|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
18 آذار 2005 |
|
سكر المفاهيم كتابات - عبدالرزاق الجبران
ما أجمل ان نعبر دون ان يرانا احد - كافكا إن لم ترني.. لم تكن بي - النفّري ما أدراك؟ فالندى يسقط على العشب في صمت الليالي الاكثر عمقا - نيتشه
ان تكتب عمرك عاريا, غيره ان تعير كتابتك عمرا
دائما... قبل ان يتناول النبي قلمه الوحيد يشرب كاس نزيفه.. وقبل ان يثمل العاشق بقبلته الاولى يعي وجس رحاله..كلاهما لديه قبلة واحدة؛ كُسرت القاف او ضُمت .. لهذا مشكلتي في جري التاريخ بدوا اني لا اثق الا بالنبي والعاشق... لتجردهما؛ احدهما لوحيه والثاني لعشقه, يدوران حول تلك القبلة, لا يطمعان من الحياة بشيء يكذبون به عليك, كما هي الاحزاب والمذاهب والاديان والدول, من قبلة لقبلة.. وهم دون قبلة. قبلة النبي وصاحبه تحمل كل اسماء الناس, مع صغرها، بكتاب واحد.. وقبلة اولئك يحملوا الناس اسماءها, مع أهرامها..وبكل كتبهم. لا اثق الا بهما.. ألكونهما حزينان؟..اذ لم ياتي نبي فرح على الاطلاق, كذلك العاشق الحقيقي.. السعادة امر اخر..لذا العازف الفرح هو عازف سيرك، كما يقولون...غليان الذات لا يسمح لهما ببرودة من هنا او هناك..فالنبوة والعشق جمرة داخلية للاله محال ان تخبو يوما ... المشكلة انه لم يعد هنالك نبي او عاشق..او قبلة تحمل اسماءنا...دائما يريدوننا ان نحمل اسماءهم..فاين نذهب باسماء الله.. لم يعد هنالك مسجد المدينة.. ولا محراب لعلي.. ولا عصا لابي ذر.. ولا تراب لكربلاء..ولا خلاصة الحلاج.. ولا.. ولا..؛ فقط حملوا تلك الاسماء ليرهقوا بها اسماءنا.. مشكلة الاسماء انها لا تبقى الا بمعان اخرى و الا تكلست.. والتاريخ ليس الا صناعة المعنى.
المشكلة في الشرق انه انجب الانبياء وقتلتهم في نفس الحين.. لذلك تخشى من كلماتك انها تقتلك.. ليس المصيبة هناك - فالكلمات عوضك الوجودي او معادلك, اذا اردنا ان نتلاعب برؤية(المعادل الموضوعي) للشاعر الانكليزي؛ ت, س, اليوت - ولكن المصيبة في ان يزوروا كلماتك.. ..لا بل المصيبة, كل المصيبة؛ انك تخشى من كلماتك ان تزورك سيما في هذا الزمن ووسط هذه الامة، بما انتهت اليه في كل بؤسها.. يئن المثقف, فهو لا يملك الا كلماته, يقولها بسلام وصدق, فتزوّره وتلقيه على قارعة الطريق بدمه وجوعه وجنونه، اعتقد ان اودنيس يقولها ما اعمق الوحدة بين الحبر والدم.
