الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

3  شــبــاط  2006

أفكار عراقية

 

نقض الفصل الرابع من كتاب (الدولة الإسلامية بين النظرية والتطبيق) - ( 1 )

 

كتابات - نبيـل الكرخي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

نقضنا في مقالات سابقة الفصل الأول من كتاب (الدولة الإسلامية بين النظرية والتطبيق) للدكتور كامل النجار ، ثم أجبنا عن الإعتراضات التي أثارها الدكتور كامل النجار على نقضنا المذكور ، في تعقيبات متبادلة بيننا تم نشرها جميعاً في موقع كتابات ـ ويمكن لمن يراسلنا الحصول على نسخة كاملة منها ـ وكذلك نرى أننا قد نقضنا أساس الفصل الثاني لكتابه المذكور حين ناقشنا في النقض والتعقيبات المذكورة شكل حكومة النبي (صلى الله عليه وآله).

 

ونستمر اليوم بمشيئة الله عزَّ وجل بنقض بقية فصول هذا الكتاب المذكور آنفاً ، وقد أنتخبنا نقض الفصل الرابع لأهمية موضوعه بعد أن نقضنا الفصل الأول المتعلق بالتوحيد ونقضنا أساس الفصل الثاني المتعلق بالدولة الإسلامية.

 

قال الدكتور كامل النجار : [(قد رأينا في الفصول السابقة أن الإسلام لم يُطبق كدولة إلا في عهد أبي بكر وعمر وعثمان، رغم المآخذ العديدة على حكم عثمان، والمآخذ على عملية الشورى. وبحلول خلافة عليّ بن أبي طالب انقسمت الدولة الإسلامية، ثم أصبحت ملكية في عهد بني أمية. فهل من الممكن أن تُطبق دولة إسلامية حديثة، كما يتوهم السلفيون؟

السلفيون ينظرون بمناظير وردية اللون إلى فترة الخلفاء الراشدين التي يصفونها بفترة الإسلام النقي، ويودون الرجوع إليها لإقامة الدولة الفاضلة التي تحكمها قوانين الله القرآنية، أيام كان عمر بن الخطاب ينام تحت الشجرة ( ولو أن هذا لم يمنع من أن يُقتل عمر غيلةً). فهل يمكن أن يحدث هذا في عالم اليوم؟ كل إنسان عاقل يعرف أنه لا يمكن إرجاع عقارب الساعة  إلى الوراء. ولكن لو تصورنا أنه من الممكن أن نرجع قوانيننا وأحكامنا إلى تلك الفترة، فهل من الممكن أن يعدل حكامنا ويعيشوا كما نعيش ويأكلوا كما نأكل حتى يشيع العدل وينام الحاكم تحت شجرة؟)]

يشير الدكتور كامل النجار في بداية حديثة إلى ما ذكره في الفصل الثاني من كتابه المذكور والذي يقول في بدايته : [(فلننظر الآن كيف تكونت الدولة الإسلامية وما آلت إليه اليوم، بسبب قانونها الإلهي )] ،

وكنا قد أجبنا على هذه النقطة بالآتي في التعقيب الثاني :

(إذن يجب علينا أولاً أن نعرف ماهو القانون الألهي الذي جاء به الإسلام بخصوص الدولة الإسلامية ثم ننظر هل قام المسلمون بتطبيقه بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) أم لا ، وبذلك يتضح الحق في المسألة ونعلم هل الخلل في القانون الإلهي الذي جاء به النبي (صلى الله عليه وآله) أم الخلل في تطبيق المسلمين له ، لا كما أدعى.. كامل النجار حين جزم بنسبة الخطأ للقانون الإلهي جهلاً منه بحقائق الأمور.

