|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
22 آب 2005 |
|
الحل الوجودي للدين - 4
(الانقلاب؛ من احكام المعبد الى قيم الوجود) كتابات - عبدالرزاق الجبران
الفيلسوف هو الفدائي الذي يطهر المستقبل من الالغام الفكرية التي وضعها المفكرون القدامى فيه - مصطفى محمود
الانسان يغدوا انسانا بمقدار مايكتبه من روح - ماكس شيلر
رمزية .. تعود دائما
هل عليك ان تحمل كتب الاولين.. كي يصبح ظهرك عقلا؟.. ام على ظهرك ان ينسى عقلك.. كي تحملك كتب الاخرين...؟ المشكلة في جبنك لا في عماك. هل عليك ان تتغطى بالنصوص..كي يدفا تحتك الوجود؟ ام عليك ان تستلقي على قارعة الوجود.. كي تقرع قلبك نصوصه.؟
بين كتاب الوجود وكتب الانبياء ثدي واحد تختم كتب الانبياء ويبقى الوجود بقلم الله .... {قُل لّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لّكَلِمَاتِ رَبّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً}
هل عليك ان تقطع خُمس امتار الكلمات... كي يصبح وزنك عشرين حكمة.؟ ام عليك ان تتكلم بخُمس الامك .. كي تصبح الحكمة وزنك .؟ ......ام عليك ان تترك كل المسافات, لمسافة الله.. انها بلا أمتار؟ هل انت من النبي .. لانك بينهم؛ تحفظ اقصى رمالهم من قافلة اخرى. ام انك منه .. لان قافلتك لا تكتفي بالرمال .
ولكن الانبياء لا يخرجون بغير الصحراء.. فكيف ترفع قبضتك اعلى الجبال, تدعي رمالهم .. لم تدّع .. يجهلون ا نبياءهم يمكن لقبضتك ذلك .. حينما تجعل حديث الجبال والصحراء واحدا .
دائما هنالك قصيدة واحدة للدين ، قال بها الوجود ، القلب .. قبل الانبياء .. ولكن الكهنة ، الساسة ، التجار .. عبدوا قوافيها . للكهنة قوافيهم ،كما للسلاطين .. كما.. لذا كان عليهم ان يمدوا الف قصيدة وقصيدة بين اقدامنا ، كي تضيع بها القصيدة .
لما قاله موسى ،او تالم به عيسى ،او مشى به محمد؛ كتاب واحد, انسان واحد.... معنى واحد, تجره كل الكلمات . ولكن الكهنه والسلاطين يخشون مشية الانبياء ، انها لا تترك ورائهم ماشيا .. هل انت زنديق لانك تكلمك عن زيغهم .. ام انت خارجي ، لانك خرجت على ازقتهم .. اما زال الله بعيدا عن المسجد .. مثلما تاهت الكنيسة عنه.. ام المساجد تنتظر عبدا يصلي في كنيسة .. بينهما ضاع البناء وبقي الانبياء . بناء الكاهن ، يواري نبيه. لذا، كلمات الهيكل مخنوقة.. دائما؛ النبي دون كاهن… الكاهن دون نبي.
(1)
خذوا الحق من اهل الباطل .. ولا تاخذوا الباطل من اهل الحق .. وكونو نقاد الكلام . عيسى المسيح
واما قولك؛ ان الفيلسوف لادين له, فلايدل كونه لادين له على ان كل ماعنده باطل. وهذا مدرك باول العقل عند كل عاقل.
ابن عربي
الشك بمقولات التراث ، معارفة, معظم المسلمات المعرفية فيه . هويته المحددة سلفا .. لم يكن بسبب ازمة توثيقة فقط، وانما لانه تاريخ فحسب .. اذ دائما خاصية تشكله كتاري، تقع ضمن لعبة ومؤامرة خطرة شارك بها اكثر من طرف وصنف. أي لانه نسخة سياسية ايديولوجية قبل أي شي اخر ، او بتعبير فكر ما بعد الحداثة ،لان عمل سياسي بالدرجة الاولى لما لاقت هويته المنتهية الينا ، عمل شاق من التزييف والاختلاق والفبركة ، يكاد يتفق عليها الباحثين الجادين، ناهيك عن المؤرخين ، وعلماء الاجتماع ، الانثربولوجين ، وعلماء مقارنة الاديان, تاريخ الاديان .