ويريدني احد اصحابي ان اقولها في الشرق. منذ متى راى الشرق شمسا طيبة على دينه ومعابده واوطانه وعشقه وشوارعه.. منذ زمن وانا لم ارى الشروق اصلا.. الأني اكتب في الليل وانام في الصباح.. لا اعلم لماذا اختارت الذات ذلك.. ألانها لا تؤمن بهذا الشروق. او لانها لا تريدني ان أتفاجئ بان ليس في الشرق شروقا هذه الايام.. لا اعلم!.. اتذكر بقوة كلمة الزعيم الصيني(ماو تسي تونغ), كنت معجبا بها كثيرا في اول الطريق كشرقي مثله، ازمتي الغرب..يقول بها لتلاميذه: اعقلوا نحن اهل الشرق, الشمس تشرق منا وليس من الغرب.. مسكين ماو تسي تونغ ماعاد درب الشمس من هناك..كروية الانسان غير كروية الارض..وبوصلة الانسان غير بوصلتها..الجهات دائما تتغير لديه.. والا لماذا عنوان موسم الهجرة الى الشمال..في رواية الطيب صالح أي امة اخزينا تاريخها, واي دين افرغنا كتابه, واي نبي سلبنا وحيه..لم يعد لنا امة ولا دين ولا نبي... سلبنا من الشمس شرقها، ومن التاريخ نبيه..ومن الدين قيمه..ومن اجدادنا جدهم.. وندعي الوجود
حينما اشعر بتخلفنا وهرولتنا وعمالتنا وزورنا ..وكل هذا الضياع.. وضحكنا على بعضنا..كيف هو الانسان في الشرق, الراقصة فيه اعظم مكانة واكثر امانا وسطوة واحتراما في رقصتها من أي كلمات كانت للرمل اسفارا..كيف تنضر الامة لمثقفيها..انه متهم دائما ولابد من تجويعه وتهميشه...اي شرف للامة نبحث عنه وشرفتها تشرف على الف ماخور وماخور..اقامتها في ليلها حينما غفا نهارها. حينما استشعر ذلك.. اردد كلمات المومس العمياء لبدر شاكر السياب: لا تتركوني...فالضحى نسبي من فاتح ومجاهد ونبي عربية انا؛ امتي دمها خير الدماء كما يقول ابي. ..... اردد ذلك لاني اعرف ما يريده السياب بفهم اخر. . او اقلها احبذ ان تكون القصيدة على فهم ألمي..انها تلومهم...من يخلق المومس ومن يعمي عيونها.. ومن يتركها للاخر ..امتها ليس الا...استشعر, وكانها تقول ياابي..الم تقل خير الدماء فكيف ذلك.
خير الدماء كما يقول ابي!!!!!! الدم الانساني لا اعرف الوانه..فقط اعرف ما لوّن به المدن والمعابد وكفوف النساء والشوارع.. حزبيُّ انا؛ امتي حزبُها خير الاحزاب كما يقول صاحبي.. الكل متحزب.. شيعي انا..سني انا..عراقي انا..فرنسي انا..مسيحي انا..كردي انا ..فارسي انا..هندي انا..شيوعي انا ..قومي انا..اسلامي انا....كما يقول ابي. المسالة,هي دائما؛ كما يقول ابي.
يريدني صاحبي انا اكتب مباشرة. ليس المشكلة انه لا يمكنك ان تكتب في زمن يقتلك..المشكلة انك تكتب في زمن يسخر منك..فلماذا تتحدث في مجلسه..وليلته غارقة بلعنك..لماذا كل هذا الهون .. انت لا تؤمن بهذا الزمن، فاجعلها لزمن اخر، ولتعبر دون ان يراك احد.. اذ لاشيء في النهاية مع هولاء سوى اكذوبة شاملة وواقع مدجل.. كما يقول فاضل العزاوي ما عاد يجدي شيئا .. اكتب من بعيد....امشي بشفتيك وحيدا لماذا تمشي مع شفتيك وحيدا/ لماذا قالها(احمد الصغير) الصعلوك المغربي، كما يسمونه؛ لان شفتيه تردد اياما هم ليس منها..الانبياء والمتالمين..هم دائما من يمشي بشفتيه وحيدا.. الحقيقة لا ترغب بها امة شرفها في الشرفات .. لن تامن عليها.. حتى الريح ستحدث برائحته. ماعاد يجدي شيئا..كلماتك تزورك هاهي كلماتنا تزوّرنا لدى اقرب مصلوب معنا.. ان لم يصلبونا سنصلب انفسنا..لا محالة.. ولكن كل له جبله وجلجلته واورشليمه..خشبته ويومه ومريمه ..كلماتنا في هذه الامة تصلبنا.. المشكلة اننا لا نؤمن بالصلب كما هم..حتى نتمنى صلبها/الامة ..