من المعلوم إنَّ أي دولة تتكون من عناصر هي : الشعب والأرض والحكومة ، فالدولة الإسلامية التي أنشأها رسول الله (صلى الله عليه وآله) كانت لديها هذه العناصر الثلاث فالأرض تتمثل بالمدينة المنورة ثم شملت شبه الجزيرة العربية ، والشعب هم المسلمون ، والحكومة هي حكومته الإلهية ، هكذا ببساطة نجد أن مقومات الدولة الإسلامية كانت متكاملة في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، ثم إنَّ لكل حكومة لا بد لها أن توفر لها عناصر ديموميتها وإستمرارها ، فالحكومة لا تسقط بوفاة الأشخاص القائمين عليها ، ولذلك نجد أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان حريصاً على إيجاد تلك العناصر ، فمنذ بداية الدعوة الإسلامية حين لم يكن عنصرا الشعب والأرض متوفرين ، نجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) حريصاً على إيجاد مقومات إستمرار رسالته من أجل إستمرار العمل على إيجاد الدولة الإسلامية أولاً ثم إستمرارية تلك الدولة في الوجود ثانياً ، فأعلن إبن عمه علي بن أبي طالب عليه السلام خليفةً له في وقت مبكر من عمر الدعوة الإسلامية قبل ظهور الإسلام بمكة ، حين أنزل الله تعالى على النبي (صلىالله عليه وآله) قوله : (( وأنذر عشيرتك الأقربين )) فدعاهم إلى دار عمّه أبي طالب وهم يومئذٍ ما يقارب الأربعين رجلاً وفيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب ، وتستمر الرواية لتنقل لنا إعلان رسول الله (صلى الله عليه وآله) علياً خليفةً له بقوله : ( إنَّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا ). ثم بعد جهاد عظيم في مكة والمدينة تم تأسيس الدولة الإسلامية وأتسعت لتشمل شبه الجزيرة العربية كلها عاد نبي الله (صلى الله عليه وآله) ليؤكد تنصيبـه لعلي عليه السلام خليفةً له بأمرٍ من الله سبحانه ، من أجل ضمان العمل بالقوانين الإلهية بعده من قبل المسلمين ، فأعلن في غدير خم ، قبل وفاته بأشهر قليلة ، في طريـق عودته من حجة الوداع ، أنَّ علي بن أبي طالب هو خليفته في ولاية أمور المسلمين بعده ، فقال مخاطباً حشود المسلمين المتجمهرين : ( ألستم تعلمون ؟ أولستم تشهدون إنّي أولى بكل مؤمن من نفسه ؟ ) ، قالوا : بلى ، قال : ( فمن كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم والِ من والاه وعاد من عاداه ).هذا هو القانون الإلهي الذي جاء به الإسلام لضمان إستمرار الدولة الإسلامية وفق النهج الذي يريده الخالق جلَّ وعلا ، فهل إلتزم المسلمون به بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ الجواب بالنفي ، إذ رفض بعض المسلمين خلافة علي بن أبي طالب عليه السلام المنصوصة من قبل الله تعالى واختاروا أبا بكر خليفة لهم بدلاً عنه ، وكان ما كان من إستيلاء بني أمية ثم بني العباس على الحكم والمآسي التي حاقت بالأمة ، إذن فالخلل لم يكن في الإسلام ولا في القوانين الإلهية التي جاء بها ، بل الخلل يكمن في عدم إلتزام بعض المسلمين بالعمل بالقوانين الإلهية واستعاضوا بدلاً عنها بقوانين وضعية صبغوها بصبغة إسلامية مزيفة. فما حدث في سقيفة بني ساعدة ولا شورى الستة التي وضعها عمر بن الخطاب ولا قانون وراثية الحكم الذي أبتدعه معاوية بن أبي سفيان لا يمت إلى الإسلام ولا لقوانينه الإلهية بصلة).

 فرد الدكتور النجار بقوله :

