|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
18 آيــار 2005 |
|
أفكار عراقية الإسلام بين الناقدين والمسيئين كتابات - نبيـل الكرخيلا شك بان هناك حداً فاصلاً بين النقد والإساءة ، وحين تطرقنا إلى هذه المسألة في مقال سابق منتقدين أسلوب الدكتور كامل النجار في تناول المواضيع الإسلامية والإساءة للإسلام ، نجد أن الدكتور النجار قد أعترض على مقالنا ودافع عن كتاباته بانها لا تمت للإساءة بصلة إنما هو مجرد نقد لرؤية يراها للإسلام ! والملفت للنظر أن الدكتور النجار يتبع أسلوبين متناقضين في كتاباته ، الأسلوب الأول هو الأسلوب البحثي المستند للمصادر لا سيما حين يريد تعريف أمرٍ ما ، فنجده يستخدم القواميس والمصادر المعتبرة لتعريف امر ما كما فعل في مقاله الأخير حين أستخدم قاموس المنجد لتعريف "النقد" ، وهذا الأسلوب هو إنتقائي التطبيق أي ان الدكتور كامل النجار يلجأ إليه حين تكون هناك مصلحة عنده لإستخدامه. أما الأسلوب الثاني المناقض لأسلوبه الأول فهو تجاهله كلياً لأسلوب البحث العلمي لاسيما أهمية تدقيق الروايات التأريخية من حيث السند على أقل تقدير ، ومعارضة الروايات بعضها مع البعض الآخر من أجل الوصول إلى أعلى نسبة من الحقيقة التي تتضمنها الروايات المتفقة والمختلفة ، وهو أسلوب البحث العلمي المتبع عند الباحثين ، ولكن الدكتور النجار يبتعد كثيراً عن هذا الأسلوب ويتجاهله لأنه لا يخدم هدفه ، وكما شاهد القاريء الكريم من خلال المقالات العديدة التي كتبناها تعقيباً على العديد من مقالات الدكتور كامل النجار ، فإنَّ الدكتور النجار غالباً ما يستخدم روايات ضعيفة وغير معتبرة ويبني عليها أفكاره ولذلك يصل إلى نتائج غير مرضية للحقيقة وبعيدة عنها ، بل والدكتور النجار يشير في مقاله الأخير لرفضه تدقيق أسانيد الروايات التأريخية فيقول : [(ثم انتقل السيد الكرخي إلى المقولة المشهورة في كل ما لا يوافق مقولة الإسلام: تضعيف الراوي وبأنه لا يُوثق به)] ، فما ذنب الإسلام إذا كانت الروايات التي تشوه صورته هي روايات ضعيفة ، وهل علينا أن نقبل بالروايات الضعيفة من أجل عيون الملحدين وأعداء الإسلام لكي نكون "أكثر إنفتاحاً على الآخر" و"أكثر ديمقراطية" !! فإذا لم يكن لدى الملحدين وأعداء الإسلام سوى الإستناد إلى روايات ضعيفة ليطعنوا الإسلام من خلالها ويحاولون تشويه صورته ، فهذا يدل على أن هناك خللاً في منهجهم لأنهم بدلاً من أن يلتفتوا لكون الإسلام مستند لأدلة معتبرة وحقيقية وأن أدلة الطعن فيه وتشويهه هي ادلة ضعيفة فإنهم يلجأون لأنكار الخضوع لمناهج البحث العلمي وتجاهله لكيلا يعترفوا بتقصيرهم وإبتعادهم عن الدين الحق.
