الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

15  أيـــلول  2005

أفكار عراقية

حقائق عربية - 3

أضواء على أنساب العرب

كتابات - نبيـل الكرخي

 

3. قبائل عربية مجهولة النسب :

ذكر السويدي في كتابه ( سبائك الذهب ) فصلاً خاصاً هو ( ذكر القبائل التي ذكرها النسابون ولم يلحقوها بقبيلة معينة ) فذكر في هذا الفصل اكثر من خمسين قبيلة من قبائل العرب لم يعرف أصلها ، وهذا الأمر يدعم ما توصلنا إليه من أختلاط انساب العرب وتعدد أصولهم وهي سمة تنطبق على جميع القبائل العربية قديماً وحديثاً ، وقد ساعد على ضياع أنساب تلك القبائل الأمور الآتية :

إن أنساب العرب قديماً كانت تحفظ في الصدور والذاكرة العربية لم تكن لتستوعب أنساب مئات القبائل وملايين البشر من العرب وحدهم .

إن العرب كانت تغير أنسابها تبعاً للظروف السياسية التي تعيشها .

إن بعض قبائل العرب كانت تدخل في تحالفات مع قبائل أقوى منها وبمرور الزمن تذوب القبائل الضعيفة وتصبح جزءاً من القبائل القوية وجزءاً من نسبها أيضاً .

إن بعضاً من العرب لم يكونوا يأنفون أن ينسب اليهم أولاد غيرهم من الرجال أو أن ينسبوا إلى آباءٍ غير آبائهم .

عندما وصلت الأنساب إلى عصر التدوين بعد الإسلام كانت محملة بالكثير من الأخطاء والأوهام .  

 

إنَّ وجود هذا العدد من القبائل العربية مجهولة النسب في عصر الجاهلية يفند المزاعم القائلة بأن الذاكرة العربية كان لها القدرة ان تستوعب كل انساب العرب من عصري عدنان وسبأ عبر أكثر من ( 17 ) قرن .

 

العرب العاربة والعرب البائدة :

قال الدكتور أحمد سوسة : ويصف ابن خلدون في كتابه " تاريخ العبر وديوان المبتدأ والخبر" العرب العاربة والعرب البائدة بأعتبارهما مصطلحين لمعنى واحد فيقول : ان العرب العاربة شعوب كثيرة وهم عاد وثمود وطسم وجديس وأميم وعبيل وعبد ضخم وجرهم وحضرموت وحضور والسلفات وسمي هذا الجيل العرب العاربة أما بمعنى الرساخة في العروبية والمبتدعة لها بما كانت اول اجيالها وقد تسمى البائدة أيضاً بمعنى الهالكة لأنه لم يبق على وجه الأرض أحد من نسلهم .

هذا الرأي الذي طرحه الدكتور أحمد سوسة على جانب كبير من الصحة حيث لا يوجد فرق إجتماعي أو تأريخي أو حضاري يميز القبائل المذكورة انفاً عن قبائل قحطان لاسيما وان حضرموت والسلفات وحضور هم بالفعل من ذرية قحطان بحسب التقليد الموروث ، واما دعوى التمييز بين هذه القبائل بأن بعضها قد هلك وانقرض فهي دعوى غير مستندة إلى دليل فضلاً إلى إن أختفاء ذرية بعض تلك القبائل له ما يماثله في القبائل السبئية بل والنزارية أيضاً ( العرب المستعربة ) ، فأختفاء الذرية لا يعني الانقراض بل انهم قد يكونون عاشوا في المجتمع العربي بمسميات جديدة وأحياناً بنسب جديد ، وقد علمنا ان العربي يغير نسبه تبعاً للظروف الاجتماعية والسياسية التي كان يعيشها .

