|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
6 شــبــاط 2006 |
|
أفكار عراقية
نقض الفصل الرابع من كتاب (الدولة الإسلامية بين النظرية والتطبيق) - 4
كتابات - نبيـل الكرخي
ثم أضاف الدكتور النجار : [(ولم يكتف عمر بن الخطاب بهذا. وفي ذات ليلة خرجت زوجة الرسول سودة بنت زمعة لقضاء حاجتها، وكانت امرأةً طويلة، فعرفها عمر وصاح عليها: " ألا يا سودة قد عرفانك"، فأخبرت الرسول. ونزلت الآية: " يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يُعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيماً ". وقال شيوخ الإسلام إن السبب في نزول هذه الآية هو أن صياع المدينة كانوا يعاكسون النساء ليلاً إذا خرجن إلى قضاء الحاجة. فإن كانت المرأة أمةً لمسوها وإن كانت حرةً تركوها. ولذا أمرهن الله أن يدنين جلابيبهن حتى يعرف الصياع أنهن حرائر لا إماء، فلا يتعرضوا إليهن. منطق غريب هذا الذي أتى به العلماء. أما كان الأجدر أن يُنزل الله آيةً تنهى الصعاليك من معاكسة النساء؟ )] ، فالعبارة الأخيرة للدكتور النجار ليس فيها إلا التجني على الإسلام لأنه لم يكمل قراءة الآيات الكريمة ، فالآية ( 59 ) في سورة الأحزاب هي : (( يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما )) ، تعقبها مباشرةً الآية ( 60 ) قوله تعالى متوعدا ومهددا : (( لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا )) ، ألا يجد الدكتور النجار في هذه الآية ما يكفي من التهديد والوعيد ! ثم ألم ينزل الله سبحانه الآية الكريمة : (( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم )). وآيات كريمة أخرى في نفس السياق وكلها تتضمن النهي عن التعرض للنساء وغض البصر عنهن.
وقال الدكتور النجار : [(ولماذا يبيح الإسلام لهؤلاء الصعاليك التعرض للإماء ويمنعهم عن التعرض للحرائر؟ هل الأمة ليست إنسان يستحق صون كرامته؟ بعض هؤلاء الإماء كن سيدات محترمات من أعز القوم في بلادهن قبل أن يأسرهن المسلمون.)] ، فليت الدكتور النجار يكف عن تجنيه على الإسلام لا سيما وهو ينسبه هذه المرّة إلى إباحة التعرض للإماء من قبل "الصعاليك" على حد تعبيره ! فكيف ينسب الإسلام إلى إباحة التعرض للإماء بعد التهديد والوعيد الذي ذكرناه آنفاً والوارد في الآية ( 60 ) من سورة الأحزاب ! ونكرر أن الإسلام لم يبح التعرض للإماء بل الخليفة عمر بن الخطاب هو الذي أخطأ بمنعه بعض الإماء من لبس القناع وووجَّه لهن درّته الشهيرة بدلاً من أن يوجهها للفساق الذين يتعرضون لهن !
