الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

2  نيسان 2006

أفكار عراقية

كامل النجار وجريمة الإرتداد  - 1

 

كتابات - نبيـل الكرخي

 

نشر الدكتور كامل النجار مقالاً بثلاث حلقات في موقع كتابات ابتداءاً من تاريخ 13 آذار 2006م بعنوان [(نبيل الكرخي وقتل المرتد - 1)] ، حاول فيها أن يدافع عن أفكار الدكتور محمد عابد الجابري في مقالٍ له حول جريمة الإرتداد ، والذي نقضناه بمقالنا الموسوم (قتل المرتد بين "الحق في الخطأ" و"الكفر في العقيدة") والمنشور في وقتٍ سابق في الموقع نفسه.

وأول ملاحظة لمقاله المذكور هو أنَّه ذكر أسم الدكتور الجابري بهذه الطريقة [(السيد الدكتور محمد عابد الجابري)] ، لاحظ قوله [(السيد الدكتور)] ولكنه عندما يتحدث عن نبي الإسلام يذكره بالأسم مجرداً هكذا (محمد) ، وفي مقال سابق له في معرض رده على الدكتور اسماعيل الغمراوي فعل الشيء نفسه ، فانتقده الدكتور الغمراوي بقوله : (بدأ النجار تعقيبه بعتاب "رقيق" لاستكثاري أن أذكر  كلمة"السيد" قبل اسمه وأعطى درسا بليغا في أدب الحوار كفاني به(للمرة الثانية أو الثالثة –لا أذكر) مؤونة الرد عليه في مسألة ذكره لأسم النبي "محمد" صلى الله عليه وسلم أكثر من 10مرات في تعقيبه بدون ذكر كلمة النبي قبل اسمه أو عليه الصلاة والسلام بعد ذكر اسمه(عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام) ولقد ساءني حقا أن يسميني بـ "السيد" ويذكر اسم النبي مجردا!!) ، فرد الدكتور كامل النجار عليه بقوله : [(وأحب أن أذكّر الغمراوي بأني كنت أحاوره هو ولذلك استعملت كلمة السيد ولو كنت أحاور محمداً لاستعملت كلمة النبي أو الرسول، فنحن نستعمل الألقاب للشخص المحاور، أما عندما نتكلم عن شخصيات تاريخية مثل موسى وعيسى ومحمد فلا داعي لأن نستعمل الألقاب لأن الكل يعرف أنهم أنبياء ولا داعي لتكرار المعروف سلفاً)] ، فلماذا إذن ذكر الدكتور كامل النجار الدكتور الجابري بكل هذا الإحترام والتبجيل وذكر أسم النبي (صلى الله عليه وآله) بلا أي وصف يدل على الاحترام مع أن الدكتور كامل النجار لم يكن يحاور الدكتور محمد عابد الجابري !!!

 

وقال الدكتور كامل النجار : [(فالسيد الكرخي لا يعترف بأن هناك لوناً رمادياً في الأحكام الشرعية ، فيقدمها لنا كأن كل شيء في الإسلام إما أبيض وإما أسود، فيقول حاول الجابري " تمييع الحكم الشرعي في قتل المرتد " فيوحي إلينا بأن جميع المسلمين متفقون على قتل المرتد. وهذا طبعاً قولٌ بعيد عن الحقيقة إذ أن هناك جماعات إسلامية لا تقول بقتل المرتد، منهم القرآنيون الذين يعتمدون في أحكامهم على القرآن فقط، والقرآن لا يقول بقتل المرتد)] ، فمن قال بانني لا أعترف بوجود : "لون رمادي" في أدلة الأحكام الشرعية وليس في الأحكام نفسها ، نعم هناك "لون رمادي" في أدلة بعض الأحكام الشرعية ووظيفة الفقهاء هو "تمييز الألوان وفصلها" والوصول إلى الحكم الشرعي ، ولكن ليست كل الأحكام الشرعية فيها لون رمادي ، وحكم قتل المرتد واضح في الشريعة الإسلامية ، والمسلمون جميعاً مجمعون على قتل المرتد عن الإسلام. ولا يوجد هناك مذهب اسلامي يذهب إلى غير ذلك. 

