|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
11 آب 2005 |
|
الحل الوجودي للدين - 1 الانقلاب ؛ من احكام المعبد الى قيم الوجود كتابات - عبدالرزاق الجبران
الفيلسوف هو الفدائي الذي يطهر المستقبل من الألغام الفكرية التي وضعها المفكرون القدامى فيه - مصطفى محمود
الإنسان يغدوا إنسانا بمقدار ما يكتبه من روح - ماكس شيلر
رمزية.. تعود دائما
هل عليك ان تحمل كتب الأولين.. كي يصبح ظهرك عقلا؟.. أم على ظهرك ان ينسى عقلك.. كي تحملك كتب الآخرين...؟ المشكلة في جبنك لا في عماك. هل عليك ان تتغطى بالنصوص..كي يدفأ تحتك الوجود؟ أم عليك ان تستلقي على قارعة الوجود.. كي تقرع قلبك نصوصه.؟
بين كتاب الوجود وكتب الأنبياء ثدي واحد تختم كتب الأنبياء ويبقى الوجود بقلم الله.... {قُل لّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لّكَلِمَاتِ رَبّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً}
هل عليك ان تقطع خُمس أمتار الكلمات... كي يصبح وزنك عشرين حكمة.؟ أم عليك ان تتكلم بخُمس آلامك.. كي تصبح الحكمة وزنك.؟ ......أم عليك ان تترك كل المسافات, لمسافة الله.. أنها بلا أمتار؟ هل أنت من النبي.. لأنك بينهم؛ تحفظ أقصى رمالهم من قافلة أخرى.؟ أم انك منه.. لان قافلتك لا تكتفي بالرمال.
ولكن الأنبياء لا يخرجون بغير الصحراء.. فكيف ترفع قبضتك أعلى الجبال, تدعي رمالهم.. يجهلون أنبياءهم يمكن لقبضتك ذلك .. حينما تجعل حديث الجبال والصحراء واحدا.
دائما هنالك قصيدة واحدة للدين، قال بها الوجود، القلب.. قبل الأنبياء.. ولكن الكهنة، الساسة، التجار.. عبدوا قوافيها. للكهنة قوافيهم، كما للسلاطين..كما للتجار..كما.... لذا كان عليهم ان يمدوا ألف قصيدة وقصيدة بين أقدامنا، كي تضيع بها القصيدة.
لما قاله موسى، أو تألم به عيسى، أو مشى به محمد؛ كتاب واحد, إنسان واحد.... معنى واحد, تجره كل الكلمات. ولكن الكهنة والسلاطين يخشون مشية الأنبياء، أنها لا تترك ورائهم ماشيا.. هل أنت زنديق, لأنك تكلمك عن زيغهم.. أم أنت خارجي، لأنك خرجت على أزقتهم.. أما زال الله بعيدا عن المسجد.. مثلما تاهت الكنيسة عنه.. أم المساجد تنتظر عبدا يصلي في كنيسة.. بينهما, ضاع البناء وبقي الأنبياء. بناء الكاهن يواري نبيه. لذا، كلمات الهيكل مخنوقة.. ... ليس غريبا ان النبي كان دائما دون كاهن, الغريب ان الكاهن دائما كان دون نبي.