وقال الدكتور النجار : [(ومفهوم الحجاب في الإسلام هو أنه للنساء الحرائر فقط ولا يشمل الإماء. بل بالعكس، فقد منع الخليفة عمر بن الخطاب الإماء من لبس الحجاب، رغم كونهن مسلمات، وكان يطوف شوارع المدينة بحثاً عن الإماء المحجبات فيضربهن بدرته حتى يسقط عنهن الحجاب، ويقول لهن: " فيم الإماء يتشبهن بالحرائر؟ " ( طبقات ابن سعد، 6/127). فإذاً ليس الغرض من الحجاب عدم إثارة غرائز الرجل، لأن الأمة الجميلة التي تسير بدون حجاب وكاشفةً صدرها، لأن صدر الأمة ليس عورة، قد تثير غرائز الرجل أكثر مما تثيرها أحد الحرائر. ويبدو أن السبب الرئيسي كان تمييز الحرائر من الإماء. وبما أنه لا توجد إماء الآن ( من الناحية القانونية)، فلماذا إذاً تلبس المسلمة الحجاب؟)] ، فهذا النص الذي أدعى أنه منقول عن طبقات أبن سعد حول منع عمر بن الخطاب للإماء من أرتداء الحجاب فيه تغيير متعمد ، حيث أن النص الأصلي يتحدث عن أن عمر بن الخطاب كان يمنع الأمة من أرتداء القناع ويظن أنه مختص بالحرة ، والنص الأصلي في طبقات أبن سعد ج7 ص127 هو : (حدثنا المسيب بن دارم قال رأيت عمر وفي يده درة فضرب رأس أمة حتى سقط القناع عن رأسها قال فيم الامة تشبه بالحرة) ، ويبدو أن الدكتور كامل النجار قد غيّر في النص بما يلائم فكرته فرفع كلمة قناع ووضع بدلاً عنها كلمة حجاب ! وينبغي الإشارة إلى أن كلمة (قناع) ليست مرادفة لكمة حجاب حتى يستبدلها الدكتور النجار في النص السابق ، وحتى لو أفترضنا أنها مرادفة لها فالأمانة العلمية تقتضي الإبقاء على النص الأصلي والإشارة بعده إلى معنى كلمة (قناع) ومرادفاته ، أليس كذلك ؟ ، ومما يدل على أن القناع هو جزء من الحجاب وليس كل الحجاب ما ورد في غريب الحديث لإبن سلام ج3 ص304 ونصه : (وقال أبو عبيد : في حديث عمر رضي الله عنه أنه سئل عن حد الأمة فقال : إن الأمة ألقت فروة رأسها من وراء الدار)... إلى أن يقول : (إنما أراد بالفروة القناع ، يقول : ليس عليها قناع ولا حجاب) ، ففرق أبو عبيد وفقاً لهذا النص بين القناع والحجاب ، مما يعني انه قد يكون هناك حجاب وليس هناك قناع.
ولنستعرض الآن بعض ما قاله اللغويون مما يفيدنا في معرفة معنى القناع الذي نُسِبَ لعمر بن الخطاب انه كان يمنع بعض الإماء من إرتداءه : ـ القناع هو النقاب : ففي لسان العرب لإبن منظور ج1 ص768 : (والنقاب : القناع على مارن الأنف ، والجمع نقب). وكذلك ورد في تاج العروس للزبيدي ج1 ص492 . ـ القناع هو البرقع : ففي مختار الصحاح لمحمد بن عبد القادر ص33 : (البرقع بفتح القاف وضمها للدواب ونساء الاعراب وكذا البرقوع وبرقعه فتبرقع أي ألبسه البرقع فلبسه وهو القناع). ـ القناع يخفي الوجه : ففي شرح الرضي على الكافية لرضي الدين الأستراباذي ج1 ص 470 : (والمقنع : الذي يلبس القناع ، وهو سنة عند العرب يلبس الشجاع منهم قناعا يخفي به وجهه) .
فتبين من ذلك أن موضع القناع هو الوجه ، وما ينسب للخليفة عمر بن الخطاب أنه كان يمنع الإماء من لبس القناع أي يمنعهن من تغطية وجوههن ! ولا ندري كيف كان يعلم أنهن إماء أم حرائر وقد قمن بتغطية وجوههن !؟ ولعل القصة حدثت في حادثة مخصوصة مع أمة واحدة يعرفها ، فنقل الرواة الخبر وأطلقوه ليشمل جميع الإماء.