واما القرآنيون الذين تحدث عنهم الدكتور كامل النجار فهم أشخاص مبتدعون يجحدون السنة النبوية. ولا يعتد بقولهم أصلاً ضمن حوزة المسلمين من جميع المذاهب ، فحالهم كحال القاديانية والبهائية من حيث عدم إعتبارهم. وسنورد بعد قليل تفصيل البيان في فساد بدعتهم القائلة برفض السنة النبوية الشريفة.

 

وقال الدكتور كامل النجار : [(أليس من حق الإنسان المسلم أن يقرر أنه يريد أن يعصي ربه ولله الحق في عقابه إن أراد؟ ألم يعص إبليس الله جهاراً فأمهله الله إلى يوم القيامة يفعل ما يشاء" هل أنتم أقدر من الله على إجبار الناس على طاعته. ألم يقل الله " من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"؟ فلماذا تحرمون الإنسان من مشيئته التي أباحها الله له؟ وما هو المنكر الذي يحاول الجابري محو فكرته؟ فما يراه السيد الكرخي منكراً هو ليس بمنكرٍ عند سواه. فاعتناق السيد الكرخي للإسلام قد يكون منكراً عند اليهود أو النصارى، فلماذا منكر المسلمين فقط هو مقياس المنكر؟ أين الاعتراف بالآخر وتمكينه من إقرار ما هو منكر بالنسبة له وما هو فضيلة؟)] ، نعم المنكر الذي نتعرف عليه بهذا العنوان من خلال إرشاد القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة هو المنكر الذي يجب النهي عنه. وإذا كان الآخرون لا يتفقون معنا في تشخيص المنكر فلا يضرنا هذا ، فلنا عقيدتنا وديننا ولهم عقيدتهم ودينهم ، (( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ماتعبدون )). فنحن لم نقل بأنه يجب قتل اليهودي ليهوديته أو النصراني لنصرانيته بل قلنا بأنه يجب قتل المسلم المرتكب لجريمة الارتداد عن الاسلام وفق الشروط التي ذكرها الفقهاء.

واما المسلم الذي تحدث عنه الدكتور النجار بأنه يريد ان يعصي ربه ولله الحق في عقابه إنْ أراد على حد تعبير الدكتور النجار ، فنعم للمسلم الخيار في معصية الله سبحانه ولكن عليه أيضاً أن يتقبل العقاب في مقابل ذلك ، سواء العقاب الدنيوي أم العقاب الأخروي ، فالمسلم الذي يسرق عليه أن يخضع للقانون وأن تطبق عليه عقوبة السرقة ، وكذلك الحال في بقية الجرائم مثل الزنى وقذف المحصنة والارتداد عن الاسلام ، فكل معصية للمسلم الخيار في فعلها أو التنزه عنها ولكن هناك قانون شرعي عليه أن يخضع له في حالة الفعل وإرتكاب المحرم. وحتى القوانين الوضعية ينطبق عليها هذا الامر ، حتى في الامور الشخصية ، ففي فرنسا مثلاً تم تشريع القانون الجائر بمنع الحجاب في المدارس والمؤسسات التعليمية ، والفتاة مخيّرة بين ان ترتدي الحجاب وتتعرض للعقاب وبين ان تتركه.

 

وبخصوص عقوبة الارتداد فهناك عقاب دنيوي وعقاب أخروي ، فالعقاب الدنيوي هو القتل والعقاب الأخروي هو العذاب في جهنم وبئس المصير. فإذا تحدث القرآن الكريم عن العقاب الأخروي فلا يعني ذلك أنه ليس هناك عقاب دنيوي لاسيما وقد نصّت الأحاديث الشريفة على وجود العقاب الدنيوي المذكور.  