(1)
القوا نظرة على خريط العالم الإسلامي: سوف ترون ان ما يتراجع هو الحياة, وان ما يهجم هو الموت - ادونيس
لا يجدي نفعا اليوم ان يجادل احدهم؛ ان الإسلام معنا بخير, وان الفكرة الدينية في محطته هي قدر الحقيقة, ونهرها الوحيد.. وليتوقف الفلاسفة والمفكرين والناس عن البحث مع جدول آخر..قريبا من مقولة ذلك المفكر قديما: احرقوا جميع الكتب فلدينا ما يكفينا(كان يريد جمهورية أفلاطون) ومن حذا حذوه لكتب أخرى تناصا معه…. أصحابنا يجرون بهذا النمط لاشعوريا, ولكن ليس بما كُتب لهم.. وإنما بما كتبوا هم( علما انهم يعانون داخليا في نفس الكتاب وزاوية الحقيقة فيه, من مشكلة الفرقة الناجية وأسطورتها الاستعبادية) …لا يجدي نفعا؛ ان تلك الفكرة الدينية مازالت تصنع الإنسان, كما صنعته من قبل في عذريتها الأولى( ابو ذر..سلمان..عمار..) وان بقاء المقدمات كفيل بعين النتائج في عالم الإنسان..وان النهايات من سنخ البدايات دائما…بدعوى ان الكلمات اليوم هي الكلمات بالأمس.. وان النبي هو النبي. هل الإسلاميون, مازالوا يرون المشكلة منبثقة من عدم تطبيق الدين في الحياة؟.. وان الناس خرجوا عن ملة الله (أو بتعبير سيد قطب خرجوا على إرادة الرب ). .. أم ان المشكلة مع الدين راهنا في عين تطبيقه؟ بعد ان غدا عدوا للحياة. وان الإسلاميين انفسهم من خرجوا عن ملة الناس. عادة كما هو قرآنيا. .يفصح التاريخ عن وجهه بقاعدة وجودية في وجوه المستضعفين, ان: (ملة الناس هي ملة الله) كان بها الأنبياء..كما كان بها التاريخ في أيام الله وهذا مالا يجدي مع الكهنة منذ ان كانوا…لان ملته(الله) تريدك من الناس لا سيدا عليهم.
هل المشكلة ان الناس لا يحملون دينهم؟.. أم ان دين هؤلاء لا يحملهم؟.. بل العيب, ان الناس لم يجدوا أحدا يحمل دينهم كما حمله الأنبياء وأولادهم في القرون, من قبل..
هل المشكلة في إنسان الدين؟.. أم ان المشكلة في دين الإنسان؟ انه ينتهي دائما إلى دين الكاهن. ….دين النبي دائما ينتهي إلى دين الكاهن... والوحي الفقير دائما ينتهي الى الحجر والمعبد الارستقراطي. اذن, سنتوقف؛ ان المشكلة إما في دين الناس.. أو في رجال الدين؟ الثالث مرفوع, حسب الاصطلاح المنطقي .
هل المشكلة في ان الناس لا يوقّعون على هذا الدين؟… أم ان المشكلة في ان هذا الدين لا يقبل ان يكون واقعا… وهنا كل الإشكالية في ان هذا الدين غير ما كان مع النبي.. لان الواقع سعى وراء الوحي وليس العكس.. والا كان تماهيا؛ أي تنازل السماء للارض.. وهو عكس اسس التغير.
..أليس: ان النظرية التي لا تصير واقعا, ولا ينقلها البشر إلى الفعل المشخص إنما هي تخيل فردي, تعسفي محض…دون حقيقة أو فلنقل أنها طوباوية…كما يقول انطونيو غرامشي في فلسفة اللافلاسفة.
وهذا يكفي للشك فيه, انه لا يعود للنبي…كان الأفغاني وعبده والكواكبي وإقبال, يحيلون انحطاط المسلمين إلى ذلك, بتهمة مابين أيديهم من دين.. ماتركه المعبد اليوم غيره ما تركه الأول لنا أيام الصحراء.. ليس للمدينة ذنبا أنها دون رمال…الكلمات هي الكلمات. إذن كما رأوا( الافغاني ومدرجه)؛ لابد انه قد تزور في أروقتها شيء … ولكن هذا آل للأسف إلى ان يغدوا الأفغاني وصحبه مزورين. مع أنهم انتهوا دما, والدماء لا تزوّر كما هي الدموع.
إذا بعيدا عن المدار النظري, صواب وخطاء الإيديولوجيات قائم قبل كل شيء على ثنائية؛ فكرة\واقع.
