|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
24 تشرين ثاني 2006 |
|
غريب على الطريق شوارع خاليه في منتصف الليل والالم
حفلة الاخطاء -2
كتابات - عبداللطيف الحرز
لكنه فرار من الخطأ بالوقوع فيه حينما نقول ان ((المجتمع )) هو الذي نكل بالسياب ومحمود البريكان وباقر اصدر وهادي العلوي وعلي الوردي . ان وصف كهذا شبيه بذلك الحوار الشهير الذي دار مابين آية محسن الحكيم وآية الخميني , حيث كان خطاب التعميم يقتضي الامتناع عن العمل والاعتماد على الشعب , واعتقد انا واجهنا نقيض ذلك بحركة محمد صادق الصدر , والتي هي حركة كانت تعمل وفق خبرة الخروج من حفلة الاخطاء السابقة تلك , لكن المفارقة ان هذه الحركة انتكست بتبني ذات الخطاء بعد رحيل الصدر الثاني !
الوضع العراقي ومنذ زمن بعيد يعيش حالة الدائرة مماسبب صداعاً مزمناً . ان النرجسية العراقية تعدت حتى الى النص الادبي فاذا بنا نقرأ اجيالا شعرية متعاقبة تشبه رزنامة تعاقب الانظمة السياسية وانقلاباتها , هو عقل انتج مفاهيم متورمة عصائبياً مثل الريادة الابداعية والنصية , و مفهوم الامة العراقية وما الى ذلك . وللاسف بعد سقوط الصنم العفلقي كان الخطاب العراقي بحاجة ماسة ان يعضده الصوت العربي والاقليمي المحيط, ولم يعطي الخطاب العراقي نفسه فرصة تفهم سنوات طوال لعب فيها نظام العفالقة اسواقا سوداء في الرأي العربي ووسائل اعلامه ,فضلا ان الخطاب العراقي لم يحاسب نفسه حتى الان على جريرة بؤس واقعه الاعلامي ايام معارضة حكومة صدام حسين وعصابته .
منذ سقوط الصنم العفلقي والاعلام العراقي يذم الاعلام العربي على عدم تفهمه وقلة ادراكه لحقيقية الوضع العراقي , لكن من دون ان يسأل هذا الخطاب العراقي ماذا عساه هو قدم لختراق حجب التعتيم وثقافة التزوير العربية ؟! نحن بحق هنا امام ممارسة اخرى لمرض عصابي في النرجسية , لذا بدل محاولة تفهم كيف انصاغة قناعة الاعلام العربي ضدنا ومازالت رغم مشاهد المقابر الجماعية مثلا , بدل ذلك قام الاعلام العراقي بتكديس وزج مشاهد يعتبرها الوسط العربي غير مفهومة واجنبية عليه , بل الانكى من ذلك انها تقدم دليلا على تخوين هولاء الذين اسقطوا حكومة العفالقة .
تخيل نفسك ايها العراقي الشيعي انك من ابناء الخليج الذين تربوا منذ الصغر على افكار ابن تيمية ومحمد عبدالوهاب , وفجأة تجد قناة تضع شهادة ثالثة بعد الله ونبيه , ثم مشاهد لطم ومسيارات طعام ونواح ,وماالى ذلك , هكذا ومن دون مصاحبة كادر علمي لديه كفائة عرض الفقه المقارن والنقد المقارن في التاريخ والفلسفة السياسية , ماذا عساك تنتظر سوى التكفير وحماس القناعة بان هولاء روافض يحملون عقيدة مشوهة ؟!
ثم رغم مضي كل هذه السنوات قبل سقوط الصنم وبعده , لايوجد حتى الان برنامج منظم ولا مشروع خطاب نقدي يعرض لنقد العقل البعثي والثقافة القومية فضلا عن يوميات التزوير في حكومة العفالقة .
الخطأ الافدح انه حتى الان لايوجد تواصل عراقي مع المفكرين العرب ,خصوصا اولئك الذين لهم مشاريع فكرية مرموقة لازالت كتبهم تتصدر القناعة العربية , فاذا ما اضفنا الى ذلك ان هولاء السادة لديهم قناعة الرفض بالحكومة الجديدة , ستكون المهمة اكثر الزامية وضرورية من قبل الاعلام العراقي كي يخترق التعتيم الاعرابي لثقافة التزوير السائدة , بيد انه للاسف لاشيء من ذلك حدث بالمرة , الشيء الوحيد الذي يفعله الاعلام العراقي حتى الان هو كيل التهم والعتابات على هذا الاعلام العربي الذي لايريد ان يفهم !
في واقع الامر تصادم الرؤية العراقية مع الفهم النمطي السائد في ذهنية الاوساط العربية , بدا واضحاً قبل سقوط حكومة العفالقة اذ لم تكن تصريحات الناقد ادوارد سعيد ولا تصرحيات الزعيم حسن نصرالله , هي الاولى , مع ذلك لم يحدث حراك نقدي وحواري عراقي له وزن يحاول تصحيح هذا الالتباس واعادة خلقه كمادة اعلامية للفهم العراقي المستجد.
الازمة ستكون خيالية حينما يقوم السادة الجدد بطرح جميع اوراقهم مرة واحدة على طاولة السياسة التي لم تتميز بكونها منضدة ام موقد للنار . بدءا من الاعلان عن الفارسية قومية خامسة , والاعتراف بالتقسيم الكوردي , والدعوة لفدرالية في الجنوب , ومطالبة دفع اموال خيالية لايران كتعويض , وتساهل مع مطالب كويتية بدون حوار دوبلماسي متكأفئ , هذا بالاضافة الى الاجهار دفعة واحدة بكل الفلكلور العقائدي على قنوات الاذاعة والتلفزيون , من دون وجود عتبة ومقدمة للتعريف على عقيدة وافكار يجهلها الشارع العربي بل ويعاديها بالوراثة .
