|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
29 تشرين اول 2005 |
|
أفكار عراقية أضواء على مقال (من ينقد الإسلام...) لـ كامل النجار
كتابات - نبيـل الكرخي
في مقالٍ له بعنوان (من ينقد الإسلام ليس معقداً يا أبا زكريا) والمنشور في موقع إيلاف بتاريخ 1 أكتوبر 2005م ، يتضح جلياً أن نقد الدكتور كامل النجار للإسلام إنما يصب في إتجاه الإساءة للإسلام ومحاولة تنفير الناس عنه ، وقد ذكرنا توجهه هذا في بعض مقالاتنا السابقة. وفي المقال المذكور يقول الدكتور كامل النجار ما نصه : [(والنقد، في حد ذاته، علامة صحية لأنه يساعد على فرز الصالح من الطالح. ولا يحدث أي تقدم في العلوم ولا في المجتمعات عامةً بدون النقد الذي يبين لنا العيوب لنتفاداها. وقد قال كارل ماركس: " النقد أساس التقدم ونقد الدين أساس كل النقد ". وموقف كارل ماركس من نقد الدين لا يختلف عن مواقف أغلب الفلاسفة، فقد قال: " الدين هو تنهدات المخلوقات المضطهدة وعواطف عالَم لا قلب له ولا روح. وإلغاء الدين، الذي هو سعادة البشر الخيالية، هو الطريق إلى السعادة الحقيقية. ونقد الدين، لذلك، يمثل نقد هذا الوادي الملئ بالدموع والذي يمثل الدين الهالة فوقه. نقد الدين هو قطف الزهور الخيالية من السلاسل الدينية التي تقيد البشر وتجعلهم يركنون لها أملاً في اغتناء هذه الزهور الخيالية، وليس النقد ليجعل البشر يحملون سلاسلاً بلا زهور خيالية، وإنما ليشجعهم ليرموا بالسلاسل حتى يتمكنوا من قطف الزهور الحقيقية ")] ، وإذا به يكشف عن حقيقة النقد الذي يسعى إليه بما أورده من نص لكارل ماركس كما أسلفنا وهو قوله [(وإلغاء الدين، الذي هو سعادة البشر الخيالية، هو الطريق إلى السعادة الحقيقية. ونقد الدين، لذلك، يمثل نقد هذا الوادي الملئ بالدموع والذي يمثل الدين الهالة فوقه)] ، فنقد الدين عند كارل ماركس وكذلك عند الدكتور كامل النجار الذي أستشهد بقوله إنما يهدف لإلغائه ، ألم نقل إذن في مقالاتنا السابقة أن هدف الدكتور كامل النجار هو الإساءة إلى الإسلام ؟!
وتحدث الدكتور كامل النجار عن الشك وكونه مقدمة للنقد ، ونحن وإن كنا لا نتفق مع الكثير مما ذكره في هذه النقطة ، ولكن الملفت للنظر هو كثرة الأمثلة التي أستدل بها على الشك وهي بعيدة في معانيها عن معنى الشك ! فقال الدكتور كامل النجار : [(وحتى الأنبياء تشككوا في بادئ الأمر، فمثلاً النبي إبراهيم أصابه شئ من الشك فقال لله "أرني كيف تُحيي الموتى" فلو لم يشك في مقدرة الله في إحياء الموتى لما طلب من الله أن يريه كيف يفعل لذلك. فقال الله له: "أولم تؤمن" قال إبراهيم: "بلى ولكن ليطمئن قلبي". فاطمئنان القلب هو ما يسعى إليه الناقد)] ، فإذا كانت الآية الكريمة تنص على اعتراف إبراهيم الخليل (عليه السلام) بإيمانه بالبعث والنشور ، ولكنه طلب الإطمئنان القلبي ، فليس هناك شك في الموضوع ! وقال الدكتور النجار : [(وحتى النبي محمد بن عبد الله خامره الشك في بداية رسالته ولم يصدق أنه نبي الله وأراد أن يلقي بنفسه من شاهق الجبال حتى طمأنه جبريل بأنه نبي الله)] ، فالدكتور النجار يشير إلى الرواية التي رواها البخاري في صحيحه باب التعبير ج8 ص67 :(قال الزهري فأخبرني عروة عن عائشة رضي الله عنها انها قالت اول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم) إلى أن تقول الرواية : (ثم لم ينشب ورقه ان توفي وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤس شواهق الجبال فكلما اوفى بذروة جبل لكي يلقى منه نفسه تبدى له جبريل فقال يا محمد انك رسول الله حقا فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك فإذا اوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك) وبلا شك فإنَّ هذه الرواية متهافتة جداً من عدّة جوانب ، فمن حيث السند فهي رواية ضعيفة بل غير مقبولة ومعام التدليس فيها واضحة ، فالراوية وهي أم المؤمنين عائشة تروي حادثة بدء الوحي وهي لم تكن مولودة في تلك الفترة ، فكيف تروي حادثة لم تعاصرها !!؟ وكذلك في السند عروة بن الزبير وهو مرفوض الرواية وقد جرحه أبن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة بأنه كان من النواصب ، فلا يمكن قبول روايته مهما كان رأي أهل السنة فيه ، حيث أنهم لا يأبهون لجرح الراوي بالنصب فنجدهم على سبيل المثال يروون عن الخوارج وهم من النواصب أيضاً ، وأحد علماء الجرح والتعديل عند أهل السنة هو من النواصب وهو أبو بكر السجستاني. وأما من حيث المتن فالحديث يتعارض مع الضرورة العقلية القائلة بعصمة الأنبياء فلا يمكن قبوله. فالحديث غير معتبر سنداً ومتناً.
وقال الدكتور النجار : [(ثم شك في بعض ما أنزل عليه فقال له الله: "فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك" (يونس 94))] ، قال الفيض الكاشاني في تفسيره (الأصفى) ج1 ص523 : (" المخاطب بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يكن في شك مما أنزل الله ، ولكن قالت الجهلة : كيف لا يبعث إلينا نبيا من الملائكة ، لنفرق بينه وبين غيره في الاستغناء عن المأكل والمشرب والمشي في الاسواق ؟ فأوحى الله إلى نبيه : " فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك " بمحضر من الجهلة ، هل بعث الله رسولا قبلك إلا وهو يأكل الطعام ويمشي في الاسواق ؟ ولك بهم أسوة ، وإنما قال : " فإن كنت في شك " ولم يكن ، ولكن ليتبعهم ، كما قال : " فقل تعالوا ندع أبنائنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا و أنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين " ولو قال : تعالوا نبتهل فنجعل لعنة الله عليكم ، لم يكونوا يجيبون للمباهلة ، فقد عرف أن نبيه عليه السلام مؤد عنه رسالته وما هو من الكاذبين وكذلك عرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه صادق فيما يقول ، ولكن أحب أن ينصف من نفسه ". وورد : " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لاأشك ولاأسأل " . وفي رواية " لما أسري برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى السماء ، وأوحى الله إليه في علي عليه السلام ما أوحى ، من شرفه ومن عظمته عند الله ، ورد إلى البيت المعمور وجمع له النبيين وصلوا خلفه ، عرض في نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من عظم ما أوحى إليه في علي عليه السلام ، فأنزل الله : " فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك " يعني الانبياء . فقد أنزلنا إليهم في كتبهم من فضله ما أنزلنا في كتابك " لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين " . قال : فوالله ما شك وما سأل ". أقول : وعلى كلتا الروايتين ، فالخطاب من قبيل : إياك أعني واسمعي يا جاره). فاتضح بذلك أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يشك في رسالته.
