|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
11 تــمــوز 2005 |
|
الـعـراق الأمـريـكـي لـ حـسـن الـعلـوي كتابات - حـوار : عـمـار الـبـغـدادي
الإهـــــداء إلى بدر.. شقيقي الأصغر. المجهول المتواري في معتكف المنـزل. إليه في غربة القبر بعد أن أمضى في غربة الحياة ثلاثة وعشرين عاماً رهين الحفرة. إليه وحده يدفع في سره ثمن بقائنا أعلاماً في المنفى نقارع المنظمة السرية. إنه وحده المنفي الحقيقي مقابل الظهور العلني لأشقائه الثلاثة كاظم وهادي وحسن. إلى بدر.. الذي خرج إلى النور في مفتتح العراق الأمريكي وعاد إلى الظلمة. إلى بدر الذي أمضيت معه أسبوعاً لم أشبع عيني من تأمل جسده ذائباً في قرارة الرعب. أقول هل ترفع هذه الكلمات عني شبح الشعور بالذنب عندما غادرت العراق وتركت شقيقي الأصغر بلا زوجة ولا طفل مع شقيقتيه عاجزين عن مواجهة الرعب اليومي فرحلت مليكة قبل أن ألتقيها.. وأنتظر بدر عودتي ليرحل.. حسن .. أربيل 15/6/2005 *********
الـعــلـوي وكتــــابه
بعد أن أملى عليّ كلمات كتابه الأخيرة أشار ـ وكأنه يخبرني بما سيقع في المستقبل من أحداث ووقائع وتطورات دراماتيكية عاصفة ـ أن اجتياح لبنان ومن ثم خروج القوات الإسرائيلية من العاصمة بيروت عام 1982، هو آخر الاجتياحات الإسرائيلية للحدود العربية، وأن انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي إن تم وأرجو له أن يتم سيذيب في عقيدة سياسييها المدنيين وجنرالات عسكرها الطورانيين نزعة التوسع على حساب الوجود القومي العربي، وسيحول تركيا إلى دولة قريبة في شعورها من هموم ومشاعر العالم العربي، بعد غربة امتدت لأكثر من ثمانين عاماً، أي بعد قيام الدولة العلمانية الأتاتوركية عام 1923. إن انضمامها سيهذب روحها الطورانية، ويجعلها أكثر اقتراباً من نبض الشعوب العربية. العلوي في كتابه (العراق الأميركي)، يذكّر كل المساحات والساحات والقراء، بالمفاهيم التي أشاعها قبل أكثر من ربع قرن، وتحولت إلى قواعد متداولة في الفكر السياسي العربي والعراقي على وجه التحديد، وكذلك بالتنبؤات التي أطلقها قبل أن تدهم القوات الأميركية (أسوار بغداد) وتطيح بعرش دولة المنظمة السرية، عبر كتبه سواء في دولة المنظمة السرية، أو في كتابه الشيعة والدولة القومية في العراق، الذي وصلت إيراداته في الأسواق العربية والأجنبية إلى ربع مليون دولار، أو كتابه دولة الإستعارة القومية، أو التأثيرات التركية في المشروع القومي العربي. فقد تنبأ بانهيار الجيش العراقي مثلما حدث في 9 نيسان 2003 وسقوط الدولة القومية لحساب وطنية السلطة، وتحول الجيش العراقي الذي بني أساساً على العقيدة الأحادية والدفاع عن دولة المستوطنين إلى جيش متطوعين، واختفاء إلزامية التجنيد، مثلما أكد أن السيادة للإنسان وقيم بقاءه لا للتراب. وفي العراق الأميركي كما يقول العلوي، تختفي قومية السلطة لصالح وطنيتها، حيث تبدو صورتها أقرب إلى الطريق العام الأخضر المحاذي لنهر دجلة، إذ لا يمر المّار بمحاذاته حتى تسقط عيونه على تنوع فريد من النخيل الممتد من أول النهر، عابراً مساحات من الخضرة التي تسر الروح ولا تبعث على الملل الذي يصدم الذاكرة، وهي تمر على عواصم ليست بعيدة عن مآذن بغداد العباسية وروح القباب المتوهجة على ضفافها. بهذا التحول أمكن للطالباني الكردي القادم من الأغوار العميقة وصخور الجبل، أن يكون رئيس جمهورية السلطة الوطنية