وأما الجلباب الوارد ذكره قوله تعالى : (( يدنين عليهن من جلابيبهن )) ، فقد أختلف اللغويون في تحديد مواصفاته وشكله ، وكالآتي : ـ الجلباب : ثوب أوسع من الخمار ، دون الرداء ، تغطي به المرأة رأسها وصدرها. { لسان العرب لإبن منظور ج1 ص272} ـ الجلباب : ثوب واسع ، دون الملحفة ، تلبسه المرأة. { لسان العرب لإبن منظور ج1 ص272} ـ الجلباب : هو الملحفة. { لسان العرب لإبن منظور ج1 ص272} و {الصحاح للجوهري ج1 ص101} و{مختار الصحاح لمحمد بن عبد القادر ص64} ـ الجلباب : هو ما تغطي به المرأة الثياب من فوق كالملحفة. { لسان العرب لإبن منظور ج1 ص273} ـ الجلباب : الخمار. { لسان العرب لإبن منظور ج1 ص273} ـ الجلباب : الملاءة التي تشتمل بها المرأة { لسان العرب لإبن منظور ج1 ص273} ـ الجلباب : الإزار. قاله أبن الإعرابي ، وقال أبو عبيد قال الأزهري : معنى قول ابن الأعرابي الجلباب الإزار لم يرد به إزار الحقو ، ولكنه أراد إزارا يشتمل به ، فيجلل جميع الجسد ، وكذلك إزار الليل ، وهو الثوب السابغ الذي يشتمل به النائم ، فيغطي جسده كله . { لسان العرب لإبن منظور ج1 ص273} ـ الجلباب : الرداء. { لسان العرب لإبن منظور ج1 ص273} ـ الجلباب : هو كالمقنعة تغطي به المرأة رأسها وظهرها وصدرها. { لسان العرب لإبن منظور ج1 ص273} ـ الجلباب : هو في الاصل الملحفة ثم استعير لغيرها من الثياب ، قاله الخفاجي في العناية. {تاج العروس للزبيدي ج1 ص186}
ويبدو من خلال هذه المعاني أن الجلباب والملحفة والإزار والرداء والمقنعة والملاءة هي مسميات لشيء واحد ولكن تعددت أسمائه تبعاً لإختلاف اللهجات العربية التي تستعملها ، وقد تبين لنا هذا الأمر بعد أن تتبعنا معنى الملحفة التي ورد ذكرها في النصوص السابقة ، وهي كالآتي : ـ الملحفة : الملاءة. { لسان العرب لأبن منظور ج1 ص 160} ـ الملحفة : الريطة. { لسان العرب لأبن منظور ج1 ص 160} ـ الملحفة : الإزار. { لسان العرب لأبن منظور ج4 ص16} ـ الملحفة : الصُتية ، أو الصُتية هي ثوب يمني. {القاموس المحيط للفيروز آبادى ج1 ص151} ـ الملحفة : اللفاع. {القاموس المحيط للفيروز آبادى ج3 ص81}
ـ الملحفة : الشوذر ، وهو معرب ، وأصله بالفارسية "چاذر". {الصحاح للجوهري ج2 ص 695 } ، وقال الزبيدي في تاج العروس ج3 ص294 : (فارسيته جادر).
فالجادر هو الملحفة والملحفة هي الملاءة والجلباب ، والجلباب هو الإزار الذي يشتمل به ، فيجلل جميع الجسد ، كما ذكرنا آنفاً. وحيث أن الجادر هو الغطاء الذي ترتديه المسلمات الإيرانيات فوق ملابسهن كحجاب لهن ، وقد نص الزبيدي في تاج العروس انها كلمة فارسية ، وحيث إننا نعلم يقيناً أن الجادر الذي ترتديه المسلمات الإيرانيات هو نفس الحجاب الذي ترتديه المسلمات العربيات والذي نسميه باللهجة العراقية : (العباءة النسائية) ، مع إختلاف بين ألوان الجادر وألوان العباءة النسائية. فيتضح بشدة أن الجلباب المذكور في قوله تعالى (( يدنين عليهن من جلابيبهن )) هو نفس العباءة النسائية التي ترتديها المسلمات في أغلب الدول العربية ولا سيما في العراق.
ويؤيد ما توصلنا إليه من أنَّ الجلباب هو رداء يغطي جميع الجسد كما هو حال العباءة النسائية في العراق وغيره من الدول العربية ، ما رواه أن الأثير في كتابه (النهاية في غريب الحديث ج1 ص273) حيث قال : (وفي حديث علي رضي الله عنه ( من أحبنا أهل البيت فليعد للفقر جلبابا ) أي ليزهد في الدنيا ، وليصبر على الفقر والقلة) إلى أن يقول : (وجمعه جلابيب ، كنى به عن الصبر ، لأنه يستر الفقر كما يستر الجلباب البدن) ، ففيه ترجيح لمعنى تغطية الجلباب لكل البدن.