ويكرر الدكتور كامل النجار قولاً وكلاماً مشابهاً لما ذكره الدكتور محمد عابد الجابري سابقاً ورددنا عليه في مقالنا السابق ولا أدري لماذا يتجاهل الدكتور النجار ردنا السابق ويكرر نفس كلام الدكتور الجابري ! فيقول الدكتور كامل النجار : [(ألم يقل الله " من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"؟ فلماذا تحرمون الإنسان من مشيئته التي أباحها الله له؟)] ، فمن الواضح أنَّ الآيات الكريمة تتحدث عن أشخاص لم يعتنقوا الإسلام ولم يدخلوا في حوزة المسلمين وهم الذين قال الله سبحانه فيهم مخاطباً نبيه الكريم (صلى الله عليه وآله) : (( فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر )) وقال أيضاً (( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر )) ، وأما الذين يعتنقون الإسلام ويولدون على الإسلام فهم يخضعون للإسلام ولأحكامه وقوانينه ، فمن يرتد عن الإسلام فحكمه القتل وفق الشروط التي ذكرها الفقهاء.

 

وقال الدكتور النجار : [(ثم ماذا قال بولس في رسالته إلى أهل كورنثوس؟ قال لهم بول: (12 كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي لَكِنْ لَيْسَ كُلُّ الأَشْيَاءِ تُوافِقُ. كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي لَكِنْ لاَ يَتَسَلَّطُ عَلَيَّ شَيْءٌ.) فمع أن كل شيء كان يحل لبولس، فقد قال: لا يتسلط عليّ شيء. وللأسف فإن المسلمين لم يتّبعوا قول الرسول بولس وتركوا الحبل على القارب للأحاديث والقصص الملفقة لتتحكم فيهم وتجعل أدمغتهم أدوات للنقل بدل منابع للعقل)] ، فإذا كان عدم إتّباع المسلمين لبولس مؤسفاً فلماذا لم يفعل الدكتور النجار هو نفسه ذلك ويتّبع بولس بدلاً من ان يتمنى ذلك للمسلمين ويفضل الإلحاد لنفسه !

وأما بولس فكان يظن انه لم يتسلط عليه شيء ، فهو بذلك ينزه نفسه ، هو يشهد لنفسه بالنزاهة وعدم إرتكاب المعصية ، إذن ما حاجته إلى الصليب وإلى المخلص ليخلصه وقد تجنب المعاصي أصلاً !!؟ ثم ألم يرتكب بولس مخالفات عديدة حين أوجد لنفسه شريعة مخالفة لشريعة المسيح من جهة ومخالفة لشريعة تلاميذ المسيح من جهة اخرى ؟ ألم يخالف بولس ما أتفق عليه تلاميذ المسيح في أول مجمع مسيحي عقد سنة 50م وذلك حين اتفقوا على عدم إلزام غيرالوثنيين من المؤمنين بالمسيح أحكام الشريعة والإكتفاء بإلزامهم بتجنب نجاسة الأصنام والزنى والميتة والدم كما هو مذكور في سفر أعمال الرسل (15: 5-29) مما يعني ان اليهود الذين يؤمنون بالمسيح يستمرون في إلتزامهم بالعمل بالشريعة ، فهذا هو المفهوم من قرار المجمع المسيحي الأول ، ولذلك نجد في رسالة يعقوب (2: 18-20) في كلامها الموجه إلى المشتتين من الأسباط الأثني عشر على حد تعبير كاتبها في مقدمتها ، ما نصّه : (وقد يقال : أنت تؤمن وأنا اعمل ، فارني إيمانك من غير أعمال أُرِكَ بأعمالي أيماني ، أنت تؤمن بان الله واحد فقد أصبت وكذلك الشياطين تؤمن به وترتعد ، أتـحب أن تعلم أيها الأبـله إن الأيمان من غيـر أعمال شيء عقيم). لكننا نجد إن بولس وهو من اصل يهودي قد تخلى عن العمل بالشريعة (التوراة) واتخذ لنفسه شريعةً جديدةً وديناً جديداً ، وهو يعترف بذاك عن نفسه فيقول في رسالته الولى إلى اهل كورنثوس (9: 19-23) : (وصرت لأهل الشريعة من أهل الشريعة وان كنت لا اخضع للشريعة )….( مع إن لي شريعة من الله بخضوعي لشريعة المسيح). وأصبح كل شيء حلالاً لبولس فلا شريعة ولا عمل ، حتى أنه نفسه قال في رسالته إلى أهل روما (28:3) : (ونحن نرى أن الإنسان ينال البر بالإيمان المنفصل عن العمل بأحكام الشريعة) ، وهذه الأقوال وغيرها من تعاليم بولس دفعت الكثير من المسيحيين في ذلك العصر إلى الإباحية في كل شيء إعتماداً على إيمانهم ، وقول بولس (كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي) كان وما يزال قول خطير لدرجة أن بعض النسخ العربية للعهد الجديد تضيف جملة دخيلة لتغيير المعنى ، ففي نسخة العهد الجديد الصادرة عن دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط بإذن مار روفائيل الاول بيداويد بطريرك بابل على الكلدان نقرأ النص في رسالته الاولى إلى اهل كورنثوس (12:6) كالآتي : (هناك من يقول : (( كل شيء يحل لي)) ولكن ما كل شيء ينفع) ، فأضافت جملة (هناك من يقول) وهي غير موجودة في النص الأصلي ليصبح القول (كل شيء يحل لي) من كلام شخصٍ آخر غير بولس !

