|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
4 شــبــاط 2006 |
|
أفكار عراقية
نقض الفصل الرابع من كتاب (الدولة الإسلامية بين النظرية والتطبيق) - 2 كتابات - نبيـل الكرخي
وقال الدكتور النجار : [(والإسلام لا يعترف بالاغتصاب. فإذا ادعت المرأة أن رجلاً اغتصبها فعليها أن تأتي بأربعة شهداء ذكور، فشهادة المرأة لا تقٌبل في هذه الحالة لأن الجرم إذا ثبت يستدعي الرجم إذا كان الرجل محصناً، ولذلك لا تقبل شهادة الأنثي. فلو أتت المرأة بعشرة شهود من النساء ليثبتن أنه اغتصبها، فلا وزن لهذه الشهادة. ويقول أحمد بن نجيب المصري: " إذا كان الجرم يختص بالزنا أو اللواط، فيجب إحضار أربعة شهود من الرجال" ويجب أن يكونوا قد رأوا المرود في المكحلة.)] هذا القول فيه الكثير من الأخطاء والتجني على الإسلام ، فالقضاء الإسلامي قضاء يقظ ومتفهم لجميع المشاكل المطروحة ، والدكتور النجار ينظر للمسألة بعين واحدة فيما تحقيق العدالة يتطلب النظر بعينين أثنتين نظرة متوازنة ، فلو أدعت أمرأة أنها تعرضت للإغتصاب من قبل شخص بعينه أو من قبل مجهول ، فالأمر يحتمل أمرين أما أن تكون المرأة صادقة أو كاذبة ، فإذا كانت صادقة فأما أن يكون الشخص معلوماً أو مجهولاً فإن كان معلوماً كان عليها أن تأتي بالبينة وهي شهادة أربعة ذكور أو ثلاثة وأمرأتين ، وإن لم تستطع الأتيان بالبينة فعلى المتهم أن يحلف بالإنكار من إرتكاب هذه الجريمة ، ولا أتصور أن هناك نظاماً قانونياً لا يعالج المسألة بطريقة البينة والقسم للمدعي والدعى عليه ، ومعظم الأنظمة القانونية الوضعية تلجأ لهذا الأمر ، حسناً فلنفرض أن دعوى الإغتصاب حدثت في مجتمع أوربي ، فبلا شك سوف يلجأ القاضي للحكم وفق الدليل فإذا لم يكن هناك دليل فيقسم المتهم أنه لم يقترف هذه الجريمة ، ويتم تبرئته ، وإلا فهل يطالب الدكتور النجار بالحكم ضد المتهم بلا دليل وبينة لمجرد دعوى إمرأة بحدوث إغتصاب لها ، وهل هذه هي العدالة التي يرجوها ؟!! وفي عالمنا لا يمكن إنشاء نظام قانوني إسلامي أو غيره إلا على أسس البينة والدليل والقسم ، وعلى هذا تبنى الحقوق وتتحقق المطالب. فلماذا يطلبون من الإسلام تحقيق ما لا يمكن تحقيقه في أي نظام قانوني وضعي ، وحتى بوجود رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يكن يتم الحكم إلا بالبينة رغم أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يمكن أن يعلم خفايا جميع القضايا بتعليم الوحي ، ولكنه أعتمد على الظاهر وعلّم المسلمين كيفية الحكم وفقاً للظاهر وبالإستناد إلى البينة والقسم (البينة على من أدعى واليمين على من أنكر) ، وفي هذا الصدد قال الشيخ الرئيس أبن سينا في كلمته المشهورة : (من قبل دعوى المدّعي بلا بينة وبرهان فقد خرج عن الفطرة الإنسانية).
