الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

18  تشرين الثاني 2005

أفكار عراقية

هل للحزب الشيوعي "شهداء" ؟

كتابات - نبيـل الكرخي

 

من غير المنطقي أن يتبجح البعض بالحديث عن وجود شهداء للحزب الشيوعي ، فالشهيد هو مفهوم إسلامي خالص يتم فيه وعد الإنسان الذي يضحي بنفسه في سبيل الله بالجنة ، وأما الشيوعيون الذين لا يؤمنون بالخالق جلَّ وعلا ولا بالجنة فكيف يمكن أن نسمي من ضحى منهم بنفسه في سبيل المباديء الشيوعية بالـ "شهيد" ؟!

 ومن أجل إعطاء الموضوع حقه سوف نتطرق إلى وجود مصطلح الشهيد في الإسلام ثم في المسيحية ثم نتطرق إلى إستحالة وجوده في الفكر الشيوعي.

 

مصطلح "الشهيد" في الإسلام :

قال أبن منظور في مؤلفه الموسوم (لسان العرب) ج3 ص242  ما يلي :

{ والشهيد : المقتول في سبيل الله ، والجمع شهداء .

واستشهد : قتل شهيدا .

وتشهد : طلب الشهادة .

والشهيد : الحي ،

عن النصر بن شميل في تفسير الشهيد الذي يستشهد : الحي أي هو عند ربه حي .

ذكره أبو داود أنه سأل النضر عن الشهيد فلان شهيد يقال : فلان حي أي هو عند ربه حي ، قال أبو منصور : أراه تأول قول الله عز وجل : ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم ، كأن أرواحهم أحضرت دار السلام أحياء ، وأرواح غيرهم أخرت إلى البعث ، قال : وهذا قول حسن .

وقال ابن الأنباري : سمي الشهيد شهيدا لأن الله وملائكته شهود له بالجنة ،

وقيل : سموا شهداء لأنهم ممن يستشهد يوم القيامة مع النبي ، صلى الله عليه وسلم ، على الأمم الخالية . قال الله عز وجل : لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ، وقال أبو إسحق الزجاج : جاء في التفسير أن أمم الأنبياء تكذب في الآخرة من أرسل إليهم فيجحدون أنبياءهم ، هذا فيمن جحد في الدنيا منهم أمر الرسل ، فتشهد أمة محمد ، صلى الله عليه وسلم ، بصدق الأنبياء وتشهد عليهم بتكذيبهم ، ويشهد النبي ، صلى الله عليه وسلم ، لهذه بصدقهم .

قال أبو منصور : والشهادة تكون للأفضل فالأفضل من الأمة ، فأفضلهم من قتل في سبيل الله ، ميزوا عن الخلق بالفضل وبين الله أنهم أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ، ثم يتلوهم في الفضل من عده النبي ، صلى الله عليه وسلم ، شهيدا فإنه قال : المبطون شهيد ، والمطعون شهيد . قال : ومنهم أن تموت المرأة بجمع .

الكسائي : أشهد الرجل إذا استشهد في سبيل الله ، فهو مشهد ، بفتح الهاء ، وأنشد : أنا أقول سأموت مشهدا وفي الحديث : المبطون شهيد والغريق شهيد ،

قال : الشهيد في الأصل من قتل مجاهدا في سبيل الله ، ثم اتسع فيه فأطلق على من سماه النبي ، صلى الله عليه وسلم ، من المبطون والغرق والحرق وصاحب الهدم وذات الجنب وغيرهم ،

وسمي شهيدا لأن ملائكته شهود له بالجنة ،

وقيل : لأن ملائكة الرحمة تشهده ،

وقيل : لقيامه بشهادة الحق في أمر الله حتى قتل ،

وقيل : لأنه يشهد ما أعد الله له من الكرامة بالقتل } أنتهى الإقتباس بتصرف.

 

وهكذا تجد أن الإيمان بالله عزَّ وجل واليوم الآخر والملائكة ، هي مدار التسمية بالشهيد ، فإذا لم يكن الشخص يؤمن بالله سبحانه ولا باليوم الآخر فكيف يمكن أن نطلق عليه أنّه شهيد !! فهو شهيد على ماذا ؟

ـ فإذا كان معنى الشهيد : الحي كما تقدّم ، فمن لا يؤمن بالخالق سبحانه لا يكون حياً لأنه لم يقتل في سبيل الله ، وكيف يقتل في سبيل إلهٍ منكور الوجود ؟!! وهل يرضى الشيوعي أن يقال له أنه شهيد وفق هذا المعنى ! بل هل يرضى الشيوعي أن يعلن إيمانه بحياة أخرى بعد الموت !؟

 

ـ وإنْ كان معنى الشهيد أن الله وملائكته شهود له بالجنة ، فكيف يدخل الجنة من أنكرها في الدنيا وأنكر خالقها وخالقه ؟!! وهل يرضى الشيوعي أن يقال له أنه شهيد وفق هذا المعنى !