وقال الدكتور النجار : [(وشك فيما أنزل إليه مرة أخرى وكاد يصدق ما قاله المشركون، فأنزل الله عليه: "وإن كادوا ليفتنوك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلاً " (الإسراء 3) )] ، والصحيح أنها الآية (73) من سورة الإسراء المباركة ، ولا يوجد في الآية الكريمة علاقة بموضوع الشك بل أنَّ لها علاقة بالفتنة ، والفتنة غير الشك كما هو واضح. وقال السيد الطباطبائي (قده) في تفسير الميزان ج13 ص173 : (والمعنى : وإن المشركين اقتربوا أن يزلوك ويصرفوك عما أوحينا إليك لتتخذ من السيرة والعمل ما يخالفه فيكون في ذلك افتراء علينا لانتسابه بعملك إلينا وإذا لاتخذوك صديقا).
وقال الدكتور النجار : [(ثم قال له: "ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلا " (الإسراء 74). فلولا الشك لما احتاج الله أن يثبته)] ، وتفسير هذه الآية كما في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي (قده) 13 ص 173 : (التثبيت - كما يفيده السياق هو العصمة الالهية وجعل جواب لو لا قوله : " لقد كدت تركن " دون نفس الركون والركون هو الميل أو أدنى الميل كما قيل دليل على أنه صلى الله عليه وآله لم يركن ولم يكد ، ويؤكده إضافه الركون إليهم دون إجابتهم إلى ما سألوه . والمعنى : " ولو لا أن ثبتناك بعصمتنا دنوت من أن تميل إليهم قليلا لكنا ثبتناك فلم تدن من أدنى الميل إليهم فضلا من أن تجيبهم إلى ما سألوا فهو صلى الله عليه وآله وسلم لم يجبهم إلى ما سألوا ولا مال إليهم شيئا قليلا ولا كاد أن يميل). إذن فإنَّ (لولا) في اللغة العربية هي حرف إمتناع لوجود فيكون المعنى أن الركون قدأمتنع لوجود التثبيت. فلا يوجد للشك مكان هنا.
وقال الدكتور النجار : [(وشكك فلاسفة المعتزلة في بعض آوجه الإسلام)] ، فهو كلام بلا دليل ، بل فيه تجني على المعتزلة وتراثهم الديني والثقافي والفلسفي.
وقال الدكتور النجار : [(ولكن إذا كان السيد أبو زكريا يتحدث عن منطقة الحجاز، ففعلاً كانت هذه المنطقة متخلفة بالنسبة لدول الجوار بسبب عزلها عن بقية العالم المتحضر بالصحراء التي يصعب السفر فيها)] ، وليس الأمر يقتصر على منطقة الحجاز بل يشمل كل المناطق الأخرى من شبه الجزيرة العربية ، نجد وعمان والبحرين وعسير وغيرها من المناطق بتسمياتها المعروفة الآن ، وأما قوله [(ومع ذلك كانت مكة قرية متحضرة تجارياً ومدنياً)] ، فموضوع تحضر مكة هي مسألة نسبية فما يراه تحضراً قد لا يكون كذلك إذا قورنت بمنطقة أخرة ، فمكة كانت تفتقر للدولة والحكومة والقوانين ، وليس عندهم دواوين حكومية ولا نظام ضرائبي ، ليس لديهم سوى أعرافهم القبلية التي تعارفوا عليها. وأما الأوزان فقد أخذوها من المدنيات المجاورة لهم في بلاد الروم وفارس. وفي هذا الصدد تقول لورا فيشيا فاغليري في كتابها (دفاع عن الإسلام) ص94 : (وإذا كان الإسلام قد وفق إلى خلق أمة أمة موحدة قوية مؤسسة على المباديء الأخلاقية في شبه الجزيرة العربية ، حيث سادت فوضى ليس كمثلها فوضى ، وحيث كانت فكرة الحكومة كمؤسسة إجتماعية مستقلة مجهولة بالكليّة ، وحيث كان أيما شكل من أشكال السلطة البشرية يُعتبَر غير محتمل ، وحيث كانت القسوة هي القاعدة ، وحيث لم يكن القتل والسرقة جريمتين يُعاقب عليهما ولكن مجرد عملين يستدعيان مبادرة أسرة القتيل أو المعتدى عليه أو قبيلته إلى الأخذ بثأره ، فإنَّ ذلك ما كان ليتمّ إلا لأن الإسلام كان قانوناً وديناً في وقت واحد). ويبدو أن الدكتور كامل النجار لديه مشكلة من النساء رغم إدعاء الملحدين والعلمانيين والرافضين للدين عموماً أن نظرتهم متساوية بين الرجل والمرأة ، إلا إننا نجد ان الدكتور كامل النجار يذكر ما يشير إلى نبزه الإسلام بأنه لا يدافع عنه أو يؤيده من الغربيين إلا النساء المستشرقات ، فقال في نهاية مقاله المذكور في معرض حديثه عن الكتب الإسلامية التي اطلع عليها فقال : [(بالإضافة إلى عدة كتب للمستشرقين الذين انتقدوا الإسلام وبعض المستشرقات اللاتي امتدحنه)] ، فمن الجدير بالدكتور النجار أن يصحح زلة لسانه هذه التي عبّرت عمّا بداخله ، وهذا النص لا يحتاج إلى تعليق أو تكلف لفهمه.