وقال الدكتور النجار : [(ولذلك عندما اشتكى أحد الأباء في باكستان أن أحد رجال الدين قد أغتصب ابنته البالغة من العمر الثالثة عشر، لم تستطع الشرطة أن تقدم رجل الدين للمحاكمة لأن قانون باكستان الإسلامي يتطلب إحضار أربعة شهداء رجال. وهل هناك رجل عاقل يغتصب امرأة بحضور أربعة رجال آخرين في نفس الغرفة، ليشهدوا عليه؟)] فحتى لو أستبدلنا الشهود الأربعة في الشريعة الإسلامية بشاهدين وفق القوانين العلمانية الوضعية ، فلن يتم حل المشكلة ، فهل نتوقع أن هناك رجلاً عاقلاً يغتصب أمرأةً بحضور رجلين في نفس الغرفة ؟ بالطبع لا ، إذن ما هو الحل ؟ هل يستطيع الدكتور النجار أن يقدم لنا حلولاً لهذه الإشكاليات بدلاً من أن يكتفي بطرح الشبهات ! فلو تنازلنا عن الشهود الأربعة لقيام البينة وجعلناها أثنين أو واحد فهل سيحل هذا الإشكال ؟ طبعاً لا. وبالتأكيد فأنه لن يقترح التخلي عن البينة في إثبات الجريمة لقول أبن سينا إنَّ في ذلك خروجاً عن الفطرة الإنسانية.
قال الدكتور النجار : [(ولا يوجد في الشريعة الإسلامية تعريف للاغتصاب. ولهذا السبب أي امرأة مسلمة تدعي أن رجلاً اغتصبها قد تنتهي مدانة بجريمة الزنا، لأنها لا تستطيع أن تحضر الأربعة شهداء، وهذا ما يحدث في باكستان كما تقول جمعية الأخوات المسلمات.)]. وهذا القول هو من جملة المفتريات ضد الإسلام ، فكيف تدان المرأة بجريمة لم ترتكبها لمجرد عدم قدرتها على الإتيان بالبينة ؟! وفي هذا السياق يقول العلامة الحلي في قواعد الأحكام ج 3 ص 523 : (ولا تحد المرأة بمجرد الحمل وإن كانت خالية من بعل ما لم تقر بالزنا أربع مرات . ويشترط في الإقرار : أن يذكر حقيقة الفعل ، لتزول الشبهة ، إذ قد يعبر بالزنا عما لا يوجب الحد) ، فالمرأة لا تحد لمجرد أن تحمل وإنْ لم تكن ذات بعل ، فضلاً عن أن المرأة إذا أدعت أنها أكرهت على الزنا قبلت دعواها كما قال بذلك السيد الخوئي في كتابه تكملة المنهاج ، مسألة (136). وكيف يدعي الدكتور النجار أنه لا يوجد في الشريعة تعريف للإغتصاب ، وهل يحتاج الإغتصاب لتعريف خاص سوى الإكراه على الزنا والذي ورد ذكره في الكثير من الأحاديث ! وكذلك قال أبو بكر الكاشاني وهو من فقهاء المذهب الحنفي والمتوفى سنة 587هـ في كتابه بدائع الصنائع ج 7 ص 181 : (كذلك المرأة إذا أكرهت على الزنا لاحد عليها) ، ويقول الشيخ سيد سابق في كتابه فقه السنة ج 3 ص 474 : (وكذلك المرأة إذا أكرهت على الزنا فانه لاحد عليها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله تجاوز عن امتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " ) ، بل إنَّ الشخص الذي يُكره إمرأة على الزنى يقتل بلا فرق أن يكون محصناً أم غير محصن كما في مسألة (153) من تكملة منهاج الصالحين للسيد الخوئي (قده). فالقول الذي تم أدعاءه منسوباً لجمعية الأخوات المسلمات مما لا أصل له في الإسلام.
وقال الدكتور النجار : [(وليس ببعيد عن الأذهان قصة المرأة النيجيرية، صفياتو حسيني، التي تقول إن جارها، يعقوبو أبو بكر، قد اغتصبها وأصبحت حبلى. وكالمتوقع فإن أبو بكر أنكر انه رآها، ناهيك عن انه اغتصبها. وبالتالي حكمت المحكمة الشرعية على صفياتو بالرجم. وتقول جمعية الأخوات المسلمات أن 75 يالمائة من النساء في سجون باكستان من المتهمات بالزنا هن في الواقع ضحايا اغتصاب. )] فبالتأكيد أن هناك خللاً في تطبيق الحدود في هذه المسألة على فرض صحة النقل ، حيث قد مرّ رأي فقهاء الإسلام في عدم مسؤولية المرأة عن الإكراه الذي يلحقها من الإغتصاب.