كان الواقع يفتح في زمن النبي أحضانه بتعجيل حضاري في فاعلية الإنسان مع ذاته والحياة والقيم.. بقدر من الصيرورة والتغير يتجاوز التغيرات الحضارية على نحو يثير الاستغراب, في نطاق سنن الكون, بتشكل أحيانا نتوقعه شيئا من الأسطورة, إذ للماضي سطوته في تقبل أحداثه أسطوريا, ليس لشيء إلا انه ماضيا…كل هذا جاء بحيوية لم يكررها التاريخ- هذا الاستغراب والإعجاب هو ما استدعى لدى المصلحين مقولة (العودة) بشتى أنماطها في الأزمنة الحديثة, وفي أكثر الأديان, بل مع اغلب النهايات الإيديولوجية-.سواء(أفقيا) من جهة انتشار الفكرة, سعة وسرعة, أو(راسيا) من جهة الإنسان المُنتج عمقا ونوعا في إنسانيته, قياسا على الإنسان الذي خلفته عموم الأديان والمدارس والإيديولوجيات الأخرى تاريخيا..ا
في الجانب الأفقي(دخول دين الله أفواجا) والإقبال الطوعي على الفكرة, بأخذ الجانب المميز في التحول (الفكرة/الانتماء).. يمكن إظهار ذلك ضمن مواقف اقرب إلى أنها أسطورية في مثاليتها مع بدايات التشكل (بلال أو عمار أو سلمان…) مواقف قل نضيرها في التاريخ … مع ضرورة التجاوز في هذا الإظهار قصة الفتوحات, ضمن هذا الإقبال.. بما لها من وجه آخر في تزوير التاريخ..من حيث بنيتها القبلية ضمن مقولة الغنيمة التي قامت عليها أكثر الفتوحات كما افلح محمد عابد الجابري في شيء منها.. كذلك تداخل السياسي بالديني فيها, سيما ان وقت تلك الفتوحات بدأت حين أشواطها الكبرى في فترة ما بعد انمياث الفكرة الدينية مع الدولة الأموية وتحول الإسلام إلى كيان إمبراطوري يعتمد السطوة الملكية في الاحتلال مخلفا وراءه شهوته كل القيم الأولى, وباسم الإسلام وعناوينه الكبرى للأسف… بكل الأحوال المسالة في نموذجيتها يعاد بها في التحول والاعتناق إلى قبل تلك الحالة الضالة في انحراف الإسلام.. والتي يُفتخر بها التاريخ الرسمي كفتوحات مثلت حالة تلقائية في انتشار الإسلام: التلقائية لم تكن عن السلطان والية الفتح وعلاقته مع الشعوب بقدر ما كانت لذاتية القيم في الإسلام، حينما توفرت تلك القيم في البلدان المفتوحة، كبيان في الإنسانية.. أي ان ما وفرته الفتوحات كان فتح الأبواب على هذا الدين في المركز, والأمصار التي حملت بقية الدين في الرجالات الأوائل. عموما لتشكيل الصورة المثلى لحالة الاعتناق والتطور الأفقي للدين يمكن ان يحال الصورة إلى خارج الإسلام الإمبراطوري في التحول الذاتي بعيدا عما جاء في الفتوحات. المهم ان تلك التحولات أخذت نمطا جميلا يستحق الأسطورة بل ان صورتها وبنيتها مشابهة, بل تفوق كثير من أساطير الشعوب؛ انظر مثلا القصص القديمة لبلاد فارس والشرق. في تلك التحولات؛ الغني يترك ماله..العبد يتمرد على سيده..الوثني يحطم صنمه..الشريف يترك حسبه..الأجنبي يترك قومه…وهذا ما يمكن تصنيفه على اللامعقولية في التاريخ…اللامعقولية التي تكفلت وحدها في نقاط ذروته.. والتي ستنفع لاحقا مع مسالة الوجودية تمردا على النظام العقلي الذي أرهق الإنسان على طول تاريخه, إرهاقا؛ أما بجعله خارج الواقع(=التجريد), أو داخل المصلحة (برجماتية الديني والسياسي).
