الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

7  شــبــاط  2006

أفكار عراقية

 

نقض الفصل الرابع من كتاب (الدولة الإسلامية بين النظرية والتطبيق) - 5

كتابات - نبيـل الكرخي

 

وقال الدكتور النجار : [(أطباء علم النفس يعرّفون بعض حالات الخوف الغير طبيعي ب " Phobia " وترجمتها بالعربية " هوس ". والهوس هو الخوف المبالغ فيه من شئ لا يحرك غريزة الخوف في شخص عادي. والإسلام لديه هوس بالجنس. إذا نظر الرجل إلى امرأة، لعب الشيطان بعقليهما، والنتيجة هي علاقة جنسية تؤدي إلى إنجاب أبناء سفاح. والخوف كل الخوف هو إنجاب أبناء السفاح، لأن الإسلام لا يعطي نفس الأهمية للعلاقة الجنسية بين الرجل والرجل. فالرجلان اللذان يأتيان الفاحشة نضربهما بالنعال، وإن تابا، تركناهما وحالهما لأن الله غفور رحيم. أما إذا جامع رجلٌ امرأة فيجب أن يُرجما)] ، ونلاحظ أن هناك خطأ في ترجمة الدكتور النجار لكلمة (Phobia) ! فالكلمة الأنكليزية (Phobia) تعني الخوف المرضي أو الكره المرضي ، أما الهَوَسْ فهناك في الأنكليزية كلمتان تعطيان هذا المعنى الأولى هي (craze) والتي تعني (immoderate desire) أي الرغبة المفرطة ، والثانية هي (mania) والتي تعني (morbid desire) أي الرغبة المرضية ، وفقاً لقاموس (THE WESTMINSTER ENGLISH DICTIONARY) . فهناك خطأ أكيد في ترجمته ، ولا يمكن أن يكون الهَوَسْ مرادفاً للخوف أو الكره المرضيان ، فالهَوَسْ والتي تعني الرغبة المفرطة أو المرضية فيها معنى الإنجذاب نحو الشيء ، بينما الخوف المرضي أو الكره المرضي يحمل معنى النفرة من الشيء ، فليس من الصحيح ترجمة (Phobia) بمعنى الهَوَسْ.

فقول الدكتور النجار [(والإسلام لديه هوس بالجنس)] ، معناه أن الإسلام لديه رغبة مرضية بالجنس ، أي أن هناك إنجذاب مرضي للإسلام نحو الجنس ، وهذا المعنى يخالف بقية كلام الدكتور النجار والذي يشير إلى أن الإسلام يخاف من أبناء السفاح ومن نظرة الرجل نحو المرأة إلخ... والتي تحمل معنى النفرة من الجنس ، فالسبب في هذا التناقض في المعنى هو في ترجمته الخاطئة لكلمة (Phobia).

 

ومن جهة اخرى فإنَّ التعريف الذي ذكره الدكتور النجار للـ (هَوَسْ) لا يمكن أن ينطبق على الإسلام ، فالإسلام دين وليس كائن حي لتكون فيه غريزة يمكن أن تتفاعل لتصبح هوساً !

 

ولو صح أن في الإسلام خوف مرضي من الجنس والعلاقات المحرمة بين الرجل والمرأة أي الزنى لأمر الأسلام بقتل الزاني والزانية حتى لو كانا غير محصنين وإحراق ممتلكاتهم وصلب جثثهم وإبقائهم أمام أعين الناس لفترة طويلة كأن تكون أسابيع أو أشهر أو تقطيعهم إرباً إرباً ولأمر كذلك بقتل أطفال السفاح وتقطيعهم ، إلى غير ذلك من الأفعال الشاذة التي تدل على مرض نفسي وعدم إتزان في التفكير والمنطق ، ولكن شيئاً من ذلك لم يحصل في الإسلام ، لأنه دين متزن وعادل ، ففي الوقت الذي يحرم الإسلام فيه الزنى نجده يشجع على الزواج وعلى إقامة علاقات شرعية بين الرجل والمرأة ، فلو كان في الإسلام خوف من الجنس لشجّع الرهبانية ولمنع زواج الرجل من أكثر من إمرأة واحدة. فهل الإسلام فيه خوف مرضي من الجنس أم من يقول بأنه (يحسن بالرجل أن لا يمس إمرأة) كما في رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس (1:7) !