[(والجواب البسيط على هذا السؤال هو: إذا لم ينجح أي حاكم مسلم ولا أي دولة مسلمة في تطبيق النظام الإسلامي الصحيح على مدى ألف وأربعمائة سنة، فلا بد أن الخلل في النظام ذاته، لأنه لا يمكن أن يفشل كل هؤلاء الناس على مدى كل هذه السنين في تطبيق نظام صحيح. ثم يقول السيد الكرخي بكل بساطة: " من المعلوم إنَّ أي دولة تتكون من عناصر هي : الشعب والأرض والحكومة ، فالدولة الإسلامية التي أنشأها رسول الله (صلى الله عليه وآله) كانت لديها هذه العناصر الثلاث فالأرض تتمثل بالمدينة المنورة ثم شملت شبه الجزيرة العربية ، والشعب هم المسلمون ، والحكومة هي حكومته الإلهية ، هكذا ببساطة نجد أن مقومات الدولة الإسلامية كانت متكاملة في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) " ونرد عليه بالقول إن قبائل الماساي في كينيا لهم أرضهم وشعبهم وحكومتهم العشائرية لكنهم ليسوا دولة، لأن الدولة تحتاج إلى سلطة تشريعية تقوم بتشريع الدستور والقوانين التي تحكم الدولة، وسلطة تنفيذية تتولى تنفيذ التشريع وتكفل للمواطنين حقوقهم في العلاج والتعليم والأمن، كما تطالبهم بواجباتهم، وكذلك لا بد للدولة من وسيلة لمحاكمة الحاكم واستبداله إن فسد أو مات، وكل هذه الأشياء غائبة عن قبيلة الماساي كما غابت عن حكومة النبي..)].

فقمنا بجواب كلامه كالآتي :

(فأنت تعرف جيداً إني لم أتحدث عن حكومة عشائرية بل عن حكومة الدولة فلماذا هذه المغالطة ! ولماذا تنكر وجود السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية في الإسلام وفي حكومة النبي (صلى الله عليه وآله) بالذات ، كل ماهناك أن السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية كانت محصورة في شخص النبي (صلى الله عليه وآله) لمقتضى منصب النبوة ، فلا يصح مقارنة الدولة الإسلامية النبوية مع أية دولة أسلامية أخرى ، وأما النظام الإسلامي للدولة في عصرنا الحاضر فهو بلا شك يتكون من مفهوم السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية ، ومن أراد المزيد عن شكل الحكم الإسلامي في العصر الحاضر فليراجع كتاب (الإسلام يقود الحياة) للسيد الشهيد محمد باقر الصدر.
فلماذا تنكر وجود دستور وقوانين إسلامية ، ولمصلحة من هذا الإنكار!!
وهل تريد أن تفرض على النبي (صلى الله عليه وآله) شكل حكومته !؟ وهل تدرك أنك بهذا تريد أن تفرض على الله عزَّ وجل ما يجب أن يشرِّعه !؟ ).

فرد الدكتور النجار بقوله :

[(وأنا طبعاً أختلف مع السيد الكرخي في تعليله لحكومة النبي، التي يجب أن تكون المثال المحتذى لكل الحكومات الإسلامية. فكل السلطات كما قال كانت متمركزة في يد النبي رغم أن بعض المسلمين في ذلك الوقت كانوا قد تفقهوا في الإسلام وكان من الممكن للنبي أن يفوض Delegate بعض سلطاته لغيره، مثل القضاء وبيت المال والشرطة وما إلى ذلك. أما الحكومات التي أتت بعده فكانت عين العشائرية ووراثة الحكم الذي نعاني منه حتى الآن. ورغم كتاب الشهيد محمد باقر الصدر عن الحكومات الإسلامية، فخير مثال ننظر إليه هو الحكومات الإسلامية الحالية في إيران والسودان وفي حكومة طالبان المنهارة. ولا أظن أننا سوف نجد ما يشرف الإسلام)]

فأجبناه بقولنا :

(قال الدكتور كامل النجار : [(وكان من الممكن للنبي أن يفوض Delegate بعض سلطاته لغيره، مثل القضاء وبيت المال والشرطة وما إلى ذلك)] ، ومن قال ان النبي (صلى الله عليه وآله) لم يفعل ذلك ، فهل يعلم الدكتور النجار تولية الإمام علي علي السلام القضاء في اليمن من قبل النبي (صلى الله عليه وآله) ، وكان العلاء بن الحضرمي عامل رسول الله (صلى الله عليه وآله) على البحرين ومن قبله كان المنذر بن ساوي في نفس المنصب وغيرهم من العمال في مناطق اخرى من شبه الجزيرة العربية ، فلماذا تطلق التهم جزافاً. غاية الأمر أن لكل زمان وبيئة نظام يحكمها قد يكون بسيطاً وقد يكون معقداً بحسب الظروف التي ذكرناها.

