|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
5 شــبــاط 2006 |
|
أفكار عراقية
نقض الفصل الرابع من كتاب (الدولة الإسلامية بين النظرية والتطبيق) - 3
كتابات - نبيـل الكرخي
وقال الدكتور النجار : [(السرقة هناك أربعة أنواع من السارقين: النوع الأول: شخص مريض بمرض نفسي يجعله يحب اقتناء كل شئ يراه حتى وإن لم يكن يحتاجه. هذا النوع من السرقة يُسميه الأطباء النفسيون Kleptomania وغالباً ما نراه في نجوم السينما والرياضة الذين قد يكون غناهم فاحشاً ولكن مع ذلك يسرقون أشياء تافهة من الأماكن التجارية. وقبل أعوام كانت هناك أميرة خليجية سافرت إلى لندن على متن طائرتها الخاصة، ومع ذلك سرقت بعض الملابس الداخلية من محلات " ماركس آند سبنسر" النوع الثاني: شخص غالباً ما يكون مراهقاً ومدمناً على المخدرات ولا يحب أن يعمل ليكسب قوت يومه، أو أن الذي يكسبه لا يكفي لشراء المخدرات التي يدمنها، فيسرق لشرائها والنوع الثالث: رجل أو امرأة لم تتوفر لهم فرص العمل ولا يجدون القوت لهم أو لأطفالهم فيسرقون والنوع الرابع: الشخص الجشع الذي يكون في موقع السلطة فيسرق أموال الشركة التي يرأسها أو أموال الدولة وقد تكون السرقة في النوع الثاني والثالث سرقةً بدون عنف من المنازل في غياب أصحابها، أو سرقة من جيب أو حقيبة شخص في مكان مزدحم أو من مكان تجاري. وقد تكون سرقة بعنف يستعمل فيها السارقون السلاح مثل قطاع الطرق. أما السرقة من النوع الأول والرابع فليس فيها عنف وقد تعتمد على معرفة السارق بطرق تقييد الحسابات وكيف يمكن الالتفاف حولها.)] فمن الواضح أن هذه التقسيمات ليس لها أساس علمي ، بل هي تقسيمات ناقصة وعشوائية ، لأن النوع الرابع مثلاً أي النوع الذي يكون السارق فيه في موقع السلطة ويسرق أموال الشركة أو أموال الدولة ، فهذا لا يسمى سرقة بل يسمى خيانة أمانة ، لأن السرقة إنما تتم من حرز وأن لا يكون السارق مسلطاً على ما يسرقه وإلا فهو الإختلاس وخيانة الأمانة. وأما النوع الثاني الذي ذكره فقد يكون هناك أدمان على الخمر وليس على المخدرات ، فلماذا قصر الدكتور النجار الأمر على المخدرات وحدها. وهناك أنواع أخرى من السرّاق ، فهناك مراهقون يسرقون للحصول على متع وقتية محرمة كالذهاب للملاهي وأصطحاب النساء المنحرفات وممارسة الرذيلة معهن. وهناك أشخاص يسرقون من أجل الحصول على المال لينافسوا أقرانهم بأقتناء الملابس الغالية الثمن ، أو شراء جهاز الموبايل على سبيل المثال. وهناك أشخاص يسرقون طلباً للثراء الفاحش.
وهناك أشخاص يمارسون السرقة عبر عصابات منظمة ، وهناك أشخاص يتخصصون بسرقة أمور معينة ، مثلاً متخصص في فتح القاصات الحديدة ، ومتخصص في سرقة محلات الذهب ومتخصص في سرقة المصارف ومتخصص في سرقة الشقق السكنية أو المكاتب التجارية. وأما مسألة الأبتعاد عن العنف فقد أخطأ الدكتور النجار بأن قصرها على النوعين الأول والرابع فقط ، لأن كل نوع يمكن أن تكون السرقة فيه عنيفة أو غير عنيفة بحسب الظروف الموضوعية لعملية السرقة ، فسرقة مصرف نهاراً هي بلا شك عملية سرقة مصاحبة للعنف ، وأما سرقة نفس المصرف ليلاً فنسبة العنف في العملية ستكون أقل بكثير. وهكذا.