 

ـ وإنْ كان معنى الشهيد أنه يشهد يوم القيامة على الأمم الماضية ، فهذا أيضاً لا يرضي الشيوعيين ولا يرضي منظومتهم الفكرية المبنية على إنكار وجود الخالق عزَّ وجل وإنكار وجود أي حياة بعد الموت.

 

ـ وإنْ كان معنى الشهيد أنه من قتل مجاهداً في سبيل الله ، فهذا أيضاً لا يرضي الشيوعيين ، لأنهم لا يهرفون إلا سبيل ماركس وأنجلو ولينين وماو وغيرهم من الملحدين الإشتراكيين ، فأما سبيل الله فهم لا يعرفونه ولا يعترفون به.

 

وهكذا تجد انه وفق أي معنى لغوي أو إصطلاحي للشهيد في اللغة العربية فأنك لن تجده منطبقاً على الشيوعيين ، وبهذا يتضح عدم صحة أن تطلق صفة (شهيد) على أي قتيل شيوعي قتل بسبب فكره الماركسي ومحاولته تثبيت هذا الفكر ونشره وإغواء الناس لإعتناقه.

 

وقد يقول قائل ان كلمة الشهيد ليست حكراً على المسلمين حتى يتحكمون في إطلاقها على من يحمل مواصفاتهم العقائدية ، فهل فعلاً أن كلمة الشهيد ليست من نتاجٍ إسلامي ؟ حسناً لنبحث عن كلمة الشهيد في الديانة المسيحية بإعتبارها أكثر الديانات السماوية إنتشاراً.

 

مصطلح "الشهيد" في المسيحية :

لن نبالغ أو ندعي زوراً إذا قلنا إنَّ مصطلح " الشهيد " غير موجود في المسيحية بل هو مصطلح أدخل في كتابات المسيحيين وفي شروحهم للكتاب المقدس والعهد الجديد خصوصاً تأثراً بالفكر الإسلامي.

فالمسيحيون يصفون اسطفانوس بأنه أول "شهداء" المسيحية ، غير أن هذه التسمية غير موجودة في نص العهد الجديد وإنما هي موجودة في الشروحات التي تدخل لتوضيح النص. ولم نعثر في العهد الجديد على نص يستخدم كلمة "شهيد" سوى النص المذكور في أعمال الرسل (20:22) :

[( واني كنت حاضراً حين سفك دم شهيدك إسطفانس ، وكنت موافقاً على قتله ، محافظاً على ثياب قاتليه )] ، غير أنه ورد في هامش ترجمة أورشليم الفرنسية للكتاب المقدس ما نصه : [(الترجمة اللفظية " شاهد " . تدل هذه الكلمة (راجع 13 :31) . منذ اليوم على " الشهيد " (راجع 7 :59). )] !

وبمراجعة ما ورد في (31:13) نقرأ النص : (فتراءى أياماً كثيرة للذين صعدوا معه من الجليل إلى أورشليم ، وهم الآن شهود له عند الشعب).

واما ما ورد في (59:7) فهو : (ورجموا أسطفانس وهو يدعو فيقول : "رب يسوع تقبل روحي" ).

إذن النص يصف إسطفانوس بصفة الشاهد وفقاً للنص القائل بوجود شهود ليسوع المسيح يبثون أمره بين الناس ، وإسطفانوس واحد منهم ، ولكن يبدو أن علماء المسيحيين أقحموا موضوع مقتله على يد اليهود حين أشاروا إلى النص في (7 :59) تأثراً بالفكرة الإسلامية لموضوع الشهيد ثم غيّروا اللفظة إليها أيضاً ، وإلا لماذا لم يستعملوا اللفظة الأصلية (شاهد) بدلاً من لفظة (شهيد).

نعم يوجد في المسيحية فكرة التضحية من أجل العقيدة ، كما في النص المنسوب إلى المسيح أنه قال كما في إنجيل مرقس (8 : 34و35) : (ودعا الجمع من تلاميذه وقال لهم من أراد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني ، فإن من أراد أن يخلص نفسه يهلكها ، ومن يهلك نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل فهو يخلصها) ، فمفهوم التضحية من أجل العقيدة موجود في المسيحية ولكن لم يتم إطلاق أي صفة على الذين يضحون في سبيل عقيدتهم سوى أنهم قد نالوا الخلاص. فلا يوجد في المسيحية وصف محدد لمن يضحي بنفسه من أجل العقيدة بخلاف الإسلام الذي أطلق عليه صفة (شهيد). 

 

لايوجد شهداء شيوعيون :

فخلاصة القول أن كلمة الشهيد العربية هي كلمة من نتاج إسلامي ، ومعانيها جميعاً تدور حول عقيدة وجود الخالق جلَّ وعلا ووجود اليوم الآخر ، يضاف لذلك أنه لم تعرف هذه الكلمة في اللغة العربية قبل الإسلام كإصطلاح على المعاني التي أطلقت عليها بعد الإسلام ، كما انه لا يوجد ما يماثلها أو ما يقابلها في الديانات الأخرى.