وبعد معرفة معنى القناع والجلباب نعود لتفنيد الشبهة التي طرحوها والتي تتضمن أن الحجاب وجد للتمييز بين الحرائر والإماء فإذا لم يعد في زماننا هذا إماء فتسقط الحاجة للحجاب ! فنجيب عنها بالآتي : · إنَّ الأمر القرآني للنساء المسلمات بأن يدنين عليهن من جلابيبهن قد يحتمل أحد معنيين الأول أنه أمر بإرتداء الجلباب ومن ثم ان يدنين هذا الجلباب عليهن ، والمعنى الثاني أنهن مرتديات أصلاً للجلباب فجاء الأمر الإلهي بأن يدنين الجلباب عليهن ، وعلى كِلا التقديرين ، فقد كانت المسلمات قبل نزول هذه الآية الكريمة قد أتخذن الحجاب ولبسن الخمار عملاً بقوله تعالى في سورة النور الآية 31 : (( وليضربن بخمرهن على جيوبهن )) ، وآيات أخرى سنذكرها بعد قليل ، بالإضافة للسنة النبوية المطهرة ، فلو أفترضنا جدلاً أن الأمر للمسلمات بأن يدنين عليهن من جلابيبهن هو للتمييز بين الحرائر والإماء فإن ذلك يعني أن كلاً من الحرائر والإماء هن محجبات مرتديات للخمار وومنعات عن التبرج وإظهار الزينة فأمر الله سبحانه الحرائر منهن بإدناء الجلباب ، هذا وفقاً للفرض المذكور ، وإلا فأنَّه ليس في الآية الكريمة تخصيص لتوجيه الخطاب للحرائر من دون الإماء ، وقوله تعالى : (( ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين )) قد يقصد من المعرفة المذكورة فيه أنهن سوف يعرفن بأنهن من أهل الشرف والتقوى ، فيمتنع الفساق والمنافقون عن التعرض لهن ، وكما أن الحرائر يمكن أن يوصفن بأنهن من أهل الشرف والتقوى فكذلك من الإماء من هن من أهل الشرف والتقوى بلا فرق في ذلك ، لأن الأمة إذا عاشت في بيت شريف أصبحت منه وتنسب إليه لا سيما إذا ألتزمت بأخلاق أصحابه ، وكان لديها تقوى ، فالتقوى والشرف غير مقصورة على الحرائر بكل تأكيد ، فضلاً عن الكثير من الإماء هن من عوائل محترمة في مجتمعاتهن الوثنية أو الشركية قبل أن يستولي عليهن المسلمون. والآيات الكريمة تقصد هذه النوعية من الإماء ، وقد يتفق الدكتور النجار معنا في هذا الأمر لا سيما وقد قال كما ذكرناه آنفاً بأنَّ بعض الإماء هن ممن [(كن سيدات محترمات من أعز القوم في بلادهن قبل أن يأسرهن المسلمون)] على حد تعبيره.
· إنَّ الأمر القرآني للمسلمات بأن يدنين عليهن من جلابيبهن جاء عاماً كما ذكرنا آنفاً ، وعموم لفظ القرآن لا يخصصه سبب النزول ، كما هي القاعدة الفقهية المعروفة ، فكون سبب نزول الآية الكريمة مختص بإيذاء أهل المعاصي والفساق للإماء وإمتناعهم عن إيذاء الحرائر ـ على فرض صحة الرواية التي ذكرت سبب النزول هذا ـ لا يعني أن يتم قصر الإيذاء على الوجود الزمني والمكاني للحرائر مع الإماء كما يدعي أصحاب الشبهة. بل إنَّ الآية الكريمة تشير بوضوح إلى تجنيب النساء المسلمات للأذى ، ولم تتطرق للتمييز بين الحرائر والإماء أبداً. وسواء كان ذلك الأذى مصدره اللذين يتعرضون للإماء أم مصدره أمر آخر فالأمر القرآني ثابت بأن يكون إدناء الجلابيب فيه منفعة دفع الأذى عن المسلمات. واليوم نجد أن الآية الكريمة تنطبق بنفس المفهوم فهناك من أهل المعاصي والفساق من يتعرضون للنساء المبتذلات أي اللائي لا يرتدين الحجاب الشرعي وكذلك يتعرضون للنساء السافرات ، في حين أنهم يمتنعون عن التعرض للنساء المحجبات حجاباً شرعياً منضبطاً ، وهذا الأمر ملموس في الحياة الاجتماعية داخل المجتمعات الإسلامية ، فنجد أن الأمر القرآني مازال نافذ المفعول كما هو شأن كل آيات القرآن الكريم.