وقال الدكتور النجار : [(ولا يختلف اثنان في أن السرقة جريمة تضر بالفرد والمجتمع، ويجب محاربتها. وهناك عدة طرق لعلاجها ومحاربتها. فالنوع الأول من السارقين شخص مريض يحتاج العلاج ويجب أن نقدمه له. والنوع الثاني، إذا كان مدمناً، فهو كذلك مريض يجب علاجه قبل عقابه. والنوع الثالث الذي يسرق ليقوت نفسه أو أسرته فلا يستحق العقاب، بل يجب على الدولة أن تساعده بإيجاد العمل له، أو بمنحه دخلاً يكفيه من صندوق البند الاجتماعي للدولة، إن كان لها صندوق اجتماعي. أما النوع الرابع فلا يختلف اثنان أنه يجب أن يُعاقب. ولكن ماذا يقول الإسلام في هؤلاء السارقين. فعندما نزل التشريع الإسلامي ما كان الناس يعرفون مرض ال kleptomania ولذلك لم يُشرّع لها الإسلام. فالسارق في التشريع الإسلامي نوعان: الأول يسرق بدون عنف والثاني بالعنف. فالذي يسرق بدون عنف جزاؤه: " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالاً من الله والله عزيز حكيم "[13]. فالشرع يطلب قطع اليد اليمنى في الإثم الأول، والثانية إذا ارتكب الإثم مرة ثانية. ولم يبين القرآن أي شروط يجب توفرها في السارق قبل إقامة الحد عليه، ولكن الفقهاء قالوا يُعلق الحد في حالة المجاعة، وقد علقه الخليفة عمر بن الخطاب في عام المجاعة بالمدينة. ولكن الشرع كما نزل أو كما طُبق في القرون الأولى لم يطلب إثبات الفقر كعذر للسرقة.)] فمن الواضح أن الدكتور النجار قد أخطأ أخطاءاً عديدة في أفكاره التي يطرحها ، فهو يريد من الإسلام أن لا يعاقب الذين يسرقون بسبب مرض الـ kleptomania ولكن ماذا تقول القوانين الوضعية التي يريد الدكتور النجار تطبيقها عن هؤلاء السرّاق ، إنها تعاملهم كسراق بغض النظر عن خلفيتهم الإجتماعية والثقافية ، وأما الإصلاح فتأتي مرحلته بعد تطبيق العقوبة ، فلماذا يطلب الدكتور النجار من الإسلام تطبيق أمر تعجز قوانينه الوضعية عن فعله ، فلو أتصل صاحب متجر بالشرطة لأخبارهم عن حادثة سرقة في متجره ، فهل يحق للشرطة أن لا تعتقل السارق تحت ذريعة إصابته بمرض السرقة حتى لو كان من المشاهير ؟! وأما ما نسبه الدكتور النجار للإسلام من أنه يميز السرقة وفق نوعين الأول يسرق بدون عنف والثاني بالعنف ، فهو تقسيم لم يعرفه المسلمون ولم يثبته فقهاء المسلمين في أيٍ من كتبهم ، وهو من جملة المفتريات ضد الإسلام.
وقال الدكتور النجار : [(وإذا تابعنا تطبيق الشرع في البلاد الإسلامية في القرن العشرين، نجد أن البلاد التي تدعي تطبيق الشريعة كالسعودية وإيران والسودان، ينتشر فيها الفقر والتسول في الطرقات ومع ذلك تُقطع يد السارق. وقطع يد السارق طبعاً لا يعالج القضية بل يزيدها تعقيداً. فالسارق الفقير الذي سرق ليقوت نفسه أو أطفاله، إذا قطعنا يده اليمنى أصبح معوقاً لا يستطيع العمل لكسب قوته، حتى لو أُتيحت له فرصة لإيجاد عمل في المستقبل. وإن جاع هذا المعوق أو جاع أطفاله، فهو لا بد أن يسرق مرة أخرى، فنقطع يده الثانية. في هذه الحالة يصبح المعوق عالة على المجتمع، كما يُصبح أطفاله، ونكون قد جعلنا هذا الشخص، الذي ربما يكون متديناً، غير قادر حتى على غسل نفسه من النجاسة بعد التبرز، وبالتالي غير مؤهل لأداء طقوسه الدينية.)] ففي هذا النص يخلط الدكتور النجار بين الإضطرار للسرقة نتيجة الفقر والمجاعة وبين الفقير الذي يسرق لسد رمقه ورمق عياله ، وبين الفقير الذي يسرق ليجمع ثروة من سرقته تمكنه من الخروج من عالم الفقر والحاجة ، ففي سرقة الفقير نتيجة المجاعة فلا حد على هذا الفقير ، وقد ذكر السيد الخوئي في تكملة المنهاج مسألة (227) : (من سرق طعاماً في عام المجاعة لم يقطع) ، وأما الفقير الذي يسد رمقه ورمق عياله فبلا شك