هل هذه الامة تستحق الكتابة؟.. كتابة الله لم تجد نفعا فكيف بنا..الله ودينه زور بنفس كلماته.. فمن نحن حتى نفتح شهية الصدق من جديد . علي ابن ابي طالب, تلميذ محمد واستاذ الانسانية.. ولم يفلح معهم. مقالة واحدة كتبتها لاجل هذه الامة بعنوان (من ازقة العمائم) كنت ادافع بها عن عمامة النبي واولاده كباقر الصدر والافغاني وعبده..لا اعرف ابن لادن ولا اعرف سفارة.. ولا سياسة ولا حزب.. ولا املك وطنا ولا بيتا ولا دولارا ولا أمرأة....دفاعا عن عمامة محمد نبيي.. جعلتني اتلقى تهديدا من سفارة وحزب.. وتمنع كتاباتي من احد الدور.. لا اعرف من الاهم؛ عمامة النبي ام عمامة الفقيه.. اردت بالعمامة ان تنتقل من الزقاق الى الصحراء.. كما اجاب شريعتي يوما جلال ال احمد ..ما بالك مع العمائم..قال خوفا على علماء الدين من رجال الدين.. رغم ان عيونه كانت متوجهة بالامل الى تلك الحوزات ليس الا...تبحث عن ابو ذر من جديد ...لا اعتقد ابو ذر يتبنى واحدا منهم الان. يريدني صاحبي ان اتكلم أي امة تلك..ماذا تريدني ان اتكلم عن مثقفيها واحزابها.. وعموم الاسلامين.. لا يجدي الامر شيئا..اصبر قليلا على شفاه تمشي وحيدة.. ما ادراك؟ فالندى يسقط على العشب في صمت الليالي الاكثر عمقا.
زورتني كلماتي لدى صاحبي ... لم تكن مؤلمة لدي.. لانها من مصلوب يكتب تحت الصلب..هو جميل لدي ..مهما كان.. وكيف سيكون ..ومهما قال عنه معظم الذين كانوا معنا فعيونهم متهمة هو بصري.. له عيون عبقري، ولكن له قلب مجنون.. وكلاهما يساعدان على صلبه..مسكين.. شرب البصرة بسيابها.. وكان جاحظها الاخير .
..لم امنح الكنيسة شيئا بالنسبة للمسجد..هي فقط مقولة الاعتراف في الخانة الكنسية مع زورها..وجدت جدواها هناك ليس الا.. اما اني تركت قصة الاكليروس المسيحي وما فعله في التاريخ مسلطا كلماتي على المسجد..فاعتقد ان الامر بديهي، اضافة الى اني سرت في ذلك قليلا في مقالة عذرا للمسيح, كما هو في : (رغم ان من رفعه الصليب/المسيح، غيره من رفع الصليب/المسيحيين... ماذنب عيسى انه حورب باسمه، ، الحراب صنعت بنواقيس القساوسة). (الكنيسة والمسجد على خطا لانهما خلاف انبياءهما تماما).. والا لم اقس المعلوم على المجهول..كون معرفتي باللاهوت الاصلاحي للغرب اكثر من معرفتي بلاهوتنا على ما اعتقد..كما انني لم اسقط الفكر الكنسي على الاسلامي.. ماذا في الاول حتى استعير منه للثاني ، كلاهما مرهقان.. قد يكون علم الكلام الجديد منه يخطو في وجه له ملامحه الاقرب.
لا جاك دريدا كان معي حتى اشير له.. ولا الحلاج حتى اتناص معه بل كلمتي(ان تتوضأ بإبريقك غيره ان تتوضأ ببريقك... دموعك دائما اكثر طهرا من ماءك) هي من جرتني لنصه(ركعتان في العشق لا يصح وضؤهما الا بدم) ففرّخت لدي ما جعلني اناديه: كذلك ايها الحلاج... ؛ (كلمتان في الحق لا يمكن كتابتهما دون صليب)....وقد تفرخ كلمتي يوما لدى اخر يقف على اطراف بردى..يندب شط العرب...ولكن الام ضمن برهان اللغة الذي سناتيه هو وحدة نظام/وجود, عبارة الحلاج..والتناص مع هذه الوحدة هو المولّد. قولي(( جرحي من ارخ لي , لا ثقافة ولا قيافه , لا دين ولا مسجد , لا مجلة ولا حوزة ))..لا تمت لجاك دريدا لا من قريب ولامن بعيد.. ولم ارد ماتوقع.. كنت اريد ان المعاناة الوجودية هي التي صنعت ماهية اخرى لدي..كما كل انسان مع لطمات السنين..اي ان احتراقات الذات وسط الحياة صهرتها وجوديا لتجعلها على وهج وعي اخر للدين والانسان والوجود..بعيدا عن النص والدرس والتاريخ والفقهاء والفلاسفة والمفكرين.