وأضاف الدكتور كامل النجار فكرة مدهشة فقال : [(ومحمد بن اسحق لم يكن قد روى حديثاً هنا إنما روى قصة. وابن إسحق هذا كان أول من كتب السيرة النبوية ونقل عنه ابن هشام وابن كثير وغيرهم. وإذا كانت روايته غير موثوق بها فليس هناك أي سيرة نبوية موثوق بها)] ، ولا نعلم ماذا يقصد الدكتور النجار بان محمد بن إسحاق قد روى قصةً وليس حديثاً ، فهل هذا يعني أن رواية القصص تكون مقبولة بلا سند صحيح !! وهل يريد الدكتور كامل النجار من المسلمين ان يتخلو عن دينهم من أجل "قصص" ليس لها مصداقية ؟! وأما ما نقلناه عن الدكتور كامل النجار من قوله أنه إذا كانت رواية محمد بن إسحاق غير موثوق بها فهذا يعني أن المسلمين لن يكون لديهم سيرة نبوية فهو كلام بعيد عن الصحة ، لأن كتب المسلمين المعتبرة لديهم مليئة بالأحاديث عن السيرة النبوية بتفاصيلها المختلفة وليس في أسانيدها محمد بن إسحاق ، وإذا كان محمد بن إسحاق قد تفرد بكونه أول من كتب كتاباً عن السيرة النبوية ـ على فرض صحة هذا الأمر ـ فإنَّ هذا لا يعني عدم وجود سيرة نبوية عند غيره من الرواة في الصحاح والسنن المعتبرة عند المسلمين.
وتحدث الدكتور كامل النجار عن التوحيد وطرح فكرته القائلة بأن الإنسانية لم تستفد شيئاً من التوحيد فقال ما نصه : [(وهناك من يقول إن فكرة التوحيد نفسها لم تفد البشرية بشئ، إذ أن الإغريق الذين عبدوا آلهة متعددة في معبد " ديلفي " على جبل الأكربول أو الأولمب، كانوا قد تعرفوا على كل الفضائل والرذائل التي حثت عليها أو حذرت منها الديانات السماوية فيما بعد. وعرب ما قبل الإسلام الذين كانت لهم عدة أصنام في الكعبة قد كانت لهم قيم جميلة ذكرها الشعراء أمثال حاتم الطائي وعنترة بن شدا في أشعارهم، واحتفظ الإسلام بأكثرها. وهؤلاء العرب لم يتقاتلوا يوماً باسم أصنامهم كما تقاتل الناس باسم الله منذ ظهور الأديان السماوية. وكذلك لم نسمع أن البوذيين والهندوس وغيرهم قد تقاتلوا باسم معبوداتهم. ففكرة التوحيد المجردة لم تفد البشرية بشئ وليس هناك ما يفيد من محاولة مناقشة أي فكر توحيدي أعلى من الآخر)] ، من الضروري أن نبين أنَّ التوحيد هو عقيدة يعتقدها الإنسان ، وهي ليست عقيدة منفردة بل هي عقيدة مرتبطة بمجموعة عقائد أخرى تعاضدها هي عدل الخالق جلّ وعلا والنبوة والإمامة والمعاد ، فهذه منظومة متكاملة لعقيدة المسلم والتي يشكل التوحيد جزءاً مهماً منها. أما ربطه بعدم الفائدة من التوحيد بمعرفة الاغريق الوثنيين كل الفضائل والرذائل ، فهي دعوى بحاجة للمناقشة من عدة جهات : الأولى : الحاجة إلى إثبات دعوى معرفة الوثنيين الأغريق "كل" الفضائل والرذائل على حد تعبيره ، نعم هم قد يعرفون بعض الفضائل والرذائل. الثانية : إنَّ معرفة الأغريق للفضائل والرذائل لا يعني عدم جدوى التوحيد ، إذ لا رابط بينها ، فمعرفة الفضائل