 

وعندما قلنا بأن إعتبار الدكتور الجابري فعل الصحابي مصدراً من مصادر التشريع الإسلامي هو أمر خاطيء ، علّق الدكتور كامل النجار بقوله : [(وهذه المقولة هي عين الحق، غير أن السيد الكرخي وبقية شيوخ الإسلام لا يلتزمون بها. فهو يقول إن الصحابة الذين عاصروا النبي لم يكونوا معصومين وأفعالهم غير ملزمة للأمة الإسلامية. فما دام الأمر كذلك فيجب أن نقول إن أقوالهم كذلك ليست معصومة عن الخطأ أو حتى الكذب وعليه فهي ليست ملزمة للأمة الإسلامية، وهذا ينطبق على كل الأحاديث التي رواها الصحابة عن النبي. أو بمعني آخر تصبح السنة كلها غير ملزمة للأمة الإسلامية، كما يقول القرآنيون)] ، أي انَّ الدكتور النجار يؤيد عدم إعتبار فعل الصحابي مصدراً من مصادر التشريع الإسلامي ، ولكنه يقترح أن يضاف لذلك رفض السنة النبوية كلها بإعتبار أن أقوال الصحابة ليست معصومة عن الخطأ فهي ليست ملزمة للأمة الإسلامية ، ونحن نصحح للدكتور النجار رأيه هذا بقولنا ان الفعل الذي يفعله الصحابي ليس ملزماً للأمة الإسلامية أما فعل النبي (صلى الله عليه وآله) قهو ملزم للأمة الإسلامية. وكذلك فإن قول الصحابي ليس ملزماً للأمة الإسلامية حقاً كان او باطلاً وأما قول النبي (صلى الله عليه وآله) فهو ملزمٌ قطعاً. وأما القول والفعل الذي ينقله الصحابة والتابعون وبقية الرواة فهو إن تم عن طريق أشخاص ثقاة نعرف ضبطهم ودقة نقلهم فهو حجة ومعتبر ، ولذلك نشأ عند المسلمين علم الرجال أي الجرح والتعديل ، حيث يتم تتبع حال الرجال من حيث الوثاقة والضبط طيلة حياتهم.

واما القرآنيون الذين ذكرهم الدكتور النجار أكثر من مرّة فهم جماعة مبتدعة ترفض السنة النبوية المطهرة وترفض كذلك القرآن الكريم أيضاً ، لأن القرآن الكريم أمرنا بأن نتبع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في كل شيء ، فقال تعالى : (( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب )) ، ففي الآية الكريمة إطلاق في الأخذ بكل ما جاء به الرسول (صلى الله عليه وآله) ولم يقتصر الأمر على القرآن الكريم. وفي كل آيات القرآن الكريم أقترنت طاعة الله سبحانه بطاعة الرسول (صلى الله عليه وآله) ، فقال تعالى في سورة آل عمران الاية (132) : (( واطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون )) وقال تعالى في سورة المائدة الاية (92) : (( وأطيعوا الله واطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين )). بينما القرآنيون يقولون انهم يطيعون الله سبحانه فقط ولا شأن لهم بطاعة الرسول (صلى الله عليه وآله) ! فكيف نطيع الرسول (صلى الله عليه وآله) ونحن نرفض أقواله وافعاله !!