برهان اللغة رغم ان (اللغة لا تقول دائما) وان( كل قول يصمت عن حق اشد منه عمقا) وان هنالك دائما (تصادما مع اللغة) كما يرى النفري...الا ان وعي منهجية التضاد كابرز عنصر في النسق الصوفي يفرض عكس ذلك؛ في ان الجدارة الوحيدة المتوفرة بين الانسان في حل اللغز الوجودي للحياة وفلسفتها عائدة الى اللغة بالدرجة الاساس...بل الامر وقناعته يتجاوز العائد الصوفي في حصر اطلالة الانسان على الحياة باللغة.. وحصر صيرورته التاريخية بها.. يتجاوز ذلك العائد الى انثربولوجيا اللغة-كما يمكن تسميتها- من جهة وانثربولوجيا المعنى كغاية من جهة اخرى( تاريخهما مع الانسان - المدون والشفوي- مع الوحي والشعر والفلسفة، الامثال، الحكم, المقولات, القوانين... التحولات ، الانقلابات,التطور...).. اي تطور اللغة وولادات المعنى.. اذ الفارق بين اللغة والمعنى هو فارق ضمن منظومة اشبه تسامحا بالثابت والمتغير في المنظومة الاسلامية او أي منظومة قيمية اخرى..فالمعاني تتولد مع الانسان في صيرورته مع الحياة..اي على طول معانته الوجودية التي يصطدم بها هنا اوهناك..فالالفاظ تجد وجودها /معناها, بوجود الانسان معتركا في الحياة..لذا يقول فجنشتن :ليس لاي لفظ من معنى اللهم الا في مجرى الحياة.. ..حينما ينتج المعنى الانسان بحياته في اشياءه وبالتالي في كلماته التي تاخذ معناها من اشياءها..تبقى الكلمات نفسها ولكن المعاني تتعدد وتتجدد وجوديا بالوان عدة تمثل ابداع الانسان..فمثلا في مفردة العشق... اذ العشق الذي نال فرد قبل الف عام او على بعد الف فرسخ هو غيره مع من ناله قبل عام وعلى بعد فرسخ.. فما مر عليه جين وجيفاردو من معنى في الحب وما منحوه لهذه الكلمة من معنى في القرن السادس عشر في بريطانيا غيره ما مر عليه روميو وجوليت من معنى وما نفخوه في تلك الكلمة قبل عشرة قرون منهما تقريبا في ايطاليا.. لذا مفردة الحب هي هي ولكن المعنى المؤسس لها والتي اثارها الطرفين كان مختلفا كل الاختلاف ولكل له نكهته..هذه في ولادات المعنى.وكيف كتب في ذلك ابداعا ابو فراس الحمداني غيره من معنى في هذه الكلمة ماكتبه ابن زيدون..الكلمة بينهما العشق ولكن المعاني متعددة ..كل ذلك التعدد يعود الى التجربة الشعورية.. وكذا مع الموت, الحرب.السلام..الفراق.. مفردة الدين مع توما الاكويني غيره مع ابن سينا..والمسيحية مع اوغسطين غيرها مع انسلم.. وغيرها مع جبران خليل جبران...التشيع مع الشيخ المجلسي غيره مع علي شريعتي.. وهكذا..قد تكون المفردات الاخيرة مؤسسة على عكس المفردات الاولى في وجودها الانساني الطبيعي في اصل اللغة البكر....هذا في جهة المعنى وخصوصية الولادة فيه. بينما اللغة يمكنك اقصى ما تاتي لها هو بنحت لجذر لغوي..ليكون لك صرف اخر ينتمي بشكل واخر الى بنية اللغة.. سوى انه مواضعة اخرى يعود بكل الاحوال الى ولادات في المعنى.. كم زاد عدد الكلمات في المعاجم على طول التاريخ نسبة الى نتاج المعنى الذي تعبر عنه كل كتب التاريخ في كل مناحي الحياة.. اذ كل كتب التاريخ..