|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
11 أيـــلول 2005 |
|
أفكار عراقية جان لوك والمثقف المغترب كتابات - نبيـل الكرخي قال الدكتور عبد المنعم الحفني في الموسوعة الفلسفية : (يوحنا لوك (1632-1704) يدعى بحق زعيم المذهب الحسي ، وأحد كبار ممثلي النزعة التجريبية في إنكلترا) ، وذكر في نفس المصدر أن يوحنا لوك له عدّة مؤلفات أهمها كتاب "محاولة في الفهم الإنساني" و"مقالان في الحكومة" و"بعض أفكار في التربية" و"معقولية المسيحية" ، وأنه سافر كثيراً إلى فرنسا وهرب إلى هولندا وأتهم بالخيانة واشترك في مؤامرة قلب الحكم وتنصيب وليام أورنج على عرش انكلترا ! ويقول الدكتور الحفني أيضاً : ( ولم يأتِ كتابه "محاولة في الفهم الإنساني" كما ينبغي لكتب الفلسفة رغم ما صرف فيه من الوقت وأنفق عليه من جهد ، فبعض أفكاره يبدو غامضاً لم يتطور التطور الكافي الذي تتضح منه مقاصده وغاياته ، وبعض الأفكار جاء على وجه غير دقيق فقير في لغته الفلسفية ، وهو يكثر من ضرب الأمثلة حتى الملل ، ويسخر مما لا يعرف ، ويجزم في كل ما يقول). ولسنا بصدد تقييم أفكار ونتاجات يوحنا لوك إذ نفضل ترك هذا الأمر لذوي الإختصاص ، ولكن الذي دفعنا لكتابة هذه الأسطر القليلة عنه هو ما شاهدناه في إحدى الفضائيات العراقية ، حيث عقدت ندوة لبعض المثقفين العراقيين المغتربين لغرض عرض مطالبهم الدستورية ، والملفت للنظر أن بيان المطالب قد تم التقديم له بعبارة منقولة عن أحد كتب يوحنا لوك أو كما أطلق عليه قاريء البيان المذكور أسم "جان لوك" ولعل اللفظ بالفرنسية ! وقد أثارت دهشتنا أن يقوم مثقفون عراقيون بتقديم بيان مطالبهم بعبارة لهذا "الفيلسوف" الإنكليزي الذي عاش في القرن السابع عشر الميلادي ، أي في نهاية القرون الوسطى ، فالتقديم المذكور يدل على أمور متعددة أهمها : ـ أنسلاخ هؤلاء المثقفين العراقيين عن إنتمائهم الثقافي الإسلامي الذي ينحدرون منه. ـ الهوة الكبيرة التي تفصل هؤلاء المثقفين عن أبناء شعبهم ، هذا الشعب العراقي بغالبيته المسلمة وبهويته الإسلامية الواضحة المعالم ، وبالتالي فكيف نتوقع أن يقوموا بعرض مطالب دستورية تخدم كافة أبناء الشعب الذي يختلف عنهم ثقافة وطموحات ورؤى. ـ الغربة الثقافية التي يعيشها المغتربون بالإضافة لغربتهم الواقعية وإبتعادهم عن الوطن ، فهم يعيشون أزمة حقيقية تتعلق بالإبتعاد عن الوطن من جهة وبالإبتعاد عن ثقافتهم الإسلامية من جهة أخرى. ـ الضياع الفكري الذي يعيشه هؤلاء المثقفون بسبب أبتعادهم عن الثقافة الإسلامية ، فهم يتشبثون بأي شخصية فكرية غربية لكي يتخذوها نبراساًَ ومناراً وإماماً لهم بغض النظر عن جدوى هذا الإتّباع وصحته. في محاولة منهم لمليء الفراغ الفكري الذي سببه أبتعادهم عن الثقافة الإسلامية. ـ وقع هؤلاء المثقفون في خطأ كبير ، فهم عرضوا مطالبهم الدستورية التي يراد لها أن تطبق في ظل نظام ديمقراطي من أجل بناء عراق المستقبل وفق مفهوم التعددية والتداول السلمي للسلطة ، ويقدمون لتلك المطالب بمقولة يوحنا لوك الذي عاش حياته متآمراً على نظام الحكم في البلد الذي ينتمي إليه ومحاولاً قلب نظام الحكم فيه بالقوة ، فأيُّ مثالٍ يحتذى وأي إمام للأمة يقتدى !؟ وهذا الأمر هو نفسه الذي وقع فيه الممجدون للزعيم عبد الكريم قاسم الذي قاد إنقلاباً عسكرياً أطاح بنظام الحكم القائم بالقوة ثم يدّعون أنهم يريدون بناء عراق جديد يعتمد على مبدأ التداول السلمي للسلطة ، فأي تناقض يعيشونه جميعهم !؟ هذه هي مشكلة العلمانيين ، فهم يتشبثون ببعض الشخصيات الغربية لكي تكون قدوة لهم في حياتهم ، في محاولة يائسة لمليء الفراغ الفكري الذي يعيشونه ، وهم لا يعرفون ما يريدون على وجه الدقة. فمن هذا حاله كيف نتوقع منه أن يكون مصدر نور للآخرين وهو يعيش في الظلام ، وكيف نتوقع منه أن يقدم للشعب العراقي ما يخدمه ويطوره ويعيّشه في خير وإزدهار وسلام. فهنيئاً للمثقفين العلمانيين المغتربين غربتهم الثقافية الجديدة ، وهنيئاً لهم إنسلاخهم عن واقع أمتهم الإسلامية وتنكرهم له ، وهنيئاً لهم التيه الذي يعيشونه.
|