ومن الأمثلة على ما ذهبنا إليه قبيلة حضرموت التي يعود نسبها الى قحطان والتي كان لها ملك وسلطان في سالف الزمن الا ان ذلك الملك قد تقلص ثم زال وانضم بقية أفراد قبيلة حضرموت الى قبيلة كندة ، وفي الأندلس كان هناك القليل منهم ذكرهم أبن حزم الأندلسي في جمهرته ، واليوم لا يوجد لأحد منهم أثر لأن ذريتهم قد تكون مستمرة إلى يومنا هذا بمسميات جديدة ، فلا يصح ان يقال عن قبيلة حضرموت انها هلكت وأصبحت في عداد العرب البائدة إذ ان هذا خطأ ، بل يقال إنها أندمجت بغيرها من قبائل العرب .

ومن أمثلة القبائل النزارية (العرب المستعربة ) التي اندمجت بغيرها من القبائل هم بنو عبس الذين اشتهروا بفارسها الشهير عنترة بن شداد ، واليوم لا تجد لهذه القبيلة اثر في نجد حيث موطنها ، ولعلنا نعثر على بعض العوائل العربية المنتسبة الى بني عبس هنا أو هناك ، فقد أصبحوا شراذم وتفرقوا في قبائل العرب واندمجوا فيها فلا يصح ان نقول ان بني عبس من العرب البائدة .

ومن الأمثلة القريبة في عصرنا الحاضر هو قبيلة المنتفق النزارية التي كان لها إمارة كبيرة في جنوب العراق ، قال السويدي انه المنتفق بن عامر بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن سليم بن منصور بن عكرمة بن بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ، ونظراً لقوة وأهمية إمارة المنتفق فقد اصبح يطلق أسمها على جميع الأراضي التي خضعت لنفوذها في جنوب العراق ، وبعد تأسيس النظام الملكي في العراق اصبح يطلق على تلك الأراضي اسم لواء المنتفق وبقيت هذه التسمية حتى بعد تاسيس النظام الجمهوري إلى أن تم استبدال أسمها بأسم محافظة ذي قار قبل عقود قليلة .

ومن الملفت للنظر انه لايوجد اليوم أي عراقي في جنوب العراق او غيره ينتسب لتلك القبيلة الشهيرة ( المنتفق ) ، وفي زمنٍ ما ورثت إمارة المنتفق ثلاث قبائل قوية هم الاجود وعبودة وبني سعيد حيث كونوا بينهم اتحاد عشائري مهم حكم جنوب العراق وترأسهم آل شبيب الذين اصبح يطلق عليهم فيما بعد اسم آل سعدون وهم يدَّعون النسب الهاشمي لكنهم يتأرجحون بين النسب الحسني والنسب الحسيني ، وأما بني سعيد فهم ينتسبون إلى زبيد الأكبر من سبا ، وأما عبودة فهم من ربيعة من عدنان ، وأما الاجود فهم الأقرب نسباً إلى قبيلة المنتفق إذ هم من ذرية أجود بن زامل العقيلي الذي كان له ملك في الاحساء ، ثم انتقلت ذريته الى جنوب العراق ليرثوا امارة أولاد عمهم المنتفق ، وهكذا تجد أندماج قبيلة المنتفق في غيرها من القبائل العربية ، فلا يصح أن نقول انهم من العرب البائدة ! رغم إن ظاهرهم يحكم بذلك .

إذن دعوى تقسيم العـرب إلى ثلاث طبقـات ـ البائـدة والعاربة والمستعربة ـ  لا دليل عليها ، وقد علمت الآن بطلان دعوى هلاك العرب البائدة ، فلم يبق أمامنا سوى العاربة والمستعربة .

 

لماذا عاربة ومستعربة ؟!

لتقريب الفكرة التي نريد طرحها نبتدئ بذكر حقيقة عن اليهود تقول إن اليهود يعتبرون انفسهم شعب الله عز وجل المختار وأنهم يقسمون البشر الى قسمين هما : اليهود والامميين ، فاليهود هم الشعب المختار وما سواهم بقية الامم .