· إنَّ الحكم الشرعي في الشريعة الإسلامية له مصادر معروفة أبرزها القرآن الكريم والسنة المطهرة ، فحكم الحجاب الإسلامي يؤخذ من هذين المصدرين ، بينما يريد أصحاب الشبهة أن يقصروه على القرآن الكريم فقط وبفهم سقيم لآياته الكريمة.
· إن سبب النزول الذي ذكروه للآية الكريمة يعارض الرواية التي ذكروها عن منع عمر بن الخطاب للإماء من لبس القناع ، لأن سبب النزول يشير إلى أرتداء الحرائر للجلباب لغرض تمييزهن عن الإماء بينما الرواية عن عمر أنه كان يمنع الإماء من لبس القناع وليس الجلباب ، وقد بيّنا أن الجلباب هو غير القناع.
· إنّ الرواية التي ذكروها عن الخليفة عمر بن الخطاب والمروية في طبقات أبن سعد والتي تفيد منعه للإماء من لبس القناع تعارضها رواية أخرى تفيد أن عمر بن الخطاب لم يكن يحاسب الإماء على لبس الجلباب ، وهي ما رواه عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه ج3 ص135 : (عن نافع أن عمر رأى جارية خرجت من بيت حفصة متزينة عليها جلباب ، أو من بيت بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فدخل عمر البيت فقال : من هذه الجارية ؟ فقالوا : أمة لنا - أو قالوا : أمة لال فلان - فتغيظ عليهم ، وقال : أتخرجون إماءكم بزينتها تفتنون الناس ؟) فإذاً هو يمنع الإماء من لبس القناع أي حجاب الوجه كما قدمنا ولا يمنعهن من إرتداء الجلباب والذي هو حجاب لجميع بدن المرأة ، فتسقط الشبهة من هذه الجهة وفقاً لهذا الأمر لأنهم لو أرادوا قياس هذه الرواية على زماننا لوجب أن يقولوا بأن لبس الجلباب مشترك للحرة والأمة وأما لبس القناع فهو مختص بالحرة لتمييزها عن الأمة ، وبما انه ليس في زماننا إماء قيسقط تكليف لبس القناع عن الحرائر بسبب إختفاء أحد أركان وعلل لبس القناع المذكور ، ونحن ليس لدينا إختلاف حول أن مسألة حجاب الوجه هو من المسائل الخلافية بين الفقهاء ، فبعضهم يوجب حجاب الوجه وبعضهم لا يوجبه.
· فعل الخليفة عمر بن الخطاب ليس بحجة لأنه ليس مصدراً تشريعياً للمسلمين كالكتاب الشريف والسنة النبوية . ثم أنه على فرض صحة المنقول عن الخليفة عمر فإننا نجده قد أخطأ بمنعه الإماء من التشبه بالحرائر صوناً لأنفسهن من تطاول المنافقين والفساق عليهن ، وقد قال تعالى : (( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً )) والذي يستفاد منه تشجيع الأَمَة على صيانة نفسها من عبث العابثين وتجنب الزنى والمحافظة على العفة ، وفعل عمر بإجبار الأمة على كشف نفسها لأهل الفسق والنفاق فيه تشجيع وإغراء مخالف لما هو مطلوب في القرآن الكريم. ثم أن الأمر بارتداء الجلباب موجه للحرائر ـ وفقاً للشبهة التي ذكروها ـ ولكنه أيضاًً مباح للإماء ، فكيف يقوم الخليفة عمر بمنع المباح وتحريمه وإبقاء الإماء مادة للتحرش الجنسي من قبل المنافقين والفساق !؟ ولماذا لم يقم بمطاردة المنافقين والفساق المتجولين ليلاً ليضربهم بدرَّته الشهيرة على سوء فعلهم بدلاً من أن يضرب الإماء الضعيفات وينزع عنهن حجاب وجوههن !؟ وعلى نفس هذا المنهج العمري سار حفيده الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز ، ففي الطبقات الكبرى لأبن سعد ج5 ص381 : (أن عمر بن عبد العزيز كتب أن لا تلبس أمة خمارا ولا يتشبهن بالحرائر) !