ونحن نختلف مع الدكتور النجار إذ نجد أن نظام الجمهورية الإسلامية في إيران هو نظام مشرّف للإسلام سواء كان تحت قيادة السيد الخميني (قده) أو تحت قيادة السيد الخامنئي (رعاه الله) ، وليس من قبيل الصدفة أن يكون كل الذين يعادون نظام الجمهورية الإسلامية في إيران هم أيضاً من الذين يعلنون معاداة الإسلام في نفس الوقت ، سواء كانوا من البعثيين أو الصهاينة أو الملحدين أو العلمانيين أو غيرهم ، وحتى الوهابية فإن عدائهم لها إنما ينبع من عدائهم للإسلام المحمدي الأصيل).

فأجاب الدكتور النجار بقوله :

[(ونحن طبعاً ليس من حقنا أن نقول للسيد الكرخي إن اعتقاده بأن النظام الإيراني نظام مشرّف للإسلام اعتقاد خاطئ. ولكن من حقنا أن نقول أننا نختلف معه في الرأي ولا نرى فيه ما يشرف الإسلام أو غيره)].

وبذلك نكون قد قمنا بتغطية النقطة الرئيسية التي بدأ بها الفصل الرابع وهي أن الإسلام طبّق كدولة وأنَّ الدولة الإسلامية كانت قد قامت بمقوماتها الرئيسية في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) وليس كما ذكر الدكتور النجار من أنها لم تقم إلا في عهد أبي بكر وعمر وعثمان !

ومن الملاحظ أنَّ الدكتور كامل النجار يحاول أن يختصر الإسلام بالفكر السلفي ، فإذا ما تم إسقاط الفكر السلفي فإنَّه يعتبر ذلك إسقاطاً للإسلام ! وهذا ربط غير صحيح بين الإسلام والسلفية ، فالسلفية مذهب من مذاهب المسلمين ، وهناك مذاهب ورؤى عديدة للإسلام بين المسلمين تختلف عن رؤية الحركة السلفية ، وبين السنة أنفسهم وكذلك بين الشيعة ، لا سيما بخصوص موضوع إقامة الدولة الإسلامية ونظام الحكم فيها ، والمسلمون جميعاً يعلمون جيداً أن القوانين والتشريعات الإسلامية هي صالحة لكل زمان ومكان ولا داعي لإرجاع عقارب الساعة إلى زمن الخلفاء الراشدين لتطبيق الدولة الإسلامية بمنظورها الوردي على حد تعبير الدكتور كامل النجار ، بل يمكن إقامة الدولة الإسلامية في كل وقت وزمان سواء ذلك وفق منظور أهل السنة أو وفق منظور الشيعة بخصائص وأنظمة سياسية وإقتصادية وإجتماعية حديثة تتناسب ومتطلبات العصر الحالي وتنبع من الإسلام العظيم في الوقت نفسه.

 

قال الدكتور كامل النجار : [(عمر بن الخطاب لم تكن له قصور في كل مدينة في بلده، وعندما علم عمر أن سعد بن أبي وقاص قد بنى لنفسه قصراً في بالكوفة وجعل له ابوابا لتمنع عنه غوغاء السوق،  دعي عمر محمد بن مسلمة فسرّحه الي الكوفة فاشترى حطبا ثم أتى به القصر فاحرق الباب، وأتى سعد فاخبره الخبر فقال: هذا رسول أُرسل لهذا الشأن، فسمح له سعد بالدخول، لكنه  أبى فخرج إليه سعد وعرض عليه نفقة فلم يأخذها ودفع كتاب عمر إلي سعد، وقال عمر في الخطاب: " بلغني أنك بنيت قصرا اتخذته حصنا، ويسمى قصر سعد، وجعلت بينك وبين الناس بابا، فليس بقصرك، ولكنه قصر الخيال، إنزل منه منزلا مما يلي بيوت المال واغلقه ولا تجعل علي القصر بابا تمنع الناس من دخوله وتنفيهم به عن حقوفهم، ليوافقوا مجلسك ومخرجك من دارك اذا خرجت ".