والرذائل هي أمور مصدرها العقل ، فضلاً عن كون الرسائل السماوية مصدراً مهماً وأساسياً لمعرفتها ، فالعقل يحكم بحسن الصدق وقبح الكذب ، بحسن الزواج وبناء الأسرة وقبح الزنى ، بحسن العمل وقبح السرقة ، ولذلك نجد بعض الوثنيين وغيرهم يحكمون بذلك بدون أن يكونوا موحدين ، وهذا هو منهج الشيعة الأمامية في القول بالحسن والقبح العقليين. ولكن هل يكفي عقل بعض الحكماء لتمييز الحسن والقبيح ، ونحن نعلم أنَّ المجتمعات الوثنية تشيع فيها الفاحشة من شربٍ للخمر والزنى والدعارة والغيبة ومجالس اللهو والفسق ..إلخ ، فهذه المعاصي تحجب عقل الإنسان وضميره عن تمييز الحسن والقبيح ، فكان من الضروري إرسال الأنبياء منذرين ومبشرين ، ليقوموا بتقويم تلك المجتمعات وإعادتها إلى فطرتها وضميرها الإنساني. ومن جانب آخر فإنَّ معظم المجتمعات الوثنية وغيرها تكون خاضعة للحكام الظالمين الذين لا يهمهم أمر سوى حفظ سلطانهم ، ولذلك تجدهم لا يتورعون عن ضرب الفضائل ومنعها وإشاعة الرذائل والحث على نشرها طلباً لبقاء سلطانهم وديمومة حكمهم ، فكانت الرسالات السماوية والإسلامية منها خاصة حريصة على نشر القيم والأخلاق الفاضلة في المجتمع بالإستناد إلى التوحيد الذي يكسر كل خضوع سوى الخضوع لله عزَّ وجل ، فلا سلطان إلا سلطان الإسلام ، وبذلك يكون التوحيد صمام أمان للشعوب المستضعفة لرفض كل الحكومات الظالمة ومن ثم نشر الفضائل وترك الرذائل.
والتوحيد أيضاً يربط المخلوق بالخالق جلَّ وعلا ، ومن خلال هذا الإرتباط يلتزم المخلوق بالعمل بالأحكام الشرعية التي وضعها الخالق جلَّ شأنه له ، وهي الأحكام الشرعية المبنية على علل قد تكون معلومة للإنسان في أحيان قليلة جداً وتكون مجهولة له في أحيان كثيرة ، أحكام شرعية فيها سعادة الإنسان من خلال إلتزامه بها وإنْ جهل علَّتها وعلة صدورها ، لأنها مبنية على حكمة الخالق التي لا تعلو عليها حكمة ، فهذه الأحكام الشرعية توفر للإنسان نظام إجتماعي متكامل يضمن له كفرد وللمجموع كمجتمع العيش في إنتظام وسعادة ، هذا النظام الإجتماعي هو الذي يوجه المجتمع نحو الفضائل ويحث على التمسك بها ويحذر من الرذائل ويعاقب المرتكب لها ، فأي خرق للنظام الإجتماعي سيواجه بمنظومة من الأحكام الشرعية التي تحافظ على المجتمع وسلامته ، وهذه الأحكام الشرعية هي ثمرة من ثمار التوحيد والإيمان به. فالوثنيون الذين قد يعرفون حسن الحفاظ على الأمانة وقبح السرقة ، ولكنهم لا يمتلكون منظومة قوانين تصلح أن تحافظ على المجتمع أو علاجه من الأمراض التي قد تصيبه ، نعم هم قد يضعون أحكاماً من تلقاء انفسهم ، أحكاماً يظنون صلاحها ، ولكن أحكامهم هذه تلحظ بعض المصالح وتخفى عليها الكثير من المصالح والمفاسد الأخرى المرتبطة بها ، وبذلك يكون جهلهم بها سبباً لأمراض أخرى من حيث لا يعلمون ، بخلاف الأحكام