ونفس المسالة تنطبق على السبئيين الذين ينحدرون من سلالة ملكية والقبائل المعاصرة لهم فهم يفتخرون على بقية أقوام الجزيرة العربية بهذه السلالة حتى بعد انهيار سد مأرب وتفرقهم في أنحاء الجزيرة العربية ـ يضاف لذلك وجود بعض من اعتنقوا الدين اليهودي من عرب اليمن ومن ملوكهم بالتحديد ـ وهذه المسألة معروفة تأريخياً ـ فيعتبرون أنفسهم السكان الأصليين للجزيرة العربية ، لذلك فانهم أخذوا يطلقون على سكان الجزيرة العربية الاسماعيليين ( نسل النبي إسماعيل الذي يعود اصله إلى خارج الجزيرة العربية حيث إن النبي إبراهيم عليه السلام ولد في مدينة أور في جنوب العراق فهم يعتبرون غرباء في الجزيرة العربية ) أسم المستعربين أي انهم ليسوا عرباً اصليين مثل  السبئيين ، وهكذا نشأت تسمية العرب العاربة أي العرب الأصليين ، وتسمية العرب المستعربة أي الحديثين في الانتساب للعرب والسكن في جزيرتهم ، ورغم ان عصر النبي اسماعيل عليه السلام وعصر سبأ متقارب جداً كما قال الهمداني في الأكليل ، فأن ذلك يعني ان ظهور القبائل السبئية كان متزامناً مع ظهور القبائل الإسماعيلية ، وهذا ببساطة يعني ان القبائل التي أعتبرت نفسها من العاربة كانت قد ظهرت قبل ظهور سبأ ثم نسبت نفسها اليه.

 ولأن فكرة التقسيم الى عاربة ومستعربة ليس لها اصل تأريخي سوى التعصب الأعمى مثل تعصب اليهود حين أعتبروا أنفسهم الشعب المختار ، لذلك نجد إن ما انتشر في جزيرة العرب من لغة ودين هو لغة ودين أولئك المستعربون واما لغة العاربة فقد اضمحلت وانقرضت مثلما انقرضت دولتهم ، وحتى النبي (صلى الله عليه وآله) الذي ظهر في الجزيرة العربية كان من المستعربين في إشارة واضحة إلى تهافت مزاعم التقسيم الطبقي إلى عاربة ومستعربة بنفس مستوى تهافت دعوى الشعب المختار اليهودي .

 

 

كَذَبَ النسابـون :

عن أبن عباس ( رضي الله عنهما ) ان رسول الله (صلى الله عليه وآله)  كان إذا انتسب لا يجاوز معد بن عدنان ثم يمسك ويقول : ( كذب النسابون ) مرتين أو ثلاثاً ، وهذا الحديث الشريف بفرض صحة صدوره يحمل معاني واثار ذات دلالات عميقة ، فقد منع الحديث الشريف لذكر النسب بين نزار وإسماعيل عليه السلام والعلة في هذا المنع هو كذب النسابين في ذلك النسب ، والكذب هنا إما أن يكون متعمداً إذ إن النسابين قد يدخلون قوماً في قوم آخرين متعمدين ـ وهذا كان شائعاً عند العرب كما مر سابقاً ـ أو يكون كذب النسابين عن جهل إذ إن الفترة الزمنية الكبيرة أدت إلى ضياع النسب الحقيقي مما دفع النسابين إلى ابتداع نسب آخر أو إهمال الأسماء التي نسوها دون أن يُنبِّهوا إلى هذا النسيان ، وهذا الكذب لا يشمل النسب النبوي فحسب بل يشمل كل انساب العرب إذ إن العلة فيها واحدة ، فالأولى أن لا نذكر أي نسب من الأنساب المنقولة عن عرب الجاهلية ، وما صح عندنا هو النسب النبوي إلى نزار فحسب .

وحتى النسب النبوي الشريف لم يكن ليصل لنا كاملاً لولا ان النبي  قد صرّح به . 