· إنَّ الإماء مشمولات بقوله تعالى : (( يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن )) ، فهن من بعض نساء المؤمنين ، لأنهن ملك يمين للمؤمنين لا سيما ووطئهن جائز لمن يملكهن ، وإذا ولدت الأمة أبناً لسيدها يحرم على مالكها بيعها وتعتق بوفاته ، وتسمى أم ولد ، فإنطباق معنى نساء المؤمنين عليهن واضح جداً.
من هذا يتضح تهافت الشبهة المذكورة ، وأن الحجاب لجميع جسد المرأة عدا الوجه والكفين هو من ضرورات الإسلام في كل زمان ومكان.
وقال الدكتور النجار : (المهم أن هاتين الآيتين أصبحتا سجناً متحركاً لنساء المسلمين. شرّع العلماء وأفتوا في الحجاب، طوله وعرضه وأي مادة يُنسج منها وماذا يظهر من جسم المرأة الذي يعتبره العلماء عورةً ما عدا العينين والكفين، بل ذهب بعضهم إلى أن المرأة يجب أن تغطي كذلك إحدى عينيها، ويكفيها عينٌ واحدة [24]. وفي أماكن مثل أفغانستان أيام الطلبان، وفي السعودية، يجب أن تُغطي المرأة وجهها بخمار أسود، وتلبس قفازاً أسوداً على يديها.)] ، فنجد الدكتور النجار وقد حصر موضوع الحجاب في الآيتين اللتين ناقشناهما آنفاً وهو قول منه غير دقيق فالحجاب في القرآن الكريم قد تمت الإشارة إليه في عدد من الآيات القرآنية الكريمة وليس هاتين الآيتين فقط ، وهي : ـ قوله تعالى في سورة الأحزاب الآية 33 : (( ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى )). ـ قوله تعالى في سورة النور الآية 30 : (( ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر )) ـ قوله تعالى في سورة النور الآية 31 : (( وليضربن بخمرهن على جيوبهن )) ـ قوله تعالى في سورة الأحزاب الآية 53 : (( وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب )). ـ قوله تعالى في سورة الأحزاب الآية 59 : (( يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين ))
فالحجاب في الإسلام يشمل أيضاً الإمتناع عن التبرج خارج المنزل وأمام الأجانب ، وإرتداء الخمار وضربها على الجيوب وإدناء الجلابيب. ومن جانب آخر فإن مصادر التشريع الإسلامي لا تقتصر على القرآن الكريم وحده بل تشكل السنة النبوية بعد القرآن الكريم أهم مصادر التشريع الإسلامي ، وهي واضحة جداً في كيفية حجاب المرأة وحدوده الشرعية بعيداً عما أقترحه الدكتور النجار من أرتباط الحجاب بوجود الإماء ، فليس في التشريع الإسلامي أي أرتباط بين تشريع الحجاب ووجود الإماء ، والترتيب الذي ذكرناه للآيات القرآنية هو تقريباً مطابق لنزولها ، وكما ترون فإنَّ الآية الكريمة التي أستند عليها الدكتور النجار في إدعاء أرتباط الحجاب بوجود الإماء هي آخر آية كريمة نزلت في هذا الشأن ، فما هو موقفه من الآيات القرآنية العديدة التي ذكرناها والتي تخص حجاب المرأة المسلمة.
ومن الجدير بذكره أن هذه الشبهة التي ذكرها الدكتور النجار حول إرتباط الحجاب بوجود الإماء ، قد سبقه إليها العديد من أعداء الإسلام ، من أبرزهم المصري حسين أحمد أمين الذي ألّف كتاباً أسمه دليل المسلم الحزين مطبوع في مطبعة مدبولي في مصر سنة 1983م وقد ملأه بالشبهات ضد الإسلام ، وكانت هذه الشبهة المتهافتة حول إرتباط الحجاب بالإماء إحدى الشبهات التي ذكرها ، ومن الجدير ذكره أن هذا الكتاب قد حصل على جائزة أحسن كتاب في معرض القاهرة الدولي للكتاب سنة 1984م ، وأهدت له حكومة ألمانيا الإتحادية وسام الإستحقاق الأكبر سنة 1983م ! أي في نفس سنة صدوره ، وما هذا الدعم من قبل الحكومات العلمانية العربية والغربية إلا عداءاً منها للإسلام ومحاولة تشكيك المسلمين بعقيدتهم لا سيما بعد الشعور الإسلام¡ |