الإسلامية التي تتميز بشمولها لعلاج الأمراض الإجتماعية والحفاظ على المجتمع بدون أي مساويء لأن مصدرها هو الخالق الحكيم جلَّ ثنائه الذي يعلم جميع المصالح والمفاسد ما ظهر منها وما خفي. ولنأخذ مثلاً ، حيث نجد أن المجتمعات التي لا تطبق شريعة الإسلام تقوم بسجن المجرمين كافة في سجون معدة لهم ، فالمجرم المرتكب لجريمة السرقة سوف يتعرف في ذلك السجن على غيره من المجرمين من قتلة ونصابين ومحتالين وتجار مخدرات ، وسوف يتعرف منهم على فنون جرائمهم وأساليبها ، وتصبح السجون مدارس مجانية للجريمة ، فيتخرج المجرم منها بعد قضائه بضع سنين وقد تعلم فنوناً من الإجرام أكثر مما كان يرتكبه في الماضي ، فضلاً عن العلاقات الإجتماعية التي تنشأ مع أقرانه المجرمين ، وبذلك يخشى من السجون أن تكون مدارس حقيقية لتدريس الجريمة وإشاعتها ، بينما في الإسلام هناك حدود فيها العقاب للمجرم والعبرة للمجتمع دون أن يخشى من تلك الحدود أي نتائج ثانوية اخرى ، فقطع يد السارق هي نموذج صحي لعقاب السارق وتحذير كل من تسول له نفسه إرتكاب السرقة ، وبدون المحاذير التي ذكرناها آنفاً بخصوص مدارس الإجرام المجانية في قوانين وأساليب الأنظمة العلمانية. الثالثة : إنّ فرضية كون بعض المجتمعات الوثنية كالأغريق قد تعرفت على الفضائل والرذائل بدون التوحيد هي فرضية غير تامة لأنها مبنية على الفكرة التي طرحها الدكتور كامل النجار في مقالات سابقة والتي تقول أن الإنسان قد تدرج في ديانته فكان ملحداً ثم آمن بتعدد الآلهة ثم بالتوحيد عبر فترات طويلة من الزمن تمتد لآلاف السنين ! والذي نقوله هو أن الإنسانية أبتدأت بالتوحيد من خلال نبوة آدم عليه السلام ، ثم أنحرفت بعض المجتمعات الإنسانية نحو الشرك وعبادة الأوثان وغيرها ، وبقيت في تلك المجتمعات بقايا موروث ديني تغلغل في تفكيرها ومعتقدها ـ من خلال الأنبياء المبعوثين لها ـ وإنْ شابه بعض الإنحراف الفكري في الأجيال اللاحقة. وتلك البقايا الدينية الفكرية كانت مصدراً مهماً مضافاً لما سبق في معرفة الفضائل والرذائل للمجتمعات الوثنية. الرابعة : إنَّ التوحيد بالإضافة إلى فوائده الدنيوية فإنَّ له إرتباط بفائدة النجاة في الحياة الآخرة ، وله إرتباط بالحصول على نعيم الآخرة والنجاة من النار ، ففوائد التوحيد عامة في الدنيا والآخرة ، ولا تقتصر على الجوانب الدنيوية فقط. خامساً : إنَّ التوحيد الذي جاء به الإسلام قد بنى الحضارة الإسلامية التي قدمت خدمات علمية وحضارية جليلة للأمم الأخرى ، فكيف يدعي أحد ما أن التوحيد لم يفد البشرية إلا إذا كان ينكر وجود الحضارة الإسلامية وينكر نتاجها العلمي والفلسفي ، ينكر علوم أبن الهيثم والرازي والطوسي وأبن رشد وأبن سينا والفارابي وجابر بن حيان ، وأبن خلدون والعشرات غيرهم من العلماء المسلمين الذين قدموا للإنسانية خدمات جليلة.