وهكذا كانت الولادة الإسلامية للأنساب بإلغاء انساب الجاهلية المكذوبة والتزام النسب النبوي فقط ، وكأن الإسلام يريدنا أن لا نقع في الخطأ الذي وقع فيه اليهود من قبل حين ملئوا توراتهم بسلاسل نسب كثيرة مكذوبة من آدم والى أيام مملكتهم في فلسطين واعتنوا بروايتها برغم إن سلاسل النسب تلك لا تملك أي قيمة تاريخية أو اعتبارية لبعدها عن الصحة وان الذين كتبوها قد وقعوا في نفس أخطاء النسابين العرب من جهة الكذب .

وهكذا يعلن الإسلام إن الغرض من الأنساب ومعرفة القبائل ليس لأجل التفاخر بطول سلسلة النسب أو بلوغها إلى آدم كما هو شائع عند النسابين ـ مع الأسف ـ بل ان الغرض من الأنساب ومعرفة القبائـل هو ما ذكرتـه الآية الكريمة بقوله تعالى : (( وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم )) ، و التعارف المذكور يبقى متحققاً بعد إلغاء أنساب الجاهلية المكذوبة ، فما الفرق عند المسلم بين أن تكون قبيلة تميم نزارية أو سبئية ؟ الا يكفي المسلم أن يعلم إن تميم قبيلة عربية كانت تعيش في شبه الجزيرة العربية .

 

من هم النسابـون ؟!

من غريب المفارقات إن انساب العرب التي نقترح في هذا البحث إهمالها وعدم إعتبارها لكذبها قد تم أنتقالها بين العرب من جيل إلى جيل بصورة عشوائية وشعبية بعيداً عن المنهج الروائي الذي تعارف عليه في الإسلام في رواية الحديث الشريف ، وهذه الحقيقة لم يذكرها أحد من قبل مع الأسف ! وكأن النسابين العرب بعد الإسلام أرادوا التغطية على هذا الموضوع لكي لا تبور بضاعتهم ! واقدم النسابين المعروفين قد عاشوا في القرن الهجري الأول أو من المخضرمين الذين عاصروا الجاهلية والإسلام أما نسابوا الجاهلية فلا يعرف عنهم شيء ، والنسابون العرب في القرن الأول الهجري هم :

 ـ أبو الجهم بن حذيفة من بني عدي من قريش وهو صحابي أسلم عام الفتح .

ـ جبير بن مطعم من بني عبد مناف من قريش وهو من اصحاب الامام علي السجاد عليه السلام .

ـ الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام .

ـ الحجر بن حارث الكناني .

ـ حكيم بن حزام بن خويلد من قريش ، وهو صحابي .

ـ حويطب بن عبد العزى من بني عامر بن لؤي من قريش .

ـ دغفل بن حنظلة الشيباني .

ـ زيد بن عبيد الله من بني عوف بن سعد .

ـ سعيد بن المسيب .

ـ صحار بن العباس العبدي ، وهو من الخوارج .

ـ عبد الله بن ثعلبة العذري المدني .

ـ عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ( رضي الله عنهم ) .

ـ أبو بكر بن أبي قحافة من بني تيم من قريش .

ـ عبيد بن شرية الجرهمي .

ـ عقيل بن ابي طالب ( رضي الله عنهما ) .

ـ علاقة بن كرسم الكلابي ، من اصحاب يزيد بن معاوية عليهما اللعنة .

ـ محمد بن انس من بني أسد .

ـ مخرمة بن نوفل من بني زهرة من قريش .

ـ النجار بن اوس القضاعي  .

 

وفيما يلي بعض الملاحظات حول هؤلاء النسابين :

• إن الأنساب المروية اليوم لم تنسب إلى أي منهم بالتحديد ، أي لم يتبع فيها المنهج الذي اتُبِعَ في رواية الأحاديث أو الروايات التاريخية ، فلا نعلم على وجه التحديد رأي عبد الله بن عباس ( رضي الله عنهما ) في نسب قضاعة او نسب سبا بن يشجب على سبيل المثال ، فلا نعرف اليوم الأنساب التي بين أيدينا وفق رواية مَن مِن النسابين المذكورين آنفاً ، ولا نعرف أيضاً رأي كل واحد منهم تفصيلياً في نسب كل قبيلة من قبائل العرب النزارية أوالسبئية بحسب زعمهم !