هي كتب معنى,سواء صاب او خاب. اذا بين اللغة والمعنى هو ما بين النحت والخلق؛ مسالة المعنى هي وجود بعد عدم, اما اللغة وزياداتها فهو وجود اخر... لذا حينما كان الشاعر مبدع معنى.. فهو خالق من نوع اخر.. بل هي الميزة الاولى التي تلصق بالانسان الالهي..انه يمارس صفات الله في الارض ومنها الخلق النسبي، ونيابة الله، والتعبير عن ذاته وروحه/نفخته.. والامر ينتهي الى مسالة خلافته ولان انتاج المعنى هي المهمة الاقصى للفيسوف فوق كشف حقائق الاشياء او فن الغوص في الأعماق.. جعله ذلك عرضة الى ان يحال في جذره ودلالته الى الشعر كولادة.. باعتباره مخاض المعنى الاول في فراش اللغة.. لذا يصح قول (جان فان) ان لا فرق جوهري بين اللغة والفلسفة... والكثير قال بذلك سيما الحداثويين, ولو بغير هذه المقدمات. الصوفية لم تقل ببرهان اللغة ولا اي مدرسة اخرى.. هناك اتجاهات وانماط ثقافية اهتمت باللغة كمنحى اختصرت اخيرا بالاتجاه الاسلوبي..تقترب منه الصوفية لما اقتضته الوجهة الرومانسية وعنصر الخيال مع مدارات اللغة وحدها ككتلة رومانسية بالدرجة الاساس تناسب الحنين الفطري الاول قبل أي أي مجال فلسفي- لذا هناك جدل معروف في اسبقية الشعر قبل النثر ام العكس - وللنهاية الشعرية في ذلك مع الاتجاه الصوفي. وضع اللغة مع الصوفية.. كان في كفاءة اللغة ولوعتها الوجودية معهم كحالة انفعالية مع المعنى..ليس الا..وقد يتفق بقدر ما على ان مشروع الجابري رصد التراث بقدر محترم معرفيا..على مستوى الرصد, وجاء عنه التصنيف الثلاثي المشهور: البرهان والبيان والعرفان..لنساق التراث .. وكانت حصة الحضارة الاسلامية العربية الدائرة بيانية بالدرجة الاولى ، وهذا يؤكد خلو عنصر البرهان في التاريخ البياني...ونحن هنا نقول ببرهان في البيان...بيانية القدامى لم تكن معرفية..بقدر ماكانت نفسية...انها مسالة تعلق بالنص ومرجعية الوحي, واخدودها النفسي الذي وقع به المسلمين مما ابعدهم عن اطار العقل المستقل وفعاليته البرهانية بالمعنى التقليدي بين العلة والمعلول والمقدمات والنتائج في جوهما الانساني. لم تكن مسالة اعتماد اللغة كمنحى معرفي مستقل مع الحقيقة .. كانت ازمة تقليد لنص يملك رهبة عقدية وتاريخية وعرفية وقومية..الا في خطا متمردة هنا وهناك،الا انها عقلية،بعضها في لمحات وجودية وانسنة, ولكنها لم تفكر باللغة كبرهان.. ولم تطور مفهوم البرهان نفسه. اما لو كانت بيانية بمعنى اخذ اللغة اتجاها للحقيقة لكان امرا اخر. لم تقتنص مقولة (برهان اللغة) أي شوط من ذلك في التراث.. بل كانت تتمنى ان تجد له وجودا،ليكون دورها ولو مقتصرا على نحت ركائز معرفية.. مع ان عين هذا إبداع بحد ذاته.. ولكن التراث لا يملك اصلا ذلك مع الأسف.. نعم له مادة تثبت المقولة وهذا امر بديهي.. يؤكد جدوى المقولة في العلوم الانسانية.. تفرض المسالة ان اللغة ولدت على افضل ما يكون مع جميع الشعوب... شانها شان الفطرة كما وجدت كانت اقرب الى الحقيقة والى الله.. وكون ولادة اللغة جاءت في زمن تلك الفطرة، فالسنخية تفرض الانسجام في الاصل.. في انهما على احسن ما يكون.. يبقى هنالك علاقة بين الفطرة واللغة جرت ضمن جدلية في التاريخ.. كلاهما تعثرا في الوجود الانساني, الفطرة بتحولاتها مسخت اللغة كثيرا كما كان العكس.. مع الطريق يأتي الانسان المتألم وبمعاناة وجودية صهرت فطرته ولو للحظة يقول بها معنى ما..