وأما ان يتم وصف أشخاص ضحوا بانفسهم من أجل المباديء الماركسية بأنهم شهداء فهذا الأمر فيه إستخفاف كبير باللغة العربية ومعانيها ، وفيها خداع كبير للناس الذين يسمعون أستعمال هذه الكلمة الشريفة بوصف أشخاص لا يعترفون بالله سبحانه ولا باليوم الآخر ولا يدينون دين الحق ، من ماركسيين وعلمانيين وغيرهم.

 

وقد نشر موقع عراق الغد بتاريخ 1 / 9 / 2005م مقالاً بعنوان (الجعفري وعقدة الحزب الشيوعي ..!) لكاتب يدعى هادي فريد التكريتي ، ولا نريد أن نناقش هذا المقال الهزيل فكل ما فيه مجرد مغالطات ، ولكن أريد أن أقف عند بعض الإدعاءات التي ليس لها نصيب من الصحة ، فقد قال كاتب المقال : [(إن الحزب الشيوعي ومكوناته هم من هذا الشعب ، ولم يكونوا من الطارئين عليه أو المشكوك في وطنيتهم أومن العاملين لحساب جهات أجنبية ، فتاريخهم وطني ومشٍرف ، ودفاعهم المستميت ، حد الشهادة ، عن مصالح العراق وحرية شعبه يعرفه القاصي قبل الداني)] ، وفيه يتحدث كاتب المقال عن المسائل التالية :

1.           أن الحزب الشيوعي ومكوناته ليسوا طارئين على الشعب العراقي !!

2.           وطنية الحزب الشيوعي وادعائه بعدم إرتباط الحزب المذكور بجهة أجنبية !!!!!!!

3.           يصف الحزب الشيوعي بوصف الشهادة ، وهو الأمر الذي بيّنا آنفاً عدم صحته.

 

فأما كون الحزب الشيوعي ليس طارئاً على الشعب العراقي ، فهو أدعاء بعيد عن الصواب لأن الحزب المذكور لم يكن موجوداً في العراق قبل العشرينيات من القرن الماضي ، والمجتمع العراقي مجتمع إسلامي وهويته إسلامية واضحة المعالم رغم الضعف الذي أصاب المسلمين منذ إنهيار الخلافة العثمانية في سنة 1923م ، والمتزامن مع نفي المراجع الكبار في النجف الأشرف إلى خارج العراق من قبل عملاء بريطانيا في داخل النظام الملكي الحاكم ، ومن ثم ممارسة الضغوط عليهم لمنعهم من التدخل في الشأن السياسي ومعارضة السياسية البريطانية في العراق. فأصبح حال المسلمين من المذاهب جميعها في العراق ضعيفاً مما فسح المجال للأفكار المخالفة للإسلام للتسلل إلى العراق وخداع أبناءه من أجل الإنتشار ووربط العراق بمصالح دول اجنبية ، وكان الشيوعيون من أبرز الذين تسللوا إلى داخل الوطن وتمكنوا من تحقيق بعض الإنتشار مستغلين الضعف الإسلامي الذي حصل بسبب الصدمة من إنهيار الخلافة الإسلامية ومنع المرجعيات الدينية من التدخل بالسياسة كما ذكرنا آنفاً.

وفي إطار إستذكار إرتباط الحزب الشيوعي بقوى خارجية يمثل مصالحها في العراق وهو الأمر البعيد جداً عن كل مفاهيم الوطنية ، نجد أن عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي باقر ابراهيم الموسوي قال في الإجتماع الإستشاري للأحزاب الشيوعية العالمية المنعقد في بوخارست في شباط 1968م : "إنَّ الحزب الشيوعي العراقي لم يفخر في يوم من الأيام بإستقلاليته" ! وذلك لأن الحزب المذكور كان مرتبطاً إرتباطاً عقائدياً وتنظيمياً بالشيوعية الأممية التي تتخذ من الإتحاد السوفيتي مقراً لها منذ نشوءه وتأسيسه ، فأين هي الوطنية المزعومة للحزب الشيوعي !؟

 

في تصوري إننا بحاجة دائمة لتذكر الجرائم التي أرتكبها الحزب الشيوعي أيام الحكم الفردي لعبد الكريم قاسم ، بنفس الدرجة التي نحتاجها لتذكر جرائم صدام المجرم ، وذلك من أجل القضاء على ثقافة التفرد بالسلطة والأسلوب الإنقلابي في الوصول إلى الحكم ومن أجل إدانة الثورية المزعومة للأحزاب اليسارية والقومية والعنف والجرائم التي أرتكبتها في أيام حكمها ونفوذها ، من أجل صيانة دماء العراقيين وحمايتهم ، وبناء مستقبل مشرق بعيد عن كل أخطاء الماضي.

 

مواضيع ذات صلة :

ـ إنبثاقات ظلامية من المسيرة الشيوعية.

http://kitabat.com/alkarki_6.htm

nabilalkarkhy@yahoo.com