وأما الفكرة التي طرحها الدكتور كامل النجار بقوله أن [(العرب لم يتقاتلوا يوماً باسم أصنامهم كما تقاتل الناس باسم الله منذ ظهور الأديان السماوية)] ، فنحن نريد منه أن يجيبنا هو عن سبب هذا وفقاً لعقيدته الإلحادية ، فهو يؤمن بأن الناس اخترعوا الأديان السماوية وتطوروا لعبادة التوحيد بعد عقيدة الشرك وتعدد الآلهة ، فلماذا كان تطور الإنسان متزامناً مع سعيه للقتال في زمن التطور الفكري والعمراني والحضاري ، في الوقت الذي كان فيه الإنسان عازفاً عن الحرب الدينية حين كان يعبد آلهة متعددة وهي مرتبة أقل تطوراً من مرحلة عبادة التوحيد كما يفهم من مقالات الدكتور كامل النجار ! أي أن الإنسان وهو في مرحلة متطورة يتقهقر لإستخدام العنف بدلاً من الحوار الذي كان يستخدمه وهو في مرحلة متخلفة ! أليس في ذلك تناقضاً مع دعوى تطور الإنسان بإختراعه للأديان السماوية التي تدعو للقتال ؟!! ألا يجعل منطق الدكتور كامل النجار من التخلف تقدماً ومن التقدم تخلفاً ؟!! أما نحن فنقول ، أن القتال ودفع العدوان هو أمر حسن ، فالدفاع عن النفس والمال والعرض هو أمر مشروع وصحيح يحكم به العقلاء ، ومحاربة القوى الطاغية المتغطرسة التي تريد منع الإنسانية من التطور والتقدم ، وتفرض على الإنسانية قوانينها الظالمة التي لا تجلب للإنسان سوى البؤس والشقاء هو أيضاً أمر مشروع وحسن ، فالقتال دفاعاً عن الإنسانية وعن حق الإنسان في العيش بكرامة وحرية هو أمر صحيح وحسن ، وحيث توصلنا إلى أن القتال في بعض جوانبه هو أمر حسن ومشروع فلذلك نجد الأديان السماوية وعلى رأسها الإسلام قد أجازت القتال في نفس تلك الجوانب التي ذكرناها آنفاً. فالعيب والنقص هو في العقائد غير السماوية التي لم تضع حلولاً شاملة لمشاكل الإنسان ، والتي تمنع الإنسان من الدفاع عن نفسه وماله وعرضه ومعتقده ، والتي تمنع الإنسان من دفع الظلم الإجتماعي الذي يلحق بعموم المجتمع. ونذكّر الدكتور النجار بأنّ العرب في الجاهلية الذين يفخر الدكتور النجار بأنهم لم يكونوا يتقاتلون دفاعاً عن عقيدتهم فهم في نفس الوقت كانوا يتقاتلون سنوات طويلة وتسفك دمائهم وترمل نسائهم وييتم أطفالهم من أجل أمور وقضايا سخيفة من قبيل الخسارة في سباق خيل وماشابه.
وتختلط الأوراق على الدكتور النجار حين يناقش موضوع الروح القدس بين الإسلام والمسيحية ، فيقول أن عدم وضوح فكرة الروح القدس هو أمر ليس مقتصر على المسيحية بل هو كذلك في الإسلام أيضاً ، ونحن نذكّر الدكتور النجار بأن الروح القدس يأخذ اهميته القصوى عند المسيحيين من حيث كونه أقنوماً ثالثاً يشكل إلى جانب أقنومين آخرين ذات الإله الذي يعبدوه ، فالمسألة عندهم تتعلق بالتوحيد فهي مسالة مهمة وخطيرة وجهل حقيقة الروح القدس عندهم هو أمر أكثر أهمية وخطورة. أما عند المسلمين فلا يشكل الأمر نفس الأهمية أبداً لأن الأمر لا يتعلق بالتوحيد بل بفهم بعض المعارف القرآنية والتي سعى المفسرون الإسلاميون حثيثاً لتوضيحها وتفسيرها وإنْ أختلفوا في ذلك التفسير ، فلا يصح الخلط بين النظرتين المختلفتين بين الإسلام والمسيحية بخصوص الروح القدس.
