|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
21 تشرين ثاني 2006 |
|
غريب على الطريق شوارع خاليه في منتصف الليل والالم
حفلة الاخطاء - 1
كتابات - عبداللطيف الحرز
عاش العراق سلسلة من الهزائم , بل هذه الهزائم تشكل التقويم الاكثر صحة لتاريخه . هي هزائم سياسية ولا ريب لم تخل من مواكبة ابداع عراقي مستمر كنوع من تسجيل الذات او تعبير عن فطرية حب البقاء , لكن بقية حصتنا غير قالبة للتخفيف من الخسران . البعض يقول ان محنة العراق هي في موقعه الجغرافي المركزي وهي مقولة قديمة قدم المسعودي القائل بضرورة العراق في اشادة امبراطورية عالمية , بيد ان الاعتدال يقتضي القول بان الخصوصية الاقليمية هي نسبية دوماً فضلا عن عدم كونها ميزة خاصة فهناك عدة بلدان ممكن ان تكون مركزا اقليميا فيما لو دققنا في الخارطة , انه لمن الخطأ ان جعل الموقع الاقليمي والاحتراب الدولي عليه سبباً تفسيرياً بامكانه توضيح كل هذه الهزائم والخيبات واراقات الدماء ودمار الممتلكات .
وقول بمثابة شطح تجريم المجتمع العراقي ومعاملته معاملة الفرد الواحد فامر كهذا معناه جمع لصفات متناقضة وعقائد متباينة فيتم الخروج بشخصية كارتكيرية ومخلوق مسخ يسهل ان نصفه بالازدواجية والتناشز وما الى ذلك . هذا المجتمع بقي يعارض مشروع الحروب بشكل مستمر , والذين قادوا المجتمع الى حروب الدمار كانوا رجالات عسكر وشقاوات جميعهم ينتمون لفئة اجتماعية واحدة , كما ان الحرب لم تكن سبباً وانما هي احد نتائج وافرازات مشكلة اجتماعية في الاساس . انتلجنسيا العراق ونخبته كانوا دائماً ضد الحرب لكنما المجتمع كان هو الاخر بالضد منهم فهو ذاته المجتمع الذي ضرب السياب , وقفز على دار هادي العلوي لتصفيته , وتخلى عن محمد باقر الصدر , وبصق بوجه علي الوردي الذي لم يشيع جنازته احد . هناك هزيمة نفسية وعصائبية اجتماعية هي التي تجد من الحرب قناة للهروب تارة , وقنطرة للعبور بالازمة الى مرحلة اشد وأنكى ,تارة اخرى
الخلل الاخلاقي والنفسي الذي اشارت اليه النخبة العراقية كان هو سبب تهميشهم وطردهم اجتماعياً وبالتالي هو الذي سهل تصفيتهم والتخلص منهم جسدياً .. الدولة اذن ليست هي المجرم رقم واحد , لولا مرض جماعي وخلل اخلاقي عام سهل لحبة القيح ان تنقلب قبة وقنبلة , لم يكن لتتكرر المأساة بهذا الشكل البهيمي البشع الذي طال الاطفال والنساء وتماثيل الموتى وممتلكات العزل والعجائز .