المفروض ايضا, ان هنالك وضوحا لدى الباحثين ، في ان العقل الدوغمائي حسب اصطلاح اركون- هذا الرجل اسمهم كثيرا في خدمة الموضوع ، مقدمة لكل باحث ، يريد حق المراجعة للتراث ـ ، يبقى دائما مشحونا بمشروعية للحقيقة ، وقداستها, بما تمثل معه من حاكمية معرفية ، تشتد اكثر في المخيال الديني. بحيث يصعب الخروج على التراث حينما يقع احدهم على صورة حيوية اخرى للدين، منافية لذاك التراث – بل غدت مفردة الخروج مفهوما مشحونا في دلالته بالكفر في اقصاه, مع انه احيانا يكون خروجا على المنهج ليس الا, وهو منهج بشري.. وهكذا المسالة واضحة في ان الخروج على الاباء هو المشكلة وليس على الدين - لما يلازمه من نوعين من الجبن. احدهما ديني؛ في فكرة (الاحتياط) المعروفة في المنضومة الدينية, والمؤسسة منهجيا على التقوى ، تاثرا بما يمكن تسميته بالحشد القداسوي للدين وترسخه لاشعورا في اولويته على أي شي اخر؛ الانسان ودمه وكرامته وحياته..حرجه وعسره وضرره.. اتساقا مع الحشد النفسي لجون باينس الفيلسوف ألاخلاقي التشيلي. والجبن الاخر ، اجتماعي؛ فالخروج عن المالوف ، هو طرد تطوعي للذات عن المحيط .
لذا قدر عظيم. ان يكتب المثقف خارج المعبد ( الابستمي ) ذاك .
ذلك العقل الدوغمائي في المؤسسة الدينية, ناهيك عن انه يرفض ما هو غير مالوف, فهو قبل ذلك وبتهمة اكثر جهوزية ، يرفض الاخذ عن الاخر في معارف الحياة ، وهذا ابرز تخلي عن مفهوم الانسانية( كقيمة,بل قيمة معيارية توخذ في مجال قياس القيم, وليس كاطار اخلاقي)بل خروج عنه. فمن المستحيل ان يمنح الغريب عن الدين، الارض .. عن (الانا) عموما, ان يمنحه مشروعية انتاج المعنى( لاشرعية لاي معنى في علومه, كونه لايرتبط بالمقدس, الدين بنبيه الخاص, او المذهب بامامه المحدد) . ومن باب اولى رفضه كمرجع في فكرة المعنى ، الوجود ، الحياة .. بدرجة مظاهية للتراث، او اقلها مساهمة هذا الاخر في تفسير المقدس او التعبير عنه او تجديده ( كما سنرى محاولة الاستعانة بالمدرسة الوجودية المؤمنة, ومدى امكانية التجديد بها, وماسيجلب ذلك من تهمة).. او مشاركة الاخر في روى الدين واحكامه بفارق ان الاخر يقرأ الدين بالحياة. وهذه من اكبر الاشكاليات التي تقف عثرة في مسار التجديد, رؤية؛ ان الحياة تقرأ بالمقدس ، وليس المقدس من يقرأ بالحياة .. اقلها , ما تمنحه, بداية مع منهجية باقر الصدر في التفسير الموضوعي باولوية ( واقع ـ عقل ـ نص ) .. او( تجربة بشرية ـ وحي ). ولكن رغم قدرها المعرفي الكبير في شوط باقر الصدر وتركيزه على اهميتها وانها الاس الاكبر مع الصدر وليس التفسير الموضوعي كما ضن اهم معاصريه.. الا انها جاءت مجملة ... ونهاية بحسن حنفي في تفصيلاتها,الاخذة الى شكل منظومة في الرؤية, باعتماده منهج الظاهريات(الفينومنولوجيا), والعودة الى الحياة كاساس في تشكيل النص المقدس قراءة.. وما جرّ معه من (اولوية للمتن على السند) في يحثه المعروف, وقلب تسلسل الاولوية في (قرأن, سنة, عقل , اجماع), واعتماد التجربة المعاشة, وتجاوز الادراك في حصره العقلي الى الشعور, بنكهة وجودية .. كما انه لا يمكن للانا ، ان تجعل الاخر ايديولوجيا ينتمي الى المقدس ، وكانه لالقاء ، بين المقدس ورجل لا يدخل المعبد .. , ( لا يصلي