هذا من جهة..أما الأثر الراسي على مستوى نوع الإنسان الذي أنتجه هذا الدين في اصله.. وهو الجهة الأهم في كل فكرة بين ثنائية الكم والكيف.. كون الكثرة لم تمثل يوما معيارا أيديولوجيا في نطاق الخطاء والصواب. أي كيف هو الإنسان الذي شكله هذا الدين ومهد لماهيته؟ …لا توجد عل طول التاريخ أيديولوجيا توفرت على أناس امتلكوا هذا القدر من الإنسان الإلهي بالمعنى الوجودي- لا الصوفي في مقولة الإنسان الكامل- كما هو مع الإسلام…بل إنسانا وصل حدا يفوق الأنبياء, دون عاطفة أو مبالغة. ..تفرض علينا الحاجة المعرفية هنا في الخصوصية النوعية ان نكون مع الإمام علي كأهم مُنتج لهذا الدين.. بعيدا عن أي انتماء, ليس فقط لكون هذا الحياد شرطا معرفيا أساسيا, بقدر ما هو عقيدة للكاتب في تخليه عن الفكرة المذهبية وانتمائه إلى فكرة (الانتماء الوجودي) التي تبقيك للرمز وان خمد مذهبه- الأمر أفضل من ان يبقى المذهب ويذوب الرمز- بما سنأتيها كبديل للمذهبية التاريخية, التي أرهقت الإنسان في تشرذمه. وخلعت عليه أطارا حزبيا يتوتر في ألذات بمدى ابعد من العصبية القومية أو القبلية.. وأحيانا ضد الرمز المؤسس عليه المذهب. دائما من اجل المذهب/التكتل, دون الرمز. الانتماء الوجودي لا يحدده مكان ولازمان.. هو يبحث في الوجود عن معنى هنا أو هنالك.. قد يجده لدى ملحد أحيانا, وكونه (الانتماء الوجودي) متجدد لا يتسور أبدا, منفتح على كل الامكانات الإنسانية دون عرق أو مذهب أو حزب أو شخصية ما.. نجده يقوم على نتاج المعنى أينما ظهر في فلسفة الموقف مع أيّ كان, شرط ان يجسد مثلا إنسانية تغدوا به رمزا.. بل لطالما كان الفهم المذهبي للإمام علي منزلا له في غير وجوده, تقصيرا يحال إلى كثير من البنى في الإطار المذهبي…لذا لم يفلح ابن بي الحديد ألمعتزلي والكسيس كارل.. وجورج جرداق وشبلي شميل وجبران خليل جبران وغيرهم مع شخصية الإمام علي في عشقهم مثله وإيمانهم وإعجابهم بها, إلا بذلك الفهم الوجودي.. بعيدا عن الانتماء. المهم ان هذه الشخصية المنتجة إسلاميا..كان اقل ما فيها قول شريعتي عنها: ( أنها أسطورة في عالم الواقع)و(أنها وجود اختصر الوجود)..بل انه لم يؤسطَر شخص في التاريخ كما اسطر..بهذا العمق النوعي..علما أنها اسطرة تجاوزت المنتمين كما سلف..لتكون وجهة إنسانية عامة. أو أنها(نسخة مفردة لم يرى لها الشرق والغرب طبق الأصل لا قديما ولا حديثا) كما أرتاه شبلي شميل, وهي تكفي للمائز التاريخي والجغرافي نوعيا الذي أنتجه الإسلام في الإنسان دون باقي الأديان والإيديولوجيات. إذن لا توجد أيديولوجيا في التاريخ أنتجت صورة إنسانية يمكن مقاربتها مع النتاج الإسلامي.