وتحدث الدكتور النجار عن موضوع الربا فقال : [(ونقول للسيد الكرخي إن عدم تطبيق النظام اللاربوي في الدول الإسلامية لا يُعد إساءات من قِبل بعض المسلمين، إنما يُعد فشلاً في النظام نفسه. فإذا لم يطبق المسلمون النظام على مدى أربعة عشر قرناً، فهذا يعني أنهم لم يروا فيه مصلحة لهم وراؤوا مصلحتهم في النظام الربوي)] ، فهذا النص فيه مخالفات من جهات عدة ، فمن جهة نجد ان هناك دعوى عدم تطبيق النظام اللاربوي في الإسلام طيلة أربعة عشر قرناً وهو أدعاء واضح الخطأ ، لأن المسلمين في غالبيتهم هم ملتزمون في معاملاتهم التجارية بمنع الربا ، وهذا هو ديدنهم طيلة أربعة عشر قرناً ، وإذا حدثت بعض الخروقات لهذا الأمر من قبل نفر قليل غيرمعتد بعدده وعديده فهذا لا يعني سوى أن أولئك المرتكبين لرذيلة الربا هم عاصون وخارجون عن القانون كما هو حال أي شخص آخر في عصرنا يرتكب مخالفات قانونية. ومن جهة اخرى فإنَّ هذا النص الذي ذكره الدكتور النجار فيه خروج كامل عن حقيقة الأديان ، لأن الدكتور النجار يريد أن يجعل الناس هم مصدر التشريع ، فما يراه الناس صحيحاً يجب أن يكون هو التشريع حتى وإنْ كانت رؤيتهم مستندة لعوامل الجشع والطمع والإبتعاد عن الفضائل والخضوع للحكام الظالمين الذين تتركز مصالحهم في إنشاء الأنظمة الإقتصادية الربوية طمعاً في تكثير ثروتهم ، فهذا المنطق الذي ينادي به الدكتور النجار نجده بعيد عن الصواب ولا يمكن تقبله.
وحين تحدثنا عن إنّ وجود حالات قليلة ومتفرقة وعشوائية للدفاع عن المظلومين والأرث للنساء ـ على فرض صحة هذه المعلومة ـ لا يغني عن ظهور منظومة إجتماعية متكاملة تعنى بهذاه الأمور وتقننها بحيث تكون جزءاً من حركة المجتمع اليومية ، فرد الدكتور النجار بقوله : [(إذا كانت في الجاهلية بعض حالات إرث النساء، فهذا يعني بداية طيبة كانت لا شك سوف تنتشر بمر الزمن إلى قبائل أخرى حتى تُعم جميع الجزيرة. فكل شئ يبتدئ بشخص واحد ثم ينتشر، كما بدأ الإسلام بمحمد ثم خديجة ثم انتشر، وكما بدأت المسيحية بعيسى ثم انضم إله الحواريون وبالتدريج انتشرت المسيحية. وهكذا يتعلم الناس من بعضهم وينقلون إلى مجتمعاتهم ما يرونه صالحاً)] ، وهنا يبرز خلل آخر في مقولة الدكتور النجار ، فإنتشار أي فكرة صالحة أو طالحة لا يتم إلا بوجود ناشر لها ، فإذا تركنا الأمر على الحركة الطبيعية للمجتمع فسنجد ان هناك من يقومون بالدفاع عن المظلومين وتطبيق قيم الفضيلة وبالمقابل فهناك من يسيئون إلى المظلومين ويصرون على إضطهادهم ، بل وفي الواقع فإنّ المسيئون يلجأون في كثير من الأحيان إلى وسائل غير أخلاقية لتدعيم موقفهم ونشر شرّهم بآلية يانف عنها الخيّرون أصحاب قيم الفضيلة ، وكذلك فإنَّ هناك من يمكن أن يورّث المرأة وفي المقابل فهناك رجال يستبدون بالميراث دون النساء ، لا سيما وهو العنصر الأقوى جسدياً وإجتماعياً ، وبذلك لن تتهيأ الظروف مطلقاً لإنتشار فكرة صالحة بصورة عفوية كما يتمنى الدكتور النجار ، ولعل إنتشار الرذائل من عري وسفور وزنى في المجتمعات الغربية وإنتقالها كالنار في الهشيم إلى بقية المجتمعات هو مثال جيد على الحركة العكسية لإنتشار الرذيلة بدلاً من الفضيلة ، فلا بد من قائد يقود المسيرة الإنسانية للإنتصار للفضيلة. وهكذا فإن ما ذكره الدكتور النجار حول الإنتشار التلقائي للفضيلة هو أمر غير قابل للتحقق نظرياً ولم يتحقق في الواقع بصورة عملية بأي مجتمع من المجتمعات الإنسانية.
