|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
2 آيــار 2005 |
|
أفكار عراقية هل يمكن أن يفهم بعض المسيحيين خطأ التنصير ! كتابات - نبيـل الكرخي نشرنا مقالاً حول عمليات التنصير المنظمة التي تجري في شمال العراق وأثرها السيء على الإستقرار الإجتماعي في العراق وتهديدها له ، ولكن يبدو أن بعض المسيحيين ممن قرأ هذا المقال مازال يفكر بعقلية القرون الوسطى ، فلم يفهم مغزاه ، وتعصب ضده ، حتى قاده تعصبه لأن يتسائل عن أمور يجد إجابتها في نفس المقال المذكور ! كموضوع الـ 600$ التي يستلمها شهرياً كل مرتد عن الإسلام إلى المسيحية من الأكراد في شمال العراق !! وكذلك غضّ المعترض المسيحي نظره عن نقاط أساسية وجوهرية في المقال ، ونحن نريد أن نوضح بإيجاز بعض النقاط الآتية :
ـ إنَّ بيان الحركة الآشورية الذي تم التطرق إليه في مقالنا السابق حول تنصير الأكراد والتغيير المذهبي للمسيحيين هو بيان ينبغي لجميع المهتمين بالموضوع قرائته والإلتفات إلى بعض مضامينه المهمة ، فالبيان المذكور يلفت النظر إلى خطورة عمليات التنصير المنظمة ، حيث جاء فيه ما نصه : (وفي الوقت الذي تؤدي هذه الاعمال الى استفزاز الجميع مسلمين ومسيحيين في اقليم كردستان، فانها تؤدي ايضاً الى تشويه حالة الانسجام والتعايش المشترك وتتسبب في اشاعة الفوضى في المجتمع، واستغلالها من قبل المتشددين المتربصين بالعراق الجديد في توجهاتهم المعادية للسلم والاستقرار. لذا فاننا في (الحركة الديمقراطية الآشورية) و (الاتحاد الاسلامي الكردستاني) ومن منطلق حرصنا ومسؤولياتنا امام جماهيرنا نعلن قلقنا من هذه التصرفات ، وندعو كافة الاطراف ذات العلاقة لسد الطريق امام هذه الاعمال والقيام بدور ايجابي ومسؤول من اجل الحفاظ على وحدة الصف في كردستان والتعايش بين مكوناته).
ـ إنَّ عمليات التنصير المنظمة تشمل المسيحيين أيضاً من المذاهب غير الكاثوليكية بالنسبة للمنظمات المسيحية التنصيرية التي يدعمها الفاتيكان ، وهو الأمر الذي يؤجج الصراع الداخلي بين المسيحيين أنفسهم ويؤثِّر بشكل كبير على الإستقرار والأمن في مناطق تواجدهم وسكناهم.
ـ مازال بعض المسيحيين يتحدثون بلغة القرون الوسطى ويركزون على القضايا التي تعمل على تفريق وتشتيت وحدة الأمة العراقية بأطيافها المتنوعة ، ويطرحون القضايا التي تثير الكراهية والبغضاء ، ويثيرون قضايا قد عفا عليها الزمان ، فعلى سبيل المثال نجدهم ما زالوا يتحدثون عن مجازر الأرمن في تركيا في عهد الدولة العثمانية ، فما هي مصلحة العراقيين في الحديث عن تلك المجازر ؟! وهل للعراقيين دخل فيها ؟! وما ثمرة إثارة مثل هذه المواضيع ؟! لقد فات أولئك الذين يروجون لمثل هذه القضايا أن الأرمن في أوربا حين يثيرون مثل هذه القضايا فإنهم يبغون من ورائها الحصول على مكاسب سياسية من قبيل إعتراف الدولة التركية بشخصيتهم القومية ، حسناً فما علاقتنا نحن في العراق بهذه القضية ، وهل تشكل هذه القضية مبرراً لعمليات تنصير الأكراد وإثارة الصراع المذهبي المسيحي وزرع الفتن وعدم الإستقرار بين أبناء الأمة الواحدة ؟!