ولعبد العزيز الحكيم الشيعي العربي أن يكون زعيم أول أغلبية برلمانية يشهدها العراق منذ فجر تاريخه الحديث، بعد أن كان المجلس النيابي أو الوطني لاحقاً، غرفة مستأجرة لبواب سكرتير المشروع القومي القابع بسوداويته القاسية ونظرته الحادة خلف قطع الكونكريت المسلح الذي يحوط مباني القصر الجمهوري، وبيوت الرجال السريين السابقين في المنطقة الخضراء. لقد بشر حسن العلوي برئاسة الطالباني قبل أن يكون للعراق الحالي شأن يذكر في أولويات الإدارة الأميركية، أيام كان الملف العراقي جثة هامدة في أدراج السياسة الأميركية بزعامة الديمقراطي بيل كلينتون، لا يكاد يتحرك خطوة باتجاه الفاعلية والنهوض والحركة المفترضة، حتى يشهد موتاً آخر في ادراج الإدارة الأميركية، لا يقل مهابة عن موته السابق. لقد أراد الأستاذ أن يؤكد لقراءه حقيقة واحدة أساسية، هي أن العراق ـ هذا البلد الذي نشأت بعض أجزاء جغرافيته في (أحضانستان) كما يسميها في الكتاب، سيشهد ولادة تجربة ليبرالية ديمقراطية، تخرجه من ظلامية المشروع القومي إلى رحاب تجربة في المدنية والحقوق السياسية وبناء الدولة تمتد لأكثر من ثلاثمئة سنة، هي حصيلة التجارب السياسية الإنسانية الديمقراطية. ولا عجب أن يتخذ الأميركيون اليوم، ومعهم عدد من المسؤولين العراقيين من المنطقة الخضراء مكاناً لهم ومركزاً لأهم التجمعات السكانية المهمة في بغداد. ذلك لأن بغداد وهي المدينة الخضراء بتراثها الحضاري وقيمها المعرفية لن تنطفئ شعلة الحيوية في عيون سكنتها، مهما اشتدت عاديات التحدي ومهما إغبر فضائها بتراب الموتى وشوهت السكاكين بعض ملامحها. حاول الأستاذ، ونجح في محاولة وضع الإصبع على دُمّلة أزمة العراق التاريخية المتمثلة بحرمان الأغلبية من التمتع بالحقوق السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، أو ما يسمى بالحقوق المدنية، ويؤكد في هذا الصدد، أن الأغلبية في العراق الأميركي، لن تكون محكومة بعد انهيار السلطة الأحادية في وقت كان العلوي، قبل أكثر من خمسة عشر عاماً، يدعو قادة الأغلبية العربية المضطهدة، إلى رفض التصرف في المحافل والعواصم والمؤتمرات واللقاءات السياسية وأمام المسؤولين والقادة العرب ومستشاريهم، بوصفهم من أبناء المذهب المحكوم، لأنهم وإن كانت سلطة المستوطنين تتعامل معهم وفق هذه القاعدة لكنهم في المعارضة لا بد أن يتعاملوا مع العالم باعتبارهم قادة المذهب الحاكم. العلوي في كتابه (العراق الأميركي) يلخص فهمه الاستراتيجي لعنوان كتابه، بعد أن سألته عن مغزى العنوان ودوافع التسمية، أن العراق مر بأطوار عديدة في تاريخه ساهمت في إنتاج مراحل مهمة من حياته السياسية والإنسانية، وشكلت تلك الأطوار حدوده ووجوده وموقعه في الجغرافية الدولية، وأفاضت عليه من سماتها السياسية الكثير، فهناك العراق البابلي والعراق السومري والعراق الأموي والعراق العباسي والعراق العثماني والعراق الملكي واليوم وبعد دخول القوات الأميركية بغداد، هناك العراق الأميركي. إن عراقاً كهذا الذي يتشكل الآن لن يكون مرتعاً لغربان القرى، الوافدين من الأغوار البعيدة. لن يكون مستوطنة محتلة، تتقاذفها السياسات الطائشة، والحروب والمقابر الجماعية، وامتيازات رجال المنظمة السرية. العلوي الذي يكشف في كتابه عن جانب مهم من لقاءات ومشاورات وحوارات طويلة وجهود سنوات مضنية من العمل والإسهام بإنجاز مهمة الخلاص من نظام الرعب