فهل من المحتمل أن يتنازل حكامنا عن قصورهم الصيفية في اسبانيا ولندن وأمريكا، وأن يتخلوا عن طائراتهم الخاصة وخدمهم وحشمهم، ويعطوا هذه الأموال للفقراء لأن الإسلام يقول على لسان رسوله: " من كان عنده فضل ظهر فليجد به على من لا ظهر له"؟

في بلاد غنية مثل السعودية والخليج لا يزال هناك فقراء يتسولون في الطرقات، وقد طالعتنا صحيفة الشرق الأوسط قبل أشهر بخبرٍ مفاده أن ولي العهد السعودي  قد عيّن شخصاً متفرقاً لمحاربة عادة التسول في الطرقات. وحدث نفس الشئ في دول الخليج. فأين العدالة الإجتماعية في الإسلام، التي بشر بها سيد قطب وجماعته، والسعودية تحكمها الشريعة، حسب ما يقولون.

وحكام السعودية والخليج تحكمهم طبيعة الإنسان، نفس الطبيعة التى حكمت صحابة الرسول بعد الفتوحات الإسلامية، فقد رأينا كيف جمع كبار الصحابة الملايين من الدراهم والذهب بينما عاش عامة المسلمين وخاصةً الموالي، في فقر مدقع)].

فنقول بكل بساطة للدكتور النجار أنه لو كان حكام السعودية وأمثالهم يطبقون الشريعة بصورة صحيحة لما أحتاج سيد قطب إلى التذكير بالعدالة الإجتماعية للإسلام وتكفيره للحكام الذين يحكمون الدول الإسلامية ، وهنا نؤكد على أن هناك فرقاً شاسعاً بين من يدّعون تطبيق الإسلام وبين الإسلام نفسه ، فالخلل يكمن في التطبيق الخاطيء وليس في الإسلام العظيم سواء كان ذلك التطبيق الخاطيء في عهد الصحابة أو في عهد آل سعود.

 

وقال الدكتور كامل النجار : [(ولو تركنا العدالة الإجتماعية ونظرنا إلى التشريع الإسلامي عامة، لوجدنا أنه من الصعب بمكان تطبيق أغلب الحدود، بالطريقة التي قال عنها الإسلام. فلو أخذنا مثلاً حد الزنا، واجهتنا مشكلتان: المشكلة الأولي هي اثبات الزنا، والمشكلة الثانية هي عقابه.

فالقرآن يقول:

" واللائي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعةً منكم فإن شهدوا فامسكوهن في البيوت حتى يتوفهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلاً "

يقول القرطبي في تفسير هذه اللآية: " جعل الله الشهادة في الزنا أربعة تغليظاً على المدعي وستراً على العباد. قال أبو داود جاءت اليهود برجل وامرأة قد زنيا، فقال النبي: ائتوني بأعلم رجلين منكم. فأتوه بأبنيّ صوريا، فنشدهما: كيف تجدان أمر هذين في التوراة؟ قالا: نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل المرود في المكحلة، رُجما. قال: فما يمنعكما أن ترجموهما؟ قالا: ذهب سلطاننا فكرهنا  القتل. فدعا رسول الله (ص) بالشهود فجاءوا، فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل المرود في المكحلة. فأمر الرسول برجمها.

ولا بد أن يكون الشهود ذكوراً، لقوله " منكم" ولا خلاف فيه بين الأمة. ويقول أبو حنيفة: إذا كان الزوج أحد الشهود في القذف لم يلاعن". أي لا يُطلب منه القسم واداء الشهادة

فلكي نُثبت تهمة الزنى يجب أن نُحضر أربعة شهود، ذكور، عقلاء مشهود لهم بحسن الأخلاق. وهولاء الشهود يجب أن يكونوا قد رأوا المرود في المكحلة، ولا يكفي أن يروا الرجل والمرأة في غرفة نومها، عاريين، وهو فوقها طالعاً ونازلاً. فلا بد أن يرى أربعتهم المرود في المكحلة. ولو تزاحموا للفرجة على ما يحدث ورأي ثلاثة منهم المرود في المكحلة ولم ير الرابع لأن الرجل أو المرأة تنبه لوجودهم في الغرفة وغطيا نفسيهما بلحاف، فلا يمكن إثبات الزنى.