وهل الهوس بالجنس موجود في الإسلام أم عند اللادينيين (الملحدين) الذين يريدون رفع كل الحواجز أمام ممارسة الجنس بدون ضوابط وبدون زواج ! الملحدون الذين يريدون تمييع العلاقات الأسرية وعدم ممانعتهم من إقامة علاقة جنسية بين المحارم داخل الأسرة الواحدة والعياذ بالله تعالى. فمن هو الذي لديه هَوَسْ جنسي ؟!  

 

حسناً فإذا وضعنا شريعة الإسلام جانباً ، فما هو الضابط الذي يمكن أن يقترحه الدكتور النجار لتنظيم العلاقات الجنسية بين الرجل والمرأة ، فهل يعتبر الدكتور النجار علاقة الزواج بين الرجل والمرأة هي علاقة متساوية مع علاقة جنسية بينهما خارج إطار الزواج !؟ فيتساوى عنده الزواج مع الزنى ! وكيف يمكن للدكتور النجار أن يقنع شخصاً بأن إقامة علاقة جنسية بين الرجل وإبنته أو أخته هو أمر مرفوض ؟ أم لعله لا يعارض إقامة مثل تلك العلاقات المحرّمة ؟!!

 

وأما إدعاء أن الإسلام يعطي أهمية أقل للعلاقة الجنسية بين الرجل والرجل مقارنة للأهمية التي يعطيها للعلاقة الجنسية المحرمة بين الرجل والمرأة فهذا من البهتان والإفتراء على الإسلام ، لأن عقوبة العلاقة الجنسية بين الرجل والرجل هي عقوبة قاسية حيث ان عقوبة من يرتكب هذا الفعل هو القتل سواء كان محصناً أم غير محصن بينما في الزنى نجد أنه لا يوجد رجم لغير المحصن سواء كان رجلاً أو إمرأة ، بل حدهما في هذه الحالة الجلد. فيكون تشديد الإسلام في عقوبة اللواط أقسى وأشد من عقوبة الزنى.

 

وقال الدكتور النجار : [(ولمنع المرأة من إنجاب أبناء السفاح يجب أن تتحجب المرأة حتى نعزلها عن الرجل.  والحجاب مفروض فيه أن يحافظ على عفة وشرف المرأة المسلمة لأن الشرف والجنس هما اللذان يشغلان كل عقل الرجل المسلم. ولكن بعد كل هذه القرون من الحجاب هل استطعنا أن نقضي على إقامة علاقات جنسية بين النساء والرجال قبل الزواج؟ أو هل قضينا على الخيانة الزوجية أو إنجاب أطفال السفاح  في العالم الإسلامي؟

بالطبع لم نقض على أي شئ من هذا. ففي كل بلد عربي هناك معهد أو ملجأ يضم أبناء السفاح، وفي المغرب، حيث هناك بعض الحريات،  قدمت الصحفية فريدة الرحماني  حلقة عن " واقع أمهات أطفال السفاح "، بثتها الإذاعة ونالت استحسان لجنة التحكيم في " الجائزة الكبرى للصحافة " [26]. وفي العراق ناقش مجلس الحكم حديثاً موضوع منح الجنسية العراقية لأطفال السفاح. وفي مصر والسودان والسعودية والخليج وإيران هناك آلاف من أطفال السفاح.)] ، فالدكتور النجار يظن أن الأهمية القصوى في الإسلام هو في منع إنجاب أبناء السفاح ، والأمر ليس كذلك بل الأهمية القصوى في الإسلام هو في المحافظة على الشرف والعفاف للمرأة والرجل ، ولذلك فقد جاء في الإسلام قاعدة عظيمة هي (الولد للفراش وللعاهر الحجر) ، فما دامت هناك علاقة زواج بين رجل وإمرأة فإن الولد ينسب للزوج وإنْ كان من نتاج زنى للزوجة مع رجل آخر إذا لم يكن هناك مانع من حمل المراة من زوجها كالسفر والمرض ولم تقم البينة على زناها او إعترافها به ، فالإسلام يهتم لوجود الستر والعفاف وعدم إشاعة ثقافة الإنحراف ، والحفاظ على الكيان الأسري ، فيحرص على أن يمنع وقوع المعصية وإذا وقعت فهو حريص على سترها وعدم إشاعتها وعدم إحداث أجواء لدعم جو الفحش والمعصية. 