ـ ينسى بعض المسيحيين أن هناك إساءات تأريخية قام بها المسيحيون تجاه المسلمين في ظروف تأريخية قد عفا عليها الزمان ، نذكر منها محاكم التفتيش في الأندلس والتي ادت إلى إهلاك المسلمين برمّتهم في تلك البلاد أما بقتلهم والفتك بهم أو بإجبارهم على ترك دينهم وإعتناق المسيحية الكاثوليكية ، ونذكر أيضاً المجازر التي حدثت في الحروب الصليبية تجاه الحجاج المسلمين المسالمين ، ونذكر أيضاً عمليات التغيير السكاني التي حصلت في الجانب الشرقي للبحر المتوسط في فلسطين ولبنان والتي أدت إلى جلب مئات العوائل المسيحية الكاثوليكية من أوربا أثناء الحروب الصليبية التي أمتدت مئات السنين وزرعها في تلك البلاد وتغيير التركيبة السكانية لها ، ومع ذلك تعامل المسلمون معهم بكل إنسانية وإحترام ولم يسيؤوا إليهم ولم يطردوهم من البلاد كما فعل الأسبان بالمسلمين في الأندلس. فيتضح إنَّ هناك سجلاً طويلاً لإساءات حصلت عبر التأريخ ، ولكن هل يجب ان نبقى أسارى للتأريخ ، هل يجب ان يبقى التأريخ يتحكم بنا وبمصير أهلنا وأبنائنا وأحفادنا ، فتبقى الكراهية والبغضاء بسبب ما فعله الأجداد ! ألسنا نعيش في القرن الواحد والعشرين الميلادي ، ألم تتغير مفاهيمنا وتتطور إنسانيتنا إلى الدرجة التي تمكننا من أن نفهم بها أن التأريخ تؤخذ منه العبرة والحكمة ، ولكنه لا يجب أن يبقى مصدراً لنشر الكراهية والبغضاء بين الأديان والقوميات والشعوب ، وبين الأطياف المتعددة للأمة الواحدة ، ألا يمكن أن ننظر للتعاون الوثيق بين ألمانيا وفرنسا ونتخذها مثلاً على نسيان التأريخ والبدء بمرحلة جديدة مبنية على إحترام إنسانية الإنسان أولاً ثم المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة ، فألمانيا وفرنسا التي خاضتا حروباً دموية عديدة أمتدت مئات من السنين ، وشملت حربين عالميتين طاحنتين رغم إنتمائهما لدين واحد ومذهبين مختلفين ، لكنهما عادتا ونسيتا خلافاتهما وأمتدت بينهما أواصر التعاون والإحترام بل والإشتراك بمصير واحد عبر دخولهما وإنضمامها للإتحاد الأوربي ، ألا يستحق الإنسان أن نحاول من أجله نسيان التأريخ بما لنا وما علينا للتقدم وبناء الوطن وضمان مستقبل مشرق لأبنائنا.
ـ يحلو لبعض المسيحيين الترويج لثقافة التنصير عبر الربط بين الإرهاب والإسلام ، وفاتهم أن أبشع الأفكار العنصرية والدكتاتورية والإلحادية إنما كان منبعها من المجتمعات المسيحية ، فالنازية والفاشية والشيوعية واللادينية والعلمانية كلها نبعت من المجتمعات المسيحية ، ومع ذلك لم يسيء المسلمون للمسيحية ولم يربطوا بينها وبين النازية أو الفاشية ، لم يقولوا أن المسيحية هي منبع النازية أو هي منبع الفاشية ، لأن المسلمين لا يتجنون على أحد ، ولا يكذبون على أحد كما يفعل بعض المسيحيين من مروّجي ثقافة التنصير حين يروجون للربط بين الإسلام والإرهاب.
ـ لا أدري كيف فهم أحد المسيحيين من مقالي السابق أن فيه تهديداً للمسيحيين ، ولعل هذا أسلوب جديد للقمع الفكري ، وهو أسلوب متداول في أوربا وأمريكا بعد أحداث الحادي عشر من أيلول حيث يتم تهديد كل مسلم بإلصاق تهمة الإرهاب به ، كل من لا يعجبهم كلامه يهددونه أما أن تصمت أو نقول عنك أنك إرهابي ، ونحن بحمد الله ومنّته لا نخشى أحداً إلا خالقنا ، ونحن لا نملك سلاحاً سوى الكلمة الصادقة التي تنبع من القلب والتي لا يمكن إلا ان تدخل قلوب الآخرين ولكن لا لتطعن تلك القلوب بل لتنيرها كما نظن.
ـ وأما الحديث عن هجرة المسلمين وإحتضان أوربا لهم ، وكيف أن الدول الأوربية رعت المسلمين الذي هربوا من بلادهم إلخ.. فقد تطرقنا إليه مراراً في مقالاتنا وردودنا السابقة على نفس الشخص ولكن يبدو أنه لا يقرأ أو أن هناك مشكلة لديه في التذكر أو في التدبر ، فتلك الدول الأوربية التي احتضنت المسلمين هي اول من رفضت المسيحية كنظام للمجتمع وفصلت الدين عن الدولة بسبب ما لاقته من ظلم المسيحية عبر التأريخ ـ ألم نقل أنه من الأفضل نسيان التاريخ ـ فمن المضحك "تجيير" منجزات العلمانية في أوربا لصالح المسيحية وهما على طرفي نقيض !
نعود ونذكر من جديد بأن من يدعم عمليات التنصير المنظمة ضد المسلمين في العراق هو يرتكب خطأً جسيماً بحق الشعب العراقي بنفس المقدار من الخطأ الجسيم الذي يرتكبه من يفجر الكنائس المسيحية ويعمل على تهجير المسيحيين خارج العراق ، وبنفس مقدار الخطأ الجسيم الذي يرتكبه المجرمون والإرهابيون الذين يهددون أمن وإستقرار العراق بكافة أطيافه ، فكل ذلك يؤدي بدرجة متساوية إلى زرع الفتن وعدم الإستقرار وإنتهاك حرمات الإنسان وحقوقه ، في الوقت الذي يكون فيه المسلمون والمسيحيون وباقي اطياف الأمة العراقية بأحوج ما يكونون إلى التكاتف والتضامن والتعايش.
|