وقال الدكتور النجار : [(إذا كان الإسلام قد جاء بمنظومة اجتماعية متكاملة تخدم الإنسانية وتدافع عن حقوقها، لماذا ظل المسلمون حتى يومنا هذا من أكثر المجتمعات التي ليس بها حقوق للمواطن وتنتشر بها الأمية والفقر أكثر من أي مجنمع آخر. لا شك سوف يقول السيد الكرخي إن الحكام المسلمين لم يطبقوا الإسلام، وهذا يُرجعنا إلى النقطة الأولى: وهي أن الإسلام نظام طوبائي غير قابل للتطبيق في أرض الواقع)] ، فالدكتور النجار قد يعلم أو لا يعلم الهوة الكبيرة التي تفصل المسلمين اليوم عن إسلامهم بسبب المؤامرات التي فرضت عليهم ، وكانت إحدى حلقاتها تآمر أمير مكة الحسين بن علي وتمرده ضد الخلافة العثمانية سنة 1916م وإدخاله القوى الإستعمارية إلى بلاد المسلمين ومروراً بإنقلاب أتاتورك وما جلبه من ويلات على الدولة العثمانية وتركيا التي كانت تمثل قلب العالم الإسلامي ، وحين يقول إنّ الإسلام دين غير قابل للتطبيق فعلينا أن نتوقف ونرى التعاليم التي جاء بها الإسلام وهل أنها طبقت في فترة ما وهل أن نفس تلك التعاليم قد تم تطبيقها من قبل الآخرين ، فإذا تم ذلك فعلاً فلا يبقى إلا أن نسقط مقولة الدكتور النجار ونعتبرها مقولة غير صحيحة بل وعلى جانب كبير من الخطأ والتجني ! فهل يجد الدكتور النجار في الإسلام من دعوة للفضائل كبر الوالدين وصلة الأرحام ورعاية حقوق الجيران وطلب العلم والحث على العمل بل وكافة حقوق الإنسان هي امور غير قابلة للتطبيق ، حسناً ألا نعلم جيداً أن حقوق الإنسان ونشر العلم والحث على التعلم والعمل والنهوض بالواقع الإجتماعي للإنسان هي من المشتركات الإنسانية التي سعت بعض العقائد والإتجاهات الفكرية لتطبيقها ، فإذا كان هناك من طبٌّق هذه القيم فعلاً فمعنى ذلك أن ما جاء به الإسلام هو أمر قابل للتطبيق غاية ما في الأمر أنه لم يتصد في العصور المتأخرة من حكام المسلمين من يعمل على تطبيق الإسلام وقيمه النبيلة الفاضلة ، نتيجة ظروف مرّت على الأمة الإسلامية لا مجال للخوض فيها هنا ، ثم لو رجعنا إلى الفترة التي كانت فيها الدولة الإسلامية تمارس سلطانها في عهد الإمام علي عليه السلام وحتى في العهود التي تلته سنجد الدولة الإسلامية وقد تصدت لرعاية الإنسان إجتماعياً وإقتصادياً ، وحثت على طلب العلم وتوفير فرص العمل ، ونشر الثقافة الإسلامية والإحتكاك بثقافات الأمم المجاورة وإستيراد الكتب منها وترجمتها من أجل الإستفادة من تجارب الأمم الأخرى وتطويعها بقالب إسلامي وظهور العشرات من العلماء المسلمين في مختلف الإتجاهات العلمية والفلسفية والمعرفية والذين قدّموا للإنسانية خدمات جليلة ، فهذه الحركة التي تنبع من الإسلام وقيمه السامية والتي وجدت لها تطبيقاً فعلياً في أرض الواقع هي دليل حقيقي على إمكانية تطبيق الإسلام ، وإسقاط مقولة الدكتور النجار التي وصف بها الإسلام بأنه دين طوبائي.