 

فلو أخطئنا وقلنا أن الهدف الرئيسي هو منع إنجاب أولاد السفاح كما ظن الدكتور النجار لوجدنا ان هناك حلولاً تمنع الإنجاب المذكور ، مثل موانع الحمل المختلفة ، فهل أنَّ اللجوء لتلك الحلول يبيح الزنى ما دام الزنى لا ينتج أبناء سفاح !! أبداً ليس لهذا المنطق علاقة بالإسلام لا من قريب ولا من بعيد. 

 

وقال الدكتور النجار : [(والعلاقات الجنسية بين الشباب من الجنسين لا تقل عن مثيلاتها في أوربا، خاصة وأن كل شاب وشابة في الخليج يمتلك تلفون جوال ، ويكتب الشاب نمرة جواله على قطعة من الورق يرميها عند أقدام الفتيات المحجبات في صالات التسويق المنتشرة في كل مدن الخليج. والكاتب شاهد أكثر من مرة بالكويت وبالخليج نساء متزوجات يحضرن للمستشفي في الساعات الباكرة ويطلبن شهادة من الطبيب المناوب تقول أن المرأة تلك قضت الليلة بالمستشفي، وفي حقيقة الأمر كانت هي قد قضتها مع عشيقها.)] ، بكل تأكيد فإنَّ الدكتور النجار في هذا النص يخلط الحابل بالنابل ، حيث انه لا توجد مقارنة بين المجتمع الخليجي وبين المجتمع الأوربي من حيث العلاقات الجنسية ، والدكتور النجار يحمل الأمور أكثر من معانيها ، ألا يعلم الدكتور النجار أن الشاب في دول الخليج إذا رمى رقم تلفونه لفتاة فإن ذلك إنما يحصل لعدم وجود إختلاط بين الجنسين في تلك المجتمعات بخلاف المجتمعات الأوربية التي نجد الإختلاط فيها مباحاً وبأسوأ صوره ، ولذك تجد أن معظم الفتيات المسلمات في المجتمعات المحافظة في دول الخليج وبقية الدول الإسلامية تحافظ على بكارتها حتى الزواج وهو الأمر الذي تفتقده الفتيات الأوربيات منذ سن الرابعة عشرة أو قبله بقليل ، فكيف أمكن للدكتور النجار تشبيه العلاقات الجنسية بين الشباب والفتيات في دول الخليج مع العلاقات الجنسية في أوربا !!

ولا أدري كيف علم الدكتور النجار ان أولئك النسوة قد قضين الليل مع عشاقهن ؟! فهل أخبرنه بذلك ، أم هو مجرد سوء ظن من قبله ، وهل قامت المستشفى بإعطائهن الشهادة المطلوبة مقابل مبلغ من المال كهدية أو رشوة لا فرق ؟! وما ادراه أن تلك المرأة لا تعاني من مشاكل عائلية دفعتها للمبيت عند إحدى صديقاتها وأضطرت للحصول على تلك الشهادة من المستشفى لأنها ممنوعة من المبيت خارج المنزل بسبب ظروف شخصية تتعلق بها أو ظروف عائلية ؟ إلى غير ذلك من الإحتمالات ، الموجودة في الحياة وفي الواقع الإجتماعي. ثم ما هي نسبة اولئك النسوة من بين مجموع نساء الخليج ؟! بلاشك فإنَّ نسبتهن ـ على فرض وجود مثل تلك الحالات ـ هي نسبة ضئيلة جداً بحيث لا تشكل مشكلة إجتماعية حقيقية.