أن سد الرمق هو أقل من النصاب اللازم للقطع ، فإن النصاب الشرعي هو ربع دينار وفق المشهور عند الفقهاء وهو ما يعادل 1/6 مثقال ، وبذلك لن يتعرض الفقير الذي يسرق طعاماً لإطعام أولاده للقطع. وأما الفقير الذي يسرق ليجمع ثروة فهذا بلا شك مستحق للعقوبة. وظاهرة إنتشار الفقراء والمتسولين غير مقتصرة على الدول الإسلامية التي ذكرها بل هي ظاهرة موجودة في أكثر الدول تقدماً في الغرب. وأما ما ذهب إليه الدكتور النجار حين ظن أن من تقطع يمينه ويسرق من جديد فسوف تقطع يساره ولن يكون قادراً على غسل نفسه من التبرز على حد تعبيره فهذا كله خطأ ووهم ، لأن اليد اليسرى لا تقطع في حد السرقة أبداً ، وبذلك أفتى السيد الخوئي (قده) في تكملة المنهاج مسألة (241).
وقال الدكتور النجار : [(وقطع اليد لا يردع السارقين بدليل أن الخليفة عمر بن الخطاب جاء إلي عبد الرحمن بن عوف ليلاً، فقال له عبد الرحمن: ما جاء بك في هذه الساعة يا أمير المؤمنين؟ قال: رُفقة نزلت في ناحية السوق خشيت عليهم سُراق المدينة، فانطلق فلنحرسهم [14]. فحتى في زمن عمر بن الخطاب وعدله المشهور، وصرامته في تطبيق الحدود، كانت سوق المدينة تعج بالسارقين.)] وما أدراه أن قطع اليد لم يردع ولم يقلل من نسبة السرّاق في ذلك الزمن ، فوجود بعض السرّاق لا يعني عدم جدوى العقوبة وهذا الأمر واضح بلا شك.
وقال الدكتور النجار : [(أما الذي يسرق بقوة السلاح فجزاؤه: " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يُقتلوا أو يُصلبوا أو تُقطع أيديهم وأرجلهم من خلافٍ أو يُنفوا في الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم "[15]. فهذا السارق تُقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، أو يُصلب حتى يموت. ونزلت الآية في قوم جاءوا المدينة فمرضوا، فأرسلهم الرسول إلى البادية مع إبله وأخبرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها. ولما صّحوا، قتلوا راعي الرسول وأخذوا إبله. ولما علم الرسول بذلك أرسل في طلبهم، ولما جئ بهم، أمر بقطع أيديهم وأرجلهم ثم أمر أن تُحمى مسامير في النار وتُكحل بها أعينهم، وأُلقوا في الحرة، فكانوا يطلبون الماء من العطش فلا يُسقوا حتى ماتوا. وقال أحد الحاضرين: رأيت أحدهم يكدح الأرض بفيه عطشاً حتى ماتوا. وعن أنس بن مالك أن رسول الله أحرقهم بالنار بعدما ماتوا ( تفسير القرطبي للآية المذكورة أعلاه). فهل يستحق السارق أو حتى القاتل هذا النوع من العقاب؟ أما كان الأرحم لهم أن يقتلوهم بدل كل هذا العذاب؟ ثم ماذا عن الصلب؟ فهل يحق لنا أن نصلب قاطع الطريق حتى يموت؟ لماذا لا نقطع رأسه، وهذا منتهى العقاب ويكفي للردع لأنه عقاب القاتل المتعمد. والشخص الذي يقطع الطريق، يقتل متعمداً، فلماذا أختلف عقابه؟ ألأنه اعتدى على المال؟ وهل المال أهم من حياة الإنسان؟ وإذا كان هذا عقاب الذي يقطع الطريق للنهب، ماذا عن كل السرايا التي بعثها النبي لتقطع الطريق على قوافل قريش ولتنهب مالها؟)] قال الشيخ الطوسي في تفسيره (التبيان) : (المحارب عندنا هو الذي أشهر السلاح واخاف السبيل سواء كان في المصر أو خارج المصر ، فإن اللص المحارب في المصر وغير المصر سواء) وقال : (ومعنى (يحاربون الله) يحاربون أولياء الله ويحاربون رسوله (ويسعون في الأرض فساداَ) وهو ما ذكرناه من أشهار السيف وأخافة السبيل)
