|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
4 تشرين ثاني 2006 |
|
أفكار عراقية
أخطاء في تأملات كامل النجار - مصادر القرآن ... ( 3 )
كتابات - نبيـل الكرخي
وقال الدكتور النجار : [(فنزلت الآيات المكية تباعاً تنفي أن يكون النبي شاعراً أو كاهناً، فنزلت سورة الشعراء وبها 227 آية تحكي قصص الأنبياء من موسى ونوح وغيرهم، وبها ثلاثة آيات فقط تذكر الشعراء: " والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل وادي يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون " (224-226) ومع ذلك سُميت السورة باسم الشعراء لتؤكد كراهية الإسلام للشعر والشعراء.)] ، فتوهم الدكتور كامل النجار تسمية السورة نزلت معها وهو خطأ ، لأن المسلمين هم الذين أطلقوا أسماء السور عليها كما ذكرنا ذلك اكثر من مرّة. وأما أدعاء كراهية الاسلام للشعر والشعراء فهو كلام متهافت ولا يلتفت إليه أصلاً ، فالاسلام حارب كل ظاهرة هدّامة في الشعر وغيره ، وأسند كل ظاهرة بنّاءة في الشعر وغيره. وقد كان الصحابي حسان بن ثابت يدعى شاعر الرسول (صلى الله عليه وآله) ، كما أنَّ كعب بن زهير قد أنشد قصيدته البردة في حضرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وهناك ديوان شعر منسوب للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) مليء بالحكم والمواعظ. وأمثلة عديدة أخرى تدل على دعم الاسلام للشعر البنّاء ورفضه للشعر الهدّام.
وقال الدكتور النجار : [(وكذلك نجد: " وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكرٌ وقرآنٌ مبين " (يس 69). وكذلك: " بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعرٌ فليأتنا بآية كما أُرسل الأولون " (الأنبياء 5). وكذلك: " فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون أم يقولون شاعرٌ نتربص به ريب المنون " (الطور 1920). وأخيراً: " وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون " (الحاقة 41).)] ، فليس في هذه الآيات كما هو واضح أي كراهية من قبل الاسلام للشعر او الشعراء على النحو الذي ادعاه الدكتور النجار.
وقال الدكتور النجار : [(ولتكتمل فكرة كراهية الإسلام للشعر والشعراء، روى أهل الحديث أحاديث كثيرة عن النبي تُبّخس الشعر والشعراء. فقد روي مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير من أن يمتلئ شعرا) وفي الصحيح أيضا عن أبي سعيد الخدري قال: بينا نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عرض شاعر ينشد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خذوا الشيطان - أو أمسكوا الشطان - لان يمتلئ جوف رجل قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا). وروى الطبراني في معجمه الكبير: " حدثنا علي بن إسحاق الوزير الأصبهاني ثنا محمد بن منصور الجواز المكي ثنا يعقوب بن محمد الزهري ثنا أبو صخر واصل بن يزيد السلمي ثم الناصري حدثني أبي وعمومتي عن جدي مالك بن عمير أنه شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وخيبر والطائف وكان رجلا شاعرا فقال يا رسول الله أفتني في الشعر فقال لأن يمتلىء ما بين لبتك إلى عاتقك قيحا خير من أن يمتلىء شعرا قلت يا رسول الله امسح على رأسي فوضع يده على رأسي فما قلت بعد ذلك بيت شعر ".)] ، فهذا نموذج من المنهج الالتقاطي للدكتور النجار ، فهو يلتقط أحاديث تدل على نبذ الشعر غير انها في حقيقتها تتحدث عن الانواع المشمولة بقوله تعالى : (( والشعراء يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم في كل واد يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون )) ، ويترك الاحاديث المنسجمة مع قوله تعالى : (( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا )) ، ثم يدعي بعد ذلك كراهية مزعومة للاسلام تجاه الشعر والشعراء .