يحاول بتلك المعانات الوجودية ان يعيد قراءة المعنى في حركة اللغة... كون المسالة في الصيرورة الانسانية..هي دائما اعادة قراءة المعنى في الوجود.. اذ دائما ازمة الانسان ازمة المعنى في ذاته ووجوده. .. من جهة اخرى لابد ان نقول ان الحقيقة موجودة في قلب الفطرة الاولى تنبجس دون أي حاجة لمنظومة فلسفية فالمعايير السلوكية منقوشة في ذاكرة الطبيعة ومنها الفطرة الاولى المصنفة على الطبيعة التكوينية (وتكوينيتها تفرض بقائها تحت الرماد/الرين) هذا من جهة الذات.... اما من جهة اللغة فالحقيقة موجودة في قلب اللغة البكر..ايام فطرتها الاولى مع الانسان قبل سكر مفاهيمها في الدين والسياسة والاعراق..و فطرة الانسان هو صفاءه الداخلي(وحدة وجود داخل الذات, تخلقها نوع تزاوج القيم لديه).. وبكر اللغة ( وحدة الوجود بين الكلمات، تخلقها شكل تزاوج المفردات في الجملة)..اذ هنالك (كل لغوي) يتاكد في الجملة والسياق مهما طال او قصر.. مثال الاول هو القران بكل طوله في سوره.. هو وحدة وجودية متكاملة في شكلها وترتبها..مع ان السور والايات لم تكن متسلسلة زمنيا حسب النزول كما هو معروف..ولكن الله اراده هكذا لانه وحدته الوجودية تتم بذلك.. وذلك ما يراه ايضا المرحوم ابو القاسم حاج حمد. مثال الثاني(=الكل اللغوي) القصير.. الجمل والمقولات والسياقات القصيرة في الإبداع الإنساني. لكن لم يكن القران يسير ضمن برهان اللغة كاساس وان حمل منه كثيرا.. كما خاض ضمن المدار الجمالي وهو المدار الاهم في برهان اللغة. وحدة الوجود في منظومة اللغة..تفرض علاقة تكاملية بين المفردات..بالاحرى فيها معادلة جمالية..ترتبط شكل المعادلة مع نوع المفهوم المعبر عنه، بمجرد ان تتم تلك المعادلة تبرز الحقيقة تلقائيا امام الذات المتلقية.. وكون المعادلة جمالية لا رياضية عقلية..فهي اشبه بحالة انفعال وجداني للشعور بين الكلمات والاشياء(مادة المفاهيم).. انفعال وجداني بين(الذات, اللغة, الموضوع, الحقيقة) واكثر الاطر القرائنية هي من هذا النوع..لذا العالم والعامي فيها سواء اذا ما تساوا في درجة صفاء الفطرة يسار بالمسالة بداء من مقولة فجنشتن: ان حل اللغز والصلة الرمزية بين الكلمات والاشياء بتحليل اللغة وصورها.. وما تقوم بصنعه من جمال يدخل ويصل الى الحقيقة من اقرب مسافاتها.. المسالة مع الحقيقة ليست مناطق عقلية تفرز طبقية (الفيلسوف والعامي) بين المجتمع في كشف الحقيقة.. ابدا , هي مسالة مسافة عن الفطرة ، والا البدهية معها مؤكدة مع الفرد زمكانيا.. الامر فقط يحتاج الى صفاء وجودي انساني الهي داخلي.. وان جهل الانسان كل العلوم.. والاهم في قطع تلك المسافة للحقيقة هو التحول الشعوري والغليان لصهر كل ركام الذات.. ذلك الاساس الاهم كآلية لادراك المفاهيم .. اذ المفاهيم هي الغرفة الاخيرة في قصر الحقيقة. ..