالى : ((ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتي هي احسن ) بانه مجرد نصيحة عامة ، وسبب اقراره بان النهي الوارد في قوله تعالى : (( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل )) والتي اعترف بأنها آية تشريع ، فالفارق الوحيد ليس لغوياً أو فقهياً بل لمجرد أن الآية الاولى نزلت في مكة بينما الآية الثانية نزلت في المدينة ، فهو مجرد تحكم بلا دليل.
وقال الدكتور كامل النجار : [(واستمر الكرخي فقال (ـ تشريع زكاة الزرع قد شرّعت في مكة المكرمة كما في الآية (141) من سورة الانعام المكية وهي قوله تعالى : (( كلوا من ثمره إذا اثمر واتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين )). انتهى. والسيد الكرخي يعلم أن الزكاة لم تفرض بمكة وإنما فُرضت في السنة الثانية للهجرة بالمدينة. وإعطاء المساكين من الحصاد كان عُرفاً في الجاهلية واستمر عليه الإسلام ولم يقصد به تشريعاً إذ أن التشريع الإسلامي عن الزكاة جاء مختلفاً ومفصلاً عن هذا.. يقول ابن كثير في شرح الآية المذكورة: (قال آخرون هو حق آخر سوى الزكاة، وقال أشعث عن محمد بن سيرين ونافع عن ابن عمر في قوله " وآتوا حقه يوم حصاده" قال: كانوا يعطون شيئاً سوى الزكاة. رواه ابن مردويه. وروى عبد الله بن المبارك وغيره عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رباح في قوله " وآتوا حقه يوم حصاده" قال: يعطى من حضره يومئذ ما تيسر وليس الزكاة. وقال ابن المبارك عن شريك عن سالم عن سعيد بن جبير " وآتوا حقه يوم حصاده" قال: كان هذا قبل الزكاة للمساكين ) انتهى. والسيد الكرخي يعلم أن الزكاة فرضت في المدينة فكيف يقول إن تشريع زكاة الزرع فرض في مكة ولا يذكر هذه الأقوال عن الآية وهو لا شك عارف بها. إنها الأمانة العلمية مرة أخرى)] ، فليت الدكتور كامل النجار يعرف ما يقول ، فهو قد نقل نصوصاً من تفسير ابن كثير تدل على وجود تشريع بخصوص المزروعات ، وهو أنهم (كانوا يعطون شيئاً سوى الزكاة) ، فإذن كان هناك تشريع بخصوص المزروعات ، ونحن استعملنا لفظ الزكاة لتقريب الفكرة حيث يتضح من النصوص التي اوردها أبن كثير ان هذا التشريع لم يطلق عليه اسمٌ ما يُصطَلَح عليه فوصفوه بقولهم : (هو حق آخر سوى الزكاة) ، (يعطون شيئاً سوى الزكاة) ، (يعطى من حضره يومئذ ما تيسر) ، فإذن كان هناك تشريع في مكة يخص اعطاء ما تيسر من المزروعات يوم الحصاد وقد اطلقنا عليه أسم (زكاة الزرع) مجازاً مستندين في ذلك إلى ارتكاز ذهني بأن الزكاة قد فرضت على المسلمين في المدينة ، ومما اتاح لنا هذا الاطلاق هو وجود آيات مكية قد استعملت لفظ الزكاة قبل تشريع الزكاة في المدينة كما ان الزكاة المفروضة في المدينة تخص عند الامامية من المزروعات الغلات الاربعة فقط وهي الحنطة والشعير والتمر والزبيب ، أما بقية المزروعات فليس فيها زكاة بل قد تشملها هذه الآية الكريمة التي اطلقنا عليها اسم (زكاة الزرع) مجازاً. ففي سورة النمل وهي سورة مكية نقرأ في الآية ( 3 ) قوله تعالى : (( الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالاخرة هم يوقنون ) ، فورد فيها ذكر الزكاة مع أنها سورة مكية ، وقال أبن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان ج1 ص366 : (وأصل الزكاة : نماء المال وتثميره وزيادته. ومن ذلك قيل : زكا الزرع : اذا كثر ما اخرج الله منه ، وزكت النفقة : اذا كثرت). وقد نص علماء المسلمين على ان سورة النمل مكية جميعها ، فقال القرطبي في تفسيره ج13 ص154 : (سورة النمل مكية كلها في قول الجميع). وقد يكون ذكر الزكاة في هذه الاية المكية وذكر قوله تعالى (( وآتوا حقه يوم حصاده )) فيه مقدمة لتشريع الزكاة في المدينة حيث أنَّ العديد من الاحكام قد شرعت بصورة مجملة ثم جاء تفصيلها في المدينة المنورة. والمهم هو وجود تشريع في مكة المكرمة كما بيّنا في العديد من الآيات المذكورة آنفاً.
وقال الدكتور كامل النجار : [(والسيد الكرخي هنا يبالغ في إضفاء كلمة "تشريع" على كل وصية وصى الله بها المسلمين أو غيرهم. فكل ما ذكر في سورة الأنعام المكية عن الوصايا هو: " فكلوا مما ذُكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين " (118) " ومالكم ألا تأكلوا مما ذُكر اسم الله عليه وقد فصّل لكم ما حرّم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيراً ليضلون بأهوائهم بغير علم " (119) " ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه إنه فسقٌ" (121) " قالوا هذه أنعام وحرثٌ حجر لا يُطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعامٌ حُرّمت ظهورها وأنعام لا يُذكر اسم الله عليها إفتراء عليه " (138) " قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجسٌ أو فسقاً أهل لغير الله به فمن أضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم" (145) " وعلى الذين هادوا حرّمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرّمنا عليهم شحومها إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بالعظم" (146) " قل تعالوا أتل عليكم ما حرّم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون" (151) " ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان" (152) فالآية 118 تقول لهم كلوا مما ذُكر اسم الله عليه، وهذه نصيحة عامة لتفرّق بين الدين الجديد وبين قريش الذين كانوا يأكلون لحم الأضاحي التي تُذبح أمام الأصنام. فهذا ليس تشريعاً بقدر ما هو محاولة للتعريف بالدين الجديد. أما الآية 119 فآية غريبة إذ يسألهم لماذا لا يأكلون مما ذُكر اسم الله عليه وقد فصّل لهم ما حُرّم عليهم. ولم نجد أي تفصيل للمحرمات قبل هذه الآية. فلا بد أن هذه الآية كانت مدنية حشروها في هذه السورة إذ أن جل التفصيل جاء في المدينة. وحتى ل |