• لا نعرف مدى وثاقة من أخذت عنه انساب العرب وهل يمكن الأخذ بروايته ، وقد مر عليك إن من بين النسابين في القرن الأول الهجري علاقة بن كرسم وهو من ندماء واخلاء يزيد بن معاوية عليهما اللعنة ، فمثل هذا كيف يعتمد على روايته ؟

 

طرق حفظ الأنساب

كان العـرب قبل الأسلام يعتمدون على ذاكرتهـم في حفظ الأنساب فيتوارثون ذلك الحفظ جيلاً بعد جيل ، الى أن وصل الأمر الى ظهور الأسلام وأنتشار الكتابة في القـرن الأول الهجري فأخذ البعض بتدوين الأنسـاب ، أطلق الهمدانـي عليهم اسـم " أصحاب السجل "  ولابد ان هؤلاء كانوا قد ظهروا بعد الأسلام لعدم شيوع الكتابة قبل الأسلام وعدم ذكر تلك الطبقة من الناس اصحاب السجل الذين يكتبون الأنساب ، اللهم الا ان يكونوا من اليهود حيث قيل ان بورخ بن ناريا وهو كاتب النبي أرميا عليه السلام قد ثبَّت نسب معد بن عدنان في كتبه وهو نسب معروف عند أحبار اليهود  ! ونحن لا نثق بأنساب بني اسرائيل التي رواها اليهود في التوراة فكيف نأتمنهم على أنساب العرب أعداءهم التأريخيين !!

وقد ذكر الهمداني طريقة تثبيت الأنساب في السجلات فقال : ( ومن شرائط النسب ان لايُذكر من أولاد الرجل الا النبيه الأشهر ويُلغى الغبي ، ولولا ذاك لم يسع أنساب الناس سجل ولم يضبطها كاتب ، الا ترى انَّا ذكرنا من ال ذي أوسان صلبَ رجل واحد وذو أوسان بطن كبير ، وكذلك في جميع ما ذكرنا ، وعلى هذا مذهب النُسّاب ) ، ولعل هذا هو مذهبهم أيضاً في حفظ الأنساب عن ظهر قلب قبل الأسلام لصعوبة ان تستوعب الذاكرة أسماء ملايين البشر من العرب فقط .   

وهنا نطرح التساؤل الاتي : ماذا لو برز من اولئك المغمورين رجل نبيه كأن يكون فارساً أو شاعراً أو ولياً صالحاً لم تحفظ سجلات أهل السجل انساب اجداده لعدم نباهتهم ، فكيف سيُعرف نسبه ، وهل يصح ان يكتفي بما حفظه اباؤه من نسبهم مع ان أصحاب السجل النُسّاب لا يؤيدون نسبه ولا يوثقوه لعدم تسجيله لديهم ؟ أم انه يلجأ للأنتساب الى نسب معروف لدى أهل السجل النسابين وان لم يكن هو نسبه الحقيقي ؟ وهل يكفي ان نقول ان الناس مأمونون على أنسابهم ـ مثلما يفعل البعض اليوم فينسبون من يشاؤون لمن يشاء ـ وعند هذا يسقط دور النسابين أهل السجل ولا يمكن الأعتماد عليهم لعدم شمولهم لجميع الأنساب.

وبالحقيقة فأن هذه المشكلة هي جزء من المسيرة الأنسانية وهي مشكلة دائمة الظهور منذ عصر ما قبل الأسلام والى يومنا هذا ، وهي مشكلة ليس لها حل ، بل ان عدم وجود حل لها يثبت ما ذكرناه في كتابنا هذا من ان الأهتمام بسلاسل النسب الطويلة التي تصل انسان اليوم الى عدنان أو قحطان بل في كثير من الأحيان الى ادم عليه السلام هي سلاسل نسب عديمة الجدوى وغير ذات فائدة بالأضافة الى ان الأهتمام بها يُضيع وقتَ الأنسان الذي يمكن أستغلاله في علوم ذات نفع اكبر للبشرية. 