السابق، يكشف أيضاً عن نقاط خلاف وتوافق واصطدام رؤى وقناعات مع رجال العراق الأميركي، ومع شخصيات نافذة في السياسة الدولية، فقد كان يرى أن بعض تلك السياسات سائرة باتجاه تحطيم النموذج، ونسف جهود سنوات طويلة من الكفاح الوطني، لكنه عاصر من موقع والفاعل والمؤسس مراحل مهمة من مسيرة الحالة الوطنية العراقية، أوضح في الكتاب ـ ولأول مرة ـ أنه كان في كثير من مراحلها في موقع القلب كفكرة تشكيل المؤتمر الوطني العراقي الذي اعتمد مؤسسوه على نظام الدوائر، كما كان يعتقد العلوي في إطار رؤيته السياسية لإيجاد مشروع وطني حاضن، لكافة تجليات وأحزاب ما سمي سابقاً بـ المعارضة العراقية. كل الذين يعرفون حسن العلوي يقولون أن الرجل وفي نهاية كل كتاب يصدره يبقي دائماً ثمالة في كأسه المترعة بالجديد، فالذين تصوّروا أنه فرغ من معالجة المسالة الطائفية في كتاب الشيعة والدولة القومية، فوجئوا به يجدد مبناها ويوسع دائرة النقاش بتفاصيلها، ويعطيها نكهة مختلفة في الأسلوب والمعالجة في كتابه «بقية الصوت»، والعلوي يعد بحق مكتشف هذه العقدة التاريخية وإشكاليتها في السلطة القومية وحكوماتها المتعاقبة. حسن العلوي، الذي يشرفني أن أكون محاوره طيلة رحلة ممتعة في كتابه الشيق، «العراق الأميركي» عبر سفر خضناه سوية في معتكفه، رجل لا ينتهي، وبالتالي فالكتاب بأسئلته المختلفة وبالإجابات التي قدمها الأستاذ يمثل محطة مهمة من محطات الفكر الاستراتيجي للرجل والتقاطة عميقة لحال العراق الحالي وامتداداً لرؤية سياسية متجددة دائماً يتبعها بالمزيد من التواصل في سياق مشروعه الخاص الذي أثار ويثير باستمرار جدلاً واسعاً ومفيداً في الأوساط العراقية والعربية.
* عمار البغدادي
الشــيـعـة وأبـو حـنـيـفــة
س : في حوارك السابق مع الصحفي العراقي عدنان العبيدي وقد شاركت في كتابة جوانب من فصوله حيث أشرت بود ومحبة بالغة لأبي حنيفة ما دوافع هذا الحب؟
ج : كعراقي أنتمي إلى التشيع لم أر حتى الآن سبباً لمناوئة التشيع لإمام لم يناوئ التشيع في أي سطر أملاه علي تلامذته وأتباعه. ولم أر فقيهاً أو مثقفاً يملك خصائص أبي حنيفة وقد جعل للمثقف سلطة أكبر من دائرة السلطان ولم يقترب من حاكم ولم ينحن لظالم ولم يعترف بدولة مغتصبة. وهو في الفقه إمام الحرية والتسامح، وكانت حياته نموذجاً متقدماً لحياة فقهاء ومتسامحين عشنا جانباً من أعمارهم كالإمام أمجد الزهاوي والإمام محمد الحسين كاشف الغطاء والإمام السيستاني آخرهم.
س : ما الذي يميز السيستاني عن الفقهاء الآخرين؟
ج : السيستاني ظاهرة في الفقه الشيعي تقترب من ظاهرة الشريف المرتضى والشريف الرضي بقدر ما يبتعد عن الخط العام للفقه الشيعي الثوري. وهو أيضاً يبتعد عن مدرسة الإمام الخميني التي تدعو لسلطة الفقيه المباشرة بقدر ما تقترب من فقه الإمام السني الشيخ محمد عبده والشيخ السني عبد الرحمن الكواكبي في علاقة الدولة بالدين.
س : ما قصدك، ما الذي استوقفك بالكواكبي ومحمد عبده؟
ج : هؤلاء فقهاء وأئمة وعلماء دين لكن لا يطالبون بإقامة دولة إسلامية يحكمها حاكم إسلامي، بل يتركون الأمر لصناديق الاقتراع ودولة حديثة لا تخالف أسسها الدستورية أسس الإسلام وقواعده الشرعية. الشيخ الكواكبي يدافع عن المسلم السني والمسيحي والصابئي بنفس مجرد واحد. هو أيضاً وريث الملا كاظم الخراساني في الدعوة المشروطة (الحياة الدستورية) وإقصاء الدكتاتورية عن الإسلام.