ثم يعمد الدكتور كامل النجار إلى قلب الحقائق فيحاول أن يظهر العرب أكثر تطوراً في الجاهلية منهم في الإسلام ، فقال : [(ومع ذلك كانت مكة قرية متحضرة تجارياً ومدنياً وقد سافر تجارها في رحلات الشتاء والصيف إلى الشام واليمن وبلاد فارس، وعقدوا الأحلاف والسفارات مع هذه الدول. وقد عرفوا جميع أنواع الشركات والكيل والموازين التي برعوا فيها. فكان عندهم الرطل والأوقية، وكان الرطل اثنتي عشرة أوقية والأوقية أربعين درهماً. بل كانوا يعرفون الأوزان الدقيقة، فكان وزن الشعيرة يساوي واحد من الستين من وزن الدرهم (الجرام)، وهو نفس الوزن الإنكليزي الحديث. وكانوا يتعاملون بالعملات اليمنية والشامية والرمانية إلى أن جاء الإسلام وأراد عمر بن الخطاب أن يجعل الدراهم الإسلامية من جلد البعير. قال عمر: " هممت أن أجعل الدراهم من جلود الإبل. فقيل له إذًا لا بعير" (فتوح البلدان للبلاذري، ص 525). وعندما فتح المسلمون العراق في أيام الخليفة عمر، اختط عقبة بن غزوان مدينة البصرة عام 17 هجرية وبناها من القصب. قارن هذا مع حضارة جيرانهم الفرس الذين بنوا إيوان كسرى متعدد الشرفات)] ، فيبدو أن إستعمال كلمة (التحضر) يحتاج للكثير من التريث ، فالتحضر الذي يمكن أن توصف به مكة هو أمر نسبي قياساً إلى بقية القبائل العربية وما كانت تعاني منه من تخلف على كافة الأصعدة الإجتماعية والتجارية والسياسية ، فإذا نظرنا إلى حال مكة فهو أحسن قياساً للقبائل المذكورة ، وأما لو قمنا بقياس تحضر مكة نسبة للإنسانية فسوف نجد أن هناك تخلفاً كبيراً في مقاييس التحضر ، فالفقر والربا وحدة النظام الطبقي في المجتمع كلها تشير إلى هذا المضمون ، بل أن الزنا وإنتشاره بين كافة الطبقات الاجتماعية وبدون نكير حتى أنهم كانوا يلجأون إلى القافة لمعرفة الأب الحقيقي للمولود من الزنى لكثرة من كانوا يطئون الزانية في الساعة الواحدة ، كل هذا كان من أبرز سمات التخلف في المجتمع المكي ، وحول أوضاع المجتمع العربي الجاهلي نقرأ النص الآتي في كتاب (بين الجاهلية والإسلام) للشيخ محمد مهدي شمس الدين : (أما في بلاد العرب فقد كان السائد بينهم وثنية عجيبة غريبة ، لا يتوفر فيها ما توفر في الوثنيات الأخرى من الفن وإرضاء حسن الجمال ، فضلاً عن أن تلهم معتنقيها مباديء أخلاقية وشرائع إجتماعية. كانت القسوة والفظاظة ، والسكر والزنا ، والربا واللصوصية ، ووأد البنات والأبناء خشية العار والفقر ـ كانت هذه الخصال أخلاقاً فاشية فيهم ، لا يتذممون من شيء منها. وكان فيهم من يكره إماءه على الزنا ، ويأخذ أجرهن. وكانت الحرب عندهم سبيلاً من سبل الكسب وتوطيد المكانة الإجتماعية في ذلك المجتمع البدوي. وما أكثر الحروب الطاحنة المدمرة التي خاضتها بعض القبائل العربية الكبرى ضد البعض الآخر لأسباب