الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

15  تشرين اول 2006

ابحث في كتابات

 

غريب على الطريق

شوارع خاليه في منتصف الليل والالم

 

الفيحاء والصوت اليتيم

 

كتابات - عبداللطيف الحرز

 

منذ القدم تحدد الانسان داخل الصوت (الانسان حيوان ناطق) فبعد ان يتحقق النطق تتفرع ابداعاته وتحققاته الوجودية الاخرى فليست السياسة سوى نطق , ولا شريعة تصل الى المكلف بدون خطاب ناطق , وليست الشرطة والجيش والقضاء والبرلمان والسجون والمعتقلات والمساجد سوى صوت تتمثل سلطة الوعي ووعي السلطة داخله , عليه كان شطب الصوت يساوي شطب الحق نفسه , فمن لاصوت له لا حق له فهو اذن بلا وجود اصلا لكون الوجود منزلة من منازل الحقوق اصلا .

 

بهذا تفهم بان الذي يريد اسكات صوتك , ليس هو معترض على جماليات نغمية , وانما هو صراع : من اليوم منا الاوسع صوتاً فهو الاكثر حيازة للارض والثقافة والمال . فاذا مقالنا مثلا ان الولايات الامريكية الاكثر قوة وغنى فهي بالضرورة الاوسع صوتاً في الاعلام وشركات الاستثمار , واذا مقالنا بان اسرائيل متفوقة على العرب فهذا يعني انها اكثر قدرة على ايصال صوتها الى الاخرين .

 

الصوت ليس معلم ترفي , وليس توظيف جمالي فقط , بقدر ماهو احد اسلحة معركة البقاء ان لم يكن هو اولها .

 

جدلية الصوت هذه , لم يقف عليها مشروع المعارضة العراقية وقفة تستحق, في حين وعى رجالات سلطة العفالقة هذه الجدلية بنجاح وتفوق باهر وكبير , ان لم نقل انه احد الابعاد التي طورتها حكومة صدام حسين وشكلة حيزا مهمة بمستوى دعامة للبقاء , فكان صوت صدام حسين وحكومته التي سقطت اقوى واشد فاعلية ورمزية , من الدولة العراقية الجديدة , التي قامت ووقفت .

 

وداخل بنية الاقصاء التي تم تطبيقها بوسائل قمع صوت الشعب لصالح احتكارية دولة القرية التي كانت تتمثل بالتكارتة والقبائل والطبقات البرجوازية المناصرة لهم , كانت هنالك دائرة  اخرى للقمع  تختنق داخل هذه الدائرة الكبيرة , والتي تتمثل بقمع صوت مناطق الجنوب والشمال وبعض مناطق الوسط , ممن يشكلون الغالبية الفقيرة مالياً والمعدمة تمثيلياً داخل مؤسسة الدولة العفلقية .

 

هذا القمع لم يكن سياسياً بحتاً فهو اجتماعي اولا . فالبرجوازية التي تضخمت امالها وباتت عوائل استقراطية تقطن مناطق الرفاهية والتطوير في مركز البلاد ومناطقه الترفيهية الاخرى , كان لها الحظ الوافر في المنح الدراسية وحرية التنقل والنجاة من حروب متعاقبة , والاستقرار النفسي من اختناق نفسي واقتصادي تشكو منه مناطق لم لاتعرف الكهرباء الا بمايوازي برق السماء , واسفلت تلبيط للشوارع لايتحقق منه سوى طرق السير السريعة التي هي ضرورية لنقل البضائع لمناطق سكنى النخبة الحاكمة واصدقائها , تماما مثل صحف وقنوات تلفزوينوية لاتصل الى مناطق البؤساء , الا بمقدار ما يقوي ويشد من سلطة المركز وحاشيتها البرجوازية المنتفعة .

 

الاحتكار السياسي لا يتم الا باحتكار للصوت فلا منهج دراسي ولا مسرح او برنامج تلفزيوني او صحفي , ممكن ان تمتد حنجرته خارج مفردات محسوبة ومعدة سلفاً .