وقال الدكتور النجار : [(وهناك مفارقات عديدة في الإسلام. فمن جانب نجد زوجة عُويمر أقسمت أن زوجها كاذب وأنها لم تخنه مع شريك بن سحماء وأن الجنين الذي في بطنها هو من زوجها، فصدقها النبي وطلقها من زوجها. وعندما ولدت اتضح للنبي أنها قد كذبت وأنها فعلاً قد خانت زوجها، لكنه لم يعاقبها إذ أنها تلاعنت مع زوجها وأقسمت أنها صادقة، ومن الجانب الآخر نجد أن المرأة المسلمة إذا أغتصبها رجل وحملت منه، يؤخذ حملها دليلاً على الزنا ويقام عليها الحد لأنها لا تستطيع أن تأتي بأربعة شهداء على أن الرجل اغتصبها.)] قد ذكرنا آنفاً أن إتخاذ حمل المرأة دليلاً على زناها هو أمر غير متوافق مع الشريعة الإسلامية ، فهو من القوانين الوضعية وإن صدر عن دولة مسلمة ، ومقارنة قانون وضعي مع قانون إسلامي ثم إدعاء التناقض هو أمر بعيد عن الإنصاف. وقد ذكرنا آنفاً عدم صحة ما ذكره الدكتور النجار في نهاية النص السابق ، فالمرأة إذا حبلت من الإغتصاب فلا يؤخذ حملها دليلاً على الزنى ويقبل قولها بأنها كانت مكرهة.
وقال الدكتور النجار : [(وإذا تركنا الاغتصاب جانباً وتحدثنا عن القذف، فالقرآن يقول عقاب الذين يرمون المحصنات ثم لا يأتون بأربعة شهود، ثمانين جلدة ولا تؤخذ شهادتهم. وهذا عقاب معقول ولو أن المجتمعات الحديثة قد استحدثت قانون التشهير " Libel "، الذي يبيح للمقذوف أن يطالب بتعويض مالي كبير كرد اعتبار للمتجنى عليه. ولكن المشكلة في التشريع الإسلامي أنه لا يعترف بأي حقوق لم تُذكر في القرآن أو لم يقل عنها الرسول شيئاً. )] فما أقترحه الدكتور النجار من إستبدال الثمانين جلدة بتعويض مالي كبير ليس فيه حل للمشكلة ، ففي عالمنا اليوم هناك المئات بل الآلاف من الأغنياء الذين يتمكنون من تبذير أموال طائلة على أمور هي أقل أهمية من خلاصهم من حد القذف أي الثمانين جلدة ، وبذلك فإنَّ الكثير منهم سيكونون سعداء وهم يتحدثون عن أعراض الآخرين ويقذفونها وهم مستعدون لدفع المبالغ الطائلة بدون أي تأنيب ضمير لاسيما إذا كانوا من المنافسين لهم في مجالات إهتمامهم. وقد أفترض الدكتور النجار أن المال هو رد إعتبار للمقذوف وفاته أن هناك الملايين من الناس من يعتبرون أعراضهم وصيانتها أغلى من كل أموال الأرض ولا يمكن أن يقارنونها بالأموال ، فهذه النظرة المادية هي نظرة المجتمعات غير الدينية ، المجتمعات التي لم تعد تتعامل إلا بمنطق المال البعيد عن الإنسانية. نعم في الإسلام تعويضات مالية عن أخطاء أو أفعال مادية أيضاً كالقتل والجرح وما شابه ، وأما الأمور المعنوية التي تمس الأعراض والشرف فلم يضع الإسلام لها قيمة لأنها أغلى من كل قيمة. واما قول الدكتور النجار بان الإسلام لا يعترف بأي حقوق لم تذكر في القرآن ..إلخ فهو قول غير صحيح ، وفي الإسلام هناك إمكانية تشريع لقوانين غير مذكورة في القرآن الكريم او السنة المطهرة ، وهو ما يمكن ان نسميه التشريع في منطقة الفراغ ، وفي هذا الإطار يقول فضيلة الشيخ محمد إسحاق الفياض (دام ظله) أحد كبار المراجع في النجف الأشرف : (إنَّ في الشريعة الإسلامية المقدسة منطقة فراغ ونقصد بها عدم وجود نص ملزم من الكتاب والسنة فيها وهي باقية على إباحتها الأولية ولا مانع من وضع قانون ودستور ملزم في هذه المنطقة في مجال الإقتصاد والتعليم وإدارة الوزارات والمحافظات والمخابرات والأمن والجيش والشرطة وغيرها إذا كانت هناك مصلحة عامة تتطلب ذلك ولا يكون هذا القانون مخالفاً للإسلام حتى يكون مرفوضاً).