 

وقال الدكتور النجار : [(وقصة الحجاب في الإسلام مليئة بالمفارقات والمتناقضات التي تصطدم مع العقل والتفكير السليم. فمثلاً في الآية 55 من سورة الأحزاب: " لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا أخوانهن ولا أبناء أخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن وأتقين الله إن الله كان على كل شئ شهيداً ". فليس على المرأة حرج ألا تتحجب من المذكورين في الآية، بمن فيهم ما ملكت يمينها من العبيد الذكور، ولكن يجب أن تتحجب من عمها وخالها لأنهما لم يُذكرا في الآية. ويقول العلماء السبب في ذلك أن العم أو الخال إذا رآها بدون حجاب قد يصفها لابنه. فكل هؤلاء الناس الذين يرونها دون حجاب لن يصفوها لابن عمها، بما فيهم أمه، لكن عمها يمكن أن يفعل ذلك. وماذا عن ما ملكت يمينها من العبيد؟ أليس لهم شهوة جنسية أم أن جميعهم مخصيون؟ ألم يتهم الناس مارية القبطية عندما ولدت للرسول ابنه الوحيد إبراهيم، ألم يتهموها بالعبد المصري الذي كان يتردد عليها، وأرسل الرسول عمر بن الخطاب ليقتله؟ ويقال إن عمر دخل عليهما البيت شاهراً سيفه فلما رآه العبد هرب وتسلق نخلةً بالبيت ولم يكن يلبس سروالاً، فنظر عمر ورأي أنه مجبوب، أي مقطوع العضو التناسلي، فتركه.)] ، فأما الإدعاء بوجود المفارقات والمتناقضات حول قصة الحجاب في الإسلام والتي تصطدم مع العقل والتفكير السليم على حد تعبير الدكتور النجار، فقوله هذا فيه تجني وليس عليه دليل ، فلا يوجد في قصة الحجاب شيء مما ذكره الدكتور النجار ، لأنه بنى أستنتاجاته على معلومات لم يتبين صحتها ولا معناها ! فظن أن المرأة المسلمة يجب أن تتحجب أمام عمها وخالها وليس عليها الحجاب أمام عبدها ! والمسلمون يعلمون جيداً أنه لا يوجد هذا الأمر في الإسلام ، فالمسلمات لا يتحجبن أمام الأعمام والأخوال وهن غير مأمورات بذلك أبداً ، فلماذا لم يسأل الدكتور النجار أي مسلم في المجتمع الذي يعيش فيه ليخبره هذه الحقيقة ؟!

وأما إعتماد الدكتور النجار على فهمه الشخصي للآية القرآنية ثم تحميل ذلك الفهم على القرآن وعلى المسلمين وإيجابه عليهم أن يطيعوا هذا الفهم ويلتزموه فهو ليس من الإنصاف في شيء ، فالآية الكريمة ذكرت بعض الذين ليس على المرأة جناح في نزع حجابها أمامهم ، والآية لم تقصر الأمر على المذكورين وكذلك فإنَّها لم تذكر العم والخال ، ويجب أن ننتبه إلى أن الآية الكريمة لم تستثنِ العم والخال ممن يجوز للمرأة نزع حجابها عنهم بل سكتت عنهم ، وحيث أن الآية الكريمة لم تقصر الأمر على المذكورين كما ذكرنا فهناك مجال لدخول آخرين بنص من قرآن أو سنّة ، وينبغي أن نعرف أن الآية لم تسكت عن ذكر العم والخال وحدهم بل سكتت كذلك عن ذكر الصهر وزوج الأم ، وسكتت عن الروابط الناشئة من الرضاعة أيضاً.