 

لذا لم يكن مستغرباً بعد سقوط الصنم العفلقي ان تكون اولى الظواهر العراقية بروزاً هي تكاثر الصحف وتنامي شبكة الاعلام العراقي ثقافة وسياسة وتصاعد على المكشوف للصراع العقائدي والاجتماعي , هو امر لو دقنا فيه لوجدناه طبيعي ومنطقي جداً .

 

لكن سقوط الصنم السياسي السابق لايعني السقوط الكامل للبرجوازية والنخبة التجارية والاعلامية التي نمت وترعرعت على مخصصاته الاستبدادية . على العكس قد يكون لهذه العوائل وافر القدرة على تحريك السوق والشغب المسلح , وصنع الازمات , فمن يملك المال والعلاقات القديمة يمتلك الصوت والثقة من دوائر داخلية وخارجية .

 

بينما الفقراء فهو العوام وغيرهم الخواص .. وهم الفقراء والصعاليك والمعدان واصحاب المهن وطلاب لقمة العيش .. وغيرهم الاغنياء وابناء الذوات  واصحاب الايدي الترفة وطلاب الكراسي والتعديلات الوزارية التي لانهاية لها الا بالقضاء على مشروع الدولة .

 

فكانت قناة الاثرياء , قناة كثيرة العدد والعده , متعددة الالوان , بينما قناة الفقراء محسوبة اللون كلباس اهل الفقر دائما .

واذا كان الغني يجد من يتزلف له وينافق حتى من دون مقابل , فان الفقير يجد دائماً من يحسده على ابسط الامور , ويجد اعداء يحسبون عليه انفاسه ويتعقبون حركاته , ويشككون بنواياه , حتى ولو في شربة ماء .

 

صوت الاغنياء قريب من السلطة ومن مدح الناس ورضاهم حتى لو كان هو ضد الناس , وصوت الفقراء  بعيد عن السلطة قريب من المذمة حتى لو كان النفع للفقراء خالصاً .

واذا كان صوت السلطة والنخبة الحاكمة يذم حتى طبقة الاغنياء , وطبقة الاغنياء بالضد من صوت الفقراء , فان صوت اليتيم سيكون في الدرك الاسفل من الجحيم السياسي والاجتماعي .

 

فنحن في زمن النجاح فيه مستند الى التزلف , والنظرة العوراء , فان تذكر بالمدح مليون صحابي  ومذاهب شتى , وتناسيت واحد   , فانت لست طائفي , وان ذكرت خليفة واحد ومذهب واحد , ضمن المليون هولاء فانت طائفي عليك لعنة الله والناس اجمعين .

 

قنوات الاغنياء والفرقة الناجية , وفقهاء الموت والسلطة , وصوت الملهاة والضحك على الذقون , هي اصوات ممدوت بالمدح والمال وتصفيق الجميع , اما الصوت اليتيم فهو صوت الهامش , والمنبوذ والمسكوت عن مدحه , المطبل المنفوخ في مذماته , ولاينفع في حل الازمة لا نقاش ولا رؤية للحوار , لكون الحوار هو ايضاً صوت والاخر يريد احتكار كل شيء

لذا لم نتفاجأ ان تواجه قناة الفيحاء كل هذه المشاكل والعقبات بدءا بالمقاطعات الاعلامية وانتهائا بقرار اغلاق البث , وطبعاً الامر بالنسبة للمنتفعين ماليا ومعنويا بالانحياز لصوت السلطة وذهنية مدح الطواغيت وتجارهم , هو امر يمكن ان يؤول الى كثير من فروع الكلام في الهجاء وقلب الحقائق , مما تسعف به وتعين قريحة اصاحب الجيوب والقلوب الثقيلة , مما ليس بقدور اصحاب الاقدام والقلوب الحافية اي استطاعة في رد نبال الكراهية والجشع فيه .

وبلغة شاعرنا العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري :

 

وياخلاً برمتُ به _ اذا حاججته اجتهدا

 

................................

 

سدني - استراليا