تافهة. ولم يكن لمفهوم العدالة القانوني أي وجود في أذهانهم ، فلم تكن ثمة سلطة مسؤولة عن إقامة العدل ، ولم يكن ثمة حدود يقف الإنسان عندها في إحقاق الحق وإقامة العدالة ، بل كان أمر القصاص موكولاً إلى الفرد نفسه ، يقتص كما يشاء له هواه ، دون أن يكون ثمة نظام يسير عليه. والخلاصة في أمر الأخلاق ، في جاهلية ما قبل الإسلام ، أنها كانت تمارس على أساس عاطفي ، شخصي ، أو عنصري ، أو طبقي ، ولم يكن للعقل والمثل الدينية الصافية فيها سوى نصيب يسير. ومن هنا كان الإسفاف والضّعة التي كانت عليها أخلاق الناس في جاهلية ما قبل الإسلام). وحتى الدول المجاورة كانت تعاني من تخلف حضاري رغم المدنية التي كانت عليها ، وفي هذا الصدد يقول الشيخ محمد مهدي شمس الدين في كتابه المذكور آنفاً ما نصّه : (لقد كان العدل الروماني الذي يضرب به المثل حينذاك ـ في الإمبراطورية الرومانية ـ وهي أكثر الدول تقدماً في فن الحكم وسياسة الناس إذ ذاك ـ كان العدل الروماني المشهور عدلاً للرومانيين وحدهم. أما شعوب المستعمرات في آسيا وأفريقيا فكانت عند الرومان عبارة عن حيوانات سخرتها الآلهة لخدمتهم وحدهم. إنَّ الباحث ليعجب من عنف الظلم والجور الذي كانت تعانيه هذه الشعوب من حاكميها. وعلى الإجمال ، كان ، كان الحكم ، في عالم ما قبل الإسلام ، لوناً من السيطرة غير المحدودة ، تهدر فيها أبسط القيم الإنسانية ، ويسحق فيها الإنسان بلا رحمة ، ولا يقام فيها وزن لأي مبدأ أخلاقي).
ويعاضد هذا الذي ذكره الشيخ محمد مهدي شمس الدين ، ما نعرفه
من ظلم كان الرومان قد سلطوه على الأقباط في مصر في سلسلة الإضطهاد الديني
الذي كانت الإمبراطورية الرومانية أن تسلطه على رعاياها في مستعمراتها ،
لدرجة دفعت القس زكريا بطرس للقول في كتابه تاريخ إنشقاق الكنائس وهو يتحدث
عن الانشقاق في الكنيسة الذي حصل بعد إنعقاد المجمع في مدينة خلقيدونية سنة
451م وبدء الإضطهاد الروماني للكنيسة القبطية في مصر ما نصه :
(كان نتيجة لهذا الانشقاق أن اضطهد
قياصرة القسطنطينية الكنيسة المصرية وذلك لأن أولئك الأباطرة
كان من مصلحتهم أن لا
يكون هناك انشقاق في إمبراطوريتهم ولذلك حاولوا بشتى الطرق أن
يثنوا الكنيسة
المصرية عن إيمانها ولكن باءت محاولاتها بالفشل وأخيراً أرسل
أولئك الأباطرة بطاركة
من قِبلهم إلى الإسكندرية ليحلوا محل البطاركة الأقباط وعرف
أولئك البطاركة
المعينين من قِبل الملك بالبطاركة "الملكيين" وطبيعي كانوا من
أنصار معتقد مجمع
خلقيدونية) ، ويقول أيضاً : (وبهذا أصبح في مصر
بطريركان أحدهما يختاره الأرثوذكس الأقباط والآخر يرسله
القيصر ليكون بطريركاً
للملكيين. وكان الأقباط يرسمون بطريركهم سراً وكان لا يُسمح
لهم بدخول
الإسكندرية. وظل الحال على هذا الوضع حتى دخول العرب مصر.