وقال الدكتور كامل النجار : [(ويقول المفسرون: عندما نزل الوحي على النبي لأول مرة خاف منه النبي وظن أنه قد أصابه مسٌ من الجنون فكاد يقتل نفسه ثم قال: " ولم يكن من خلق الله أحدٌ ابغض إليّ من شاعرٍ أو مجنون، كنت لا أطيق أن أنظر إليهما، قال: قلت إنّ الأبعد – يعني نفسه- لشاعر أو مجنون، لا تحدث بها عني قريش أبداً! لأعمدن إلي حالقٍ من الجبل فلأطرحن نفسي منه فلأقتلنها فلأستريحن.")] ، ولم يذكر الدكتور كامل النجار مصدر هذه القصة ولا من من المفسرين قد ذكرها ، فترك كل شيء مبهم ، وهذا هو "أسلوبه العلمي الرصين" ! وقد عثرت على هذه الرواية في تاريخ الطبري وهي مروية عن عبيد بن عمير الليثي وهو من التابعين ، فكيف يروي هذه القصة في بدء نزول الوحي وهو لم يكن مولوداً حينذاك ! وزيادة على هذا فإنّ والده وهو عمير بن قتادة الليثي يبدو أنه من الطلقاء أو من الذين دخلوا في الاسلام بعد فتح مكة ، حيث جاء في تهذيب التهذيب لأبن حجر العسقلاني ج5 ص239 أن النبي (صلى الله عليه وآله) لما فتح مكة وجد عند عمير بن قتادة الليثي خمس نسوة فقال ( فارق احداهن ) ، فعلى هذا التقدير فحتى والده الذي يعد من الصحابة لم يكن قد حضر أحداث بدء الوحي ، وبقي كافراً حتى فتح مكة حين أسلم آنذاك وأصبح من الطلقاء.
وقال الدكتور النجار : [(وقد هجا عدد من الشعراء رجالاً ونساءً النبي فأمر بقتلهم، منهم أبو عفك، ذلك الرجل المسن الأعمى الذي هجا الرسول فقال لأصحابه " من لي بهذا الرجل ؟ " فتطوع أحدهم وتسلل إلى فناء دار الشاعر الأعمى ليلاً وقتله. ثم عندما هجا كعب بن الأشرف النبي قال: " من لكعب بن الأشرف فقد آذى الله ورسوله ؟ " فقتلوا كعب بن الأشرف. وعندما جاء اليهود إلى النبي يشكون قتل كعب قال لهم: " إنه لَو قَرَّ كما قَرَّ غَيرُهُ ممَنْ هُوَ عَلى مِثْل رَأْيِه مَا اغْتِيَل ولَكنهُ نَال مِنَّا الأذى، وَهَجَانَا بالشِّعر، ولَم يَفْعَل هذَا أحدٌ منكُمْ إلاَّ كانَ السّيف ". والشاعرة عصماء بنت مروان قالت شعرأً هجت به النبي فأمر بقتلها، فقتلها عُمير بن عدي، فقال النبي: " لا ينتطح فيها عنزان ")] ، فأبو عفك كان يهودياً وعصماء بنت مروان وكعب بن الاشرف أستغلوا التسامح الاسلامي وكونوا طابوراً خامساً داخل الدولة الاسلامية يهجون رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالشعر وهجائهم له ليس شخصياً بل من حيث وظيفته النبوية ، فهجائهم له هو هجاء للإسلام وللتوحيد الحقيقي في الارض ، فكان موقفهم عدائياً ومخالف لكل المواثيق التي عقدها المسلمون مع اليهود. مع اننا لا نسلّم بصحة جميع الروايات التي ذكرت هذه القضايا. ومن المبالغة تسمية هؤلاء بالشعراء ، فليس كل من قال شعراً يحسب الى مصاف الشعراء العظام كأصحاب المعلقات او النابغتين او لبيد بن ربيعة. فلم يعرف لهؤلاء ـ الذين يسميهم الدكتور النجار بالشعراء ـ شعر معتبر في هدفٍ آخر غير هجاء الاسلام.
وقال الدكتور النجار : [(والشاعر كعب بن زهير بن أبي سُلمى كان قد بعث أخاه جُبير إلى مكة ليستطلع له أخبار النبي، فأسلم جبير، وعندما بلغ كعب خبر إسلامه قال قصيدةً طويلة منها: سقاك بها المأمور كأساً رويةً ****فأنهلك المأمور منها وعلكا وبما أن كلمة المأمور في تلك الأيام كانت تعني الشاعر الذي يأمره الشيطان بقول الشعر، أهدر النبي دمه وأمر بقتله وقطع لسانه.)] ، فأما الامر بقطع لسانه فلا نعلم من أين جاء الدكتور النجار به ! وليته يشير الى مصدره ! وكذلك فإنَّ الدكتور النجار لم يكمل بقية القصة وكيف ان كعب بن زهير تاب واتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأعلن اسلامه فعفا عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله).