من جانب آخر كان التحرك السياسي العراقي يهمل صداقاته القديمة ويقلبها الى حالة من العداوة المفرطة كحالنا مع سوريا كمثال واضح . حيث نجد تحرك عراقياً طيلة السنوات الثلاث الاولى من سقوط الصنم العفلقي , يزج بنفسه في مشاكل لاتعنيه ولاتخصه , في ظرف بقي الطرف العراقي يطالب الاخرين ان يبتعدوا عنه ولايتدخلوا بوضعه الداخلي !
ولعل افدح الاخطاء المستمرة حتى الان هو خطأ الابتعاد عن مطلب عربي عام يتمثل بأبداء قول صريح حول الوجود الاجنبي في العراق . الطرف العراقي الذي وصل الى السلطة متضعضع النفس , يخاف ان نطق بشيء , فيقوم الامريكان بعزله وقطع حبال التحريك , فاذا بهذا الموقف يتحول الى دليل بيد عصابات العنف والاطراف السياسية السابقة التي خسرت مخصصاتها المادية والمعنوية , بان هولاء السادة الجدد شريك للمحتل وليس سلطة وطنية , وهكذا ينتهي المطاف الى وجدان برهان داخل السلطة التي تعاني من الارهاب والعنف , نفسها .
في حين اننا لو تقاربنا مع الاطراف العربية ودول الجوار , تقارب متوازن يكون المنظور فيه هو مصلحة العراق اولا بدون شريك , وفي ذات الوقت لانخسر القوة الاجنبية الداعمة , فاننا سنكون قد امسكنا بطرفي الميدان , حيث ستكون المواجهة مابين دول الجوار المعادية للامريكان وبالعكس , لا ان نكون نحن ممثلين عن السياسية الامريكية , فنشرع قتل الدولة العراقية بكونها الدرع الواقي للسياسة الاجنبية , حسب منظور السياسة العربية ومن يجاورها .
ان هذا التضعضع النفسي هو من يجرئ السياسة الامريكية والعربية ضدنا, ويركز ثقل قناعة بان عصابات العنف وبعض التيارات السياسية المخربة , هي التي تمتلك زمام السيطرة على التكوين العراقي , وبتالي نكون قد خسرنا ثقة الطرف العربي والاقليمي , وخسرنا الدعم الاجنبي , الذي كنا نداري مرضاته دائما . هنا بالذات تتمركز النرجسية العراقية حيث كل طرف يداري الجهة التي تبقيه مؤثرا اقتصاديا وسياسياً (=الوجود الاجنبي , او ملشيا واحزاب العنف ) , اما المجتمع فهو منقسم كل حسب تحرياته عن الطرف الاكثر نفعا له على المستوى الفردي او العشائري او المناطقي والعقيدي .. وهذا بطبيعته يؤخر بناء دولة مدنية , ككيان حقيقي فاعل . اذ لا دولة مدنية بدون حرية وحق اختلاف , وهذا بدوره لن يتحقق بدون العقلانية وشعور الفرد والجماعة بان الاولية هي للبيت الكبير , بينما نحن نجد ان النرجسية تقوم اليوم على عدم الثقة باستمرار هذا المشروع السياسي , لذا كل يريد سلب ما يمكن سلبه ونهبه قبل تبدل الظروف , فنحن اليوم لادولة لنا بل ولا مجتمع . وهذا ليس تعميما , وانما تقييم يقتضيه الخراب الانساني , الذي هدم معالم الوجود الاجتماعي المتحضر القائم على فكرة المواطنة والوعي بحرمة الممتلكات العامة وقدسية المنصب ووظائف المسؤوليات السياسية .
فاذا كنا نعاني سابقاً من اقصاء الدوائر المتعلمة وشرائح المجتمع المتحضرة , عن مراكز الفعل السياسي والاقتصادي والاجتماعي , فان العراق اليوم يشهد انحداراً افضع من السابق بمرات حيث الفوضى التي سبقهتا الهجرات , والحصار النفسي والاقتصادي , سهلت صعود شراذم من طبقات اجتماعية امية , الى منصات قرارات حاسمة وخطيرة على المستوى السياسي والاقتصادي والثقافي . وهذا الصعود الفوضوي لم يكن مستغرباً بان يضاف الى كومة براهين لدعم حملات العنف والدمار , ضد العراق , سياسة ومجتمع
في حقيقة الامر انه لمن الخطأ الفادح التفكير بكون الفرار من الوضع العراق الجديد كاشكالية عامة , الى تقسيم فدرالي هنا او هناك .
فبغض النظر عن كون فكرة كهذه مرجعها الى الجماهير , الا ان اي تقسيم يتحقق من دون حل للاشكاليات العامة العالقة لن يساهم كثير حل سحري ,اذ ان بقاء الاخطاء كما هي لن تغير حالنا الا باستبدال احتكار السلطلة لدى بعض العوائل التكريتية في السابق , بعوائل نجفية في اللاحق , وهو امر لاينتج سوى حس المنافسة , واثارة النرجسيات العقيدية والمناطقية , في حين اننا لازلنا نطمح بعراق مطمأن ولو ببعض الامن .. ولوبقليل من العقلانية .. امر بالتأكيد لن يتحقق الا بمسيرات عنف ستدوم , وبعد التعب ودهشة باننا لم نصتد سوى الهواء , ستدرك هذه النرجسيات المتورمة قيمة كبيرة اسمها : التواضع عندها سيكون لقائنا الاول حول طاولة الحوار الوطني , فعلا وحقيقية .
|