وأما القصة التي ذكرها في القوم الذين أعتدوا على راعي الرسول (صلى الله عليه وآله) وأخذوا أبله ، فهذه الرواية قد رويت بطرق ينتهي معظمها إلى الصحابي أنس بن مالك ، وهناك أدلة وقرائن تدل على أن تفاصيل تعذيبهم هي تفاصيل موضوعة وغير حقيقية وقد وضعت خدمة لسياسة البطش التي كان يسير عليها الحجاج بن يوسف الثقفي ولتبرير أفعاله الإجرامية بحق أهل العراق. فقد روى الشافعي في كتابه الأم ج4 ص260 طبعة دار الفكر : (وكان علي بن الحسين ينكر حديث أنس في أصحاب اللقاح. أخبرنا أبن أبي يحيى عن جعفر عن أبيه عن علي بن الحسين قال : (والله ما سمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عيناً ولا زاد أهل اللقاح على قطع أيديهم وأرجلهم) ). وكذلك رواه الشافعي في مسنده ص 315 طبعة دار الكتب العلمية ببيروت. وكذلك رواه البيهقي في السنن الكبرى ج9 ص70 طبعة دار الفكر ، وروى عبد الرزاق الصنعاني في المصنف ج9 ص258 طبعة المجلس العلمي : (عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس ابن مالك قال : قدم المدينة قوم فاجتووها ، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بنعم ، وأذن لهم بأبوالها وألبانها ، فلما صحوا قتلوا الراعي واستاقوا الابل ، فأتي بهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فقطع أيديهم وأرجلهم ، وسمل أعينهم ، وتركوا حتى ماتوا . قال : وقال لي هشام بن عروة : سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعينهم ، وذكر أن أنسا ذكر ذلك للحجاج ، فقال الحسن : عمد أنس إلى شيطان فحدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع وسمل ، يعيب ذلك على أنس ، فقلت له : ما سمل ؟ قال : ؟ حد المرآة [ أو ] الحديد ، ثم يقرب إلى عينيه حتى تذوبا). ففي الكافي والتهذيب عن ابي عبد الله الصادق ( عليه السلام ) قال : ( قدم على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قوم من بني ضبة مرضى ، فقال لهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : اقيموا عندي ، فإذا برئتم بعثتكم في سرية ، فقالوا : اخرجنا من المدينة ، فبعث بهم الى ابل الصدقة يشربون من ابوالها ، ويأكلون من البانها ، فلما برئوا واشتدوا ، قتلوا ثلاثة ممن كان في الابل ، فبلغ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فبعث إليهم عليا ، وإذا هم في واد تحيروا ليس يقدرون ان يخرجوا منه ، قريبا من ارض اليمن ، فاسرهم ، وجاء بهم الى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فنزلت هذه الآية : ( إنما جزاء الذين . . . ) ، فاختار رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) القطع ، فقطع ايديهم وارجلهم من خلاف ). وقال الشيخ نجم الدين الطبسي في كتابه النفي والتغريب ص386 طبعة مؤسسة الهادي : (وقد ورد عن ابي جعفر ( عليه السلام ) : أن انس كذب على النبي ( صلى الله عليه وآله ) ولعله اشارة الى هذه القصة). فالإمام علي بن الحسين السجاد عليهما السلام والحسن البصري والشافعي والصنعاني قد أيدا نفي السمل عن فعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، يعاضد ذلك ما ورد من أن أنس بن مالك كان يروي هذه القصة المفتراة للحجاج بن يوسف ولعبد الملك بن مروان من أجل تبرير أفعالهم الشنيعة بحق الأمة الإسلامية ، ففي السنن الكبرى للنسائي ج2 ص 297 أن أنس بن مالك كان يحدث عبد الملك بهذا الحديث ، وفي تفسير أبن كثير ج2 ص51 أن أنس بن مالك يعترف أنه قد حدّث الحجاج بهذا الحديث وأن الحجاج كان يستغل هذا الحديث في الإحتجاج على المسلمين بالبطش الذي كان يصبه على المسلمين. وأن عبد الملك بن مروان كان يراسل أنس بن مالك من أجل هذا الحديث المزعوم ! فما هو السبب الذي دفع طواغيت بني أمية للإهتمام بهذا الحديث المزعوم بصورة إستثنائية !! لقد نجح أنس بن مالك في أن يستأثر بجانب من رضا بني أمية بسبب روايته لهذا الحديث الذي أصبح مبرراً لهم لإسناد جرائمهم وظلمهم التي صبّوها على المسلمين صبّاً.