وقال الدكتور النجار : [(وكان عدد الشعراء الذين هجوا النبي أو امتنعوا أن يقولوا شعراً يُمجّد الإسلام كبيراً، فأمر النبي بقتلهم)] ، وهذا أدعاء باطل فالنبي (صلى الله عليه وآله) لم يقتل أحداً لأنه لم يمدح الاسلام بل امر بقتل العناصر المسيئة التي اخذت تهجو الاسلام وتشكل خطراً على الامن العام للدولة بشكل لا يمكن تجنبه الا بقتلهم. وطبعاً فإن ادعائه بأن عدد الشعراء كبير من الذين هجوا الاسلام هو ادعاء غير صحيح وليس عليه دليل ، بل لا يتجاوز عددهم البضع من الشعراء ممن اساء للاسلام وشكل خطراً على الامن العام للدولة في زمن الحرب وهو ما يرقى في تعابيرنا المعاصرة الى الخيانة العظمى ، هذه التهمة التي تحكم الدول المتقدمة في عصرنا الحاضر وفقاً لها بالاعدام على مرتكبها.
وقال الدكتور النجار : [(ويقول الدكتور شاكر النابلسي في كتابه " لو لم يظهر الإسلام " ما يلي: " وأخيراً توقف الشعراء عن قول الشعر كما فعل لبيد بن ربيعة،)] ، وهذا خطأ فإنّ لبيد بن ربيعة قد توقف عن قول القصائد الطويلة ولم يتوقف عن البيت والبيتين من الشعر ، ففي فتح الباري لأبن حجر العسقلاني ج7 ص116 أن لبيد بن ربيعة قال لعمر بن الخطاب لما سأله عما قاله من الشعر في الاسلام : (قد ابدلني الله بالشعر سورة البقرة) وتوفي في خلافة عثمان ، قال أبن حجر : (وهو القائل : ولقد سئمت من الحياة وطولها وسؤال هذا الناس كيف لبيد وهذا يعكر على من قال أنه لم يقل شعراً منذ اسلم الا ان يريد القطع المطولة لا البيت والبيتين). ثم اليس الشاعر حراً في أن يعتزل الشعر ؟ بلى ، وهذا هو حال لبيد. فهل على الشاعر ان يكون مجبراً على قول الشعر طيلة حياته من أجل ارضاء اعداء الاسلام !!
ويستمر الدكتور النجار بنقل كلام الدكتور النابلسي قائلاً : [( وعَدِمَ ظهور شعراء جدد خوفاً من القتل وإهدار الدم، مما أدى إلى ضعف الحركة الشعرية في صدر الإسلام، حيث قامت مجزرة كبيرة وفريدة في تاريخ الثقافات الإنسانية للشعراء في صدر الإسلام. فقد تم في عهد النبي قتل أكبر عدد من الشعراء في تاريخ الثقافة العربية، بل في تاريخ الثقافة الإنسانية قاطبة. وهؤلاء ممن عارضوا الإسلام ورفضوا تجنيد شعرهم لخدمته، وقد تم قتلهم. ومن هؤلاء: أبو عفك وعبد الله الأدرمي، ومقيس الكناني، وأبو عزة الجمحي، والشاعرة عصماء بنت مروان، وكعب بن الأشرف، وسلام بن أبي الحقيق. وكان هناك عدد من الشعراء أهدر النبي دمهم لكنه لم يقتلهم لأنهم هربوا في الصحراء، ومنهم: هبيرة المخزومي، وأسيد بن أناس، وكعب بن أبي سلمى، والحارث بن المغيرة وغيرهم. ")] ، ومن المؤسف ان كتّاباً من امثال شاكر النابلسي وكامل النجار لا يخجلون من ترديد العبارات التي يريدون بها إيهام القاريء ، فادعوا وجود مجزرة كبيرة وفريدة في تاريخ الثقافة الانسانية للشعراء ، مع أنهم لم يذكروا سوى سبعة شعراء ، بعضهم اسماء وهمية والاخرون لديهم بضع أبيات من الشعر في هجاء الاسلام فقط ومن الصعوبة لذوي الاختصاص من الشعراء ان يطلقوا عليهم لقب "شعراء" ! فيتم تضخيم صورتهم ومكانتهم من قبل الدكتور شاكر النابلسي والدكتور كامل النجار من أجل الاساءة للاسلام ! فأما أبو عفك وعصماء بنت مروان وكعب بن الاشرف فقد مرّ عليك ذكرهم وكيف كانوا يقفون موقفاً معادياً للاسلام ، ومهددين له بالخطر رغم المواثيق والعهود التي عقدها المسلمون مع اليهود ، واما عبد الله الادرمي ، فاسمه عبد الله بن هلال بن خطل الادرمي ، يقول البيهقي في السنن الكبرى ج8 ق205 : (وإنما امر بقتل عبد الله بن خطل لانه كان مسلماً فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقاً وبعث معه رجلاً من الانصار وكان معه مولى يخدمه مسلماً فنزل منزلاً فأمر المولى أن يذبح تيساً ويصنع له طعاماً ونام فاستيقظ ولم يصنع له شيئاً فعدا عليه فقتله ثم ارتد مشركاً وكانت له قينة وصاحبتها فكانتا تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بقتلهما معه). فكان قد تعلق بعبد الله الادرمي عدة أحكام تستوجب قتله منها قتله المتعمد لمسلم ومنها ارتداده ومنها هجاءه لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فليس قتله متعلقاً بقتل الشعراء وكراهية الاسلام للشعر وهو ما حاول شاكر النابلسي وكامل النجار أن يصوراه.