الى قبلتنا ولا يحارب في ثغورنا ) . الله يُحضر الحقيقة على اؤلئك ، كما يدّعون, وكان الله حدد نفسه مع الانا حصرا ، لتختلس الانا من جديد مقولة شعب الله المختار .. (2) هل يمكن ان اسير مع قيمة ولدت خارج المقدس, بنفس مااسير مع اخرى من داخله... ما زلنا مع مفهوم الانسانية ، في اثرها على هذه النكتة ، ومفهوم (نضير) ، التي ناتيها لاحقا في كلمة الامام علي، ودلالاتها خارج المالوف المذهبي .. أي هل يمكن ان اجمع ، مقولات لحياتي ، من بوذي و هندوسي، تاوي، مسيحي, يهودي أو لشخص راسمالي او اشتراكي .. او سني لشيعي او العكس . او .. لا اعلم اين يقع الحديث الشريف ( اطلبوا العلم ، ولو كان في الصين ) لا اعرف فهما اخر الا ان اضعه في سياق الاخذ عن الاخر مهما كان, بصورة ترفض حصر الحقيقة مع أي جهة كانت, اشتهرت بالمعابد او بالملاهي. وهذا ما يفرض حتمية ، تبادل الحضارات ، والتثاقف فيها. هنا مسار الحقيقة لن يفتح مداه ، دون الخروج- من القيد المعرفي للانتماء دينيا بالذات ـ على ذلك المنحى الدوغمائي ، والفهم الخاطء ، لموقع الحقيقة ، وحشر فكرة المقدس مع كل شيء ، وبالتالي نكران الحقيقة خارجه. أي لن نتلقى صيرورة في ااتجديد الا بالخروج على كل وجهة تحاول ان تصنف البشر ، بين منتج للمعنى ، وغير منتج ، على اساس الدين او القوم ، او الحزب ... اذ بكل بساطة ذلك عينه يمثل الخروج الطبيعي على مفهوم الانسانية عينه كقيمة اولية للدين ، باعتباره مفهوما يعبر في اهم جهاته عن التجاوز لكل الحدود التكتلية ، في الدين ،والعرق ، والانتماء… الانتماء الحقيقي هو وحده الانتماء للانسانية وقيمها, لاالانتماء الديني ولاالمذهبي.. تخلى عن معبدك ولاتتخلى عن انسانيتك.. بل الدين الذي يتعارض مع الانسانية كقيمة يضرب عرض الحائط . بكل الاحوال - في ازمة العلاقة مع الاخر, الغريب على الدين - سيكون نفس المنتمي ، هو الخاسر الوحيد، برؤية الانغلاق تلك. اولا: انه دونه معارف الاخر, فماعند الاخر ليس عند المنتمي، وماعند المنتمي عند الاخر. ثانيا: ان اطروحة رجال مقدسه يرفضون له الابداع خارجه, ويقيدون بالاكتفاء بما شرح عن المقدس ، والمشكلة هو عدم وجود معطى صريح للمقدس لجزئيات الحياة, لتركيبة النص الرمزية واعتمادها الكليات.. أي ان الانا ممنوعة من جهة عن خدمات الاخر في انتاجه المعنى, وممنوعة من جهة اخرى عن ان تبدع بذاتها عن الحياة, لانها ممنوعة عن ابداع المعنى عن الحياة مباشرة, وانما توجييه الى النص حصرا.. تقييد باوسع تعسفياته .. لذلك نلاحظ في المجتمعات الدينية ، كلما كان الانتماء ايديولوجيا كلما قل الابداع الوجودي .. وهذا ما تؤكده ظاهرة ارتباك الدين التقليدي في المدينة والاصطدام العارم بها ، وما كان تميزا بين البروتستانيتية والكاثوليكية كما هو معرروف في رؤية ماكس فيبر مع نكتة الراسمالية وعلاقتها بالبروتستانتية في التطور المدني.
ما نخلص اليه ، هو انه لا يمكن مع الحقيقة ، وتراثها ،ان يكون هناك انتماء معرفي او ايديولوجي للانسان باي اسم كان ، الهي او دنيوي. فمع ذلك الانتماء يتاكد خطر (اغلاق المعنى) . في الحياة..يفضي الى فشل وجودي, وبالتالي امتناع عن التاريخ .. على اعتبار ان لا صيرورة في التاريخ ، الا في توليد المعنى .