فأما موضوع عدم ذكر العم والخال في الآية الكريمة بخصوص اللذين يمكن للمرأة أن لا تتحجب أمامهم فليس السبب هو ما ذكره الدكتور النجار وكذلك بعض علماء المسلمين من [(أن العم أو الخال إذا رآها بدون حجاب قد يصفها لابنه)] ، فالذي ذهب إليه بعض العلماء بخصوص العم والخال فيه نظر ولا يمكن الجزم بقبوله. فقد فنّد الشوكاني في فتح القدير ج4 ص298 الرأي المذكور فقال : (وهذا ضعيف جدا فإن تجويز وصف المرأة لمن تحل له ممكن من غيرهما ممن يجوز له النظر إليها لاسيما أبناء الإخوة وأبناء الأخوات واللازم باطل فالملزوم مثله وهكذا يستلزم أن لا يجوز للنساء الأجنبيات أن ينظرن إليها لأنهن يصنفها واللازم باطل فالملزوم مثله) ، وقال الشوكاني في الموضع المذكور آنفاً ما نصه : (ولم يذكر العم والخال لأنهما يجريان مجرى الوالدين) ، ثم أضاف : (والأولى أن يقال أنه سبحانه اقتصر ههنا علي بعض ما ذكره من المحارم في سورة النور اكتفاء بما تقدم). وقال القرطبي في تفسيره ج41 ص231 : (ولم يذكر العم والخال لانهما يجريان مجرى الوالدين . وقد يسمى العم أبا ، قال الله تعالى : " نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل " وإسماعيل كان العم). وقال الشيخ الطوسي في تفسيره التبيان ج8 ص358 : (ولم يذكر العم والخال لانه مفهوم من الكلام ، لان قرباتهم واحدة ، لانهن لا يحللن لواحد من المذكورين بعقد نكاح على وجه ، فهن محرم لهن).

 

وقد وجدنا بعد متابعة أنساب نساء النبي (صلى الله عليه وآله) أن هناك نكتة في الموضوع توضح عدم ذكر العم والخال في الآية الكريمة بالإضافة لرأي الشيخ الطوسي وبقية آراء العلماء التي ذكرناها آنفاً ، فقد ذكر أبن الجوزي في زاد المسير ج6 ص214  أنه لما نزلت آية الحجاب وهي قوله تعالى : ((وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب )) قال الآباء والأبناء والأقارب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن أيضا نكلمهن من وراء حجاب فأنزل الله تعالى : (( لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا أخوانهن ولا أبناء أخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن وأتقين الله إن الله كان على كل شئ شهيداً )) ، ونحن نرى أنه حيث أن الخطاب في هذه الآية الكريمة موجّه لنساء النبي (صلى الله عليه وآله) فقد خلا من ذكر العم والخال لأنه لم يكن لأي واحدة منهن عم أو خال على قيد الحياة حين نزول الآية الكريمة ، فورود ذكر العم والخال في الآية الكريمة لو تم لكان من أهم أسباب الطعن في القرآن الكريم والشريعة الإسلامية لأن ذكرهم في هذه الآية يصبح حينئذٍ لغو ويفتح الباب لنسبة الجهل للخالق جلَّ شأنه ، لأن النص القرآني حينئذٍ سيبيح لنساء النبي (صلى الله عليه وآله) نزع حجابهن أمام أعمامهن وأخوالهن وهن في الحقيقة ليس لهن أعمام وأخوال على قيد الحياة حين نزول الآية الكريمة ، فلو تم ذلك لقال المنافقون : أن الله ـ  وحاشاه ـ يجهل أن نساء النبي (صلى الله عليه وآله) ليس لهن أعمام وأخوال ! فلذلك لم يتم ذكر الأعمام والأخوال في الآية الكريمة تنزيهاً للقرآن الكريم من طعون المنافقين وأعداء الإسلام.

 

وأما بخصوص ترك المرأة حجابها امام من ملكته يمينها ، فهو أمر مختلف فيه بين الفقهاء ، فقد قال المحقق الحلي في شرائع الاسلام ج2 ص495 : (هل يجوز للخصي النظر إلى المرأة المالكة أو الأجنبية ؟ قيل : نعم ، وقيل : لا ، وهو الأظهر لعموم المنع ، وملك اليمين المستثنى في الآية المراد به الإماء) ، وقال الشهيد الأول في اللمعة الدمشقية ص160 :(كذا يحرم على المرأة أن تنظر إلى الأجنبي أو تسمع صوته إلا لضرورة وإن كان أعمى ، وفي جواز نظر المرأة إلى الخصي المملوك لها أو بالعكس خلاف). فالمسألة فقهية والعلماء مختلفون فيها.