(2)
الأفكار التي تتعرض للخيانة تنتقم لنفسها حتى من أصحابها - مالك بن نبي
إلى ماذا تحال هذه النهايات الإيديولوجية دائما في فلسفة التاريخ الديني أو الإيديولوجي عموما. بِدأ يمكن ان تحال إلى أشبه بسنه إلهية في قلب الوجود الإنساني / الحياة / تاريخ. يمكن ان تسمى هذه السنة ب (انتقام الفكرة) انتزاعا لروح مقولة مالك بن نبي أعلاه, علما ان مدار هذه السنة موقوف وجوديا على أصحابها_ والا الأخر المناوئ لها تجري عليه سنة التخلي( لزاما؛ من يتخلى عن الحقيقة تتخلى عنه)_ فالانتقام لا يكون إلا عن حق ميثاق أو عهد أو انتماء(الفكرة وصاحبها).. حصيلة هذه السنة في ابرز وجوهها معنويا (وهو الأهم) هو لعنة الأجيال والتاريخ, ومن جهة أخرى هو انقلاب الواقع عليهم, بأيديهم, بما منحوه للواقع(الاجتماع الإنساني) من تيهه باسم تلك الفكرة. ابرز واقع تاريخي لهذه السنة مقولة الناس في الثورة الفرنسية: اشنقوا آخر ملكا بأمعاء آخر قسيس..ونهايتها بتحويل تلك المقولة إلى دراما ابرز وجها لها إنها تراجيديا عنف. بما ان تلك الفكرة لم تعد تحمل شرفها المخول لها في البدايات.. بعد ان انزل ذلك الشرف تجارة المجد والشهرة والشهوة.. لذا سيقف خونتها في عري الخيانة وسط الناس على خلاف عري الصليب وشرفه, مهما كنت زنديقا ومتمردا.. وهذا حقيقة لا تلمح إلا في التاريخ, في ان الفكرة تدافع عن شرفها بلعنة هؤلاء على لسان الأجيال ناهيك عن أيديهم.. هنا تنتمي السنة إلى فكرة وحدة الوجود_بما سنتكئ عليها في أنها أهم أس وجودي يدخل على نظام الشريع نفسه خصوصا أنها على النقيض من الفهم التراثي الصوفي والكلامي والفلسفي_ على أساس خيانة الجزء للكل, والخروج على نظام (الكل الكوني) الممثل للانسجام في وحدة الوجود, والقائمة أساسا على فكرة (خيانة الأشياء والوفاء لها).. الانتقام هنا ينتمي إلى رد الفعل داخل الكل الكوني في وحدة الوجود, سيما إذا عرفنا انه رد خارج على قانون العلية, وانحصاره مع البعد المادي فقط..ليكون قانونا آخر في عالم الإنسان, وفلسفة الحياة.
(3)
يعود هذا المآل الديني وانفصامه عن الواقع إلى أس أهم تحال عليه عين سنة انتقام الأفكار.. وعموم فلسفة التاريخ الديني والإيديولوجي: يمكن تركيز هذا الأس بأنه (سؤال المعنى ) في التاريخ بما يمكن سحبه عن مقولة ابن عربي( فاجتمعنا لمعان وافترقنا لمعان) علما ان توظيفها هنا فيه خروج عن غائية ابن عربي في وجعه الصوفي, نخرج بها اتساقا مع مقولة موت المؤلف والدلالة الاعتباطية للنص في احد زواياها. الناس يلتقون ويضحون للفكرة في صناعة تاريخها ـ إذ الأفكار وحدها لا تصنع تاريخا؛ فالتاريخ فعل إنساني ـ حينما يجدون معها معنى جماليا يحقق وجودهم المعنوي والمادي ولو عرضا, إذ الاصالة دائما للمعنوي في التحقق الوجودي, سيما مع مقولة الجمال, التي تنتهي لها الأشياء, لأنها( الماوراء) الوحيد الذي تستقر إلهية وحقيقة وخلاقية الأشياء فيها… ولكنهم من جانب آخر يتخلون عن تلك الفكرة بعد ان تتخلى عنهم معانيها. إذ المعنى هنا يغدوا هو أهم شرط وجودي. الشرط الذي يشعر به الإنسان انه حي يمارس ما
تسمى بالحياة.