وقال الدكتور النجار : [(ولو كانت المقذوفة غير مسلمة، فلا حقوق لها حتى لو كان لديها شهود من قومها، إذ أن شهادة غير المسلم لا يؤخذ بها يقول القرطبي في تفسيره: " قد أجمع العلماء على أنه لا حد على من قذف رجلاً من أهل الكتاب، أو امرأةٍ منهم. فيستطيع المسلم أن يقذف كل يوم امرأة مسيحية أو رجلاً مسيحياً ويشوه سمعتهما، بلا خوف من أي عقاب لأنه لا حد عليه. ولكن إذا كانت هذه المرأة المسيحية لها ولدٌ من رجلٍ مسلم، وليس بالضرورة متزوجة منه، فيجلد من يقذفها. فالمرأة المسيحية هنا صار لها اعتبار لأن لها ولداً من رجل مسلم. أما إذا قذف الرجل النصراني مسلماً أو مسلمة، وجب عليه الحد رغم أنه غير مسلم. وإذا قذف العبد حراً وجب عليه الحد ( أربعين جلدة لأنه عبد)، أما إذا قذف الحرُ عبداً فلا حد عليه. وإذا قذف الأمة كذلك فلا حد عليه. فهل هناك من يستطيع أن يدعي أن الإسلام يحفظ للمرء كرامته وأنه يعامل أهل الكتاب نفس معاملة المسلمين؟)] فهذا الكلام ينبغي مناقشته من جهتين : الأولى موقف الإسلام من أهل الكتاب في خصوص موضوع القذف والثانية موضوع الخصوصية الدينية : فأما الجهة الأولى فالإسلام قد حرّم الكذب ، وقذف المسلم للكتابي أو الكافر كذباً هو أمر محرّم ومرتكبه يفقده العدالة ويسقطه من إعتبار إمامة الصلاة والشهادة لدى القضاء ، ففي رواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) : (أنه نهى عن قذف من ليس على الإسلام إلا أن يطلع على ذلك منهم وقال : أيسر ما يكون أن يكن قد كذب) ، ورواية الحلبي عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) (أنه نهى عن قذف من كان على غير الإسلام إلا أن يكون قد أطلعت على ذلك منه). وأما بخصوص إجراء الحد على المسلم قاذف الكتابي أو غير المسلم بصورة عامة فقد ذكر السيد الخوئي في تكملة المنهاج ، مسألة (202) أن للحاكم الشرعي إقامة التعزير عليه أي يضرب عدداً من الجلدات يحددها الحاكم الشرعي ، وبهذا يتضح أن قول الدكتور النجار [(فيستطيع المسلم أن يقذف كل يوم امرأة مسيحية أو رجلاً مسيحياً ويشوه سمعتهما، بلا خوف من أي عقاب لأنه لا حد عليه)] هو قول بعيد عن الحقيقة. وأما قول الدكتور النجار [(أما إذا قذف الحرُ عبداً فلا حد عليه )] فهو كلام غير تام ، لأن للحاكم الشرعي أن يقوم بتعزير ذلك الحر الذي قذف العبد كما ذهب إلى هذا القول السيد الخوئي في المسألة الآنفة الذكر ، ففي رواية أبي بصير عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال : (من أفترى على مملوك عزر لحرمة الإسلام) وتؤيد ذلك رواية عبيد بن زرارة قال : (سمعت أبا عبد الله (ع) يقول : لو أتيت برجل قذف عبداً مسلماً بالزنا لا نعلم منه إلا خيرا لضربته الحد حد الحر إلا سوطاً). ثم أن للمماليك (العبيد) في الشريعة الإسلامية أحكاماً ناسبت حالهم كونهم فاقدي الحرية