 

الأنساب علم لا ينفع :

قال السيد محمد صادق بحر العلوم حول أهمية علم النسب ما نصه :

( إن علم النسب علم عظيم القدر وجليل النفع إذ به يكون التعارف بين الناس وقد

جعل الله تعالى جزء منه تعلمه لا يسع أحدا جهله ، وجعل تعالى تعلمه فضلا فمن جهله يكون ناقص الدرجة في الفضل ، وكل علم هذه صفته فهو علم فاضل لا ينكر حقه إلا جاهل أو معاند ، وقد قال الله تعالى : " إنا خلقنانكم من ذكر وأنثى وجعلنا كم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن اكرمكم عند الله أتقاكم " - سورة الحجرات " آية ( 12 ) " فقد جعل تعارف الناس بانسابهم غرضا له تعالى في خلقه إيانا شعوبا وقبائل .

     وقد حث النبي (صلى الله عليه وآله) على تعلمه " فيروى عنه قوله (صلى الله عليه وآله) : ( تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم ، فان صلة الرحم محبة في الاهل مثراة في المال ، منساة في الاجل ، مرضاة للرب ) ويروى عنه (صلى الله عليه وآله) أيضا أنه قال : ( إعرفوا أنسابكم تصلوا أرحامكم فانه لاقرب بالرحم إذا قطعت وإن كانت قريبة ولا بعد بها إذا وصلت وان كانت بعيدة ) وقال (صلى الله عليه وآله) : ( كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا ماكان من سببي ونسبي ) ومعرفة نسب آل الرسول عليهم السلام لها أهمية كبرى لوجوب إجلالهم وإعظامهم كيف لا وهم خيرة الله التى اختارها ورفع في العباد والبلاد منارها ، ومعرفة النسب فرض كفاية على المسلمين ، ومن فوائد معرفته معرفة من يجب له حق في الخمس من ذوى القربى ، ومعرفة من تحرم عليه الصدقة من آل محمد عليهم السلام عمن لا حق له في الخمس ولا تحرم عليه الصدقة ، فمن الوهم إذن ما قيل إن علم النسب على لا ينفع وجهالته لا تضر ، بل هو علم ينفع وجهلة يضر في الدنيا والاخرة ) .

وقد اخترنا هذا النص لما وجدنا فيه من تعبير وافي لوجهة نظر معظم النسابين في عصرنا الحاضر حول أهمية علم النسب والأعتناء به ، ونحن بالتاكيد نتفق مع هذا النص في كل ما ذهب اليه حول أهمية الأنساب من النواحي الاتية :

ـ معرفة الأنساب بالقدر الكافي لمعرفة الأرحام وحتى البعيدة منها لغرض وصلها كما أمرنا بذلك الشارع المقدس.

ـ معرفة أنساب بني هاشم بصورة تفصيلية لتحقيق المذكور في النص اعلاه.

 

ففي هاتين الناحيتين تكون معرفة الأنساب نافعة ، وأنت ترى ان تحقيق هاتين الناحيتين لا يتعارض مطلقاً مع ما طرحناه في هذا البحث حول نبذ انساب الجاهلية وعدم الإلتفات اليها لعدم مصداقيتها ، فان صلة الرحام البعيدة لاتتطلب منّا سوى معرفة الأجداد على النحو المتعارف في المجتمع وحتى لو بلغت معرفتنا الى الجد العاشر أو الخامس عشر فأن صلة هذه الأرحام من الأمور الواجبة شرعاً ، ومن يزعم ان هناك ارتباط بين صلة الرحام ومعرفة سلاسل النسب الجاهلية فعليه ان يعطينا حلاً للعشرات من القبائل والعشائر والعوائل الموجودة اليوم والتي لا تعرف سلسلة نسبها الجاهلي وتلك القبائل التي لا تعرف نسبها أصلاً أو تختلف في الأنتساب الى اصول مختلفة ! وعلى أصحاب تلك المزاعم ان يبينوا لنا تاثير صلة الرحم على كون القبيلة أو العائلة عدنانية أو قحطانية وما هي فائدة معرفة ذلك التقسيم في صلة الرحام ؟!  