وحتى لايساء فهم الصفاء بانه تلك الدرجة الترويضية وبالتالي تحتكر الحقيقة..الصفاء هنا..اقرب موجة اليها هي موجة الالم.. والانسان لابد وان يمر عليها بل هي الاكثر في حياتة..اذ الغالب انه في معاناة وجودية.. وهذا ما يمنحه الصفاء اقلها لموضوع المعاناة الذي نال منه. اهم ما تثيره اللغة هو البعد الجمالي الايحاءي.. وبما ان الجماليات ابرز عنصر جوهري تعتمده نظرية التلقي كما تؤكد العلوم الانسانية المختصة بذلك. لذا يغدوا الجمال العنصر الاهم في قطع مسافة الحقيقة..الا ان الجمال يتم تذوقه بالايحاء على نحو غامض دون وضوح عقلي كما يرى ادموند بيرك الفيلسوف البريطاني..وهي مقولة الكثيرين تماما.. وهذا ما يتواءم مع انطلاقنا من مسالة الفطرة كالية وجودية تفوق العقل في مسالة الحقيقة لقرابتها مع مفهوم الايحاء.. كونها مقولة تنتمي الى الروح والشعور كاصالة لتلقي الحقيقة دون العقل... اذ صعب جدا ان تعقد قران دائم بين العقل والقيم .. القيم منطقة ذاتية في وجود الانسان ونفخة الهية فيه.. يمكن احالتها الى الضمير والقلب والوجدان..لا يمكن للعقل ان يقبل بها..لذلك كانت فكرة الاصطدام مع اللامعقول الواقعي دائما على طول التاريخ..في كثير من قيم الانسان التي زرعها كاحداث هنا وهناك..حتى قال باسكال... ان للقلب اسبابه التي لا يعرفها العقل. كما ان نهايات العقل حتى ترسخ لابد ان تكون نهايات شعورية.. وهذا ما نوقش معنا في سكر المفاهيم سابقا.. مع قصة النبي إبراهيم في قوله(ليطمئن قلبي) مع انه خرج عقلا بمقدمات منطقية.. ولكن وجودية الانسان اوسع من العقل في حركته.. وكذلك قول المتكلمين معرفة الوحي بالعقل هي تسامح نظري مغلوط.. اذ لم يكن اثبات الوحي بالاعجاز الخارجي بقدر ما كان بالاعجاز الداخلي لقيم الوحي, تلك التي سارت بالناس في النهضة الاولى.. ايضا هناك برهان داخلي وبرهان خارجي هو مجال شعوري.. وبما ان الوجود الانساني محوره ليس التواصل بين الذوات وانتهى كما هو مع كارل ياسبرز وانما هو التواصل بين المفاهيم التي تشعر وتفعل وتحرك الحياة باتجاهات الفرد فيها.. فالوجود مع الحقيقة هو وجود مفاهيمي كما تكلمنا في هذه الرؤية المركزية سابقا. والمفهوم بناء لغوي في جهة المعنى.. فالامر ينتهي الى اللغة.
هنا لابد ان تكون خطوة انزياح وتمرد على مفهوم البرهان وتعريفه التقليدي نفسة والا فالمسالة تبقى عالقة..اذ قد يكون هذا المفهوم قد سكر كثيرا بايدي الفلاسفة التقليدين.. ولم تستطع الاجيال الخروج عن قبضة الفلاسفة وهيبتهم .. البرهان ليس اثبات حقيقة شيء ذهنيا فقط بقدر ما هي تحقق شعور الذات به.. جعلك لها وجعلها لك.. هنا تاتي فكرة (الاعتاق والعناق والاعتناق).... فاثبات وجود شيء غير اندماجه فيك..اثبات شيء يبقي الامر صوريا مع الانسان دون تأثير في وج |