إلى أن يتم حصولهم على حريتهم ، فالإنتقائية التي فعلها الدكتور النجار بأن أختار حكماً واحداً ليدعي من خلاله أن الإسلام يفقد المملوك أو العبد كرامته هو أسلوب مغرض ، فهناك العديد من الأحكام الشرعية التي تحفظ حياة المملوك في مقابل إهدار حياة الحر ، فعلى سبيل المثال إذا زنى المملوك (العبد) فليس عليه الرجم مطلقاً حتى وإن كان محصناً وكذلك حتى لو كان شاباً أو شيخاً ، وكذلك الحكم للمملوكة ، وقد ذكر هذا الحكم السيد الخوئي (قده) في تكملة المنهاج ، مسألة (162). فهذا الحكم يحسب في صالح المملوك من وجهة النظر اللادينية التي يتحدث بها الدكتور النجار ، وأما من وجهة النظر الدينية فإن جميع أحكام المماليك (العبيد) التي جاء بها الإسلام فهي تصب في المصلحة الفردية للمسلم الحر والعبد أو في المصلحة العامة للمجتمع الإسلامي. وللمقذوف شرائط أخرى تدل على أن المسئلة لا تتعلق بحفظ الكرامة أو التمييز بين الأحرار والعبيد أو بين المسلمين وغيرهم كما أدعى الدكتور النجار ، فمن شرائط المقذوف هو البلوغ فلو قذف شخصٌ صبياً فليس عليه حد لعدم بلوغ المقذوف ، كما في مسألة (202) من تكملة المنهاج للسيد الخوئي (قده) ، فالمقذوف إذا كان صبياً أو عبداً أو مجنوناً فلا حد على القاذف بل يكون هناك تعزير بحسب المصلحة التي يراها الحاكم الشرعي. وكذلك فهناك حدود يتم بها قتل المسلم بينما غير المسلم لا يناله القتل ، مثلاً حكم عمل السحر ، فإنْ كان عامله مسلماً فحكمه القتل بينما إذا كان غير مسلم فحكمه التأديب ، وقد أشار لهذا الحكم السيد السبزواري (قده) في كتابه مهذَّب الأحكام ج28 ص37 ، فالإسلام هنا يحفظ حياة غير المسلمين في مقابل إهدار حياة المسلم لنفس القضية وهو الأمر الذي يناقض ما ذهب إليه الدكتور النجار في النص الآنف الذكر ! وأما الجهة الثانية ، فتتعلق بمحاولة الدكتور النجار خداع القاريء بأن في الإسلام تمييزاً ضد غير المسلمين ، مستنداً في ذلك إلى الخصوصية التي يحتفظ بها الإسلام ، وموضوع الإحتفاظ بالخصوصية هو أمر غير قاصر على الإسلام بل تجد جميع الأديان لها خصوصيات تميز أبنائها ومعتنقيها عن الآخرين ، بل وحتى أصحاب التيارات الفكرية أيضاً لهم خصوصيات تميز معتنقي فكرهم ، مثل القوميين الذين يميزون أبناء قوميتهم عن أبناء القوميات الأخرى ، وكذلك الماركسيين الملحدين لديهم خصوصية لطبقة البوليتارية أي الطبقة العمالية دون سائر طبقات المجتمع التي يحاولون القضاء عليها ، وكذلك الوطنيين فلهم خصوصية الوطن وتفضيل المواطن على الأجنبي ، فموضوع الخصوصية هو مما تسالم عليه الفكر الإنساني ومن الغريب أن يحاول الدكتور النجار التشنيع على الإسلام بسبب إمتلاكه خصوصية معينة ، وأعتراض الدكتور النجار بخصوص خصوصية الإسلام يعنى أنه يعترض على أحد الصفات الإنسانية المتعارف عليها ضمن الطبيعة البشرية.