وقال الدكتور النجار : [(وقد أبطل عامل الزمن الجزء الأخير من عقاب قاطع الطريق، إذ ليس هناك مكان في العصر الحديث ننفيه إليه إذا كان من مواطني البلد الذي حدثت فيه السرقة. فليس من الممكن نفيه إلى قطر آخر، ونفيه إلى مدينة أخرى في نفس القطر لا يكون عقاباً مماثلاً لما فعل الرسول بسارقي إبله.)] ، وقد أقتصر الدكتور النجار على بعض النفي دون أن يستوعبها جميعها ، ولذلك ظن أن هذا الحكم لم يعد بالإمكان تطبيقه ، فالنفي يحتمل ثلاثة حالات كما نص عليها الشيخ الطوسي في كتابه التبيان وهي : أولاً. أن ينفى خارج بلاد الإسلام. الثاني. أن ينفى من بلد إلى بلد غيره ، داخل بلاد المسلمين. الثالث. النفي هو الحبس ، وهو قول أبو حنيفة وأصحابه. والنفي هو عقوبة من أخاف السبيل فقط ولم يرتكب جريمة القتل أو السرقة. وفي تفسير القرطبي ج6 ص152 : وقال مالك أيضاً : ينفى من البلد الذي أحدث فيه هذا إلى غيره ويحبس فيه كالزاني ، وقال مالك أيضاً والكوفيون : نفيهم سجنهم فينفي من سعة الدنيا إلى ضيقها ، فصار كأنه إذا سجن فقد نفي من الأرض إلا من موضع إستقراره. قال أبن عطية : وهذا صريح مذهب مالك أن يغرب ويسجن حيث يغرب ، وهذا على الأغلب في أنه مخوف ، ورجحه الطبري. فنجد أن هناك إمكانية للنفي داخل البلد الواحد ، وكذلك إمكانية لحبسه تفسيراً للنفي ، فلا يكون عامل الزمن قد أبطل هذا الحكم ، وأما أستدلال الدكتور النجار بما نسبه من عقاب للرسول (صلى الله عليه وآله) فهذا العقاب المذكور مكذوب على رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما بيّناه آنفاً.
وقال الدكتور النجار : [(أما النوع الأخير من السرقة، وهو سرقة المال العام، فلا عقاب له في الإسلام. فقد رأينا في الماضي كيف أخذ الخليفة عثمان من أموال بيت المال دون حق، وكيف أنه أعطى أقاربه جمال الصدقة، ولم يُعاقب.)] ، فهذا كذب على الإسلام ، فإنّ سرقة المال العام في الإسلام حرام كما هو حال سرقة المال الخاص ، وأما أفعال الخليفة عثمان بن عفان فهي ليست مصدراً تشريعياً حتى يقتدي بها المسلمون ويعتمدونها في تشريع الأحكام ، بل أن أفعال عثمان هي مما جلب السخط عليه من قبل المسلمين حتى عمدوا إليه فقتلوه. والمال العام هو مال محترم في الإسلام ، والعقاب على سرقته هو من الأمور الواضحة في الإسلام.
وقال الدكتور النجار : [(وكذلك رأينا كيف سرق ابن عباس المال من بيت مال البصرة وهرب به إلى مكة، وهدد الخليفة عليّ بن أبي طالب بأنه سوف يأخذ المال إلى معاوية ليحارب به عليا[16])] ، ثم ذكر الدكتور النجار في الهامش رقم 16 انه أعتمد في سرده للقصة التي تتهم أبن عباس بالسرقة على كتاب الفتنة الكبرى لطه حسين !! فمتى كان طه حسين مصدراً تأريخياً يمكن أن تطمئن إليه النفس في إيراد الحقائق والروايات المعتبرة ؟! ثم حتى لو ثبتت السرقة المنسوبة لأبن عباس فإن الأمر لن يختلف معه عن حال عثمان بن عفان أو أبي هريرة ، وهروب أبن عباس يعني أن هناك عقوبة كانت تتهدده نتيجة سرقته وليس كما أدعى الدكتور النجار بقوله بأن سرقة المال العام ليس له عقاب في الإسلام.