العـــراك الإعـــلامي
س : الناس تتسائل وأنا منهم. لماذا لم تساهم بالنشاط الإعلامي والانتخابي في العراق وبقيت بعيداً عن المعترك الذي كنت دائماً من حملة ألويته؟
ج : ربما لأنني لا أملك شجاعة هؤلاء الذين تصدوا للعمل في هذه الفترة العصيبة. أو ربما لشعور بأنني أديت دوراً في التصدي للنظام السابق لم يُنافسني عليه لا أشخاص ولا مؤسسات أو لحاجة هذه المرحلة لوظيفة المراقب العام الذي يبدو بعيداً وهو في لجّ الحدث فإنا لم ألق سلاحي ولم أعتكف وما زلت أمارس دوراً من خلال خطوط ووسائل وأحاديث ساخنة قد لا يتوفر لها إلا من يقف مثل موقفي المحايد. فأنا أكتب واقترح واعترض وأنصح وأرفض وأقبل أموراً تصل إلى أصدقائي كالرئيس مسعود البارزاني والرئيس جلال الطالباني والرئيس اياد علاوي والدكتور أحمد الجلبي وزعيم الأغلبية البرلمانية عبد العزيز الحكيم ونائب الرئيس عادل عبد المهدي وهناك جانب آخر متصل بأصدقائي الذين ما زالوا معارضين من العراقيين والعرب وقد يظهر خبر أو رأي أو موقف أنا كاتبه في جريدة أو مجلة عربية أو حديث تلفزيوني لأحد الأصدقاء وعلى لسان زملائي الذين ما زالوا في المعارضة.
س : هل ندخل دائرة كشف الأسماء. فقد سميت أصدقائك من زعماء النظام الجديد بينما أحجمت عن ذكر أصدقائك العرب والعراقيين؟
ج : من يتابع مقابلاتي التلفزيونية (وأنت واحد منهم) ربما يعرف معظم هذه الأسماء. فليست لي اتصالات سرية محرّمة. إن مساحتي الاجتماعية بسبب طول التجربة اتسعت لصداقات ثنائية لكن أصدقائي قد لا يكونون أصدقاء مع بعضهم فربما يكون أحدهم خصماً للآخر. فأنا مثلاً أشرف على جريدة المؤتمر واسعة الانتشار في لندن أيام المعارضة إلى جانب إياد علاوي وأحمد الجلبي والشريف علي بن الحسين وممثلي الأحزاب الكردية والإسلامية لكن صلتي بأصدقائي الإسلاميين العرب والعراقيين بقيت مستمرة ولم تنقطع ومن أحب أصدقائي عبد الباري عطوان رئيس تحرير جريدة القدس العربي ومنزلته لا تقل عندي عن منزلة خصمه اللدود الصديق الكويتي فؤاد الهاشم صاحب أجمل عمود ساخر في الصحافة العربية. وعلاقتي لم تنقطع مع أي صديق بعد سقوط صدام ممن عارضوا الاحتلال الأمريكي بشراسة كالصديق الشجاع حسن صبرا والصديق الحكيم طلال سلمان وكوني جزءً من النظام الجديد الذي خاصم أصدقائي القدماء وما زالوا أمثال محمد المسفر وهارون محمد. وكما أني صديق لجميع وزراء الإعلام السوريين فإن علاقتي بأحمد الجار الله وجريدته لم تنقطع ولي فيها حتى الآن صولات وجولات. لست بعد خمسين عاماً من التجربة السياسية والثقافية والإعلامية تابعاً لمتبوع وهناك متسع لمن يريد أن يكون من أتباعي.
س : بحكم مزاملتي لك يزورك صحفيون ومثقفون وباحثون أجانب أرغب في التوقف عند جانب من هذه اللقاءات؟ حجم العلوي في المعارضة لم يكن حجمه في السلطة وإذا ما تسمى الآن سفيراً فأنا أشهد (عمار البغدادي) حيث مازلت معك في سوريا أنك تؤدي أموراً في المعارضة للعراقيين ما لم يؤده غيرك. هل وجودك سفيراً جزءً من العزلة والاعتكاف أو التمرد.؟ خصوصاً وأن الرئيس الراحل حافظ الأسد وفّر لك ما لم يوفره لأهم وزرائه.
ج : سألني الشريف الحسين بن علي والد الشريف علي بن الحسين رئيس الحركة الدستورية ألا يمكن أن يكون المثقف حراً؟ فأجبته: يمكن أن يكون حراً لكن ليس حراً خالصاً إذا كان هذا المثقف خارج بلاده ومطارداً من سلطته لأنه سيخضع لأكثر من سلطة تفرضها عليه طبيعة الحياة وأولها وأشقاها سلطة دفتر الإقامة وسلطة دفتر السفر وسلطة دفتر المدرسة (مدرسة الأبناء) وسلطة السكن وسلطة حمايتك من العدوان وعليك كمثقف أن تراعي هذه الجوانب، وعندما تراعي بعضاً منها فإنك تفقد بعضاً من حريتك. الآن وقد انتهت تلك السلطات جميعاً.. هل تريد مني أن أعود إليها أم أتمتع بحقي السيادي وامتلاك جميع هذه السلطات التي تمتحن الحرية. أنا أحد بناة هذا النظام ولست ضيف شرف عليه.