 

وقال الدكتور النجار : [(وفي مرة كان الرسول جالساً مع عائشة وأم سلمة، بعد نزول آية الحجاب، فدخل علية ابن أم مكتوم، وكان رجلاً أعمى، فطلب الرسول من نسائه أن يتحجبن، فقالت له أم سلمة: " لكنه أعمى"، فقال لها الرسول: " وهل أنتِ عمياء". منطق لا يتماشى والعقل. تتحجب المسلمة من الرجل الأعمى لأنها تراه وهو لا يراها.)] ، فافترض الدكتور النجار ان الحديث عام لجميع المسلمات بحيث أنه لا يجوز للمسلمة أن تكون بلا حجاب أما الرجل الأعمى وهذا خطأ ، ولا يوجد في الإسلام مثل هذا الأمر ، لأن الحديث المذكور على فرض صحته خاص بنساء النبي (صلى الله عليه وآله).

ومن المهم في بداية توضيحنا لهذه المسألة أن نعرف أن الحديث الذي ذكره الدكتور كامل النجار في النص السابق ، والذي لم يذكر مصدره ، قد ذكره بالمعنى وليس بالنص ، وفيه أخطاء ، كما هي سمة أكثر مؤلفاته ، والرواية في مسند أبن راهويه ج4 ص85 ونصها : (عن نبهان مولى أم سلمة عن أم سلمة قالت : كنت عند رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعنده ميمونة فاستأذن أبن أم مكتوم وذلك بعد الحجاب فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لهما : قوما ، فقلت : يارسول الله إنه أعمى لا يبصرنا ، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (أفعمياوان أنتما ؟). وفي رواية أخرى في مسند أبن راهويه ج4 ص160 عن نبهان أيضاً وفيها أن أم سلمة كانت مع زينب بنت جحش حين دخل أبن أم مكتوم ، وأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لهما : (فإن كان لا يبصركن فإنكم تبصرون).

 

وهذا الحديث ضعيف من حيث السند فقد قال القرطبي في تفسيره ج12 ص228 : (هذا الحديث لا يصح عند أهل النقل لأن راويه عن أم سلمة نبهان مولاها وهو ممن لا يحتج بحديثه).

 

وبغض النظر عن ضعف سند الحديث المذكور فقد ذكرنا ـ فيما تقدم ـ أن الله عزَّ وجل منع المسلمين من التحدث مع نساء النبي (صلى الله عليه وآله) إلا من وراء حجاب ، فقال عزَّ وجل : (( وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب )) ، وذكرنا أن الحجاب في هذا الأمر ليس حجاب الثياب بل هو حجاب الستر من القماش أو الباب أو الجدار أو الخيمة وما شاكلها ، ولذك أمر النبي (صلى الله عليه وآله ) نساءه بالدخول والتحدث مع أبن أم مكتوم ـ إنْ لزم الأمر ـ من وراء حجاب.

 

ومعنى قوله (صلى الله عليه وآله) : (إن لم يركما فإنكما تريانه) أو كما في الرواية الأخرى (أفعمياوان أنتما) أي إنه لا يراكما فلا يعلم بوجودكما ليطبق الأمر الإلهي بالتحدث معكن من وراء حجاب ، فما بالكن أنتن وقد رأيتموه ، لماذا تردن مخالفة الأمر الإلهي بالتحدث معه بدون حجاب ؟

 

وفي هذا الصدد قال أبن قتيبة في كتابه تأويل مختلف الحديث ص210 : (ونحن نقول إن الله عزوجل أمر أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاحتجاب إذا أمرنا أن لا نكلمهن إلا من وراء حجاب فقال : (( وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب )) وسواء دخل عليهن الاعمى والبصير من غير حجاب بينه وبينهن لانهما جميعا يكونان عاصيات لله عزوجل ويكن أيضا عاصيات لله تعالى إذا أذن لهما في الدخول عليهن وهذه خاصة لازواج رسول الله صلى الله عليه وسلم كما خصصن بتحريم النكاح على جميع المسلمين فإذا خرجن عن منازلهن لحج أو غير ذلك من الفروض أو الحوائج التي لا بد من الخروج لها زال فرض الحجاب لانه لا يدخل عليهن حينئذ داخل فيحجب أن يحتجبن منه إذا كن في السفر بارزات وكان الفرض إنما وقع في المنازل التي هن بها نازلات).