وتخلص الأقباط من سلطة
الرومان وبطاركة الروم "الملكيين" ) ، فلم يتخلص الأقباط من
الإضطهاد وسياسة الإلغاء التي كانت السلطة الرومانية تمارسها ضدهم إلا بعد
الفتح الإسلامي لمصر. ويقول الدكتور حسن إبراهيم حسن في كتابه (تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والإجتماعي) ما نصه : (وزادت الضرائب في عهد الرومان زيادة كبيرة ، حتى شملت ـ كما يقول المؤرخ ملن ـ الأشخاص والأشياء. فكانت تجبى على الرؤوس والصناعات ، وعلى الماشية والأراضي ، ولم تكن مقصورة على أنواع خاصة من البضائع. بل كانت تجبى على المارة ، رجالاً ونساءاً ـ تجاراً وغير تجار ـ ومن صناع السفن ، ومن زوجات الجنود ، وعلى أثاث المنزل. ولم تقتصر تلك الضرائب على الأحياء ، بل تعدتها إلى الموتى ، حتى أنه كان لا يسمح بدفن الميت إلا بعد دفع ضريبة معينة. وقد أزم المصريون بإيواء من يمر بهم من الموظفين الملكيين والعسكريين من الرومان ، وتقديم ما يلزمهم من الحاجات ، وتوفير أسباب الراحة لهم في حلهم وترحالهم ، كما ألزموا في السنين الأخيرة بأن يقوموا بغذاء الجنود). وأما موضوع عقد قريش الأحلاف والسفارات مع الدول في الشام واليمن وبلاد فارس فهو أمر لم نتبينه وليت الدكتور كامل النجار يذكر لنا مصدراً ونصاً حول هذا الموضوع ، وما وجدناه أنَّ قريش عقدت معاهدات مع القبائل العربية التي تقع على خطوط تجارتها ، ففي كتاب (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام — د. جواد علي) نقرأ في معرض حديثه عن قريش ما نصه في ج2 ص394 : (وكان لأشرافها أحلاف مع سادات القبائل، تحالفوا معهم لتمشية مصالهم ولحماية تجارتهم) ، واما الحديث عن النقود والمكاييل والموازين فيعكس مؤشرات أخرى ، ذلك أن النقود والمكاييل والموازين عند عرب الحجاز ونجد والعراق وبلاد الشام كانت تختلف عن تلك المستعملة لدى عرب الجنوب ، فيقول د. جواد علي في مفصّله ج4 ص 1127 ما نصّه : (إن أهل الحجاز وفي والعرب الشماليين كانوا قد استعملوا النقد البيزنطي والساساني في أسواقهم وفي تجارتهم، وكانوا عالة على الأعاجم في استعمال النقد. و ذلك مما يدل على إن تعاملهم التجاري مع الانبراطوريتين كان وثيقاً. وقد بقيت هذه النقود الأعجمية مستعملة في الإسلام كذلك،وبقيت أسماؤها حية حتى بعد تعريب النقد، ولا يزال اسم الدينار والدرهم والفلس إلى هذا اليو م. أما العرب الجنوبيون، فكان لهم نقد خاص بهم) إلى أن يقول : (وقد ذكرت أن بعض العلماء رجع تأريخ أقدم نقد عريي جنوبي عثرعليه سنة "405" قبل الميلاد. ويظهر أن أهل الحجاز لم يتعاملوا به كثيراً ، بدليل عدم وجود ذكر له في المؤلفات الإسلامية ، وفي الأخبار الواردة عن أيام الرسول) ، وقال أيضاً