واما مقيس الكناني فاسمه مقيس بن صبابة وهو أيضاً كان مسلماً ثم ارتكب جريمة القتل العمد فقتل مسلماً آخر وارتد عن الاسلام الى الشرك ، فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقتله ، وهو جزاء عادل لما اقترفه ، فقال الهيثمي في مجمع الزوائد ج6 ص168 : (وأما مقيس بن صبابة فانه كان له أخ قتل خطأ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث معه رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من بنى فهر ليأخذ له من الانصار العقل فلما جمع له العقل ورجع نام الفهرى فوثب مقيس فأخذ حجرا فجلد به رأسه فقتله ثم أقبل وهو يقول : شفى النفس من قد مات بالقاع مسندا * يضرج ثوبيه دماء الاجادع وكانت هموم النفس من قبل قتله * تهيج فتنسينى وطاة المضاجع حللت به ثأري وأدركت ثورتي * وكنت إلى الاوثان أول راجع) ، فهل يلام الاسلام لتطبيقه الحدود والقوانين العادلة. أليست جريمة القتل العمد عقوبتها الاعدام في جميع الاحكام العادلة ، ألا يظهر ذلك ان موضوع قتله ليس له علاقه بالكراهية المزعومة للاسلام ضد الشعر والشعراء ! فلماذا هذا التدليس وتشويه الحقائق ونسبة للاسلام ما ليس فيه !
واما أبو عزة الجمحي فقد كان يهجو رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مكة ، وكانت امه يهودية ، فأسره المسلمون يوم بدر ، فسأل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يمن عليه وذكر فقرا وعيالا ، وكانت لديه بنات يقوم بشؤونهن ، فمن عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بإطلاق سراحه بلا فداء ، يقول محمد بن سعد في (الطبقات الكبرى) ج2 ص18 : (وكان فداء الاسارى كل رجل منهم أربعة آلاف إلى ثلاثة آلاف إلى ألفين إلى ألف إلا قوما لا مال لهم من عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو عزة الجمحي) ، وأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليه عهدا ألا يحضضن عليه ولا يهجوه ، ففعل . ثم رجع إلى مكة فعاد سيرته الاولى من هجو وإيذاء وتحريض للقبائل العربية ضد الاسلام وضد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، حتى إذا كانت معركة أحد ، دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) الله تعالى ألا يفلت أبا عزة الجمحي ، فما أسر من المشركين رجل غيره ، فضربت عنقه. فقتله لم يكن لأنه شاعر أو لأن الاسلام يكره الشعراء والشعر كما حاول الدكتور النجار ان يصوره ، بل قتله لأنه كان يؤذي المسلمين والاسلام بهجاءه وتحريضه للعرب المشركين ضد الاسلام. ففي قتله إضعاف لجبهة الشرك وتقوية لجبهة الايمان وصيانة لارواح المسلمين من أن تستنزفها نتائج تحريضات أبو عزة الجمحي ومن هم على شاكلته.
