|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
26 تشرين ثاني 2006 |
|
غريب على الطريق شوارع خاليه في منتصف الليل والالم
اعدام صدام واللامعقول العربي
كتابات - عبداللطيف الحرز
من السطحية بمكان ، القبول بان موت صدام يمكن له بنفسه ان يمثل حل ما في مشكلة مستعصية بحجم الصراع العراقي . فبتعبير المتنبي :
{ كفى بك داءً أن ترى الموت شافياً - وحسب المنايا أن يكن أمانيا}
لكن تشدد الشارع العراقي في تطبيق قرار الاعدام , هو ليس تشفياً او امنية عاطفية بحتة هكذا ببساطة , انما هو تشدد نصر عليه في اول الصفحة الجديدة لمستقبل العراق المؤجل حتى الان . حيث كبرى ازمات الحكومة العراقية الان هو منطق اللين مع من لايفقه سوى المجزرة , موت صدام ليس امنية , الا للبسطاء جدا من الناس , الامنية ان نحقق موتاً يكون منطلقاً صوب الحياة , او بتعبير القرآن الكريم ان يكون القصاص حياة {ولكم في القصاص حياة يا أولي الالباب }
ولنترك السجال العراقي _العراقي حول هذه النطقة , خائضين سبل التفهيم مع طريقة الخطاب العربي ومواصلته التلقي الغرائبي للمستجد العراقي في كل ما يخص محاسبة النظام العفلقي السابق , لماذا العقل العربي عسير الفهم للقضايا العراقية الى هذا الحد ؟!
مرة قال ليفي شترواس : ان الانثروبولوجي لايستطيع الكتابة عن قبيلته . وعليه فهل نستغرب ان يكون صدام حسين هذا الدكتاتور الذي اجاع شعبه واتخم مدافعه وببغاوات اعلامه وحملاته العسكرية , هو موضوع ممتنع التفكير فيه بالنسبة لأكثرية الاقلام العربية ؟!
بلا شك ان الذات العربية تشكو من عقدة النقص منذ هزيمة دخول نابليون ثم الاحتلال الصهيوني ودحره للجيوش العربية , ثم بهيمنة العولمة . وهذا النقص والجرح النفسي هو الذي سهل تبني افكار وشخصيات سطحية كان من الاماني المستحيلة , ان تكون بمثابة الضماد وبلسم مخفف للجروح العميقه , بذا وقف شاعر المقاومة الفلسطينية محمود درويش يوماًً ليصف وزير النظام العفلقي لطيف انصيف جاسم بانه : ((وزير الشعراء)) !
لانجد هنا في واقع الامر وصفاً للموضوع وانما اسباغ ميزة ما لانفسنا نحن. لايوجد هنا محاولة للتعرف على هذا الشاخص القائم امامنا , انما عزاء ماكراً متنكراً للذات الجريحة . لذا انعدمت ركيزة الانصاف في التعريف بصدام حسين وسلطته القمعية السالفة . وحتى ما اذا بلغ الامر في عداد البديهيات مثلما حصل في اعتداء صدام على الكويت , سيكون الصمت هو الاجراء الانسب , لذا تجد ان صحيفة الشرق الاوسط , لم تنشر خبر الاعتداء الا بمضي اكثر من اسبوع , كشف اللثام عن بشاعة صدام حسين كان ملازما لحد رفع الضماد عن النفوس العصائبية المريضة .
ان المطالبة العراقية بان تعود الاقلام العربية الى توازنها النقدي , مرفوض سلفاً , لكونه يعني اعتراف المريض بمرضه . القضية هنا ليست دفاعاً عن صدام حسين , انما هي دفاع عن قلعة الاخطاء التي بتنا ننظر اليها بانها هي ذواتنا الخالصة المُخلصه والتي على اساسها صغنا من صدام بطلا مُخلّصاً وسيفاً فاتحاً.
حينما تم قراءة نص قرار المحكمة العراقية بطاغية العرب للمرة الاولى , وجدنا ردة الفعل بمايشبه الذعر مرة والخرس مرة اخرى , وكأن المحكمة اقرت اعدام مخلوقا متعالياً او رباً سماوياً لايمس , وليس طاغية جرائمه ماثلة للعيان صبح مساء ! فرغم مئات المقابر الجماعية وحروب ثلاث , حرب على ايران وعلى الاكراد وعلى الكويت وقمع بربري للانتفاضة 1991 , ومعتقلات سياسية ولاجئين بملايين , رغم ذلك اكتضت وسائل الاعلام العربي بتساؤل موحد: (( هل الحكم بالاعدام على صدام عادلا؟!)) فتشدق من تشدق , والمسئلة ليست في قرار الاعدام , فحتى لو حكمت المحكمة العراقية على صدام بالسجن يوماً واحدا ً , فان القرار بنظر الاعلام العربي لن يكون عادلا. فالمسئلة اساساً منصبة على عدم معقولية اصدار حكم ما, اي حكم كان, على صدام حسين بالاساس .
لذا نجد انه رغم حشد الوف الادلة على بشاعة صدام ونظامه الفاشي , طيلة عمر كامل من المعارضة العراقية قبل سقوط الصنم وبعده , فان العقل العربي تعامل معها بلا شيء من التواصل . جميع الامور تغدو غير موصلة حينما يتعلق الامر بصدام ونظامه , وكأن العقل العربي هنا محطة تصاب بالعطل والشلل التام في الاستجابة والتلقي , ذلك اننا في ادانة صدام او محاولة الطرح النقدي له , انما نصيب العصب الاساس لاعلام ترعرع على اموال مساعدات مكاتب البعث العفلقي المالية في الواقع , وعلى التعيش بثقافة الوهم من القومية المميزة من السماء والنصر المؤبد في الارض , وطبيعي ان كل مايمس العصب الاساس نتيجته خدر تام او غضب اهوج مدمر . للاسف ان حالة بؤس الروح في الدول العربية طيلة اكثر من ثلاث قرون من الهزائم المتتابعة , جعلت الارواح تتطلع الى رسم ,على جدران الوهم والخيال , بطل منتصر على عدو مُختلق , وهكذا حاولنا تعويض خسارتنا امام اسرائيل باختلاق بطولات ضد ايران , فاصبحت ايران هي العدو العام لجميع العرب , بينما اسرائل شئناً فلسطينياً!