وكذلك قال الله سبحانه في سورة النساء : ((إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا * أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا * والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما )) ، ومن الواضح إنطباق هذه الآيات الكريمة على القرآنيين كاحد مصاديقها ، فهم يقولون نؤمن بكتاب الله سبحانه ونرفض سنة نبيه (صلى الله عليه وآله) ، وايضاً فهم يخالفون حديث الثقلين المتواتر الذي جمع الكتاب والعترة الطاهرة في ضرورة التمسك بهما معاً للأمن من الضلال وبلا شك فإنَّ العترة الطاهرة هي المنبع الصافي للسنة النبوية المطهرة.

 

وقال الدكتور النجار : [(فما هو إذاً الدليل على أن الإسلام يحكم بالقتل على المرتد؟ هل جاء الدليل من القرآن؟ فليس في القرآن آية واحدة تقول بقتل المرتد)] ، يتسائل الدكتور النجار عن دليل قتل المرتد مع اننا ذكرنا في مقالنا السابق أنَّ الدليل هو من السنة النبوية المطهرة وإجماع المسلمين.

 

وقال الدكتور النجار : [(بل بالعكس كل آيات القرآن تؤكد على حق المسلم في الارتداد حتى أكثر من مرة. فنجد في سورة النساء: ( إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا ) ( الآية 137). فلو أراد الله قتل المرتد لما سمح النبي لهم بأن يرتدوا بعد إيمانهم ثم يأمنوا مرة أخرى ثم يرتدوا مرة ثانية ويزدادوا كفراً، لأنه كان سوف يقتلهم من أول مرة ارتدوا فيها ولم يكن ليسمح لهم ليؤمنوا بعد الارتداد حتى يرتدوا مرة أخرى)] ، فالآية الكريمة التي ذكرها هي آية وعيد وتهديد وليس فيها ما يدل على "حقٍ" للإرتداد ، نعم هناك آيات كريمة اخرى تذكر للإنسان الخيار بين الإيمان والكفر ، والقرآن الكريم بيّن العقاب الأخروي لجريمة الارتداد ، ووكل امر بيان الحد الواجب إيقاعه على المرتد إلى النبي (صلى الله عليه وآله) ، وإذا كان هناك أشخاص يرتدون ثم يؤمنون ثم يرتدون فيزدادون كفراً ولم يوقع النبي (صلى الله عليه وآله) عليهم الحد فذلك لأنهم أما ان يكون إيمانهم الثاني بعد توبتهم من الكفر فلم يستحقوا العقوبة أو انهم خارج نطاق سيطرة الدولة الإسلامية ، فلا تصل إليهم أيدي المسلمين لتوقع بهم الحد. ويجب ملاحظة انّ الاية الكريمة لم تتناول موضوع التجاهر بالردة عن الاسلام ، بل تُرِكَ الامر الى السنة النبوية المطهرة لتعالجه.

 

وقال الدكتور النجار : [(ولو كان قتل المرتد واجباً لقتل النبي عبد الله بن سعد بن أبي سرح، أول المرتدين بعد أن كان كاتباً للوحي. غير أن محمد لم يقتله عندما أحضره له عثمان بن عفان، بل قال لأصحابه " أما والله لقد صَمَتُ ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه " فقال له رجل من الأنصار: هلا أومأت إليّ يا رسول الله! قال: إن النبي لا يقتل بالإشارة. ( تاريخ الطبري، ج2، ص 160). فلو كان قتل المرتد شرعاً إسلامياً لما صمت محمد في انتظار أن يقتل أحدهم ابن أبي سرح، بل كان قد أمرهم أن يقتلوه لأنه مرتد، فالشريعة لا تُنفّذ بالصمت)] ، فأمر النبي (صلى الله عليه وآله) بقتل عبد الله بن أبي سرح لا يعود فيما يبدو إلى إرتداده وحده بل إلى إفتراءه على الإسلام وإعلانه العداوة مع الخيانة والكذب ، ويدل على هذا أن هناك أشخاصاً آخرين أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقتلهم ولم يكونوا مرتدين بل هم من المشركين ، وقد وردت الإشارة إلى اولئك الأشخاص في نفس الرواية التي أوردها الدكتور النجار نقلاً عن تاريخ الطبري حيث جاء فيها : (إلا أنه ـ أي الرسول صلى الله عليه وآله ـ قد عهد في نفر سماهم أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة منهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح).