س : لكن وظيفتك الجديدة تتعارض مع ما تنشد من حرية وتطلعات في مراقبة الوضع العام؟
ج : كان الشاعر العراقي عبد الغفار الأخرس (عاش في القرن التاسع عشر) يشكو من حبسة في لسانه فأشار إليه أحد أصدقائه بالسفر إلى الهند حيث يوجد أطباء بريطانيون يمكن لهم إجراء عملية لإزالة هذه الحبسة. فسألهم: وهل هناك من أخطار على حياتي قالوا له: نعم قال: أنا لا أبيع كلي ببعضي
س : وأنا الآن أردد كلمة الأخرس وأسألك من هو الأقدم والأصعب والأكثر عرقاً وجهداً.. لقب الكاتب الذي رعيته ورعاني خمسين عاماً أم لقب الوظيفة الذي التحق بي قبل أشهر.. كيف أستبدل كلي ببعضي؟
ج : ولهذا اشترط على الإعلاميين الذين يتحدثون معي أن لا يشيروا إلى موقعي الوظيفي. ويكفيني قناعة أن هذا اللقب المؤقت قد يزول عن صاحبه أسوة بما هو أكبر منه من ألقاب فيقال الملك السابق والرئيس السابق والسفير السابق. فهل سمعت أحداً يقول الكاتب السابق أو الشاعر السابق وقد مضى ألف عام على الجاحظ والمتنبي وأبو العلاء وألف وخمسمائة عام على امرؤ القيس ولم يصبح لحد الآن سابقاً فما زال الشاعر امرؤ القيس زميل الطلاب على مقاعد المدرسة. واسمح لي بالعودة إلى سؤالك مرة أخرى فالدبلوماسيون في العالم الديمقراطي يختلفون في وظائفهم وصلاحياتهم عن الدبلوماسيين في الدول الشمولية والدكتاتورية التي كما تحرم على مواطنيها التفكير والحديث فإنها تحرم على موظفيها حق التفكير والكتابة، وتحصر ذلك بما يسمى المركز، والمركز يستقي صلاحياته من مركز المخابرات، فلا سفير يحاضر، ولا سفير يناقش بندوة تلفزيونية، إلا بما يلقنه به المركز، لكننا في العراق الأمريكي شيء آخر، فنحن ننتمي إلى المدرسة الليبرالية الحرة، حيث تفتخر الخارجية بسفرائها المبدعين، فترسل فرنسا أفضل شعرائها ليكونوا سفراء لا ليلجموا عن الشعر والكلام. وحتى في دول عربية محافظة كالسعودية، فإن الشاعر الأديب الكبير غازي القصيبي قد ملأ صالات لندن الثقافية والأدبية بحضوره الذي طغى على لقب السفير، وبدأ الناس يتعرفون على السفارة بالشاعر الكبير وليس بكاتب التقارير، وحتى هذه اللحظة فهناك دبلوماسي سعودي يدعى جمال خاشقجي يسأل ويجيب في أجهزة الإعلام العالمي بشكل شبه يومي وبما يراه مقنعاً. إن تغيير النظام، لا يعني تغيير عقل النظام الذي يستمر لسنوات، لاسيما عندما يحتفظ النظام الجديد بعقلية النظام السابق، وهو ما يحدث حالياً في العراق. ينبغي التحلي بالشجاعة والجرأة والإعلان إن نظاماً جديداً يبنى في العراق ولن يكون من بناته هؤلاء القادمون من أقبية التعذيب المدججين بالعقل الأحادي الذي يرى في العراقيين خارج أحاديتهم كأنهم خصوم، فصارت السفارة العراقية في أي عاصمة مخفر شرطة، أو مكاناً يتجنب العراقيون المرور في الشارع الذي تقع فيه، ومازال الخوف يطغى على مراجعي السفارات لأنهم يشاهدون ذات الوجوه. نحن بناة النظام الجديد الذين أمضينا ربع قرن كاملاً في عملية تغيير ذاتي لتجديد أفكارنا ومشاعرنا حتى تستوعب العراقيين جميعاً وسيحتاج النظام الجديد إلى أشخاص لا يقل وجودهم في المعارضة عن عشر سنوات، مؤهلين للإدارة الجديدة في وزاراتها أو سفاراتها..
س : أسألك عن أمور أعرفها تتعلق بما أنجزته من كتب لازالت مخطوطة؟
|