كان الخطاب الايدولوجي العراقي يشطر الامور الى شيوعي ورجعي او الى قومي واسلامي او علماني وسلفي . بيد ان هذا التشطير كان مخترق دوما بطعنتين تجعل الامور تختلط واذا بالنتيجة واحدة بغض النظر عن نوعية الطرف الصاعد الجديد : طعنة المذهبية الدينية , وطعنة العنصرية والعشائرية المناطقية ,لذا لم يكن عسيرا ان ينوجد رأي يندد بان تكون جميع القيادات العراقية منتمية لمذهب معين وقادمين من مناطق متقاربة ,والقضية ليست صدفة فالصدفة لاتتكرر ولاتكثر , بيد ان نوعية القيادة السياسية هي هي رغم كل انقلابات التاريخ واحتلالاته السافرة والمقنعه . هكذا تبرز المحنة العراقية بوجها الاشمط القديم ذاته فكل مسؤول مهما بلغ به الفساد الاداري فهو محمي من عشيرته لكون القبيلة والعشيرة لاتنظر الى هذا المسؤول بكونه فرد يزاول واجباً مهنياً ما , وانما تنظر اليه بكونه حامل راية ((شرف )) القبيلة الذي اصبح اسماً خفاقاً فوق الرؤوس ,وعليه يكون قرار محاسبة هذا الموظف والمسؤول او معاقبته هو محاسبة ومعاقبة العشيرة والقبيلة بالكامل , وبما ان المحاسبين والمعاقبين لابد ان يكونوا هم بدورهم ينتمون الى قبائل وعشائر اخرى , اذن يتوجب الخروج من كل دورة سياسية في تاريخ العراق , بتكتلات صراع وانتقام عشائري وقبلي جديد , يضاف اليه عنصر الدين كحطب سريع الاشتعال في هذه الغابة المُصّفره المهترئه . وهذا هو مايفسر لنا صعوبة القول بوجود حرب طائفية رغم ان الدماء تغلي في الشوارع بشكل مستمر . فحتى الدين هو عامل منفعل اكثر من كونه فاعل فمثلا الاسلام في العاصمة وكركوك غيره الذي هو في الارياف , هناك اذن اسلام المدينة واسلام الريف .. اسلام الناس الذين هم تجار واصحاب سوق فهموا ان اسواقهم لايمكن لها ان تفتح فيما اذا وضعوا سواتر المعتقدات الدينية المتخالفة.
بينما الريف ينزل السوق والتجارة منزل اقل , وكل عشيرة تعيش متقاربة تمثل الحي الذي كان في المدينة هو منطقة تضم اطياف متنوعة من الاديان, هنا في الريف سيكون الدين والاختلاف المذهبي عامل يساعد على فرز كل عشيرة وقبيلة عن الاخرى .
واسلام الريف هذا هو اكثر طراوة من اسلام الصحراء والمناطق المقفرة لذا تجد معتقدات المناطق المجدبة اكثر تسهيلا للعنف والاغارة لى الاخر, فكانت القسوة امرا ميسورا بل ومباركاً للاسلام الصحراء ,بينما اتباع اسلام المدينة والقرية سيكونوا اكباشاً سهلة الصيد والذبح واكثر تقاعساً عن ايجاد ردة فعل تمنع عنهم العدوان , كان قادة العراق يأتون من مناطق القسوة مشبعين بحب الانتقام من اصحاب المناطق الميسورة الحال اسواقاً وشوارع نظيفة في المدن الكبيرة , او مناطق ميسورة بالمياه والخيرات الطبيعية , وهذا مايفسر حالة المعاملة الوحشية تجاه المجتمع من قبل اشخاص يفترض بهم حماة العراق والعين واليد الساهرة على حمايته وأمنه, وهذا مايفسر لنا احدى اهم الظواهر بلاءاً في مرحلة العراق الجديد , اعني التقاء الوهابية والبعثية في خندق واحد فكلاهما قادم من ذات الروح الخشنة الجافة .
بيد اننا في العراق لدينا في الشمال لدينا عوائل اقطاعية تستحوذ على خيرات عملاقة بفعل قناع التزعم السياسي القومي المتوارث , وفي الجنوب هناك عوائل اقطاعية تستحوذ على مقدرات لاتصدق من الاموال العامة تحت قناع السلطة الدينية المتوارثة هي الاخرى , بينما اصحاب المناطق المقفرة بدل ان يخترقوا هذا التسلط الاقطاعي بالتعاون مع الكادحين والمحرومين الذين هم سواد الناس وغالبيتهم , بدل ذلك ينخرطون بردة فعل غلواء حب التسلط العام حاملين شعارات العداء للقومية الاخرى والمذهب الاخر وشعارات تحقير للمناطق الاخرى , فاذا بهذا السواد العام يستفز قوميا وعشائريا ودينياً ويتعاضد مع عوائل الاقطاع القومي والديني كي تستمر دائرة الهزيمة . ............................................. سدني - استراليا
|