ولو كان الأمر متعلقاً بإرتداد عبد الله بن ابي سرح وحده لما استوجب القتل لتوبته حيث أنّ المرتد عن ملّة ـ أي كان غير مسلم ثم أعتنق الإسلام ثم ارتد عنه ـ يستتاب ثلاثة أيام للتوبة فإن تاب عفي عنه.

 

وحين قلنا أن الرواية التي ذكرها الاستاذ محمد عابد الجابري عن عمر بن الخطاب وهي حينما تم إخباره بقتل رجل كفر بعد إسلامه : ( (هَلاَّ حَبَسْتُمُوهُ ثَلاَثاً وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفاً وَاسْتَتَبْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ وَيُرَاجِعُ أَمْرَ اللَّهِ؟ اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أَحْضُرْ وََلَمْ أَرْضَ إِذْ بَلَغَنِي)) بانها ضعيفة وان الألباني قد ضعفها في كتابه أرواء الغليل ، أجابنا الدكتور النجار بقوله : [(وقد يفهم القارئ من هذه الجملة أن الألباني هو حجة الإسلام، ومن يُضعّفه الألباني يضعفه عامة المسلمين. ولكن دعونا نقرأ ما يقول د. محمود سعيد ممدوح في طرحه لإجازة الدكتوراه بعنوان (تنبيه المسلم إلى تعدي الألباني على صحيح مسلم) فيقول عن الألباني: (لا يُخفى ضعف استنتاجه لأنه مع كونه مجرداً عن الدليل هو مخالف لأقوال الأئمة الحفاظ القاضية بقبول حديث عمر بن حمزة، ومتى كان القول مجرداً عن الدليل مع المخالفة كان في نهاية السقوط، ولو سبر الألباني حال عمر بن حمزة كما ينبغي وفتش عن حقيقة الأقوال التي في الميزان والتهذيب والتقريب ولم يعتمد على التقريب وحده لخرج باستنتاج آخر. فاين معين الراجح من قوليه هو التعديل، والنسائي لينه وهو لا يضره، وأحمد بن حنبل يحمل قوله على التفرد، والذهبي قال صدوق يغرب، وابن حجر حسَّن حديثه لذاته وقرنه بصدوق يخطئ. فكيف يستنتج من أقوال هؤلاء أنه ضعيف ثم يضعَّف حديثه الذي هو في صحيح مسلم، وغاب عنه أنه ثقة عند مسلم لأنه احتج به، وأن البخاري سكت عنه في تاريخه وعلَّق له بصيغة الجزم، وكان يحسن بالألباني أن ينقل ذكر ابن حبان له في الثقات، وتعديل الحاكم له، فإن نقل الجرح والسكوت عن التعديل عمل غير مقبول والله أعلم. [ص 153]‏) انتهى. فإذاً تضعيف الألباني، الذي هو نفسه موضع تضعيف، لحديث أنس لا يختلف عن تضعيف كل الرواة الذين لم يسلم من الجرح منهم إلا القليل. وهذا هو عينه سبب اعتراض المعترضين على السنة كمصدر للتشريع)] ، وقد وقع الدكتور النجار في عدّة اخطاء من خلال كلامه في هذا النص :

1.    رجّح كلام د. محمود سعيد ممدوح على كلام الألباني لمجرد أن د. ممدوح انتقد الألباني ، بدون ان يبين هل ان الحق في النقد المذكور مع د. ممدوح ام مع الألباني ، وكأن كل من ينتقد شخصاً يصبح هو صاحب الحق بغض النظر عمّا يقوله من إنتقاد !