وقال الدكتور النجار : [(وكذلك أبو هريرة اختلس مالاً من البحرين عندما كان والياً عليها من قِبل عمر بن الخطاب. وفي العهدين الأموي والعباسي لم يكن هناك خليفةٌ واحد لم يعيث في الأرض فساداً بمال المسلمين غير الخليفة عمر بن عبد العزيز. ولم نسمع عن خليفة واحد سألوه: من أين لك هذا؟)] ، فمن الذي يمكنه أن يتجرأ ويسأل طواغيت بني العباس أو بني أمية عن مصادر أموالهم بعد كل البطش والفتك الذي مارسوه ضد المسلمين ، بل قد أرتكب أولئك الطغاة ما هو أشد من السرقة وهو القتل والسجن للأبرياء وتبديل في السنّة النبوية وتحريف في الشريعة الإسلامية ولم يتجرّّّأ أحد على سؤالهم.
وقال الدكتور النجار :[(وفي المجتمع الإسلامي الحديث في الخليج وإيران والسودان يُعتبر أكل مال الدولة حقاً مباحاً للحكام لا يسألهم عليه أحد ولن يحلم أحد أن يُسائلهم أو يعاقبهم. فالسرقة التي يرتكبها الجشعون الذين لا يحتاجون للمال ولكن يسرقونه لأنه باستطاعتهم أن يفعلوا، فهؤلاء لا عقاب لهم في التشريع الإسلامي، إنما يُعاقب التشريع الذين يسرقون فتات الخبز.)] فهذا أفتراء على المجتمعات الإسلامية في الدول المذكورة ، وهو أفتراء واضح لا يحتاج لبيان.
وقال الدكتور النجار : [(وفي المجتمعات الحديثة تحاول الحكومات تأهيل المساجين السارقين وغيرهم بتعليمهم مهنة أو حرفة مفيدة تساعدهم على إيجاد عمل مربح عندما يتركون السجن، وبذا يستطيع الواحد منهم إعالة نفسه وربما عائلته. وأما في الدول المسلمة فالتركيز على العقاب وقطع الأيدي أو الرؤوس.)] ومع ذلك فقد أصبحت السجون مدرسة لتعلم أنواع طرق الإجرام ، فيدخل السارق السجن ليتعلم فيه من زملائه طرق النصب والإحتيال وفنون السرقة وطرق القتل والإغتصاب ، ليخرج من السجن وقد أكتسب معلومات كبيرة ومهمة لم يكن ليحصل عليها في أي معهد علمي أو نادي ليلي !!؟
وقال الدكتور النجار : [(المرأة والحجاب قبل أن يأتي الإسلام كانت المرأة العربية بدوية تعيش حياة الصحراء التي عُرفت بخشونتها وقسوتها، وكذلك بحب هؤلاء الناس لحريتهم التي ما كانت تنفصل عن حرية مواشيهم وجمالهم التي كانت تجوب الفلاة بلا حدود ولا قيود. المرأة كانت تنسج الخيام من الشعر وتساعد في نصبها حيثما نزلوا، وتساعد كذلك في حلب وعلف الأغنام. وفي الغارات التي كانت تكثر في تلك الأيام، كانت المرأة بارزة فيها وقد أُسرت نساء كثير في هذه الغارات. المرأة كانت تقول الشعر وتشارك في ليالي السمر تحت ضوء القمر في الصحراء. وفي المدن في المناطق المتحضرة من جزيرة العرب مثل اليمن والشام والعراق، كانت المرأة تشارك الرجل في الأسواق وفي المناسبات العامة مثل الاحتفالات الدينية. وكانت المرأة ملكة في سبأ ( بلقيس) وقد عثر علماء الحفريات في شمال الجزيرة على أسماء ملكات عربيات في النصوص الآشورية [18]. وكذلك وجدوا في الحفريات مرسوم من سنحاريب، ملك الآشوريين يقول إنه جهز حملة في سنة 688 قبل الميلاد ضد الملكة تلخونو Telhunu ملكة أريبي [19]. ومن الإخباريين من ينسب بناء تدمر إلى " تدمر بنت حسان |