واما الشعراء الذين ادعى الدكتور شاكر النابلسي أنهم هربوا الى الصحراء لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد أهدر دمهم ، فعد النابلسي اسمائهم وهم (هبيرة المخزومي، وأسيد بن أناس، وكعب بن أبي سلمى، والحارث بن المغيرة) ، فأما هبيرة المحزومي فهو هبيرة بن ابي وهب المخزومي زوج ام هانيء بنت أبي طالب ، وقد فرّق الاسلام بينهما ، وهرب هبيرة الى نجران فمات هناك مشركاً. وكان هبيرة أحد فرسان المشركين في غزوة الاحزاب ، وقتل من المسلمين ثعلبة بن عنمة بن عدي بن نابيء ، كما انه قتل من المسلمين خيثمة بن الحارث يوم أحد. وقيل (كما في شرح المواهب اللدنية ج2 ص327 ، وشجرة طوبى ج2 ص305) أنَّ هبيرة هو الذي كان في بيت ام هانيء في فتح مكة فأجارته وأمضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) إجارتها ، فخرج هبيرة بعدها الى نجران وأقام هناك حتى مات مشركاً. واما أسيد بن أناس فلم نعثر له على ذكر في كتب الاحاديث او السيرة. ولا على الحارث بن المغيرة. وقد يكون المقصود بالحارث بن المغيرة هو الحارث بن هشام بن المغيرة أخو أبو جهل ، وهو أحد رجلين أجارتهما ام هانيء بنت أبي طالب يوم فتح مكة فامضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) إجارتها ولم يتعرض له أحد ، فأعتنق الاسلام. مع إننا لم نعثر للحارث بن هشام بن المغيرة على شعرٍ لا في جاهلية ولا في إسلام ! ونتمنى لو ان الدكتور كامل النجار او شاكر النابلسي يذكران المصادر التي ارشدتهما الى أسماء هؤلاء المجهولين الذين نسبوا لهم الهروب الى الصحراء ، والا فإنّ ما قالوا هو محض كذب وافتراء. واما كعب بن أبي سلمى ، فهو كعب بن زهير بن أبي سلمى ، أبوه صاحب المعلقة الشهيرة ، وهو أيضاً كان شاعراً ، وكان قد هجا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقصيدة فاُهدِرَ دمه ، ثم تاب بعد غزوة تبوك وجاء الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) واعلن اسلامه وقال قصيدته الشهيرة المعروفة بالبردة بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومطلعها : بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ، فكافأه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأن نزع بردته وألبسها له. فأين هي دعوى إضطهاد الشعراء وكراهية الاسلام للشعر ؟! وفي المقابل لماذا لم يذكر الدكتور شاكر النابلسي ولا الدكتور كامل النجار الشاعر عبد الله بن الزبعري الذي هجا رسول الله (صلى الله عليه وآله) في شعرٍ كثير ، وقيل ان أبن الزبعري أشعر شعراء قريش ، ثم هرب الى نجران بعد فتح مكة هو وهبيرة ، ثم عاد ابن الزبعري وحده الى مكة ليعلن اسلامه بعد إيمانه به بلا إكراه وليقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) منه إسلامه ويرحب به.
وقال الدكتور النجار : [(وعندما جاء وفد اليمن لمبايعة النبي بعد فتح مكة ذكروا امرأ القيس، شاعرهم المشهور، فقال لهم النبي: " ذاك مشهور في الدنيا خامل في الآخرة، مذكور في الدنيا منسي في الآخرة، يجئ يوم القيامة معه لواء الشعراء يقودهم إلى النار ". وإلى هنا يبدو الأمر جلياً، وموقف الإسلام من الشعر والشعراء واضحاً. ولكن لم يكن الأمر بهذه البساطة، فيبدو أن النبي كان، في سريرته، مولعاً بالشعر والشعراء، ويروى أن النبي كان يسمع شعر أمية بن أبي الصلت، وأن الشريد بن سويد كان ينشد له شيئا منه في أثناء أحد أسفاره، فكان كلما أنشد له شيئا منه، طلب منه المزيد، حتى إذا ما أنشده مائة بيت، قال النبي له: كاد ليسلم. وذكر أن الرسول قال في حديث له عن أمية بن أبي الصلت: " آمن لسانه وكفر قلبه ". وفي المنتظم في التاريخ لابن الجوزي قصة مماثلة لهذه على لسان شريد الذي قال: " فأناخ الرسول فحملني فقال: أمعك من شعر أمية بن أبي الصلت قلت: نعم قال: " هات " فأنشدته قال: أظنه مائة بيت قال: وقال: عند الله علم أمية بن أبي الصلت ". (ج3، ص50). وعندما كثر الهجاء على النبي طلب من الشاعر