|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
12 شــبــاط 2006 |
|
أفكار عراقية
المرحلة الشيعية الجديدة
كتابات - نبيـل الكرخي
إنَّ من يتحدث اليوم عن "مرجعية ناطقة" وأخرى "صامتة" في العراق ويدور في فلك هذه الفكرة هو كمن يتحدث عن سوق عكاظ أو حرب البسوس او أي قصة تأريخية أخرى عفى عليها الزمن وأنتهى زمنها ومرحلتها.
ولا ننسى أن طغيان الحكم البعثي العفلقي في العراق هو الذي أجبر الحوزة على إتخاذ دورين أحدهما يحافظ على الكيان الحوزوي وعلى المتبقي من الكيان الشيعي الذي انهكه الطاغية قتلاً وتشريداً ، وهذا الدور سمي ظلماً بأسم "الحوزة الصامتة". والدور الثاني هو دور التصدي للطاغية والذي تفرع بدوره إلى متصدين من خارج العراق ومتصدين من داخل العراق. فالذين تصدوا من الخارج قد سبقوا الآخرين في تصديهم للنظام الظالم ، وتصدوا اولاً للنظام من الداخل واضطرتهم ظروف المواجة للهرب بحياتهم وبجهادهم ليبقى مستمراً من الخارج. والمتصدين من الداخل اضطروا في فترة الثمانينيات إلى إتباع منهج "الحوزة الصامتة" في الصبر والصمود ، حتى إذا توفرت لهم الظروف المناسبة للعمل والتصدي في التسعينيات من القرن الماضي وإذا بهم يتحولون للعمل الظاهري في إطار ما سمي بـ "الحوزة الناطقة". فشهدت فترة التسعينيات المذكورة جبهتين للتصدي لنظام الطاغية الأولى من الخارج وهي الجبهة الأقدم في التصدي ، والثانية من الداخل وهي الجبهة الأحدث في التصدي ، ولأن جبهة الخارج لها خبرتها ومعاناتها وجراحها طيلة سنوات تصديها للنظام الظالم ، ولأنها أصلاً كانت تبحث عن موطيء قدم لتؤسس فيه مقاومة الداخل ، فقد عمدت إلى الحفاظ على الجبهة الجديدة التي انبثقت وحاولت دعمها بكل الوسائل. ولكي تبقى نار الجبهة الجديدة متقدة ، أي جبهة الداخل بقيادة ما يسمى بـ "الحوزة الناطقة" ، فقد عمدت جبهة الخارج إلى ما يمكن أن نسميه الدعم السلبي والمستمد من مبدأ خرق السفينة المذكور في قوله تعالى : (( فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال اخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا امرا ، قال ألم أقل لك انك لن تستطيع معي صبرا )) ، الى قوله تعالى : (( أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فاردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك ياخذ كل سفينة غصبا )). وبذلك تحافظ على جبهة الداخل من ان يضطهدها الطاغية صدام المجرم بدعوى العمالة للأجنبي وهي الذريعة التي طالما استخدمها الطاغية للفتك بأبناء الإسلام في العراق. فكانت المشاكل الظاهرية المفتعلة بين جبهة الخارج وجبهة الداخل تشكل غطاءاً فعالاً منع الطاغية من قمع جبهة الداخل تحت عنوان العمالة المزعوم ، وأعطى الفرصة لجبهة الداخل للمزيد من الوقت في المواجهة والنمو والإنتشار في العراق من شماله إلى جنوبه.
وتضامنت جبهة الداخل وهي ما يسمى بـ "الحوزة الناطقة" مع جبهة الخارج في ترسيخ مبدأ الدعم السلبي الذي ذكرناه ووضعت لذلك صمّام أمان وهو أن تنقل قيادة جبهة الداخل "الحوزة الناطقة" إلى الخارج من جديد في حالة تعرضها للقمع والفتك من قبل الطاغية المجرم. فأعلن قائد جبهة الداخل "الحوزة الناطقة" أن المرجع الأعلم بعده هو السيد كاظم الحائري ـ الذي يسكن في إيران وله تاريخ حافل في القضية العراقية وتصدي المسلمين لنظام الطاغية البعثي ـ وهي خطوة عملية لنقل قيادة الداخل إلى خارج العراق في حال تعرضها للخطر. وفعلاً حدث ما توقعته قيادة جبهة الداخل "الحوزة الناطقة" ، وتم الفتك بها بأبشع الصور ، فقد تم إغتيال قائدها السيد محمد الصدر مع ولديه في ابشع عملية إغتيال يتعرض لها مرجع شيعي في العصر الحديث. وأنتقلت قيادة جبهة الداخل إلى خارج العراق لتصطف من جديد مع جبهة الخارج التي سبقتها ولتتوحد الجبهات في خارج العراق للتصدي لنظام الطاغية البعثي صدام المجرم.
ومنذ 9 نيسان 2003م لم يعد لهذه التسميات وجود حقيقي ، حيث عادت إلى كيانيتها الواحدة من جديد بعد زوال المسبب للتنوع بين أدوارها. ولم يعد هناك وجود واقعي لتسميات "الحوزة الصامتة" و"الحوزة الناطقة" وجبهة الخارج وجبهة الداخل ، فالمرجعية العليا في النجف الأشرف بدأت تتصدى للمفاصل الرئيسية في العملية السياسية والتصدي الفعال للمخططات الأمريكية في العراق وإفشالها. وكذلك تحقق هدف الحفاظ على الحوزة وعلى المتبقي من الكيان الشيعي العراقي في الداخل بعد زوال نظام الطاغية. وكذلك تحققت أهداف ما يسمى بـ"الحوزة الناطقة" من خلال تحقق زوال النظام البعثي الطاغي وتحقق حرية الشعائر الحسينية وإنتشار صلاة الجمعة المباركة. وأعلن القائد الجديد لما يسمى بـ"الحوزة الناطقة" السيد كاظم الحائري توحده في العمل السياسي مع المرجعية العليا في النجف الأشرف ، وكذلك أعلن باقي المراجع في النجف الأشرف توحدهم خلف قيادة المرجعية العليا المباركة للسيد علي السيستاني. وأيضاً فإنَّ خطوات السيد مقتدى الصدر في التوحد في العمل السياسي مع بقية الفصائل السياسية الشيعية واضحة لا سيما في إنتخابات كانون الأول 2005م. ورجعت الكيانية الحوزوية لطبيعتها المتآلفة والمتكاملة والمتوحدة كما كانت عليه قبل وصول نظام البعث العفلقي إلى السلطة في إنقلاب 1968م المشؤوم.
فالذين يتحدثون اليوم عن تقسيم الحوزة النجفية إلى صامتة وناطقة ، وجبهة الخارج وجبهة الداخل ، هم أما أشخاص لا يعرفون طبيعة ما حصل في السنين السابقة وما يحصل الآن ! أو هم أشخاص مغرضون وصوليون يطلبون الحصول على المناصب وحطام الدنيا بمتاجرتهم بأسم "الحوزة الناطقة". إنَّ على الشيعة ان يدركوا المرحلة الجديدة التي يمرون بها والتي يمكنهم من خلالها تصحيح المعادلة الظالمة التي امتدت لـ 1400 سنة ماضية. وإنَّ جميع الذين سيبقون مصرين على التحدث عن "حوزة ناطقة" وأخرى "صامتة" إنما يتحدثون عن ماضٍ لم يستوعبوا دروسه أو يتاجرون ببضاعةٍ قد إنتهت مدة صلاحيتها.
|