3
هذا الانتماء الايديولوجي, من ابرز افرازاته( امراضه) تاريخيا في الحدود الاسلامية, انه بمرور الزمن يُقدم الدنيوي كمقدس لاجل مصالحه المذهبية او القومية او الحزبية ..بل احيانا نجد حزبا اسلاميا ( ولطالما ذلك ) يتحول منهاجه الداخلية نوع من المقدس يغفل به المقدس الاول ، الذي جاء على اساسه الحزب ..بحيث يكون دفاعه عن حزبه اكثر من دفاعه عن اسلامه.. في اكثر العمليات السياسية يتضح ذلك جليا, تذوي المبادئ الاسلامية لاجل الحزب وموقعه امام الفرقاء في تقاسم الحصص ضمن العملية السياسية.
كما ان عين اغلاق المعنى يجد نفسه واضحا في فكرة الانغلاق على السنة لقدوة معينة وخصوصية تاريخيتها حيثيات زمانها ومكانها على اساس انها اخر ابداع الانسان في جوانبه الوجودية.. وهذا ماقتل قدر التكامل مع سنة النبي(ص) (كاصل ثاني بعد القران), حينما تفرض كالزام عقيدي في كل خصوصيات الحياة, ومن ثم التقيد بها في كل حيثياتها المحصورة بزمان ومكان معينين, من زي وعرف وتقاليد واليات .. بل التعامل مع السنة ، كصيغة نهائية للحياة- لا يكون الانتماء الى الدين ، وبالتالي الى الله ، الا بها - ايضا خطأ اخر .. يغلق المعنى ، وصيرورة الوجود بإعادة نسخ تنتمي لمرحلة ولت في الابداع الانساني . وهذ ما لم ينفع معها في وعي الوسسة الدينية مقولة الامام علي ( لا تقسرو اولادكم على ادابكم / اخلاقكم ، فانهم خلقو لزمان غير زمانكم) اذ لم يميز مع الرسول (ص) بين حياته كفرد يعيش حياة مع مجتمع له محدداته( القرن السادس الميلادي في قلب جزيرة العرب) من الطبيعي ان تكون الياته تنتمي الى المجتمع في الاكل واللبس وعموم الاستخدامات , وليس الى النبوة حتى يلزم الانسان بعده بها. وبين حياته كنبي, يحمل قيم مطلقه من السماء, لها وجوه عدة في الحياة مارسها على طول نبوته.. بل وقبل النبوة.
(4)
المعنى ولادة وجودية ، مخاضها الحياة ، والاندكاك بها.. فلكل انسان نمطه الوجودي الخاص به, هذا في نفس الزمان, فكيف مع تعدد الازمنة, كذلك الانبياء كحياة خاصة هم محدودين بزمن ونمط وجودي معين وبعمر محدود لا يمكن لهم من جهة ان يعبروا عن كل المعاني بهذا العمر .. أي لا يمكنهم ان يجمعوا الادوار الوجودية للابداع الانساني في الثورة واليتم ،والمعرفة ، والفن، والعشق .. والمفاهيم الاخرى .. ادوار ؛ ابوذر, الحسين ، التوحيدي ، قيس, المتنيبي ، كيركجارد, ليو تولستوي ، غاندي ، يبتهوفن .. فلكل منا وتره الخاص لموسيقى لا يمكن لاخر عزفها الوجودي ، هذا ما يفرضه مفهوم الفرد ، ( كل انسان يتميز عن الاخر في شخصيته ) وهي ميزة تشي بها كلمة هوميروس في الالياذة : ( يلعب اللانسان، بما منحته الالهه من لعب ) ..لذا لايمكن ان يكون الامر عكس ذلك (الاخذ بكل خصوصيات السنة الزاما) الا تقييدا للفرد في ما منحه الله في تمييز شخصيته وابداعه مع هذا التميز. النبي يمنح القيم الكبرى للحياة - منح يقيني,لافرضية مع الانبياء, كما يؤكد مع مفهوم العصمة - والكليات الوجودية التي يمكن بها ، التوفر على الغطاء الاكبر للانسانية ، وهي كليات متعالية لا تاريخية ، وفي هذا قداستها وقداسة الرمز .. يمكن بها لكل انسان ان يلج تجربته الوجودية . بانماط اخرى يفتح بها معنى اخر ، ضمن ما يكون عليه هو في حياة الفعل .. وهكذا يولد المعنى .. تواليا ، في صيرورة لا تتوقف ، والى ذلك ( منح الكلي ) تعود كلمة الامام علي: ( علمني رسول الله الف باب من العلم ، يفتح لي من كل باب الف باب) . و الى ذلك تعود ايضا فكرة مالك بن نبي في مقولة التقدم والمواكبة بين الدين والحياة, بين