فكانت كل وقفة تسائل حقيقة البطل المرسوم والعدو المزعوم , وعن حدود تلكم الانتصارات , بمثابة الخطيئة ضد القومية والامة جمعاء
وعلى الرغم من استنكار العقل العربي لكيفية تصوير العقل الغربي اياه , على ايدي المستشرقين فرفع عقيرته بالتنديد بالعنصرية , فان هذا العقل نفسه كان له خدميون وظائفيون مارسوا ويمارسون مهمة المستشرق الغربي نفسه , لكن بجعل اعضاء من الشرق ذاتهم هم الطرف الملعون والخرافي . هكذا كان هجاء الشيعة والاكراد والمذاهب والقوميات المماثلة , هو الموضوع الاكثر اجتراراً على يد الانتلجنسيا العربية ومثقفيها , فكان العمل الاعلامي والدراسي يمارس مهمة تشطير ذاتنا الجماعية الى مركز وهامش , وذات وموضوع , اي ان هولاء ليسوا منا وانما هم مادة يجب علينا دراستها والحذر منها , عليه كان من المستحيل التفكير فيه وفوق قدرة المعقول العربي ان يقوم هولاء باصدار الحكم على مركز تمثلنا الفكري والمادي , فيكون الهامش الغريب له حق في الحكم والسلطة . لذا كان هناك فارق بما لايقاس في ادانة الارهاب في العراق بمثيله في فلسطين , فالصهاينة اقرب الى هذا الوجدان الجريح الاسطوري للاعلام العربي وجماهيريه , من الشيعي والكوردي العراقي الممزق الاحشاء, نساءا واطفالا وشيوخاً , هنا العنصرية العروبية تطرد هولاء ان يكونوا جزء لايتجزء من الذات ومن شعوب المنطقة الاقدمين , وتجعل الاجنبي المحارب اكثر معقولية في عقد حوار معه وبناء تواصل به .
ان قرار المحكمة العراقية باعدام صدام حسين والتخلص من مرض عضال من التكبر والذات المنفوخة القيح , نزل الى الشارع العربي بمثابة صاعقة عطلت اسلاك ترابط نسقي لثقافة الاوهام وصناعة العدو المتخيل والتغطية على عيوب الذات والنفس الجريحة النازفة بقبح عدم الاعتراف بالخطأ .
الاعلام العربي يقول : (( باننا لم نكن نسمع عن سنة وشيعة في العراق , الاحتلال هو الذي اوجد ذلك ))
وهذا الاعلام وجمهوره لايسئل : لماذا لم نكن نسمع مع غالبية الشعب العراقي يـتألف من هذين المذهبين؟! , وكيف سمحنا لانفسنا ان نصمخ السمع جدل ثقافي وديني وصراع اجتماعي , ذهبت فيه انهار من الحبر لا اقل في مؤلفات لم تتوقف يوماً واحداً , فضلا عن امتياز طائفي اودى بانهار من الدم , واغاض انهار واهوار من الماء ؟!
الاعلام العربي يقول : (( الذين قتلهم صدام هم متمردون على النظام وحق للدولة ان تقمع من تشاء حفاظاً على الامن القومي ؟!))
وهو اعلام يزيف بهكذا منطق كل ثورة في تاريخ الانسانية ضد الظلم والظالمين , فما من ثورة الا وهي ضد قانون وسلطة ما , ولو تمسكنا بهكذا منطق فاننا بذلك نكون قد حكمنا بضرورة العبودية الدائمة والمطلقة بما في ذلك ادانة الثورات العربية ضد الاستعمار وضد الحكومات الفاشية السابقة , ولحكمنا على جميع شهداء هذه الشعوب , بل كل الشعوب , بانهم مجرمون نالوا جزاء خيانتهم للنظام والقانون .
ان منطق الاعلام العربي اليوم هو بلا شك عودة ارتدادية من النهضة وحركات العلموية والفكر الحديث , الى فكرة الحق الالهي والطبيعي في الحكم والترئس , ذلك الارث الاشد ظلامية وعنجهية في التاريخ البشري الممثل لاحد مراحل التخريف والجدل الاسطوري المريض للمكابرة البشرية للظالمين واقلامهم وفقهائهم , الذين يشكل طاقم الاعلامي العربي المعاصر , احفاداً فكريين لهم .
لقد قال مرة مفجر الثورة العراقية محمد باقر الصدر : ((ان الشعوب اقوى من الطغاة )) , فلم يكن عفوياً رفع صورة هذا الرجل يوم اصداح المحكمة بالقرار العادل السليم ضد الطاغية صدام , فهذا استذكار لرجال قاوموا اسطورة الاستبداد , وتذكير بحق شهداء وقفوا بوجه العقل النمطي لبعض العربان الذين نحتوا صنماً تمويهياً للقومية ,تختفي خلفه هزائم واخطاء جماعية جرت المنطقة الى مجازر بحق العقل والبشر والوجدان .
ان قرار المحكمة العراقية الصريح والواضح , هو تصريح بانتهاء مرحلة صمت المحكومين بالصمت , وتصريح بمرحلة قمعية وثقافية وهمية كانت وستبقى:
لعنة في السماء وفضيحة على الارض .
|