وقال الدكتور النجار : [(ثم لماذا كل هذا الإثبات بأربعة شهود ونحن نستطيع الآن أن نأخذ عينة صغيرة من مهبل المرأة ونحللها مخبرياً لنجزم مَن مِن الرجال قد جامع المرأة المعنية؟ وإذا ادعت امرأة أنها أُغتصبت، نستطيع أن نثبت ذلك أو ننفيه عن طريق التحقيقات التي يقوم بها المعنيون من رجال الأمن. فهل ما زلنا نحتاج إلى أربعة شهود عدل ومن الذكور؟)] فما هو رأي الدكتور النجار في مسألة إمرأة جامعت زوجها ثم ساحقت إمرأة أخرى فأنتقل المني لفرج المرأة الثانية التي أدعت بدورها على الرجل أنه أغتصبها لمجرد أن منيه في فرجها ، فهل تحل التحاليل المختبرية هذه المشكلة وتعطي لكل ذي حقٍ حقه ؟! أم أن الأمر سيلتبس على القضاء في حال إلإتباع الأعمى للتحاليل المختبرية التي أقترح الدكتور النجار الإكتفاء بها ؟!! وما رأي الدكتور النجار في أمرأة زنت مع رجل بإرادتها ، ثم أدعت بعد ذلك أنه أغتصبها مستندة إلى وجود المني في فرجها ؟ فهل التحليل المختبري المجرد ينصف ذلك الرجل ويمنع الظلم من أن يقع عليه ؟! ولا ندري ما الذي يقصده الدكتور النجار بقوله [(وإذا ادعت امرأة أنها أُغتصبت، نستطيع أن نثبت ذلك أو ننفيه عن طريق التحقيقات التي يقوم بها المعنيون من رجال الأمن)] ، فهل يقصد ما يقوم به رجال الأمن من تعذيب وضرب غير قانوني لإنتزاع الإعترافات من الموقوفين ، فهل هذا هو مقصده وهل هذا هو الأسلوب الحضاري الذي يريده الدكتور النجار لكي يكون بديلاً عن القضاء الإسلامي العادل. وأما إذا كان مقصد الدكتور النجار ما يقوم به رجال الأمن والشرطة من جمع معلومات وأدلة جنائية فالأمر غير مقتصر عليهم بل القضاء الإسلامي يأخذ بنظر الإعتبار صدق الدعوى ويعطي المجال للمدعى عليه ليثبت برائته وجلب شهود نفي إلى غير ذلك من مجريات القضاء العادل الذي لا تقتصر أركانه على القضاء العلماني بكل تأكيد ، فالتوهم قد ينشأ من القول بإقتصار القضاء الإسلامي على شهادة أربعة بحدوث واقعة الزنى أو عدم قدرة المدعي على أثبات الإغتصاب لعدم توفر أربعة شهود وتنتهي المسألة بهذه السذاجة هو أمر بعيد جداً عن الإسلام والقضاء الإسلامي ، لاسيما وقد عرف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بالبراعة القضائية في إحقاق الحق ونفي الباطل. وللقضاء الإسلامي قواعد كثيرة ودقيقة ، يمكن الإطلاع على جانب منها بمراجعة كتاب (كشف اللثام) للفاضل الهندي المتوفى سنة 1137هـ ففيه فصل خاص أسمه (كتاب القضاء) يتحدث فيه بإسهاب عن التولية والعزل وعن كيفية الحكم وعن الدعوى والجواب وعن الآحلاف وعن القضاء على الغائب وعن القسمة وعن الدعاوى المتعارضة وعن الشهادات واختلاف الشهود ، وفيه تفاصيل كثيرة جداً عن القضاء وكيفيته وآدابه. يضاف لذلك فإنَّ الحاكم الشرعي يقضي بعلمه وإذا حصل له العلم بوسائل أخرى غير الشهود فله تقييم الحكم.