وفي هذا نلاحظ لطالما ان مسلما ينتمي ( تفاعلا حياتيا ) مع فكرة مسيحية وكذا مسيحيا مع فكرة إسلامية..بحيث وجوده الحقيقي مبني على مقولات خارج دائرة الانتماء الرسمي ولو لا شعوريا..بما تفرضه وجهة المعنى من انقيادية طوعية.. يصنف بها الإنسان خارج انتماءه العرفي…لا يوجد إنسان اليوم مسور بمقولات انتماء إلا الشذوذ الأخذ وجها للتعصب في اتجاه ما يحاول ان بعولمة(التبشير) بأي وسيلة كانت فيما هو مشهور من العنف المرشح آليا عن ثلاثية (الحقيقة, التقديس, العنف), التي تكلم عنها محمد أركون.. معظم الناس يتحركون في الحياة بحراك خليط من مقولات المنتج الإبداعي للإنسان..سيما ما امتد منه أكثر من شحنات الانسنة. وينتمون إليها كواقع حياتي, على خلاف الانتماء الصوري للعقيدة…فقط لمضان المعنى(= فاجتمعنا لمعان وافترقنا لمعان)
المسلمين بين البدايات والنهايات كانوا ضمن دائرة( فاجتمعنا لمعان وافترقنا لمعان) وسُنّتها. لذا لكثر ما كان تخليهم كبيرا عن المسجد والشرق إلى الجامعة والغرب, ولا ذنب لهم في ذلك إلا جريهم مع السنة, بذنب المؤسسة الدينية, وانتقام السنة فيهم..كما انه لا يمكن توجيه الاشكلالية؛ ان المعنى قد رحل هناك ناجزا عن أبداع الأولين, فتلقفه الغرب.. أبدا لم يكن ذلك, فان لم يكن نتاج المعنى إبداعا ذاتيا للغرب في كثير من خطاه, فللغرب ألجداره في وعيه الحقيقة عن الأخر(المسلم) وانفتاحه عليها, ومتى؟بعد الحروب الصليبية التي فغرت العصبية فيها فاها _ كما ان الشرق طمسه بمعالم أخرى ذاتيا في ثلاثية ( الخوف المصلحة الجهل )_ حتى ان مقولة ذاك الشيخ: (تلك بضاعتنا ردت إلينا). لا تمثل تهمة سرقة للغرب بقدر ما هي اعابة للذات في تخليها عن وحيها. رأى رجالات النهضة في الشرق هذا الأمر واضحا في علته.. بدءا من الطهطاوي في رحلته وإدراكه هذه الإشكالية بتوفر الغرب على المعنى في مقولة الحسن والقبح للمعتزلة, تلك التي صُلبت إسلاميا باسم الدين نفسه في بدايات التصفية الفكرية والجسدية, للإنسان المبدع خارج السلطان أو مذهبه. من ثم, همشت المقولة وولاداتها, جهلا وجبنا وانتفاعا, مع أنها أهم ما أنجزه التراث الإسلامي, وفي نفس الحين من المقولات الأعظم في الفكر البشري التي يمكن ان تحال إليها كثير من تأسيسات الحداثة وعصر التنوير.. ومرورا بالكواكبي في بعض مقولاته, حينما وجد: (ان الحكمة العقلية كادت ان تجعل الغربيين أدرى منا حتى في مبادئ ديننا), وأمنيته في نظام سياسي يتميز بطراز شورى ( ذلك الطراز الذي اهتدت إليه بعض ا مم الغرب، تلك الأمم التي لربما يصح ان نقول أنها قد استفادت من الإسلام أكثر مما استفاده المسلمون)، وهو عينه ما امتد مع محمد عبده و جرى مع