2.    من الواضح أن د. ممدوح متعصب للرأي الشعبي عند المعممين من أهل السنة والذي يقول بأن كل ما هو موجود في صحيحي البخاري ومسلم هو صحيح ولا يقبل النقد ، فإذا نقد الألباني بعض احاديث صحيح مسلم يصبح متعدياً وآثماً كما هو واضح من عنوان كتاب د. ممدوح ، وكأن الأمر ليس له علاقة بعلم الرجال الذي يحق للمجتهدين من خلاله نقد أي رواية.

3.    الرواية التي ضعفها الألباني والتي اوردها الدكتور محمد عابد الجابري ـ وهي موضوع بحثنا ـ غير موجودة في صحيح مسلم ، وإنتقاد د. ممدوح للألباني لا يشملها لأنه يخص إنتقاد تضعيف الالباني لأحد رواة صحيح مسلم وهو يروي رواية اخرى ، فمن غير الصحيح أن يستند الدكتور كامل النجار إلى نقد راوٍ ورواية من أجل إبطال رواية أخرى لا تربطها معها أي رابطة ولا يوجد بينهما أي مشترك لا سنداً ولا متناً.

4.    لم ينفرد الألباني بتضعيف عمر بن حمزة الذي دافع د. ممدوح عن تضعيفه ، بل ذهب أبن حجر العسقلاني أيضاً إلى تضعيفه وذلك في كتابه (تقريب التهذيب) ج1 ص715 في ترجمته.

5.    لنفترض جدلاً بأن الالباني أخطأ في تضعيف الحديث الذي ذكره د. ممدوح فهذا لا يعني أنه مخطيء في كل ما صدر عنه من تضعيف ، إذ لا يوجد مبرر منطقي لهذا القول الذي أطلقه الدكتور كامل النجار.

6.    قول د. ممدوح [(فإن نقل الجرح والسكوت عن التعديل عمل غير مقبول)] ، غير تام لأن القاعدة في علم الجرح والتعديل هو ان الجرح مقدم على التعديل لأن الجارح قد اطّلع على ما لم يطلع عليه المعدِّل ، فيكفي الألباني لتضعيف رواية أن يذكر الجرح ويهمل التعديل.

7.    قول د. ممدوح ونصّه : [(ولو سبر الألباني حال عمر بن حمزة كما ينبغي وفتش عن حقيقة الأقوال التي في الميزان والتهذيب والتقريب ولم يعتمد على التقريب وحده لخرج باستنتاج آخر)] ، يبدو منه أن د. ممدوح هو الذي لم يطلع على ميزان الاعتدال ولا على التهذيب ، لأن ما ورد فيهما يدعم قول الالباني في تضعيف عمر بن حمزة. حيث جاء في ميزان الاعتدال للذهبي ج3 ص192 ما نصه في ترجمة عمر بن حمزة : (ضعفه يحيى بن معين والنسائي وقال احمد : أحاديثه منكرة) ، وفي تهذيب التهذيب لأن حجر العسقلاني ج7 ص384 في ترجمة عمر بن حمزة ما نصه : (قال عبد الله بن أحمد عن أبيه : أحاديثه مناكير ، وقال الدوري عن أبن معين : عمر بن حمزة أضعف من عمر بن محمد زيد ، وقال النسائي : ضعيف ، وذكره ابن حبان في الثقات وقال : كان ممن يخطيء ، وقال ابن عدي : هو ممن يكتب حديثه . قلت : واخرج الحاكم حديثه في المستدرك وقال احاديثه كلها مستقيمة).

8.    أخطأ د. ممدوح بان ذكر أن لأبن معين قولين في عمر بن حمزة والصواب هو ان له قول واحد هو تضعيفه ، واما القول بالتوثيق فهو يخص عمر بن حمزة الضبي وهو شخص آخر وليس عمر بن حمزة هذا الذي يلقب بالعمري ! ويمكن مراجعة كتاب الجرح والتعديل للرازي ج6 ص104 وكذلك مراجعة تاريخ البخاري ج6 ص148 للتمييز بينهما.

9.    أخطا د. ممدوح بان قلل من أهمية ما ذكره النسائي عن عمر بن حمزة فقال ما نصه كما مرّ آ