وأما أنساب آل البيت (عليهم السلام) فهي أنساب ولدت في عصر الأسلام وتمت رعايتها وتدوينها من قبل نسابين كفوئين ، فهي بالتأكيد غير مقصودة بما طرحناه في كتابنا هذا ، وفيما عدا هاتين المسألتين فأن معرفة الأنساب الجاهلية علم لا ينفع وجهل لايضر ، ففي أمالي الصدوق عن الأمام أبي الحسن موسى الكاظم (عليه السلام) عن ابائه (صلوات الله عليهم) قال : دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) المسجد فاذا جماعة قد طافوا برجل ، فقال : ( ما هذا ) ؟ فقيل : علاّمة ، قال : ( وما العلامة ) قالوا : أعلم الناس بأنساب العرب ووقائعها وأيام الجاهلية ويالأشعار والعربية ، فقال النبـي (صلى الله عليه وآله) : ( ذاك علم لا يضر من جهله ولا ينفع من علمه ) ، وفي مصدر اخر : قال النبي (صلى الله عليه وآله) في رجل تعلم أنساب الناس : ( علم لاينفع وجهالة لاتضر ) ، وقال مالك بن أنس : وأكره ان يرفع في النسبة فيما قبل الإسلام من الآباء .

فهل في ذلك عبرة لأولي اللباب ؟

 

وفي الختام أدعوكم الى دعاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) عسى أن يتقبل الله عز وجل منّا عملنا ويستجيب دعائنا.

{ اللهم اني أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعاء لا يستجاب }

 

والحمد لله رب العالمين.

 

المصادر :

1.           التاريخ الكبير : لأبي عبد الله محمد بن اسماعيل البخاري ، ت 256 هـ ، المكتبة الاسلامية في ديار بكر.

2.           طرائف المقال في معرفة طبقات الرجال : الحاج السيد علي أصغر بن العلامة السيد علي شفيع الجابلقي البروجردي ، ت 1313 هـ ، تحقيق السيد مهدي رجائي / الطبعة الاولى / طبع بهمن ـ قم.

3.           تهذيب الكمال في أسماء الرجال : جمـال الدين بن أبـي الحجاج يوسف المزي ( 654 ـ 742 ) هـ / تحقيق الدكتور بشار عواد معروف / الطبعة الرابعة 1406 هـ / مؤسسة الرسالة.

4.           تاريخ دمشق : أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي المعروف بأبن عساكر ( 499 ـ 571 ) هـ / تحقيق علي شيري / دار الفكر ، بيروت.

5.           الاصابة في تمييـز الصحابة : أحمد بن علي بن شهاب بن حجر العسقلاني ، ت 852 هـ / تحقيق الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض / دار الكتب العلمية ، بيروت.

6.           السنن الكبرى : أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي / تحقيق الدكتور عبد الغفار سليمان البنداري وسيد كسروي حسن / الطبعة الاولى 1411 هـ – 1991 م / دار الكتب العلمية ، بيروت.

7.           الجامع الصحيح : أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي / تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف / دار الفكر ، بيروت.

8.           تهذيب التهذيب : أحمد بن علي بن شهاب بن حجر العسقلاني ، ت 852 هـ / الطبعة الاولى 1404 هـ – 1984 م / دار الفكر ، بيروت.

9.           الجرح والتعديل : أبو محمد عبد الرحمن بن ابي حاتم الرازي ، ت 327 هـ / الطبعـة الاولى 1271 هـ – 1952 م / مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية / دار احياء التراث العربي ، بيروت.

10.         صحيح مسلم : مسلم بن الحجاج القشيري / دار الفكر ، بيروت.

11.         السنن الكبرى : أحمد بن الحس&