جميع رجالات التجديد من بعده, حتى ان مقاربات التراث في التجديد كان طرفها الأخر دائما هي أفكار الغرب منذ ان انفتح المثقف في الشرق عليه. وهو خط لم يتوقف ليوم الناس هذا, وله معذرياته التي تعود قبل كل شي إلى أزمة ( فاجتمعنا لمعان وافترقنا لمعان) علما ان كثيرا من أولئك المثقفين, وان لم يتخصص في التراث ولكنه انفتح على الواقع المرئي للحياة في الشرق الإسلامي ليجده خارج إطار المعنى مما استدعى معه البحث والاستيراد خارج الهوية.. دون ان يحاول البحث في التراث من جديد.. ليس بحث عن المعنى ناجزا..وإنما عن آليات تنجيزه.. إذ قد يطلب منك التراث عينه بان تعود للأخر أو بان تتخلى عن نصه إلى الوجود.. بحثا عن نص آخر, يفتحه متألم وعى المعنى في زاوية من زوايا الحياة.
يحتم علينا المبحث ما ناقشناه في سلسلة اعترافات كنسية ضمن أزمة المعنى, إذ في فكرة ارتداد النهايات مع كل وجهة إيديولوجية؛ دين أو فكرة مدرسية أو إطار حزبي أو قومي، دائما ارتداد المعنى يمثل الفزع الأول للانحراف.. سيما الخط الديني وعادته في التاريخ التي لم تشذ يوما كما رأى سبينوزا في فلسفة التاريخ الديني ومصير الوحي في التاريخ في انه دائما ينقلب إلى الضد…دائما هنالك انقلاب؛ الروح إلى مادة, الوحي إلى كتاب, المعنى إلى حرف, التدين إلى خرافة, الإيمان إلى تعصب… واغلب المقولات المتهمة للدين كانت متوجهة إلى تلك النهايات؛ المادة\ الحرف\ الرماد\ الخرافة\ التعصب\ الاستحمار\ الاستعباد.. وهي صحيحة تماما فيها.. لذا كان لابد ان تحمل الخطأ الإصلاحية صفة التمرد..علما انه تمرد الإيمان, وان كان ضد الدين.. فالأسماء لا تحمل دائما حقيقتها.
ابرز من شكل إطارها لغويا على الجانب الفلسفي رغم مجالها الروائي كان (هرمان هسه) في مقولته؛ ( ما كان بالأمس خمرا أصبح اليوم خلا). إذ غالبا ما تنحل مع الإيديولوجيات والثورات والأديان, بمرور الزمن خمرة الروح الأولى لتغرق في عرق الجسد بكل روائحه. يبرز الوجود الديني كأهم وجه في ارتدادي النهايات تاريخيا.... فمن المؤسف ان هذه الإشكالية لم تجد نفسها في التاريخ كما هو مع المجال الديني، والمؤسف اكثر أنها لم تكن كما هو مع المجال الإسلامي بالذات، سيما أنها الرسالة الخاتمة.
تقف رؤية علي شريعتي في خصوص الانحراف التاريخي مع الإسلام موقفا جريئا وبالغا مع توقف نحاول ان لا ننتهي عنده في امتداد الجرأة. إذ في طول ما كان معه في اختصاصه في تاريخ الأديان وهمه كمعلم ومصلح نجده حسب رؤيته؛ لم يعرف رسالة أو دينا من الأديان السابقة تعرضت لحملات الإفساد والتحريف إلى ما يناقض واقعها الحقيقي كما تعرضت له دعوة النبي الخاتم(الإسلام الأخير).. الرؤية لشريعتي & |