الافكار المطبوعة الممثلة للهوية(المحددة مع النبي) والافكار الموضوعة(الابداع الزمني للمعنى). انتماء الالف باب الى الباب. لم يغلق رسول الله الامر عل نمط حياته، بل ان هناك منطلقات في حياته، في الجانب الجمالي الانفتاحي في انسانية الحياة معه، للاسف اطمست وابعدت عن شخصيته, لانها, تلك الجوانب, قيست على العرف المعاصر لجيل القراءة ، أي اسقط العرف الراهن بعُقده ، على ازمنة الرسول .. والغريب ان كثيرا من انماط الحياة في الحقبة الاولى للدين، تجعلنا نرى انها اكثر تقدما في الحياة حتى في الاعراف الليبرالية والانتماء لها، اكثر من الانتماء للاعراف المقيدة بالقوانين الذكورية ، سيما مع مفهوم المراة ، والفن ، والحقوق الطبيعية ، التي يوصم الكشف عنها بالخروج على الحياء والفضيلة.. في سني الدراسة الشرعية.. وصل الاستاذ في درس الفقه الى باب الحدود والتعزيرات ، كان هنالك حديث للرسول (ص) جاء في حادثة اقرار تطهيري لاحدهم كان قد زنى, كان الرسول بانسانية واريحيتة ، ولتسامحه يحاول ان يرجعه عن اقراره او اقلها يوجه الامر مع المذنب في احتمال انه اشتبه او لم يقم بذلك على النحو التام, ولكن المقر يؤكد الامر اكثر.. فيقول له الرسول(ص) اخر المطاف : ( أفَنِكْتَها ولا تكني) .. الاستاذ هنا. كان حينما يصل الى الحديث يتجاوزه بقوله ( كما هو الحديث أمامكم في الكتاب )، على اساس انه يبتعد عن حرج اخلاقي في كلمات الحديث ..وشوش احد الطلبة في اذني : رسول الله يصرح، واستاذنا يتنزه عنه, معتبرا ترك لفظ (نكتها) فضيلة...لذلك تعود بنى عرفية تاريخية تعود في بنيتها الى مسالة الجنس وازمتها في الشرق . وعلى اساسها يغلقون مافتحت النبوة من افاق في زاوية الجنس اجتماعيا.
(5)
اذن تُرك للانسان حيز وجودي خاص به في ولادة المعنى ، لا بل الوجود كله حيزه, لياخذ منه مااستطاع من معنى, والاهم هو مايمنحه للوجود من معنى ذاتيا, بما للانسان من مميزات ذاتية تكوينية(الحرية|الاختيار, الشعور|الوعي, الخلاقية|الابداع)..تفرش له بساط المعنى في اجمل مايكون... لذا لايمكن قبول رؤية تجعل منه في الوجود اشبه بدمية ، تاخذ نمطا من جبرية, سببها الفقه اكثر من غيره. ولكنها جبرية غير معلنة او ضاهرة او لاتناسب التسمية(الجبرية).. ولكنها عمق من اعماقه. تفوق به الجبرية المحددة في علم الكلام.. اذ دائما المؤامرة والخدعة والازمة مع المفهوم.. لذا التجديد الاساس هو تجديد في المفاهيم قبل كل شيء. قد يقف علم الكلام ( سيما الاشعري) في جانبه السلبي مع فكرة الجبرية ، على مستوى التكوين, والسنن, والفعل الانساني، والارادة.. ولكنها اهون مما سناتيه في الفقه. كونها تترك ولو هامشا من الحرية, او بالاصح هامش من الارادة في حيثيات النضرية, سيما مع فكرة الكسب للاشاعرة كممثلين للجبرية قبال المعتزلة ... ولكن الطامة الكبرى تبرز مع الفقه بفرضه منظومة من الاصول العقدية والفقهية وبالتالي احكاما تفوق جبرية علم الكلام- من جهة ارتباط الفقه بالفروع في الدين, أي بجزئيات الحياة وواقع الانسان العملي الدنيوي, وبالتالي فهو اكثر مسا للحياة على خلاف علم الكلام في اصول الدين، الذي ينأىعن الفعل والحكم الشرعي- بما يفرضه عليك الفقه في ان تبقى مقلدا لصيغة زمنية لها عرفها وضروفها ومحدداتها السلوكية، مغلقا التاريخ عليها(قاعدة العرف في الفقه عينه تردع ذلك) ..... وبالتالي عليك ، بل حتى وان تخلصت من الجبرية كلاميا ، مع مقولات المعتزلة ، فانت واقع فيها من خلال ، قيد النص الديني في تفسيراته البشرية ، والمنظومة الفتوائية.