وقال الدكتور النجار : [(وإذا رمى المسلم صبيةً يمكن وطؤها قبل البلوغ بالزنى، كان هذا قذفاً عند مالك وأحمد بن حنبل، لكنه ليس قذفاً عند الآخرين. وقال أحمد بن حنبل إذا قذف المسلم صبيةً بنت تسعة سنين، يُجلد فيها، وكذلك إذا قذف صبياً قد بلغ العاشرة من عمره يُجلد. فإذا كان علماء المسلمين قد شرّعوا لصبي في العاشرة من عمره، ماذا يقول هذا عن اللواط في المجتمعات الإسلامية؟ والعلماء الإسلاميون هنا تحدثوا عن قذف بنت لم تبلغ التاسعة من عمرها، وهذا ليس قذفاً وإنما جريمة نكراء ضد طفلة ويجب أن يُشجع الناس على القول بها، حتى لو شكاً، حتى يتسنى للشرطة التحقيق فيها وعقاب الجاني إذا ثبت جرمه، وليس جعل القول بها قذفاً كما هو الحال في الإسلام)] ولست واثقاً من إمكانية فهم هذا النص وما هو مقصد الدكتور النجار منه بسبب غموضه ، فإذا كان مقصد الدكتور النجار أن يتم التحقيق مع من يقذف طفلة خشية أن تكون قد تعرضت بالفعل لإعتداء جنسي فالأمر لا يتعارض مع الأحكام الإسلامية مطلقاً ، ففي الإسلام حين يتم قذف الطفلة تقوم هي أو ولي أمرها بالشكوى لدى القاضي الذي يتحقق من واقعة القذف بإستدعاء القاذف والتحقيق معه وفق الطرق الأصولية المتبعة ، ومفهوم القذف في الإسلام لا يقتصر على جانب معنوي بل يمتد ليشمل جوانب حقيقية في الدفاع عن سمعة المقذوف وحقوقه وإقامة الحدود الشرعية على القاذف فضلاً عن الغاصب.
وقال الدكتور النجار : [(عقاب الزنا " الزاني والزانية فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفةٌ في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين" [12] القرآن يقول الزاني والزانية، إذا استطعنا أن نثبت جريمة الزنا، فاجلدوا كل واحد مائة جلدة. وهذه هي الآية الثانية في سورة النور، والآية الأولى تقول: " سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون". فالله قد فرض هذه السورة وأنزل فيها آيات بينات، ومع ذلك رجم الرسول الرجل والمرأة اليهوديين لأنه سأل أحبار اليهود عن عقاب الزنى في التوراة، فقالوا الرجم. فهل نرجم الزاني والزانية لأن اليهود يرجمون رغم أن القرآن يقول اجلدوهم.)] فالدكتور النجار يحاول أن يوهم أن فعل النبي (صلى الله عليه وآله) مخالف للقرآن الكريم ، بحيث أن القرآن الكريم فيه الجلد للزاني والنبي (صلى الله عليه وآله) يرجمه ، ونحن نعلم أن لا تناقض بين الأمرين لأن النبي (صلى الله عليه وآله) هو مصدر تشريعي إلى جانب القرآن الكريم ، وقد بيّن أن الجلد المذكور في القرآن المجيد مختص بغير المحصن ، وأما المحصن فقد حكمت عليه السنة النبوية المطهرة بالرجم ، ولذلك فقد أمرالله سبحانه المسلمين بطاعتين طاعة لله عزَّ وجل وطاعة لرسوله (صلى الله عليه وآله) لأنهما يمثلان مصدرين تشريعيين يجب الأخذ بهما معاً ، فقال تعالى : (( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول )) ، وحكم الرجم للمحصن في الإسلام ليس له علاقة برجم اليهوديين المذكورين.
وقال الدكتور النجار : [(وليس في القرآن آية رجم ولكن هناك رواية عن عمر بن ا |