فإثبات الزنا بهذه الشروط من رابع المستحيلات، وأشك أن يكون المسلمون قد أثبتوا حالة زنا واحدة في كل تاريخ الإسلام، غير حالة اليهودية التي ذكرنا)].

بل الروايات التاريخية تشير إلى إثبات الزنى لاسيما في القضايا الخاصة بأحكام أمير المؤمنين عليه السلام حيث تشير الكثير من الروايات إلى إثبات الزنى منها :

ـ في كتاب شرح الأخبار للقاضي النعمان المغربي ج2 ص315 : (أن عمر بن الخطاب أوتي بأمرأة قد زنت ، وكانت مجنونة ، فأمر بها عمر أن ترجم فمروا بها على علي عليه السلام فأرسلها وقال لعمر : لقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : رفع القلم عن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يعقل وعن الصغير حتى يكبر ، وهذه مجنونة) ، مما يعني ثبوت الزنى عليها وفق الطريق الشرعي وهو طريق الشهود الأربعة.

ـ وفي ج2 صفحة 320 من المصدر المذكور ، أن لابينة قد قامت على رجل ينكح في دبره ، أي شهادة أربعة شهود أنهم رأوا ذلك كالمرود في المكحلة.

 

بل إنَّ إثبات الزنى أصعب مما ذكره الدكتور النجار ، والصعوبة تكمن ـ بحسب رأينا ـ في مصلحة الستر على العباد التي ذكرها القرطبي في تفسيره ، فهناك عدة طرق لثبةت الزنى... وطريق ثبوت الزنى والحد الشرعي عليه (الرجم او الجلد) لا ينحصر بالشهود الأربعة كما ذكر الدكتور النجار ، بل هو إحداها ، حيث يثبت الزنى أيضاً بالإقرار والبينة ، أما بخصوص الإقرار فيعتبر في المقر العقل والاختيار والحرية[1] ولا يثبت حد الزنا الا بالاقرار أربع مرات فلو أقر به كذلك ، أجرى عليه الحد ، وإلا فلا[2]، واما البينة فإنما تقبل "مع ثبوت العدالة بستة شروط : قيامها في مجلس واحد ، واعتبار المشاهدة مثل الميل في المكحلة ، واتفاق معاني الشهادات في الرؤية ، والمكان ، والوقت ، والتقييد بالوطء في الفرج الحرام"[3]، ولا يثبت الزنا بشهادة رجلين عادلين ، بل لابد من شهادة أربعة رجال عدول ، أو ثلاثة وامرأتين ، أو رجلين وأربع نساء الا أنه لا يثبت الرجم بالأخيرة[4].

ويشترط في ثبوت الحد أمور :

( الأول ) : البلوغ ، فلا حد على الصبي

( الثاني ) - الاختيار ، فلا حد على المكره ونحوه

( الثالث ) - العقل فلا حد على المجنون[5] .

فإذا ادعت المرأة الاكراه على الزنا قبلت[6].

وأما قول الدكتور النجار بأن أثبات الزنى من رابع المستحيلات على حد قوله ، فهو فيه بعض الصحة والكثير من المبالغة ، وهذا الأمر لا يتعارض مع تشريع الزنى إذ أن من جملة فوائد التغليظ في إثبات الزنى وفرض شروط صعبة لتحقق ثبوته هو الحفاظ على حرمة النساء وعدم ترك سمعتهن عرضة لتقول القائلين ، ويتضح من خلال سياق الآيات الكريمة التي نزل بها حد قذف المحصنة في سورة النور أن تشريع الشهادات الأربع إنما جاء للحفاظ على سمعة وهيبة المرأة وعدم المساس بها من قبل من تسول له نفسه ذلك ، فمن يريد قذف محصنة فعليه أن يأتي بأربعة شهود عدول وفق الشروط التي ذكرناها آنفاً ، ومن لم يستطع الأتيان بالشهود العدول المذكورين فليس له أن يرمي أمرأة بالزنى وإلا فعقوبته الجلد ثمانين جلدة ورفض شهادته مستقبلاً ، فقال تعالى في سورة النور :

(( بسم الله الرحمن الرحيم  * سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون * الزانية والزان¡