 

إذن فالحديث خاص بنساء النبي (صلى الله عليه وآله) ولا يشمل بقية النساء المسلمات كما توهم الدكتور النجار.

 

وقال الدكتور النجار : [(وقد تعلم السعوديون في السبعينيات أن الحجاب قد يساعد على ارتكاب الجرائم. ففي ذلك الوقت كان ممنوعاً إظهار وجه المرأة في جواز السفر الذي يراه الأجانب والغرباء ، فانتهز الرجال هذه الفرصة وسافروا إلى دول شرق آسيا ورجعوا بنساء محجبات ادعوا أنهن زوجاتهم، ولما لم تكن بالجواز صورة للمرأة، وهي محجبة على أي حال، استطاعوا إدخال عدد لا يُستهان به من هؤلاء النساء للمملكة. وأخيراً أجبرهم الواقع لإلصاق صورة المرأة في جواز سفرها، وبدون حجاب)] ، فالمسألة هنا فنية وليس لها علاقة بإرتداء الحجاب ، والإسلام لم يطلب من المسلمين أن يكونوا في غفلة أو وهن حتى يستغل أصحاب المعاصي وأعدائهم غفلتهم وضعفهم.

وبقي أن نسأل الدكتور النجار : ألا يتم تثبيت في جواز السفر حين المغادرة فيما إذا كانت مغادرة الرجل وحده أم مع زوجته ؟ فإذا تم تثبيت أن الرجل قد سافر مع زوجته فحين عودته لن يتمكن من إصطحاب أكثر من إمرأة بدون جواز سفر رسمي ، وإذا تم تثبيت أن الرجل قد سافر بدون زوجته فلا يستطيع الرجل أن يعود مع إمرأة أخرى بدعوى أنها زوجته لأن ما مثبت في جواز السفر هو أن الرجل قد سافر وحده. يضاف لذلك أن الفيزة لأي دولة حين تعطى يتم فيه تحديد عدد المسافرين. فالمسألة ليست بهذه السذاجة التي يدعيها الدكتور النجار.

 

وقال الدكتور النجار : [(وما زال الحجاب يساعد النساء المتحجبات في الركوب في سيارات غير أزواجهن أو أخوانهن في وضح النهار وبدون خوف لأنها مغطية من الرأس إلى القدم ولا أحد يعرفها من عباءتها. وكنتيجة لهذه الممارسات قد انتشر مرض فقدان المناعة المكتسبة ( الايدز) في السعودية في الأعوام القليلة الماضية إذ بلغ عدد الحالات العام الماضي 6787 حالة، 45 بالمائة منها  عن طريق العلاقات الجنسية)]

والدكتور النجار يعتمد في هذه النسبة على صحيفة إيلاف الألكترونية عبر الأنترنيت ، ونحن لا نعرف مدى دقة هذه النسبة وصدقها ، لاسيما مع وجود جهات عديدة يهمها تشويه صورة المملكة السعودية لكي تعمل على تشويه الإسلام ، وكما يفعل الدكتور النجار في هذا الموضع.

ونحن نتسائل بدورنا عن سبب عدم أرتداء النساء للحجاب في الدول الأوربية أو الأفريقية أو الآسيوية ومع ذلك فإن نسبة الإصابة بالآيدز عندهم مرتفعة جداً وأكثر من الدول الإسلامية بكثير ، فلماذا لم يمنعهن عدم أرتداء الحجاب من الإصابة بالآيدز وفقاً لنظرية الدكتور النجار الذي أدعى أن حجاب النساء في المملكة