بخصوص الموازين والمكاييل ما نصّه : (ويظهر أثر الأخذ من اليونانية واللاتينية والفارسية والارمية في المكاييل والموازين كذلك، و ذلك عند عرب الحجاز ونجد والعراق وبلاد الشام. أما عرب الجنوب فقد كانت لهم أسماء للمكاييل والموازين خاصة بهم، اختلفت عن الأسماء المستعملة عند العرب الشماليين المذكورين) ، وليس هذا فقط بل كانت الكلمات المعربة التي أستعملت من قبل عرب الشمال نختلف عن تلك التي تستعمل عند عرب الجنوب ، مما يعكس إنقساماً تجارياً وثقافياً حاداً ، وفي هذا الصدد يقول د. جواد علي في مفصّله ج4 ص 1127 ما نصّه : (ولدي ملاحظة، هي إن وجود المعربات في العربية الحجازية، يدل دلالة صريحهَ واضحة، على إن المتكلمين بها كانوا قد تأثروا بالحضارات الشمالية أكثر من تاثرهم باخوانهم العرب الجنوبيين ، وان اتصالهم الفكري كان بالشمال أكثر منه بالجنوب ، ولا يقتر هذا التأثر على المعربات فقط ، بل يشمل كل المؤثرات الثقافية الأخرى ، كالذي رأيناه في مواضع متعددة من الأجزاه المتقدمة من هذا الكتاب. فكأننا أمام ثقافتين مختلفتين وشعبين متباينين ، بالرغم من اتصال حدود الحجاز باليمن ، وقرب المسافة بينهما ، حتى اللغة نجد بوناً شاسعاً بينها وبين اللغات العربية الجنوبية ، وهذا ما حمل بعض العلماء على القول : ما لغة حمير بلغتنا ، ولا لسانهم بلساننا ، ففرق بين اللسانين ). فالعرب كانوا يعيشون في بيئة قاسية منقسمة إجتماعياً وتجارياً ومالياً وثقافياً ودينياً ، جاء الإسلام فوحدها على جميع الأصعدة. واما ما نسبه للخليفة عمر من محاولته جعل الدراهم من جلود الأبل فعلى فرض صحة الرواية ، فهو خطأ إقتصادي صدر عن الخليفة لقلّة خبرته المالية ، فهل يجب أن يتحمّل المسلمون جميعاً مسؤولية هذا الخطأ الذي لم يتم تنفيذه ، وهل يجب ان يتحمّل العراقيون جميعاً مسؤولية ما كان يفعله صدام المجرم حينما كان يطبع النقود الورقية العراقية في المطابع المحلية وبإستخدام ورق من النوع الرخيص وبدون أي غطاء من الذهب لها ، فهل تجد فرقاً بين النقود من جلد الأبل وبين النقود من أوراق الصحف ؟!
وأما ما نسبه للقائد عتبة بن غزوان ـ وليس عقبة بن غزوان ـ من بناءه البصرة من القصب ، فعلى فرض صحة هذه الرواية فإنَّ مقارنة الدكتور كامل النجار لهذا البناء مع بناء أيوان كسرى متعدد الشرفات هي مقارنة غير منصفة ! فوجه عدم الإنصاف في هذه المقارنة أن عتبة بن غزوان قد بنى البصرة كمعسكر لجيش المسلمين وأستعمل أكثر مادة بناء متوفرة في تلك المنطقة وأرخصها ، فالجدوى الإقتصادية فيما يبدو كانت قد تم لحاظها من قبل المسلمين في ذلك الزمن البعيد ، ويبدو أن عتبة بن غزوان أراده معسكراً مؤقتاً بدليل أنه كان يجمع القصب كلم |