وحين قلنا في مقالنا السابق : (وأما بخصوص الجانب السياسي ، فكما هو سياق طرحه ، فقد دمج الدكتور كامل النجار بين ما جاء به الإسلام من نظام سياسي وهو نظام الدولة الإسلامية القائمة على أساس الكتاب والعترة الطاهرة ، وبين التطبيقات الخاطئة لمن تولى السلطة من حكام المسلمين سواء في العصر الراشدي أو الأموي أو العباسي أو العثماني ، وحين يتم الخلط بين هذه الإتجاهات ، أي دمج الإتجاه النظري الذي جاء به الإسلام مع الإتجاه التطبيقي المحرف لنظام الدولة كما حدث فعلاً بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) ، وأعتباره أن الإتجاهين إنما يعبران عن حقيقة الإسلام فلا يمكن حينئذٍ أن نصل لنتيجة صحيحة ومنصفة) فرد الدكتور النجار بقوله : [(ففي القوانين الوضعية يحاول الشارع جهده أن يزيل الإبهام من مواد القوانين حتى لا يفتح ثغرات للذين يحاولون تطبيق هذه القوانين بطريقة خطأ. ألا يحق لنا إذاً أن نتوقع من مشرّع في السماء أن يأتي بقوانين ونظم صالحة للتطبيق ويصعب التلاعب بها أو تطبيقها خطأً ؟)] ، فالدكتور النجار من خلال هذا النص الذي ذكره يخلط بين أمرين بين الدستور وبين القوانين التي تكتب بالإستناد إلى مواد الدستور ، فنحن تحدثنا عن دستور إسلامي أنزله الله سبحانه من خلال نبيه الكريم (صلى الله عليه وآله) هذا الدستور أنقلب عليه بعض المتمردين وأعلنوا دستوراً بديلاً عنه وضعوه من تلقاء أنفسهم ، رفضاً من قبلهم للدستور الإسلامي ، وكما هو الحال في الإنقلابات التي تحدث في الكثير من الدول في العصر الحديث ، فهذا الإنقلاب الذي تحدثنا عنه قد حصل في سقيفة بني ساعدة والأحداث التي تلتها بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) أما ما تحدث عنه الدكتور النجار حول وجود قوانين يصعب التلاعب بها أو تطبيقها خطأً فهذا الأمر يحدث حين تكون القيادة الشرعية في السلطة والدستور الشرعي نافذ فحينذاك يمكن العمل بالقوانين الإسلامية بصورة لا تقبل الخطأ واللبس ، ولكن حين تأتي قيادات متمردة وتستولي على السلطة وهي لا تفقه شيئاً من أمر القوانين الإسلامية وكيفية تطبيقها ، بل وتأتي بقوانين بديلة من عندها ، قوانين وضعية "بلغة عصرنا" وتلبسها إطاراً إسلامياً مكذوباً ، فلا نتوقع أن يستقيم أمر تطبيق التعاليم الإسلامية ، ولا يصح أن يطالب أحد بتطبيق القوانين الإسلامية من قبل أشخاص لا يفقهون أصلاً تلك القوانين ولا يعلمون بوجودها. |