المهم ان الحيز للوجودي للانسان يسلب عنه باسم الالتزام الديني, وبالتالي يسلب منه حق انتاج المعنى القادر عليه ذاتيا- أي يُسلب من الانسان فقهيا مامنحه الله تكوينيا..مع ان عطاء الله التكويني هو دائما غائي, لايلوحه العبث – فتقيد الحياة على شاكلة واحدة تنسخ عن نسخة عرفتها الحياة قبل اكثر من اربعة عشر قرنا.. بينما الحياة و الانسان والوجود, صيرورة والخروج عن الصيرورة يعني خروج على الحياة, وخروج عن الوجود وعن مفهوم الانسان.. وبالتالي هو خروج على غاية الدين.
لمالك بن نبي كلمة في ذلك تبدأ من فلسفة التاريخ تصطدم تماما مع القيد الفتوائي والتوقف السني ، يقول فيها : (كل جماعة لا تتطور ، ولا يعتريها تغيير في حدود الزمن ، تخرج بذلك عن التحديد الجدلي لكلمة مجتمع) .. كما ان (من تتناوبه سلسلة من نفس الافكار المتكررة ، لم تنتابه افكار ولا شعور اصلا ) كما يقول ( هوبنز ) الفيلسوف الاجتماعي المعروف . اذ هذا الابداع مرتبط بكينونة الانسان ، في وجوده الاصيل ، أي ( بالامكان الذاتي ) حسب الاصطلاح الفلسفي قبالة ( الامكان الاستعدادي ) .. وهذا خارج عن خصوصية العقيدة والانتماء . وهنا نصل الى الاشكالية الكبرى، في نفي الدين لاي ابداع للانسان خارج النص الديني ، أي بتعبير الحداثي المركزية اللاهوتية نفت المركزية الانسانية. علما ان النص الديني ( القرأن ) عينه يرفض هذا النفي- المؤدي الى كف الانسان عن وجوده - باحتضانه اهم مفهوم ( الكدح ) ، التي لا تجد فكرة الصيرورة - كاهم اس للتاريخ- نفسها الا فيه يحتضن القرأن هذا المفهوم بطريقة ذات صورة بيانية تغمر الذات ببساطة في فكرة النسبي والمطلق ( الانسان ، والله) ودور الانسان في الاتجاه اليه ، بابداع وجوده ، وجعل العالم والحياة افضل ، بمعان افضل : ( يايها الانسان انك كادح الى ربك كدحا فملاقيه ) .
(6)
الدين دائما ينغلق على نفسه ، ثم يتفرع الى مذاهب تنغلق على نفسها ، والمذهب يفتح اروقة ، تتوالد داخليا ، ومن ثم تبداء الحروب من هناك . الكل يدعي الفرقة الناجية ، والصراط المستقيم ( الارثوذكسية ) .. وبالتالي يقوم بتحديد وتقييد المعنى/ الحقيقة/ والحياة / بالمقدس .. وهو ما لا يجد نظيرا له في غير الاتجاهات الدينية . انتاج المعنى ، نكتة الانسان ، بما هو انسان ، طالما انه في خضم الوجود . وهو ما يتميز به عن باقي العوالم ( جماد, نبات ، حيوان)، وهو ما ياخذ به اقترابا من ( الله) في صفاته ، كما ان الكتب السماوية والانبياء لم تكن مقولتهم ( ليس في الامكان ابدع مما كان ) .. أي ان الانبياء وكتبهم لم يمارسوا لنقل منطق ( اغلاق المعنى ), بل يمكن القول ان دورهم الاساس كان فتح باب المعنى ( لكل باب الف باب ) . اذن ولادات المعنى (الصيرور ة, التقدم, التاريخ ) .. لا يمكن ان تُغلق مع الانبياء والكتب, باعتبار ان ذلك النتاج للمعنى و سير الوجود به يمثل حضور الله في الانسان ، وسيرته ( الله ) في الحياة بخلافة صفاته. وفي هذا تاتي فكرة رائعة- في خصوص الصيرورة في التشريع تمس فكرة (=ولادة المعنى)- للمفكر السوداني الشهيد محمود محمد طه برؤيته ؛ ان الختم للنبوة (= خاتم النبيين ) وليس للرسالة. وكأنه يمكن انتاج رسالة ثانية وثالثة.. على اساس توليد المعنى/ الصيرورة/تكامل الوجود, التاريخ.. كما سلف.
|