الأنصاري حسان بن ثابت أن يرد على الشعراء بمثل قولهم وجعل حسان شاعره الخاص، رغم أن حسان بن ثابت كان من أوائل الذين نشروا حادثة الإفك ضد السيدة عائشة، وكان النبي قد جلده في ذلك. وقال حسان شعراً كثيراً يُمجّد الإسلام ويدافع عن النبي، ولم نسمع أن النبي استهجن شعره أو منعه من قول الشعر. وكان كعب بن مالك شاعراً مشهوراً لكنه كان من الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك وقاطعهم النبي وأمر المسلمين بمقاطعتهم وأمر أزواجهم بمفارقتهم حتى نزلت آيات العفو عنهم. وبعد هذه الآيات اتخذ النبي مالك بن كعب شاعراً يدافع عنه. وعندما هجا كعب قريشاً، وكانت تُعرف ب "سخينة " فقال: جاءت سخينةُ كي تغالب ربها **** فليغلبن مغالب الغلاب قال له النبي : " لقد شكرك الله يا كعب على قولك هذا." وفي رواية أخرى قال له النبي: " ما نسى ربك وما كان ربك ناسياً شعراً قلته " قال ابن هشام : وبلغني أن بعضَ ولد سامة بن لؤي أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فانتسب إلى سامة بن لؤيّ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشاعر ؟ فقال له بعض أصحابه : كأنك يا رسول الله أردت قوله : رُبَّ كأسٍ هَرَقْتَ يا ابن لؤىّ **** حَذَرَ الموتِ لم تكن مُهْراقهْ قال : " أجل ". فالنبي هنا يُظهر علماً متفوقاً حتى بالشعراء غير المشهورين. ولكن يبدو أن أصحاب النبي ظلوا يعتقدون أن الشعر مكروه في الإسلام، فقد روى الترمذي وصححه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء وعبد الله بن رواحة يمشي بين يديه ويقول: خلوا بني الكفار عن سبيله **** اليوم نضربكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله **** ويذهل الخليل عن خليله فقال له عمر بن الخطاب : يا ابن رواحة! في حرم الله وبين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خل عنه يا عمر فلهو أسرع فيهم من نضح النبل " (الجامع لأحكام القرآن للقرطبي). وابن عباس كان من أكثر الناس حفظاً للشعر، وقال عنه الثعالبي: " لقد امتلك ابن عباس أدوات المفسر ، فكان عالما بأسرار العربية يحفظ الكثير من الشعر القديم ، ويحث الناس على النظر فيه قائلا : " إذا تعاجم شيء من القرآن ، فانظروا في الشعر فإن الشعر عربي " . وهو القائل : " الشعر ديوان العرب، فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله الله بلغة العرب ، رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا ذلك منه " . ولا نعلم كيف وفق محمد بين الآية: " والشعراء يتّبعهم الغاوون " وبين تشجيع حسان بن ثابت وكعب بن مالك على قول الشعر في مدحه وذم المشركين، وقد كان المسلمون ومعهم الرسول يستمعون لهذا الشعر ويعجبون به.)] ، وهذا الكلام الذي يورده الدكتور النجار إنما ينقض ما اورده هو نفسه من عداء مزعوم بين الاسلام والشعر ! فهل يدري الدكتور النجار ما يقول ؟! واما تساؤل الدكتور النجار عن التوفيق بين تشجيع حسان بن ثابت على قول الشعر وبين قوله تعالى : (( والشعراء يتبعهم الغاوون )) فيجيب عنه بكل وضوح الآيات الكريمة التي تلتها وهي قوله تعالى : (( والشعراء يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم في كل واد يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون )) ، فحسان بن ثابت وكعب بن مالك وغيرهم من شعراء الاسلام هم ممن ينطبق عليهم قوله تعالى : (( الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا )).
وقال الدكتور النجار : [(وبالرغم من العداء المفتعل بين الرسول والشعر فهناك تشابه شديد بين القرآن والشعر الجاهلي، وبعض الآيات تبدو كأنها أتت من الشعر الجاهلي)] ، فهذا من الوهم الذي اصاب الدكتور النجار او هو مما يريد ان يوهم به الاخرين ، فافتعل وجود عداء بين الاسلام والشعر ليقول بان سبب العداء هو للتمويه بأن الشعر هو مصدر القرآن ! وفي الحقيقة فلا العداء بين الاسلام والشعر موجود ولا الشعر هو مصدر القرآن. واما إدعاء بأنَّ بعض ا |